background img

The New Stuff

روضة العشر الأواخر

روضة العشر الأواخر


العشر الأواخر مجال فسيح لتنافُسٍ شريف، وفوز كبير، مِنحة ربانيَّة وَهِبة إلهية، يكون للمجتهد فيها أعظم نصيب، ساعاتها غالية، ولياليها أغلى ليالٍ على الإطلاق، فلا تُماثِلها ليال طوال العام.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ . تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [السجدة:15-16].
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر، أحيا الليل وأيقظ أهله، وشدَّ المئزر" (البخاري [1884] مسلم [2008]).
روضة الجِد والعزم والنشاط وعُلو الهمة، والتنافس والمسابقة، وحصد الحسنات، وجني الثمار اليانعة.
العشر الأواخر مجال فسيح لتنافُسٍ شريف، وفوز كبير، مِنحة ربانيَّة وَهِبة إلهية، يكون للمجتهد فيها أعظم نصيب، ساعاتها غالية، ولياليها أغلى ليالٍ على الإطلاق، فلا تُماثِلها ليال طوال العام.
عشر في العدد لكنها مئات بل آلاف في الأجر والمعنى.
روضة العشر الأواخر فيها نسائم الرحمة، ورحيق المغفرة، ومِسْك الطاعة، ونعيم العبادة، ولذيذ المناجاة.
العشر وما أدراك ما العشر؟!!
إيمان وقرآن، وتهجُّد وقيام، وزكاة وصيام، واعتكاف وذِكْر، فرصة ثمينة لمن فاته ما مضى من الشهر أن يُدرِك ما هو أفضل مما فات، فالحمد لله على التوفيق والتعويض والرحمة والتكريم.
ومَن فاته حظُّ الأول والوسط، ثم يُفرِّط في العشر الأواخر فلا عقل له ولاحظَّ له من الخير في هذا الشهر الفاضل والعظيم.

العشر الأواخر ساعات لياليها أغلى من أيام بل من سنوات إنْ وفِّق العبد إلى خير ما فيها فإن في كل لحظة يرتجى فيها من الأجر والخير والسعادة في الدارين، ففي أوتارها ترتجى ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر؟!
روضة العشر تحمِل القلوب حملاً، وتدفع الأبدان دفعًا نحو الطاعة والعبادة والوقوف بين يدي الجليل سبحانه وتعالى فهي روضة انشغال مستمر بالطاعة، وعمل دؤوب من ذِكرٍ وقراءة وصلاة.
وأهم شرط للدخول فيها والحصول على أعظم ما فيها أن تُفرِغ قلبك ووقتك لها، فلا ينال منها مَن قلبه في وادي الدنياومشاكلها، ولا مَن يُعطيها دقائق من فضول ليله أو نهاره.
فهي روضة الجادِّين، ومتنزَّه الحريصين، ومقرُّ المُعتكِفين، وبوابة الراغبين بما عند أرحم الراحمين.
لا تجعل العشر كالعشرين الماضية، تَساهُل وتكاسُل وتفريط وتأخُّر أو تثاقل، ونوم وكلام وانشغال ببطن وكِسوة، فالعشر غيرٌ.
العشر فرصة والفرص سريعة الفوت بطيئة العَوْد، بل قد لا يكون عَود، فلا تُفرِّط فيما أنت متأكِّد من الحصول عليه لأملٍ ضعيف تعيش عليه.
روضة العشر أخي الحبيب، أزهارها لا تَذبُل، وأنهارها لا تَجِف، وميدانها فسيح، فلا تخَف ضيق المكان أو قلَّة الزاد، أو جفاف المنابع ويُبْس الأزهار؛ فأنت أنت بطل الميدان ومنافس الشجعان، إن اجتهدت وشمَّرت وابتعدت عن القيل والقال والاعتذار بما لا يليق بالأبطال، فدع عنك جلساء يجرُّونك لتضييع الأوقات، واختر كتابَ الله تبارك وتعالى في هذه الأيام وبيوته لتَفُوز بما في هذه الأيام من خير وبركة وأجر وثواب.
ارفع رقم حساب حسناتك أضاعفًا مضاعفة وضاعِف رصيدك من الأجر باستغلال هذه العشر بأفضل ما يمكن أن تستغلَّ فيه، ولا يكن حالُك فيها كما هو في غيرها؛ فالعاقل الذكي على كل خير حريص قوي.
والصواب ومما يُسهِّل المهام الاستعداد للعشر قبل إتيانها بطلب التوفيق ممن بيده الأمر سبحانه والصدق في الطلب والحرص، والعزم على الأمر: {فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} [محمد:من الآية21]، ثم أَعِدَّ احتياجات البيت قبل دخولها من أغراض الصوم أو العيد فلا يَصِح ولا يليق أن تكون في ليالي العشر متردِّدًا في الأسواق أو منشغلاً بقيل وقال في جلسات لا تنتهي سائر العام، فهذه العشر عشر الرحمات والبركات وأغلى اللحظات.
أقْبِل على العشر بقلبك، وأرِح جوارحك عن الحرام، وقيِّد لسانك على الذِّكر، واحفظ عينيك مما يجرح الصوم ويُفسِدالقلب، ودع عنك اعتذار النفس ورغبتها في الكسل والدَّعة، وقل لها: الوقت غير الوقت، والراحة لها أيام طويلة وأوقات كثيرة، وشد المئزر وأيقظ أهلك وأحيِ ليلك وتوجَّه إلى ربك، فالعمر قصير وما سبق من عملٍ لا ندري أيليق بالجنة أم لا؟! وبين يديك جنة ونار، وبضاعة الجنة تُعرَض في هذه العشر، ومن الغفلة بل من الخسران أن تفوتك هذه البضاعة مع قدرتك على شرائها، والله يهدي من يشاء.
اللهم أكرمنا بخير هذه العشر، وبقيامها، وصيامها، والاجتهاد فيها، وأعنَّا على أنفسنا، وسهِّل أمرنا.


لا تيأسوا، وأبشروا ببُشرى الله!

لا تيأسوا، وأبشروا ببُشرى الله!

فإذا عَجزَت أسبابُ الأرض عن نُصرتك ساعتَها، فأبشِر؛ فإن الله سيؤيدك بأسبابِ السماء! فقاوِم مُحتسبًا في الطريق الصحيح، وسيلقاك الكريمُ بنَصره وتمكينِه

في قوله تعالى:
{حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة:214].
قال الإمام البقاعيّ رحمه الله: "ففي جُملته: بُشرى بإسقاط كُلفة النصر بالأسباب، والعَدد، والآلات المتعية والاستغناء بتعلق القلوب بالله! ولذلك إنما يَنصر اللهُ هذه الأمة بضعفائها، لأن نُصرتها بتقوى القلوب، لا بمدافعة الأجسام! فلذلك تَفتح خاتمةُ هذه الأمة؛ قسطنطينيةَ الروم؛ بالتسبيح والتكبير".
(انظر: نظم الدُّرر).
قلتُ: "وهذا النوع من نصر الله المَحض لأوليائِه، إنما يتأتَّى بعد الأخذ بأسباب النصر الإيمانيّة، والمادِّية المُستطاعة، التي أمر الله بها في، قوله:
{وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ} [الأنفال:60].
فإذا عَجزَت أسبابُ الأرض عن نُصرتك ساعتَها، فأبشِر؛ فإن الله سيؤيدك بأسبابِ السماء! فقاوِم مُحتسبًا في الطريق الصحيح، وسيلقاك الكريمُ بنَصره وتمكينِه".

أصلِح سَريرَتك!

أصلِح سَريرَتك!

فأصلِح سرائرَك، ونَقّ خواطرَك! وهذّب ما علَق بقلبِك، فإنه موطن النظر من ربِّك!


أصلِح سَريرَتك، فالمُعوَّل على ما بطَن، لا ما ظهَر!
قال ابن الجوزي رحمه الله:
"واللهِ! لقد رأيتُ مَن يُكثر الصلاةَ، والصومَ، والصَّمت، ويتخشَّع في نفسِه ولباسِه؛ والقلوبُ تَنبُو عنه -تَنْفِر-، وقدْره في النفوس ليس بذاك! ورأيتُ مَن يلبَس فاخرَ الثياب، وليس له كبيرُ نَفْلٍ، ولا تَخشُّع؛ والقلوبُ تتهافَت على محبته! فتدبرتُ السبب، فوجدتُه السَّريرة! فمَن أصلَح سَريرَته، فاحَ عبيرُ فضلِه، وعَبقت القلوبُ بنشْرِ طيبه! فاللهَ اللهَ في السرائر، فإنَّه ما ينفعُ مع فسادِها صلاحُ ظاهر".
(انظر: صيد الخاطر).
قلتُ: "فأصلِح سرائرَك، ونَقّ خواطرَك! وهذّب ما علَق بقلبِك، فإنه موطن النظر من ربِّك! فاللهمَّ أصلِح ما فسَد، وطهِّر ما خَبُث، واغفِر ما كان، يا ذا الجلال والإكرام"!

حقٌ ويقين!

حقٌ ويقين!

فينبغي للمؤمنين أن يَشكروا اللهَ تعالى، على هذه المِحنَة؛ التي حقيقتها مِنحَةٌ كريمةٌ من الله! وهذه الفتنة؛ التي في باطنها نعمةٌ جسيمةٌ!


قال شيخ الإسلام رحمه الله، مُتحدِّثًا عن فتنة التتار:
"واعلمُوا -أصلَحكم الله- أنَّ مِن أعظم النِّعم، على مَن أراد الله به خيرًا؛ أن أحياهُ إلى هذا الوقتِ، الذي يُجدِّدُ اللهُ فيه الدِّينَ، ويُحيي فيه شعارَ المسلمين، وأحوالَ المؤمنين والمجاهدين، حتى يكون شبيهًا بالسابقين الأوَّلين، من المهاجرين والأنصار! فمَن قامَ في هذا الوقت بذلك؛ كان من التابعين لهم بإحسان، الذين رضِي الله عنهم ورضُوا عنه وأعدَّ لهم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوزُ العظيم!
فينبغي للمؤمنين أن يَشكروا اللهَ تعالى، على هذه المِحنَة؛ التي حقيقتها مِنحَةٌ كريمةٌ من الله! وهذه الفتنة؛ التي في باطنها نعمةٌ جسيمةٌ! حتى واللهِ، لو كان السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار -كأبي بكرٍ وعمر وعثمان وعليّ، وغيرهم- حاضرين في هذا الزمان؛ لكان من أفضل أعمالهم جهادُ هؤلاء القوم المجرمين!
ولا يُفوِّت مثلَ هذه الغَزاة؛ إلَّا مَن خَسِرتْ تجارتُه، وسَفِه نفسَه، وحُرِم حظًّا عظيمًا من الدنيا والآخرة؛ إلا أن يكون ممَّن عذرَ اللهُ تعالى؛ كالمريض والفقير والأعمى وغيرهم".
(انظر مجموع الفتاوى).
قلتُ:
"يَرحمُك اللهُ، وغفرَ لك، ما أبردَ كلماتك؛ على قُلُوبنا وصدورِنا وآلامنا، ولقد كان واقع التتار؛ مُختلطًا مُلتَبِسًا على الناس، بسبب ما ادَّعَوه من الإسلام ومَظاهِره، إلَّا أنهم أضاعُوا أحكامَه، ولم يلتزموا بشرائعِه، فكيف بالطاغوت وجنوده؛ وواقعهم أظهر، وأبيَن، وأطمّ؟!
فيا ربّ اجعلنا من هؤلاء؛ الذين قاموا بالحقّ، في وقت ضياعِه وغُربته، وانصر المجاهدين في سبيلك، والعاجزين الذين لا يستطيعون حِيلةً، ولا يهتدون سبيلًا فقد بشَّرتهم -ولا أصدق منك قيلًا-:
{فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚوَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّاغَفُورًا} [النساء:99].

مَنَّةُ الإسلام.

مَنَّةُ الإسلام.

ثم بعد هذه التوبة والأوْبة، وإذا بذُرية آدم عليه السلام، والتى تُمثل الإنسانية من بعده؛ تتعامل مع الله بصفحةٍ بيضاء، مُتحررة من هذه المعصية، فيتحمل كل إنسان، تَبعة عمله فقط من خيرٍ أو شر


احمَد الله على منَّة الإسلام، ووفِّ اللهَ شكرها!
من تكريم الله للإنسان في الشريعة الإسلامية، أنه خُلق مُبرءًا من إثم الخطيئة ولعنتها، غير مُحمَّلٍ بجرائم الآخرين وخطاياهم، فهو يبدأ تعامله مع الله دون ماضٍ يُثقل كاهله، أو يشلُّ قُواه، كما قال تعالى: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور:21].
أما اليهودية:
فتتحدث عن تحمل آدم وزوجه حواء؛ للعنة الخطيئة بسبب معصيتهما لله، وأكلهما من الشجرة المُحرمة، بل إنها تقول بلعنة الأرض نفسها بسبب خطيئتهما، كما جاء في (سفر التكوين).
ثم تتحدث التوراة بعد ذلك، عن وراثة ذنوب الآباء لأولادهم وأحفادهم، (كما جاء في سفر الخروج):
"أنا الرب إلهك إله غيور، أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء، من الجيل الثالث والرابع من مُبغِضيَّ".
وأما المسيحية (النصرانية):
فإن فكرة وراثة الخطيئة تُعد من خصائصها، منذ أضيفت إلى عقائدها على يد (بولس)، ولذلك كان صلب المسيح فيما يعتقدون؛ فداءً للبشرية من إثم الخطيئة، الذي ورثته الإنسانية عن آدم.
ومن شاء فليراجع رسائل (بولس) إلى (تيموثاوس).
أما شريعة الإسلام:
فقد خالف القرآن تلك العقيدة الباطلة، وقرَّر أن معصية آدم كانت معصية شخصية، تتعلق به وحده، دون أن ترث الإنسانية عنه إثم هذه الخطيئة، أو تتحمل عنه إصرها.
لذا تاب الله بعد ذلك، على آدم نفسه، وهداه إلى التوبة: {وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ، ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ} [طه:121-122].
ثم بعد هذه التوبة والأوْبة، وإذا بذُرية آدم عليه السلام، والتى تُمثل الإنسانية من بعده؛ تتعامل مع الله بصفحةٍ بيضاء، مُتحررة من هذه المعصية، فيتحمل كل إنسان، تَبعة عمله فقط من خيرٍ أو شر: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر:38].
ثم هناك وُعود المغفرة والرحمات التى لاتنقطع: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء:110].
وهذا الذي يتفق مع العدالة المُطلقة، التى تقوم عليها أخلاق الإسلام.
فالحمدُ لله على نعمة الإسلام، وكفى بها نعمة!

على دروب الصوم نرتقي

على دروب الصوم نرتقي

والعابدون في رمضان سادة الناس الذين أدركوا بنور بصيرتهم أن رمضان فرصة قد لا تعود إليهم، وربما لن يعيشوا ليدركوها ثانية، فاغتنموا كل لحظاته وساعاته وأيامه بالتقرب إلى الله توبة وعبادة، وعطفًا على الفقراء، وصلة الأرحام، وزيارة البيت الحرام، وغيرها من أنواع البر والإكرام، فرمضان شهر عطاءٍ وإقبالٍ وبذلٍ وأوبةٍ..


الناس في شهر رمضان دروبهم شتى، ومسالكهم لا تعد ولا تحصى، فهم بين متعبد ومبتعد، منهم الصوام القوام ومنهم النومان، منهم سهره في القيام، ومنهم سهره مع القيان والخلان، منهم النهم للقرآن ومنهم النهم للأكل والحلوان، منهم الخلوق ومنهم الغضوب، منهم من يظل على حاله من الإيمان، ومنهم من يتغير بعد رمضان.
والعابدون في رمضان سادة الناس الذين أدركوا بنور بصيرتهم أن رمضان فرصة قد لا تعود إليهم، وربما لن يعيشوا ليدركوها ثانية، فاغتنموا كل لحظاته وساعاته وأيامه بالتقرب إلى الله توبة وعبادة، وعطفًا على الفقراء، وصلة الأرحام، وزيارة البيت الحرام، وغيرها من أنواع البر والإكرام، فرمضان شهر عطاءٍ وإقبالٍ وبذلٍ وأوبةٍ؛ إنه شهر القرآن والصدقات والصفاء والصدق، وقمينٌ بنا تعزيز هذه المظاهر الرمضانية الإيجابية في دواخلنا وفي مجتمعنا، فالله لا يغير ما بقوم -ولم يقل ما بشخص- حتى يغيروا ما بأنفسهم.
رمضان المطهّر:
عندما تهب نفحات هذا الشهر الكريم فإنها تعلن عن ثورة على المألوف، وتحول وتغيير كامل في منظومة الحياة الكونية والتعبدية والاجتماعية والوظيفية، نجد كل شيء وقد تغيرَ من أجل رمضان، فهذه أبواب الجنة قد فتحت، وغلّقت أبوابالنار، وصفِّد الأعداء الألداء من الشياطين ومردة الجن، وتنزل الملائكة الكرام بالرحمات، خاصة في سيدة الليالي (ليلةِالقدر)، ويشهد البشر موسم خيرات فريد، يبسط الرحمن فيه يده فيعطي ويجزل، ويضاعف فيه ثواب الأعمال، ويسطع فيه نجم الإيمان، وتقل فيه دواعي المعصية، كل هذه التغييرات تحدث في سيد الشهور على غير عادة في غيره.
إن ثورة التغيير التي أحدثها هذا الضيفُ الكريم في عالمنا وحياتنا تكتسح ما بدواخلنا لإحداث نقلةٍ رُوحية وجسدية، فالقلوب فيه مقبلة على ربها، والهمم فيه سامية عن الشهوات، والنفوس متخلصة من أسْر المعاصي، والقوى الحيوانية في الإنسان خاضعة للقوى الروحية.
ولذلك ينبغي أن يكون هذا الشهر الفضيل شهر مراجعة وتفكير وتأمل ومحاسبة للنفس، وفرصة سانحة للوقوف مع الذات وتصحيح المسار، إذ حينما يمتنع الإنسان في هذا الشهر الكريم عن الطعام والشراب، وبقية الشهوات التي يلتصق بها يوميًا، فإنه يكون قد تخلص من تلك الانجذابات الأرضية، مما يعطيه فرصة للانتباه نحو ذاته العليا، وتأتي تلك الأجواء الروحية والإيمانية الرائعة، لتحسّن من فرص الاستفادة من هذه النفحة الربانية، ولذلك فقد كان السلفُ يسمُّون رمضان (المطهّر)، ويسألون الله تعالى قبل قدومه بزمن طويل أن يبلغهم الشهر الكريم.
معالجة النفس:
هناك علاقة قوية لا تنفصم بين الصوم كتشريع، والأخلاق كسلوك، والعقيدة كأساس وقاعدة، أما عن العلاقة بين الصوم والأخلاق فيلخصها جابر رضي الله عنه بهذه التوجيهات الرائعة، حيث يقول: "إذا صمت فليصم سمعك وبصرك من المحارم، ولسانك من الكذب، ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء".
وعلاقة الصوم بالعقيدة واضحة من خلال توجيه النداء بالصيام إلى (المؤمنين)، الذين يؤدون التكاليف لصحة وكمال اعتقادهم بالله العلي الحكيم؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183].
ففي رمضان تسلم القلوبُ من وَحَرها وحسدها وحقدها وغشها وخيانتها، وتسلم من الشحناء والبغضاء، ومن التهاجر والتقاطع، لتعود إلى فطرتها الحقيقة؛ قال عليه الصلاة والسلام: «صومُ شهر الصبر وثلاثةِ أيام من كل شهر يُذهبن وَحَرَ الصدر» (صحيح الجامع:3804)، وسلامة القلب سبيل النجاة في الدنيا والآخرة.
وبالصيام يسلم اللسانُ من قول الزور واللغو، واللعن والباطل والكذب، ومن الغيبة والنميمة وغيرها؛ قال رسول الهدى عليه الصلاة والسلام: «من لم يدَعْ قولَ الزور والعملَ به، فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه» (البخاري:1903)، وقال أيضا: «ليس الصيامُ من الأكل والشراب، إنما الصيامُ من اللغو والرفث؛ فإن سابك أحد أو جهل عليك فقُل: إني صائم إني صائم» (صحيح الجامع:5376)، وهكذا بقية الجوارح، وبقية الأعمال، تدخل دورة تربوية لتصلح وتتغير نحو الأفضل لمن صدق مع خالقه، فيصدقه فيما يعمل. 
إن غاية الصيام معالجةُ النفس وإصلاحها لتكتسب بعدها الإرادةَ الصارمة، والعزيمة الجادة على طريق الإصلاح، فالصوم تجربة فريدة في ترويض النفس لتتهذب بأجمل الآداب، وتقوية العزيمة لترتقي نحو الكمال، وتحرير الإرادة لتتخلص من أسر الشهوات، إنها تجربة جديرة في ذاتها بالتقدير والاعتبار، لما لها من أثر بالغ في دعم شخصية المسلم وصقلها، وتنقيتها من أدران الضعف والوهن والخمول.
رمضان مصدر يمدنا بطاقة إيمانية لسائر عامنا، والمحرومُ من حَرَمه كسله من التزود من تلكم الطاقة اللازمة لصناعة الأعمال الصالحة؛ المسعدة في الدنيا، والمنجية في الآخرة، ما أجمل أن يكون شهر رمضان موسم استقطابٍ وتحسينٍ وتغييرٍ للأفضل وبثٍّ للروح الإيجابية في ناشئة العرب والمسلمين ورجالهم ونسائهم؛ حتى يعلم كلُّ واحدٍ منهم أنه على ثغرٍ في عمله القلبي والظاهر وفي سلوكه ولباسه وحديثه، وفي واجبه تجاه مجتمعه الصغير والكبير، وحينها سترتفعُ عن أمتنا الذلة وتؤول المسكنة إلى أهلها، ونكون خير أمة أخرجت للناس.
محطة المخاض:
الصقر هو أطول أنواع الطيور عمرًا، حيث يعيش حتى 70 عامًا، ولكن حتى يعيش هذا العمر الطويل عليه اتخاذ قرارًا صعبًا، فعندما يبلغ عمره 40 عامًا، تعجز أظافره التي كانت تتميز بالمرونة عن الإمساك بفريسته التي هي مصدر غذاءه، ويصبح منقاره القوي الحاد معقوفًا شديد الانحناء بسبب تقدمه في العمر، كما تصبح أجنحته ثقيلة بسبب كثافة ريشها، وتلتصق بالصدر ويصبح الطيران في غاية الصعوبة بالنسبة له، هذه الظروف تضع الصقر أمام خيارين، إما أن يستسلم للموت، أو أن يخضع نفسه لعملية تغيير مؤلمة تستمر 150 يومًا..
وتتطلب العملية أن يقوم الصقر بالتحليق إلى عشه فوق قمة الجبل، ثم يقوم الصقر نفسه بضرب منقاره على صخرة بشدة حتى تنكسر مقدمته المعقوفة، وعند الانتهاء من كسر مقدمة المنقار ينتظر الصقر حتى ينمو المنقار من جديد، ثم يقوم بعد ذلك بكسر مخالبه أيضًا! وبعد أن تنمو المخالب الجديدة يبدأ في نتف ريشه القديم، وبعد خمسة أشهر يتجدد كل شيء، ويطير الصقر وكأنه ولد من جديد ليعيش 30 سنة أخرى بإذن الله تعالى.
إن الوصول إلى معالي الأمور لن يكون إلا على جسور الصبر والتعب، ورمضان محطة الصبر والجلد، جاء ليربي في المسلمين قوة الإرادة ورباطة الجأش، ويربي فيهم ملكة الصبر، ويعودهم على احتمال الشدائد، والجلد أمام العقبات ومصاعب الحياة.
قال بن رجب: "والصبر ثلاثة أنواع: صبرٌ على طاعة الله، وصبرٌ عن محارم الله، وصبرٌ على أقدار الله المؤلمة. وتجتمع الثلاثة كلها في الصوم؛ فإن فيه صبراً على طاعة الله، وصبراً عمّا حرم الله على الصائم من الشهوات، وصبراً على ما يحصل للصائم فيه من ألم الجوع والعطش، وضعف النفس والبدن". 
إن رمضان شهر الخلوة والمخاض من أجل ولادة سنوية جديدة، فرغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف من لم يجدد التوبة والأوبة والعودة إلى رحاب الإيمان، ورغم أنف من لم يكسر عاداته القبيحة، ويقوم بعملية برمجة جديدة لنظام حياته، خاصة أن الجو الإيماني في هذا الشهر مهيأ، والنفوس صافية، والرحمات غزيرة، والبركات وفيرة.
رمضان فرصة لتنظر في أملك في هذه الدنيا، وفي حياتك طولها وقصرها، وفي الدنيا وغرورها، وفتنتها، وفي الناس وآفاتهم، فرمضان قد جاءك لتغيير ذلك كله، لتحيى بروح جديدة.
إن رمضان شهر تربوي حيوي، تفاعلي، تلاحمي، رمضان هو شهر انتصار الإنسان، بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى، انتصار على الشيطان، انتصار على الشهوات، انتصار على السيئات، انتصار نفخة الروح على طينة الأرض، رمضان فرصة لتغيير شخصياتنا إلى الأفضل، لتحويلها إلى شخصية ودودة أكثر اجتماعية، وأكثر تدينا، وأكثر تلاحمًا وترابطًا مع أفراد الأسرة بل والمجتمع والأمة بأسرها، رمضان شهر الجود، وطيب النفس، ليس شهر الخمول والتكاسل وضيق الصدر والتضجر من كل شيء.

تثبيت العلمنة باستقدام الأغمار (سيّد القمني نموذجًا)

تثبيت العلمنة باستقدام الأغمار (سيّد القمني نموذجًا)

إن كل ذلك التحضير والتنظير الذي قام به «(البام، والأحداث)، إنما كان سعيًا منهم لإثبات أن دين الله الذي كان يسوس الناس من البدايات الأولى له في الأرض عبر الرسل والأنبياء لا حقيقة له، وان المسألة إنما كانت توافقًا وعقدًا جرى بين الناس، وليس لله في حياتهم نصيب، فيريدون إبعاد الإسلام بذلك عن حياتهم، ليقيموا على أساس ذلك التنظير ترسيخ مبدأ (فصل الدين عن الدولة)!


في الوقت الذي تعلو فيه النفوس، وتتقرب إلى الله بالعبادة والعمل الصالح، ويقوّم فيه السلوك، ويقبل فيه المغاربة على المساجد، ويحتفلون فيه بشهر رمضان، وتتعدد فيه المظاهر والعادات الاجتماعية لتعزيز التواصل وتعميق الروابط، ويسود فيه المحبة والتسامح، فتنتعش النفوس وتتجدد الحياة لتملأها بالخيرات والصالحات، نجد (جريدة الأحداث المغربية، وحركة ضمير) يستضيفان المدعو (سيد القمني المصري)، وذلك باشتراك مع (حزب الأصالة والمعاصرة)، في خطوة خطيرة لتثبيت عروش العلمانية والحداثة القائمة على نظريات فلسفية تهدف إلى إبعاد الدين على واقع حياة الناس، وإخضاعهم لمصالحهم الآنية، ونزوات نفوسهم، وتحكيم مخرجات العقول المستندة إلى فلاسفة الغرب، دون تمحيص ونقد وغربلة.. 
إذ لما أحس هؤلاء العلمانيون بقوة حضور الدين في حياة المغاربة استقدموا هذا الدعي المعروف (بالتناوش، والتهارش، والتلبيس، والتدليس، والسب العلني) ليقدموا للمغاربة البديل عن هويتهم الدينية والحضارية والثقافية؛ لينسلخوا من دين الإسلام وتعاليمه؛ فما إن تبدو لهم ملامح دين الإسلام بادية على المغاربة كما في هذا الشهر الفضيل، حتى يهبوا كالأفاعي لنشر السموم حوله وكأن حماة العلمانية في بلادنا اخذوا على عاتقهم القضاء على الإسلام والداعين إليه، بكل ما أتيح لهم من وسائل في سبل هذه الغاية.
وحقيقة لم أجد في خطاب (سيد القمني) إلا اتهامات جوفاء، يرددها كالببغاء كما هي عادته؛ فالإسلام في شرعته صار عنوان على الجمود، ورفض الأخر، والتعصب، والتطرف، والأصولية، والانغلاق، بينما اتهام الإسلام والتهجم عليه، والتعالي على مبادئه، والتطاول على أحكامه، أمارة التنوير والتحرر والانفتاح إلى آخر الأصنام المصطنعة التي نصبوها لمعبودهم (الهوى).
وقد تركز كل حديثه عن نفي وجود أي نظام سياسي إسلامي، متهمًا كل من يؤمن ويدافع عن النظام السياسي الإسلامي بالخيانة للوطن! ليعرض بعدها إلى مقام النبي صلى الله عليه وسلم لينفي عنه بناء دولة ونظام حكم! وكذلك فعل مع الخلفاء الراشدين! مجيشًا أساليب التهكم والاستهزاء وتفريخ الأحكام، بعيدًا عن أدنى ما تقتضيه أصول البحث من قواعد، في ظاهرة تستحق الوقوف أمامها وبحثها بعناية، ورصد تبعاتها لكشف الأهداف القريبة والبعيدة لمثل هذه الدعاية التي تأتي مغلفة في قوالب بعيدة عن مراميها.
ولا شك أن ما طرحه (سيد القمني) من شبهات، استوجبت من شَهَرَ عن ساعد الجد للرد عليها، وكشف مغالطاتها، وتصحيح الصورة الحقيقية للقضايا المثارة في كتاباته، وخرجاته الإعلامية ومحاضراته منها:
- كتاب (العلمانيون ومركسة الإسلام الرد على سيد القمني) لمنصور أبو شافعي.
- كتاب (التنوير بالتزوير مساهمة في نقد علمية الخطاب العلمي الرد على سيد القمني، وخليل عبد الكريم، ورفعت السعيد) لمنصور أبو شافعي.
- (كشف حقيقة سيد القمني) لمحمد مصطفى.
- (الرد على فكر سيد القمني صاحب الدكتوراه المشتراة المزيفة المزعومة) ليوسف البدري.
ولم تعدم الأمة من قام برد شبه موضوع عرضه: (قراءة عقلانية لتراثنا الديني!) من أجل أن يبين للمغاربة جدل العلاقة الملتبسة بين التدين والسياسة على حد زعمه! وكشف مستنقعات الوقاحة التي يقف عليها، فنجد:
- (الحرية أو الطوفان) لحاكم المطيري.
- (الدلالة الفلسفية لمفهوم الدولة الإسلامية) لأبو يعرب المرزوقي.
- (الأدوار السياسية للعلماء محطات تاريخية في المشاركة والمعارضة واختيار الحاكم وإقالته) لمصطفى الحسناوي، وغيرها الكثير.
إن كل ذلك التحضير والتنظير الذي قام به (البام، والأحداث)، إنما كان سعيًا منهم لإثبات أن دين الله الذي كان يسوس الناس من البدايات الأولى له في الأرض عبر الرسل والأنبياء لا حقيقة له، وان المسألة إنما كانت توافقًا وعقدًا جرى بين الناس، وليس لله في حياتهم نصيب، فيريدون إبعاد الإسلام بذلك عن حياتهم، ليقيموا على أساس ذلك التنظير ترسيخ مبدأ (فصل الدين عن الدولة)! 
وبالتالي تثبيت مبدأ العلمانية في بلادنا بإبعاد تعاليم الإسلام عن الناس، فضلوا وأضلوا وفسدوا وافسدوا: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [التوبة:109]، {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} [الزخرف:37]، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ . أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ . وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ} [البقرة:11-13]، {الَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ . أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور:39-40]. 
أما نحن المغاربة المسلمون فنقول لهم: لن نبدل نور ربنا بظلماتكم، ولن تخرجونا من النور إلى الظلمات، واعلموا أن شعارنا في الحياة هو قول الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام:162-163]، وهو ما نتمسك به، ولن يثنينا عنه شيء، {فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} [الأنعام:89]، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.


ثمانية مؤكدات لأمر واحد!

ثمانية مؤكدات لأمر واحد!

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.

إذا تعددت المؤكدات على أمر إلهي، فاعلم أنه من أكد الأمور وأنفعها في الدنيا والآخرة، وأن الإعراض عنه من أشئم الأمور وأقبحها في الدنيا والآخرة، ومن أكثر الأوامر الإلهية الواردة في النصوص الشرعية التي سبقت بعدة مؤكدات، هي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56].
أما المؤكدات فهي:
1- الجملة الخبرية التي سبقت الأمر {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ}
2- نون التوكيد الثقيلة {إِنَّ}.
3- صيغة المضارعة {يُصَلُّونَ} والتي تفيد الاستمرارية والمداومة.
4- نون التوكيد الخفيفة {يُصَلُّونَ}.
5- صيغة النداء {يَا أَيُّهَا}، لزيادة الانتباه.
6- تكرار الفعل {يُصَلُّونَ}، {صَلُّوا}.
7- تكرار السلام أيضًا {وَسَلِّمُوا}،  {تَسْلِيمًا}.
8- وأكد من ذلك كله هو فعل الله وملائكته.
إن أمر بهذه المؤكدات كلها، وزيادة عليه أخبار الله تعالى عن مداومته له هو وملائكته لهو من الأهمية بمكان، بحيث تعجز العقول عن استطراد فوائده ومنافعة في الدنيا والآخرة، فالناس مغرون بتقليد ما يعظم في نفوسهم، ولا أعظم ولا أدعى للتقليد والاتباع ممن لا ينطق عن الهوى، الذي في تقليده واتباع سنته الخير للبشرية جميعها، شهد بها القاصي والداني صلى الله عليه وسلم.
يقول برنارد شو:
"إن العالم أحوج ما يكون إلى رجلٍ في تفكير محمد، هذا النبي الذي وضع دينه دائمًا موضع الاحترام والإجلال، فإنه أقوى دين على هضم جميع المدنيات، خالدًا خلود الأبد، وإني أرى كثيرًا من بني قومي قد دخلوا هذا الدين على بينة، وسيجد هذا الدين مجاله الفسيح في هذه القارة -يعني أوروبا-.
إنّ رجال الدين في القرون الوسطى، ونتيجةً للجهل أو التعصّب، قد رسموا لدين محمدٍ صورةً قاتمةً، لقد كانوا يعتبرونه عدوًّا للمسيحية، لكنّني اطّلعت على أمر هذا الرجل، فوجدته أعجوبةً خارقةً، وتوصلت إلى أنّه لم يكن عدوًّا للمسيحية، بل يجب أنْ يسمّى منقذ البشرية، وفي رأيي أنّه لو تولّى أمر العالم اليوم لوفّق في حلّ مشكلاتنا بما يؤمن السلام والسعادة التي يرنو البشر إليها".

مواقف خالدة في حسن الظن بالله

مواقف خالدة في حسن الظن بالله

في تاريخنا من القصص الروائع في التوكل على الله تعالى وحسن الظن به ما يكون لنا فيها الإسوة الحسنة والبلسم الشافي لأمراض أصابتنا أمة وأفرادًا، إلا من رحم اللهُ.


في تاريخنا من القصص الروائع في التوكل على الله تعالى وحسن الظن به ما يكون لنا فيها الإسوة الحسنة والبلسم الشافي لأمراض أصابتنا أمة وأفرادًا، إلا من رحم اللهُ.
خير الأنام عليه الصلاة والسلام
اِبْتَهِج وتمتعْ، وأَحسِن وتشجَّع، حين تنظر إلى القائد الأعظم والقدوة الكبرى؛ كيف يحسن الظن بالله تعالى، ويعطي الصديق رضي الله عنه درسا حيا بليغا في ذلك، وهو لنا من بعده، ذلك حين اختفيا عن الكفار في الغار، فعن أبي بكر رضي الله عنه قال : "قلت للنبي صلى الله عليه وسلم وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا" فقال: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين؛ الله ثالثهما»(البخاري، برقم:[3453]، ومسلم، برقم:[2381] في صحيحيهما).
ولا شك ولا ريب أن ظن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن في الاثنين, وإنما في ثالثهما, في الواحد الأحد الصمد، وكان ظنه في محله ومستواه، فحفظه الله وأنجاه، فهي لهما ولنا من بعدهما، ولكل شرط جوابه.
وفي القرآن الكريم: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[التوبة:40]، فكانت النتيجة مترتبة على ذلك فورًا، حاضرة معقبة بالفاء المفيدة للترتيب والتعقيب: سكينة وتأييد بجنود لا قبل لهم بها وتسفيل لكلمة الذين كفروا، وكلمةُ الله مرفوعة عليا ظاهرة على الدوام[1].. كان ذلك له صلى الله عليه وسلم وهي لمن بعده بشرطها..
موسى الكليم عليه الصلاة والسلام
وبمثل هذا الظن رد موسى عليه الصلاة والسلام- على قومه لمَّا خافوا إدراك فرعون: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ، فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ، وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ، ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}[الشعراء:61-68]. معذورون هم القائلون: {إنَّا لمدركون!}، لكن كليم الله عليه الصلاة والسلام مملوء القلب ثقة بالله وحسن ظن به وتصديقًا بوعده، لذلك انطلق يزجرهم عن قولهم هذا بقوله: {كــــــلا}، وعلةُ ذلك واضحة: {إن معي ربي سيهدين}، كما قالها النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه: {لا تحزنإن الله معنا}،  «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» .. إنه الشعور بمعية الله لعباده.. {إن معي ربي سيهدين}، فكانت النتيجة أيضا فورية حاسمة {فــــأوحينا}، فكان الحلُّ والهداية في الوحي وكان الضربُ.. فانفلاقُ البحر وتقريبُ فرعون من مصرعه.. فنجاةُ موسى وقومِهِ أجمعين لم يُدْرَك منهم ولا واحد.. فغرَقُ الآخرين.. وكان لموسى عليه الصلاة والسلام من الخير بحسب ظنه بربه.. وهي آية لمن بعدهم لا تتخلف حقيقتها وإن اختلفت صورها، سنة الله في خلقه: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب:62].
نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام
وفي قصة نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام من الأمثلة على ذلك الشيء الكثير، ولكن نقتصر على واحدة منها يتبين حسن ظن الأسرة المؤمنة بربها، ففي الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل اتخذت مِنطَقا لتعفي أثرها على سارة ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء فوضعهما هنالك ووضع عندهما جِرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفي إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل فقالت يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء فقالت له ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها فقالت له: آلله الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيعنا، ثم رجعت فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجه البيت ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه فقال {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}[ إبراهيم:37]، وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال يتلبط فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا فلم تر أحدا فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدا فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرات قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فذلك سعي الناس بينهما»، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت صه تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت أيضا فقالت قد أسمعت إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبة أو قال بجناحه حتى ظهر الماء فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف قال ابن عباس قال النبي  صلى الله عليه وسلم-: «يرحم اللهُ أمَّ إسماعيل لو تركت زمزم أو قال لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا» قال فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة؛ فإن ها هنا بيت الله يبني هذا الغلام وأبوه وإن الله لا يضيع أهله..."(البخاري؛ في صحيحه، برقم:[3184] وأحمد، المسند، برقم:[3250] وغيرهما).
ولا نذهب بعيدًا في شرح الحديث ولا في تحليل القصة لأن ذلك يطول، ولكن نخنتار من الشواهد موقفًا لإبراهيم عليه السلام وآخر لهاجر:
إبراهيم عليه السلام
أولا: يقين إبراهيم عليه الصلاة والسلام في الله تعالى وحسن ظنه به جعله يترك حليلته المنجِب وفلذة كبده في عراء من صحراء لا إنْس فيها ولا أُنس ولا ماء، فراشهما الأرض ولحافهما السماء، لأن الله تعالى أمره بذلك وفقط, فعلم أنه الخير فسلَّم أمره فكان عاقبة الأمر خيرًا في دنيا الناس إلى نهايتها، وكان في الافتراق هذا مَجمع الناس إلى قيام الساعة، تهوي إليه الأفئدة وتُجبَى إليه الثمرات وتستقبله الجباه المؤمنة توحد الله بالسجود..
هاجر – رحمها الله تعالى-
ثانيًا: أيضًا في ذلك اليقين العجيب وحسن الظن العظيم من هاجر-رحمها الله- أم إسماعيل عليه الصلاة والسلام لما تركها في ذلك المكان، فقالت: "آلله أمرك بهذا؟" فقال: "نعم" فقالت وما أروع ما قالت وأدلَّه على يقين وحسن ظن برب العالمين: "إذن لا يضيـعنـــــا" وفي رواية صحيحة: "يا إبراهيم إلى من تتركنا؟" قال: "إلى الله". قالت: "رضيت بالله". بِكَم تبعد هذه عن قول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم للصديق رضي الله عنه: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما»، إلا أن الاثنين في هذه المرة هاجر ورضيعها، وكما عوَّدتنا سنة الله التي لا تتخلف ووعده الذي لا يُخْلَف كان الله عند حسن ظن عباده به، وكان الفرج والمعية والتأييد، وفوق ذلك خلَّد القصة تذكيرًا بأصحابها وتنويها بشأنهم، بل جعلها سببا لعبادة السعي بين الصفا والمروة سبعا كما سعت هاجر بحثا عن الغوث، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فذلك سعي الناس بينهما»، وجعل من زمزم طعما وشفاءً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «زمزم طعام طعم وشفاء سقم»(الألباني؛ صحيح الجامع، برقم: [3572]). كل ذلك ببركة حسن الظن بالله تعالى.
وفي تاريخ سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين ومن سار على دربهم من القصص الروائع، ما ينفخ روح الثقة والحسن الظن في الله تعالى وفي نصره وفي قضائه الشرعي الذي شرعه لنا في قرآنه الكريم وسنة نبيه الأمين، وفي قضائه الكوني الذي يصيبنا من خير ومما يبدو لبعضنا أنه من السيئات، وكل ذلك بعلم من الله واسع وحكمة بالغة وقدرة غالبة.
وأختمها قائلا: أقسم بالله العطيم، أقسم غير حانث، أنَّ الله تعالى لناصر هذه الأمة ولو بعد حين، بل إنا لنراه حينا قريبًا، طنٌّ في الله وثيق.. وإنما علينا أن نسعى أن نكون أدوات في هذا النصر للنال الشرف والأجر، وليس لنا رب غير الله، ولكن لله عباد غيرنا.

بُشرَى الرحمن لأهل الجهاد والإيمان

بُشرَى الرحمن لأهل الجهاد والإيمان

لا تَشغلوا أنفسَكم بالطاغوت وبَطشه وانتقامه وبأسِه، وخُطَطه ومَكرِه، فسَيفُه ماضٍ ولن يَكلّ أو يَملّ، ولكن اشغلُوا أنفسَكم بما طُلِب منكم، وما شرَطه اللهُ عليكم ليَنصركم، وليُمكّن لكم، واصبِروا وصابِروا ورابِطوا واتقوا الله؛ فحَريٌّ أن يُفتَح لكم ويُهلِك اللهُ عدوّكم ويُذهِب غيظ قلوبكم، ويُمكّن لكم، ويكون الدّينُ كلّه لله..


قال ابن القيّم رحمه الله:
"إن الله سبحانه إذا أراد أن يُهلك أعداءَه ويَمحَقهم؛ قيّض لهم الأسبابَ، التي يَستوجبون بها هلاكَهم ومَحقهم، ومِن أعظمها بعد كُفرهم بَغيُهم وطغيانُهم، ومبالغتُهم في أذى أوليائه، ومحاربتِهم وقتالِهم، والتسلّط عليهم، فيتمحَّص بذلك أولياؤه من ذنوبهم وعيوبهم، ويزداد بذلك أعداؤه من أسباب مَحقهم وهلاكِهم..

وقد ذكر سبحانه وتعالى ذلك في قوله: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ الله الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَالله لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ . وَلِيُمَحِّصَ الله الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ} [آل عمران:139-141].
فما بالكُم تَهنون وتَضعفون عند القرح والألم؟ فقد أصابهم ذلك في سبيل الشيطان، وأنتم أُصِبتم في سبيلي وابتغاء مرضاتي" (انظر: زاد المعاد). 
قلتُ:
وهذه سُنة الله تعالى منذ قامت الدنيا إلى أن تُطوى الأرض، ويُعيدها سبحانه كما بَدأها!
فهُما مرحلتان لهلاك الطُّغاة لا أكثر، ثم يكون أخْذُ القويّ المتين، كما أشار إلى ذلك في قوله:
{الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ . فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ . فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ . إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر:11-14]. 
فلا تَشغلوا أنفسَكم بالطاغوت وبَطشه وانتقامه وبأسِه، وخُطَطه ومَكرِه، فسَيفُه ماضٍ ولن يَكلّ أو يَملّ، ولكن اشغلُوا أنفسَكم بما طُلِب منكم، وما شرَطه اللهُ عليكم ليَنصركم، وليُمكّن لكم، واصبِروا وصابِروا ورابِطوا واتقوا الله؛ فحَريٌّ أن يُفتَح لكم ويُهلِك اللهُ عدوّكم ويُذهِب غيظ قلوبكم، ويُمكّن لكم، ويكون الدّينُ كلّه لله، وإلَّا تفعلوا ففتنةٌ في الأرض، وضياعٌ للحقّ، وفسادٌ كبير، فكُونوا أهلًا لنَصرِه يتنزَّل عليكم من السماء لتَوّه. 

رمضان نصائح تربوية وبرامج عملية

رمضان نصائح تربوية وبرامج عملية


اعلم أنه لا يتم التقرب إلى الله تعالى بترك هذه الشهوات المباحة -أي الأكل والشرب والجماع- في غير حالة الصيام إلا بعد التقرب إليه بترك ما حرمه الله في كل حال، من الكذب والظلم والعدوان على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».

بسم الله الرحمن الرحيم..
الطاعة في الحياة الدنيا هي أكبر (هدف) يعيش له المسلم، يرجو إيجابياته، ويتطلع إلى مكاسبه، وينشد ثمرته العاجلة بالتوفيق في الدنيا والآجلة بالفوز بجنة الخلد في الآخرة، وانظر إلى حالة الندم والحسرة حين الاحتضار لمن عاش حياته بدون هذا الهدف النبيل، قال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ . لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 99-100].
إن حياة القلب ونوره وانشراحه وانبساطه في عبادة الله تبارك وتعالى، وأغلى ثمرة للطاعة محبة الله تعالى ومعيته وتوفيقه ومدده، كما في الحديث القدسي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته» (البخاري). 
لذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إن في القلب لفراغ لا يملئه إلا الإيمان".
وفقه الوقت من أهم الوسائل التي ينبغي أن يعتني بها المسلم الصادق، خاصة مواسم الطاعات كشهر رمضان بما يشمله من كنوز الرحمات والبركات، وبالأخص ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، فليكن شعارنا في رمضان (التجلد خير من التبلد، والعالي يرجو المعالي).
إن رمضان (شهر الصبر) صبر على الطاعات وصبر عن المعاصي، لذلك فهو محطة تربوية وفرصة سنوية لمراجعة الذات فرمضان فرصة لالتزام الصحيح وترك القبيح، وتعديل مساراتنا الفكرية والسلوكية مع ما يستلزم ذلك من معاناة، ولكنها معاناة يستطيبها المؤمن ما دام فيها رضى الله عز وجل، يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في شرح رياض الصالحين: "قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: «الصلاة نور، والصبر ضياء» (رواه مسلم)، الفرق بين النور في الصلاة والضياء في الصبر؛ أن الضياء في الصبر مصحوب بحرارة لما في ذلك من التعب القلبي والبدني في بعض الأحيان".
صبرت عن اللذات حتى تولت *** وألزمت نفسي هجرها فاستمرتِ
وكانت على الأيام نفسي عزيزة *** فلما رأت صبري على الذل ذلتِ
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى *** فإن تُوِّقَتْ تاقت وإلا تسلتِ
الطريق من هنا:
• ليكن رمضان ساحة عملية لتأدية العبادات على وجهها الأكمل كما يحب ربنا ويرضى، فمع صوم البطن يكون صوم الباطن من مجافاة الرفث والفسوق والعصيان وصيانة كافة الجوارح..
قال ابن رجب: "اعلم أنه لا يتم التقرب إلى الله تعالى بترك هذه الشهوات المباحة -أي الأكل والشرب والجماع- في غير حالة الصيام إلا بعد التقرب إليه بترك ما حرمه الله في كل حال، من الكذب والظلم والعدوان على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (البخاري) وفي حديث آخر: «ليس الصيام من الطعام والشراب، إنما الصيام من اللغو والرفث» (قال أبو موسى المديني: هو على شرط مسلم)
ولهذا المعنى والله أعلم ورد في القرآن بعد ذكر تحريم الطعام والشراب على الصائم بالنهار، ذكر تحريم أكل أموال الناس بالباطل، فقال تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:188] فإن تحريم هذا عام في كل زمان ومكان، بخلاف الطعام والشراب، فكان إشارة إلى أن من امتثل أمر الله في اجتناب الطعام والشراب في نهار صومه، فليمتثل أمره في اجتناب أكل الأموال بالباطل، فإنه محرم بكل حال لا يباح في وقت من الأوقات (لطائف المعارف لابن رجب).
أهل الخصوص من الصوام صومهم *** صون اللسان عن البهتان والكذب
والعارفون وأهل الأنس صومهم *** صون القلوب عن الأغيار والحجب
• ينبغي أن يكون حظك من الصلاة الحظ الأوفر من إقامة الصلوات الخمس في أول أوقاتها في الجماعة، في الصف الأول مع إدراك تكبيرة الإحرام، والمحافظة على أذكار ختام الصلاة، والسنن الرواتب، والنوافل، قال صلى الله عليه وسلم: «من خرج من بيته متطهرًا إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين» (صحيح الترغيب والترهيب).
• شهر رمضان (شهر القرآن)، قال صلى الله عليه وسلم: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه قال: فيشفعان له» (صحيح الترغيب والترهيب).
وللسلف رحمهم الله أحوال مشرقة مع القرآن في رمضان، فقد كان جبريلُ يُعارضُ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم القُرْآنَ في رمضانَ كلَّ سنةٍ مرّةً، فَلَمَّا كان العامُ الَّذي تُوُفِّي فيه عارضَه مرَّتين تأكيدًا وتثبيتًا.
وكان الزُّهْرِيُّ رحمه الله إذا دخلَ رمضانُ يقول: "إنما هو تلاوةُ القرآنِ وإطْعَامُ الطَّعامِ".
وكان مالكٌ رحمه الله إذا دخلَ رمضانُ تركَ قراءةَ الحديثِ وَمَجَالسَ العلمِ وأقبَل على قراءةِ القرآنِ من المصْحف.
وكان قتادةُ رحمه الله يخْتِم القرآنَ في كلِّ سبعِ ليالٍ دائمًا، وفي رمضانَ في كلِّ ثلاثٍ، وفي العشْرِ الأخير منه في كلِّ ليلةٍ.
وكان إبراهيمُ النَخعِيُّ رحمه الله يختم القرآن في رمضان في كلِّ ثلاثِ ليالٍ، وفي العشر الأواخِرِ في كلِّ ليلتينِ.
وكان الأسْودُ بن يزيد رحمه الله يقرأ القرآنَ كلَّه في ليلتين في جميع الشَّهر.
إن شهر رمضان شهر الذكر والدعاء بامتياز، قال صلى الله عليه وسلم: «إن لكل مسلم في كل يوم وليلة دعوة مستجابة» (رواه البزار، وصححه الألباني).
• احرص على الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان ما أمكن ذلك، فإن لم تستطع فليالي الوتر من العشر الأواخر من رمضان لغلبة الظن أن فيها ليلة القدر، فلقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى ثم اعتكف أزواجه من بعده، ويا حبذا لو كان الاعتكاف في المسجد الحرام حيث يضاعف الله سبحانه الأجر أضعافًا كثيرة، والعمرة في رمضان تعدل ثواب الحج كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم.
• التقليل من الخلطة إلا لخير راجح، كبر والدين أو صلة رحم أو عمل إغاثي أو دعوي، أو حتى التحفيز على أداء الطاعات كحلقات التلاوة القرآنية والدروس الرمضانية، وإلا فشرف الوقت والشهر يأبى أن يضيع في أحاديث الأسمار والزيارات والولائم التي لا طائل من ورائها.  
• الإحسان للناس طعم خاص في هذا الشهر، وقد قال سيد الأنام صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة غرفًا تُرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها»، فقام أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ فقال: «لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام» (صحيح الجامع:2123)، ومن وجوه الإحسان الخفية المبادرة إلى مصالحة كل مسلم بينك وبينه سوء فهم، وحاول أن يكون لك قصب السبق في هذا الميدان الرمضاني المشرق.
وجامع الكلام هدي نبينا العدنان صلى الله عليه وسلم، حيث يقول ابن القيم رحمه الله في (زاد المعاد): "وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان الإكثار من أنواع العبادات، فكان جبريل عليه السلام يدارسه القرآن في رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجود من الريح المرسلة، وكان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، يكثر الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن والصلاة والذكر والاعتكاف، وكان يخص رمضان من العبادة ما لا يخص به غيره من الشهور، حتى إنه كان ليواصل فيه أحيانًا ليوفر ساعات ليله ونهاره على العبادة".

بل المسلمون هم أهل مصر وأصحاب ديارها

بل المسلمون هم أهل مصر وأصحاب ديارها

لقد قال التاريخ أن المصريين أنفسهم هم الذين أعانوا عمرًا وجنده فيسروا لهم الأمر، وطّأوا النجاد وأصلحوا الوهاد؛ فمهدوا بين أيديهم الطريق إن المسلمين اليوم في مصر-وهم الأكثرية الكاثرة والأغلبية الساحقة- كانوا نصارى قبل بضعة عشر قرنًا، فأراد الله عز وجل أن يهديهم فشرح صدورهم للإسلام، فأقبلوا عليه طائعين مستبشرين لِما سمعوه خبرًا ذائعًا، ثم عاشوا فيه أثرًا واقعًا من عظمة عدالته وسمو شرعه وكمال عقيدته.

كلا بل المسلمون هم أهل مصر وأصحاب ديارها إلى القائل -ولقد قال مُنْكرًا من القول وزورًا- إن المسلمين في مصر ضيوف على النصارى منذ الفتح الإسلامي، أي ما يربو بأكثر من ثلث القرن على أربعة عشر قرنًا جرى بها الزمان؟! 
إلى ذلك القائل، أتوجه بهذه الكلمات: إِلامَ تسعى بهذا الإفك المبين؟! إلى حُظوةٍ عند السلطان؟! أم إلى منزلة لدى الرُّهبان؟! إنك تكرر ما يقوله طائفة من متعصبيهم، وأعانهم عليهم قوم آخرون من ضَعَفَة المسلمين، فإن قالوا ما قالوه فهل تقول مثل قولهم، وأنت في منصبك الذي وُضِعتَ فيه أمينًا على الدين الذي تزعم أن أهله ضيوف -مجرد ضيوف- يمكن أن يُخرجوا أو يطردوا في أي وقت يريد أهل الديار؟! 
فهل وعيت ذلك حين قولك الإِثْم، وهل أدركت الآثار التي يمكن أن تترتب عليه؟! ألا إن ترديدك لهذه الأكذوبة لهو قَلْبٌ لحقائق التاريخ؛ فضلًا عن كونه تحريفًا للكلم عن مواضعه! ذلك أن أصحاب كل أرض فُتِحتْ للإسلام صاروا جُزْءًا من أمته وخيوطًا في نسيجه؛ صهرهم في بُوتَقَتِه، وأظلهم بلوائه منذ فتحوا أرضهم لجنوده، وقلوبهم لعقيدته، فدخلوا مثل سائر الأمم والشعوب في دين الله أفواجًا ذلك –يا صاحب الفضيلة- هو الأثر النافذ الباقي للإسلام في قلوب من آمنوا به واتبعوا هداه آحادًا وجماعات! 
ألم تر إلى فاتح مصر؟ ألم تر إلى خالد بن الوليد؟ ألم تر إلى عكرمة بن أبي جهل وغيرهم من عظماء التاريخ؛ كيف تحولوا في الدين الجديد من صناديد جبارين للكفر، إلى أبطال مغاوير في الجهاد الإسلامي، يزدان بهم جبين الزمان وما كان المصريون قبل الإسلام وبعده إلا أمثلة من هؤلاء؟! غفلت عن هذه الحقيقة -وأنت تعلن ما تعلنه من الإفك- أم قد جهلت التاريخ وهو الشاهد العدل والناطق المبين؟! 
ولقد قال التاريخ أن المصريين أنفسهم هم الذين أعانوا عمرًا وجنده فيسروا لهم الأمر، وطّأوا النجاد وأصلحوا الوهاد؛ فمهدوا بين أيديهم الطريق إن المسلمين اليوم في مصر-وهم الأكثرية الكاثرة والأغلبية الساحقة- كانوا نصارى قبل بضعة عشر قرنًا، فأراد الله عز وجل أن يهديهم فشرح صدورهم للإسلام، فأقبلوا عليه طائعين مستبشرين لِما سمعوه خبرًا ذائعًا، ثم عاشوا فيه أثرًا واقعًا من عظمة عدالته وسمو شرعه وكمال عقيدته، إن أباطرة النصارى وكبراءهم لم يصرحوا بما أعلنته أنت! لأنه -وإن وافق هواهم- يناقض ما يعلمونه جيدًا من حقائق التاريخ. 
وإنما قاله شرذمة قليلون من متعصبيهم وأحداثهم مع بضعة نفر تصاغرت عظمة الإسلام في قلوبهم من المنتسبين إليه بأسمائهم وشهادات ميلادهم، ثم تأتي فتقول مثل قولهم -وأنت بحكم منصبك- مسئول عن جلاء حقيقة الدين العظيم وإعلاء كلمته فيما جعله رب العالمين لها من مكانة عليّة بما أنه الدين الخاتم، فينبغي أن يكون الدين الأعظم والأكمل والأتم، وأن ذلك من عند الله عز وجل وحده: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة من الآية:3]، {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة:33]. 
أفلا تقرأ القرآن؟! وإن كنت تقرأه، أفلا تؤمن به؟! على أن هذا لا صلة له بتلك الشعارات الهلامية التي تملأ فضاء بلادنا صخبًا فارغًا وضجيجًا باطلًا: من نحو: (كراهة الآخر ورفض الآخر.. إلخ) لأن المؤمنين بالإسلام يعلمون علم اليقينأن ربهم سبحانه يأمرهم بالتي هي أحسن مع غيرهم في جدالهم أو في معاملتهم وحفظ حقوقهم، والعدل معهم في آيات محكمات نزل بها الروح الآمين على قلب سيد البشر أجمعين باللسان العربي المبين: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة من الآية:8]، فحفظ حق العدو فريضة إسلامية جعلها ذلك الدين الأعظم أثرا لتقوى الله وثمرة من ثمراتها، ثم كانت الخاتمة تحذيرًا يتوعد من يحتال على ذلك أو يتفلت منه {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة من الآية:8]. 
فهل عرف تاريخ البشر درجة ترقى إلى ذلك أو تدنو منه؟!
الحقُّ أنْ لم يعرف ولكن يبدو أنك –يا فضيلة الوكيل- قد جهلت ذلك أو تجاهلته حين رفعت عقيرتك بذلك التضليل المقبوح، المردود الذي يقتضي أن ملايين من المسلمين في باكستان والهند وإندونيسيا وبنجلاديش، وسائر الأقطار الإسلامية الكبرى، أن هؤلاء جميعًا ضيوف على الهندوس والبوذيين وغيرهم من أصحاب الديانات والمعتقدات التي كانت سائدة في هذه الأقطار يوم فتحها السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، وما قال بذلك أحد وما ينبغي له.. 
وبعد: فإني لا أحاور شخصك لأني لا أستغرب صدور الكلام عنك، فضلًا عن يقيني بأنك لست أول قائل ولن تكون الآخر، ولكني خشيت أن يؤدي (منصبك) إلى انخداع الأغرار، وفقراء الفِكَر، وقُصراء النظر برأيك فيحسبون أنه الحق وهو الباطل، أو الهدى وهو الضلال {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُون} [يونس من الآية:32].
أ.د. فتحي جمعة
أستاذ متفرغ بدار العلوم.
خبير بمجمع اللغة العربية درس بعدد من الجامعات بمصر والسعودية والباكستان. 


Popular Posts

Blog Archive