background img

The New Stuff

‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد بن إبراهيم الحمد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد بن إبراهيم الحمد. إظهار كافة الرسائل

العظيم العاقل

العظمة الحقة، وكمال العقل هبة يهبها الله عز وجل لأفراد من الناس؛ فيكونون مهيئين للقيام بجلائل الأعمال. كما أن تلك الصفات قد تكتسب، أو يكتسب شيء من مقوماتها، خصوصاً إذا كان لدى الإنسان استعداد فطري، ثم نمَّاه بالعلم، والعمل، ومطالعة سير الكُمَّل.


العظمة الحقة، وكمال العقل هبة يهبها الله عز وجل لأفراد من الناس؛ فيكونون مهيئين للقيام بجلائل الأعمال.
كما أن تلك الصفات قد تكتسب، أو يكتسب شيء من مقوماتها، خصوصاً إذا كان لدى الإنسان استعداد فطري، ثم نمَّاه بالعلم، والعمل، ومطالعة سير الكُمَّل.
ومما يعين على ذلك أيضاً النظر في العلامات التي تشير إلى ذلك، وتجعل من يتمثلها يوصف بأنه عظيم عاقل.
وفيما يلي ذكر لشيء من ذلك؛ فعلامات العظيم العاقل كثيرة جداً، وكُتُب السير والتراجم حافلة بذكر تلك العلامات.
ومما يحضر في هذا الشأن من تلك العلامات: تقوى الله عز وجل وصدق الحديث، وترك ما لا يعني.
ومنها: حسن السمت، وطول الصمت، وتدبُّر العواقب.
ومنها: حبُّ العلم، وحسن الحلم، وصحة الجواب، وكثرة الصواب.
ومنها: التغاضي، والتغافل، والصفح، والعفو، ومخالفة الهوى.
والعظيم العاقل إذا أبغض أنصف، وإذا أحبَّ ألطف.
وهو هادئٌ ثابتٌ بصيرٌ لا تبطره النعمة، ولا تقنطه المصيبة، ولا يكسره الإخفاق، ولا يتطوَّس به النَّصْر، ولا تطيش به الولاية في زهو، ولا ينزل به العزل في حسرة.
وهو نزيهٌ، متواضعٌ لا يغُرُّه المجد العاجل، ولا يَفْتِنُه التنافس في سبيل الظهور.
والعظيم العاقل يستطيع أن يذيب شهوته في مصلحة أمته، ويحتفظ بتماسكه وقواه لساعات الشدائد، وهو يعرف متى يُقْدِم، ومتى يُحْجِم؛ فيحسن الوقوف في مواقف الشجاعة والإقدام، كما يحسن الوقوف في مواقف الحيطة والحذر.
والعظيم العاقل يؤْثِر الصراحة المقرونة باللطف واللباقة، وينأى بنفسه عن الملق والرياء، والمواربة، والصفاقة، وتراه يَزِنُ عقولَ مَنْ يلاقونه، فيتحامى ما يؤلمهم إلا أن يتألموا من صوت الحق، وتراه يعرف إمكاناته، وطاقاته، وموقعه؛ فلا يتخطى حدوده، ولا يُقَصِّر فيما يجب عليه.
والعظيم العاقل ذو نفسٍ كبيرة؛ فإذا تَوجَّه نحو المطمح مَرَّ بالصغائر؛ فلا تعوقه عن مواصلة السير حتى يبلغ الغاية.
وقد تقضي على العظيم العاقل ضرورةٌ من ضرورات الحياة آلاماً، وأحزاناً؛ فيودعها في قرارة نفسه، ثم يغلق دونها باباً من الصمت والكتمان، ثم يصعد إلى الناس باشَّ الوجه، باسم الثغر، متطلقاً متهللاً كأنه لا يحمل بين جنبيه هماً ولا كمداً.
والعظيم العاقل لا يستسلم لعوارضه النفسية؛ فيجعلها تَحْكُم علاقاته، وتصرفاته، بل يحافظ على روابطه الاجتماعية، فلا يُفَرِّط في معارفه، وأصدقائه، ولا يقطع ما أبرمه من ذلك إلا في أضيق الحدود، ولأسباب ظاهرة بيِّنة معقولة لا خفية موهومة محتملة.
والعظيم العاقل لا يشمت بأحد، ولا يفرح بمصائب الآخرين، بل يفرح بالنجاح والخير سواء تمَّ على يده أو على يد أحد من إخوانه، وتراه يأسى للإخفاق سواء صدر منه أو من أحد إخوانه.
والعظيم العاقل به يُستكثر القليل من معروف الناس، ويستقل الكثير من معروفه.
وهو هيِّن ليِّن، متواضع في سيرته، بعيد عن وسائل الخلابة والاسترهاب، يستمد بساطته من عظمته، وعَظَمَته من بساطته.
متبذلٌ في الحي وهو مُبَجَّل *** متواضع في القوم وهو معظم
ومقياس اتسام العظيم بسمات العظمة يكون بمقياس غُنْيَتِه عن مخايل التعاظم الزائفة.
كما أنه بمقدار خلوه من تلك السمات الحَقَّة يقترب من الاحتياج إلى شيء من تلك المخايل -كما يقول ابن عاشور- ويقول ابن الرومي في أحد ممدوحيه مشيراً إلى هذا المعنى:
وما الحلْيُ إلا حيلةٌ من نقيصة *** تُتَمِّمُ من حسنٍ إذا الحسن قصَّرا
وأما إذا كان الجمال موفَّراً *** كحسنك لم يَحْتجْ إلى أن يزوَّرا
والعظيم العاقل يمتلك روح الأبوة؛ فتراه يَحْدِبُ على إخوانه، وأصدقائه، ومعارفه، وزملائه، ويسعى في مصالحهم دون أن يُحَمِّلهم شيئاً من همومه.
والعظيم العاقل لا ينتظر جزاءًا ولا شكوراً من أحد، وإن شكره أحد أو كافئه كان شعوره بمعنى الجزاء أو الشكور أكثر من فرحه بما يُقَدَّم له من جزاء أو شكور.
والعظيم العاقل يتعامل مع الحقائق، ويتباعد عن الأوهام الكاذبة، والظنون السيئة، والتحليلات الخاطئة؛ فعلاقاته، وأحكامه مبنية على أساس متين لا على كثيب مهيل.
والعظيم العاقل لا يتكلف في معاملته، ولا تخشى بوائقه، أو سوء ظنونه.
والعظيم العاقل يحفظ الغيبة والحضور، ويحسن الحديث والإصغاء، ولا يخوض في كلِّ مجال، ولا يبدي رأيه في كل مسألة.
والعظيم العاقل حريص على جمع الكلمة، بعيد عن كل ما يكدر الصَّفْو، ويُفَرِّق الشَّمْل.
والعظيم العاقل يمتلك روح المبادرة؛ فتراه يبادر إلى الإصلاح، ويسعى إلى تقديم النافع من الاقتراحات والحلول؛ فيكون سبباً لإسعاد نفسه وقومه.
وهو الذي يفوق قومه في الخير، ويُفْزَع إليه عند الشدائد والنوائب.
والعظيم العاقل واسع الصدر بالنقد، متقبلٌ ما يَرِدُ إليه من ملحوظات، أو تعقيبات.
والعظيم العاقل لا يغمط الناس حقوقهم، ولا تحدثُه نفسه أن يسرق شيئاً من جهودهم أو أعمالهم، ولا يستنكف من بذل الثناء لمستحقه، ولا ينأى عن الاعتراف للمحسن.
والعظيم العاقل كهفٌ للمظلومين، أمان للخائفين، ربيع للمنتجعين؛ كما قال المغيرة بن حبناء في مدح المهلب بن أبي صفرة:
أمنٌ لخائفهم فيض لسائلهم *** ينتاب نائله البادون والحضرُ
والعظيم العاقل لا يقلِّل من قيمته جهلُ الناس، أو جحودهم شيئاً من فضله؛ فهو عظيم بأعماله، وبقدره، وبخلقه، وجوهره؛ فهو مثل الدُّرِّ الذي قيمته ونفاسته فيه لا فيما يقال عنه؛ ففضل الشيء كامنٌ فيه ولو عُزِي إلى غيره:
كالعطر يعبق في المجالس نشرُه *** والفضل منسوبٌ إلى المتعطِّر
هذا وإن للشعراء لَفَتاتٍ ووقفاتٍ في وصف العظماء العقلاء.
فهذا أبو الطيب يصف العظيم العاقل بأنه شجاع يقرن شجاعته بالحكمة، فيقول:
وكلُّ شجاعة في المرء تُغني *** ولا مثل الشجاعة في الحكيم
وهذا شوقي يقول في نحو ذلك:
إن الشجاعة في الرجال كثيرة *** ورأيت شجعان العقول قليلا
ويصفون العظيم العاقل بأنه يقوم بمعضلات الأمور، ويتصدَّى لحلِّ المشكلات بارتياحٍ، ويَقَظَة، وثبات على نحو قول أبي تمام:
لا تَدْعُوَنْ نوحَ بنَ عمروٍ دعوةً *** للخطب إلا أن يكون جليلا
يقظٌ إذا ما المشكلاتُ عَرَوْنَه *** ألفيتَه المُتَبَسِّمَ البهلولا
ثَبْتُ المقامِ يرى القبيلةَ واحداً *** ويُرى فيحسبُه القبيلُ قبيلا
والعظيم العاقل عندهم سريع النجدة، منجحٌ للطِّلْبة، كما قال بشار:
إذا أيقظتك حروب العدى *** فَنَبِّهْ لها عمراً ثم نَمْ
ويصفون مجالس العظماء بأنها مجالس فضل وعقل على نحو قول زهير:
وفيهم مقاماتٌ حِسانٌ وجوهها *** وأنديةٌ ينتابها القول والفعل
وإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم *** مجالس قد يَشْفى بأحلامها الجهلُ
وقول الآخر:
لا يُقَال الفُحش في ناديهمُ *** لا ولا يَبخَلُ منهم من يُسَلْ
وكما يقول أحدهم في مجالسة عاقل عظيم:
وكنت جليسَ قعقاعِ بنِ شَور *** ولا يشقى بقعقاع جليسُ
ضحوك السن إن نطقوا بخير *** وعند الشر مطراقٌ عبوسُ
ويصفون العظماء بأنهم يُعْدُون جلساءهم بالمكارم على نحو قول أبي تمام:
ولو لم يزِعْني عنك غيرك وازع *** لأعديتني بالحلم إن العلا تعدي
أو قول بشار:
لمست بكفي كَفَّه أبتغي الغنى *** ولم أدْرِ أن الجود من كفِّه يعدي
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى *** أفدتُ وأعداني فأتلفت ما عندي
ويصفون العاقل بأصالة الرأي، وتدَبُّر العواقب على نحو قول أحدهم:
عليم بما خلف العواقب إن سرت *** بديهته فضلاً بما في العواقب
وصيقلُ آراءٍ يبيت يَكُدُّها *** ويشحذها شَحْذَ المُدَى للنوائب
وإذا رثوا عظيماً عاقلاً له وزنه في ضبط الأمور ذكروا عظم الفادحة في فقده على نحو قول المهلهل في أخيه كليب:
أودى الخيار من المعاشر كلهم *** واسْتَبَّ بعدك يا كليبُ المجلسُ
وتنازعوا في كلِّ أمرِ عظيمة *** لو كنت حاضرهم بها لم ينبسوا
وكما قال الآخر:
هذا أبو القاسم في نعشه *** قوموا انظروا كيف تزول الحبالْ
وكما قال أبو تمام في محمد بن حميد الطوسي:
كأن بني نبهان يوم وفاته *** نجومُ سماءٍ خرَّ من بينها البدرُ
ويقولون في ذمِّ التزهيد بالأكابر والعظماء:
فكبيرٌ ألا يصان كبيرٌ *** وعظيمٌ أن يُنبذَ العظماءُ
أو يقولون:
لا تَضَعْ مِنْ عظيمِ قدرٍ وإن كُنْـ *** ـتَ مشاراً إليه بالتعظيم
فالكبير العظيم يصغر قدراً *** بالتَّجَرِّي على الكبير العظيم
وإذا أثنى قائلهم على كبير بأنه لا يغفل صغار الأمور ولا كبارها أنشد:
لولا ملاحظةُ الكبيرِ صغيرَه *** ما كان يُعرف في الأنام كبيرُ
وإذا أثنوا على عظيمٍ جامعٍ لمكارم الأخلاق أنشدوا:
فتىً جمع العلياءَ علماً وعِفَّةً *** وبأساً وجوداً لا يُفيق فُواقا
كما جمع التفاحُ حسناً ونضرة *** ورائحةً محبوبةً ومذاقا
وقال أبو الطيب فيمن وصف عظيمٍ عاقلٍ جوادٍ:
كالبدر من حيث التفتَّ رأيتَه *** يُهْدي إلى عينيك نوراً ثاقبا
كالبحر يقذف للقريب جواهراً *** جوداً ويبعث للبعيد سحائبا
كالشمس في كَبِد السماء وضوؤها *** يغشى البلاد مشارقاً ومغاربا
وقال الفرزدق في العظيم الذي ينخدع تكرماً وإغضاءًا:
استمطروا من قريش كل منخدع *** إن الكريم إذا خادعته انخدعا
وهذا أحدهم يثني على عظيمٍ متواضعٍ ذي سلطان فيقول:
فتىً زاده السلطان في الخِلِّ رغبةً *** إذا غيَّر السلطانُ كلَّ خليل
وهذا أحدهم يثني على عظيم عُزل من منصبه فيقول:
لِيهْنَك إن أصبحت مجتمع الشملِ *** وراعي المعالي والمحامي عن المجد
وإنك صنت الأمر فيما وَليْتَه *** وفرقت ما بين الغواية والرُّشْدِ
فلا يحسبِ الأعداءُ عزلَك مغنماً *** فإنَّ إلى الإصدار ما غايةُ الورد
وما كنت إلا السيف جُرِّد للوغى *** وأحمد فيه ثم رُدَّ إلى الغِمْدِ
فهذه شذرات عن علامات العظيم العاقل، وهي -في الوقت نفسه- ترشد من يريد الاتصاف بتلك الصفات إلى أن يأخذ بها، أو يأطر نفسه على ما يستطيع منها. 

العظيم العاقل

العظيم العاقل

العظمة الحقة، وكمال العقل هبة يهبها الله عز وجل لأفراد من الناس؛ فيكونون مهيئين للقيام بجلائل الأعمال. كما أن تلك الصفات قد تكتسب، أو يكتسب شيء من مقوماتها، خصوصاً إذا كان لدى الإنسان استعداد فطري، ثم نمَّاه بالعلم، والعمل، ومطالعة سير الكُمَّل.


العظمة الحقة، وكمال العقل هبة يهبها الله عز وجل لأفراد من الناس؛ فيكونون مهيئين للقيام بجلائل الأعمال.
كما أن تلك الصفات قد تكتسب، أو يكتسب شيء من مقوماتها، خصوصاً إذا كان لدى الإنسان استعداد فطري، ثم نمَّاه بالعلم، والعمل، ومطالعة سير الكُمَّل.
ومما يعين على ذلك أيضاً النظر في العلامات التي تشير إلى ذلك، وتجعل من يتمثلها يوصف بأنه عظيم عاقل.
وفيما يلي ذكر لشيء من ذلك؛ فعلامات العظيم العاقل كثيرة جداً، وكُتُب السير والتراجم حافلة بذكر تلك العلامات.
ومما يحضر في هذا الشأن من تلك العلامات: تقوى الله عز وجل وصدق الحديث، وترك ما لا يعني.
ومنها: حسن السمت، وطول الصمت، وتدبُّر العواقب.
ومنها: حبُّ العلم، وحسن الحلم، وصحة الجواب، وكثرة الصواب.
ومنها: التغاضي، والتغافل، والصفح، والعفو، ومخالفة الهوى.
والعظيم العاقل إذا أبغض أنصف، وإذا أحبَّ ألطف.
وهو هادئٌ ثابتٌ بصيرٌ لا تبطره النعمة، ولا تقنطه المصيبة، ولا يكسره الإخفاق، ولا يتطوَّس به النَّصْر، ولا تطيش به الولاية في زهو، ولا ينزل به العزل في حسرة.
وهو نزيهٌ، متواضعٌ لا يغُرُّه المجد العاجل، ولا يَفْتِنُه التنافس في سبيل الظهور.
والعظيم العاقل يستطيع أن يذيب شهوته في مصلحة أمته، ويحتفظ بتماسكه وقواه لساعات الشدائد، وهو يعرف متى يُقْدِم، ومتى يُحْجِم؛ فيحسن الوقوف في مواقف الشجاعة والإقدام، كما يحسن الوقوف في مواقف الحيطة والحذر.
والعظيم العاقل يؤْثِر الصراحة المقرونة باللطف واللباقة، وينأى بنفسه عن الملق والرياء، والمواربة، والصفاقة، وتراه يَزِنُ عقولَ مَنْ يلاقونه، فيتحامى ما يؤلمهم إلا أن يتألموا من صوت الحق، وتراه يعرف إمكاناته، وطاقاته، وموقعه؛ فلا يتخطى حدوده، ولا يُقَصِّر فيما يجب عليه.
والعظيم العاقل ذو نفسٍ كبيرة؛ فإذا تَوجَّه نحو المطمح مَرَّ بالصغائر؛ فلا تعوقه عن مواصلة السير حتى يبلغ الغاية.
وقد تقضي على العظيم العاقل ضرورةٌ من ضرورات الحياة آلاماً، وأحزاناً؛ فيودعها في قرارة نفسه، ثم يغلق دونها باباً من الصمت والكتمان، ثم يصعد إلى الناس باشَّ الوجه، باسم الثغر، متطلقاً متهللاً كأنه لا يحمل بين جنبيه هماً ولا كمداً.
والعظيم العاقل لا يستسلم لعوارضه النفسية؛ فيجعلها تَحْكُم علاقاته، وتصرفاته، بل يحافظ على روابطه الاجتماعية، فلا يُفَرِّط في معارفه، وأصدقائه، ولا يقطع ما أبرمه من ذلك إلا في أضيق الحدود، ولأسباب ظاهرة بيِّنة معقولة لا خفية موهومة محتملة.
والعظيم العاقل لا يشمت بأحد، ولا يفرح بمصائب الآخرين، بل يفرح بالنجاح والخير سواء تمَّ على يده أو على يد أحد من إخوانه، وتراه يأسى للإخفاق سواء صدر منه أو من أحد إخوانه.
والعظيم العاقل به يُستكثر القليل من معروف الناس، ويستقل الكثير من معروفه.
وهو هيِّن ليِّن، متواضع في سيرته، بعيد عن وسائل الخلابة والاسترهاب، يستمد بساطته من عظمته، وعَظَمَته من بساطته.
متبذلٌ في الحي وهو مُبَجَّل *** متواضع في القوم وهو معظم
ومقياس اتسام العظيم بسمات العظمة يكون بمقياس غُنْيَتِه عن مخايل التعاظم الزائفة.
كما أنه بمقدار خلوه من تلك السمات الحَقَّة يقترب من الاحتياج إلى شيء من تلك المخايل -كما يقول ابن عاشور- ويقول ابن الرومي في أحد ممدوحيه مشيراً إلى هذا المعنى:
وما الحلْيُ إلا حيلةٌ من نقيصة *** تُتَمِّمُ من حسنٍ إذا الحسن قصَّرا
وأما إذا كان الجمال موفَّراً *** كحسنك لم يَحْتجْ إلى أن يزوَّرا
والعظيم العاقل يمتلك روح الأبوة؛ فتراه يَحْدِبُ على إخوانه، وأصدقائه، ومعارفه، وزملائه، ويسعى في مصالحهم دون أن يُحَمِّلهم شيئاً من همومه.
والعظيم العاقل لا ينتظر جزاءًا ولا شكوراً من أحد، وإن شكره أحد أو كافئه كان شعوره بمعنى الجزاء أو الشكور أكثر من فرحه بما يُقَدَّم له من جزاء أو شكور.
والعظيم العاقل يتعامل مع الحقائق، ويتباعد عن الأوهام الكاذبة، والظنون السيئة، والتحليلات الخاطئة؛ فعلاقاته، وأحكامه مبنية على أساس متين لا على كثيب مهيل.
والعظيم العاقل لا يتكلف في معاملته، ولا تخشى بوائقه، أو سوء ظنونه.
والعظيم العاقل يحفظ الغيبة والحضور، ويحسن الحديث والإصغاء، ولا يخوض في كلِّ مجال، ولا يبدي رأيه في كل مسألة.
والعظيم العاقل حريص على جمع الكلمة، بعيد عن كل ما يكدر الصَّفْو، ويُفَرِّق الشَّمْل.
والعظيم العاقل يمتلك روح المبادرة؛ فتراه يبادر إلى الإصلاح، ويسعى إلى تقديم النافع من الاقتراحات والحلول؛ فيكون سبباً لإسعاد نفسه وقومه.
وهو الذي يفوق قومه في الخير، ويُفْزَع إليه عند الشدائد والنوائب.
والعظيم العاقل واسع الصدر بالنقد، متقبلٌ ما يَرِدُ إليه من ملحوظات، أو تعقيبات.
والعظيم العاقل لا يغمط الناس حقوقهم، ولا تحدثُه نفسه أن يسرق شيئاً من جهودهم أو أعمالهم، ولا يستنكف من بذل الثناء لمستحقه، ولا ينأى عن الاعتراف للمحسن.
والعظيم العاقل كهفٌ للمظلومين، أمان للخائفين، ربيع للمنتجعين؛ كما قال المغيرة بن حبناء في مدح المهلب بن أبي صفرة:
أمنٌ لخائفهم فيض لسائلهم *** ينتاب نائله البادون والحضرُ
والعظيم العاقل لا يقلِّل من قيمته جهلُ الناس، أو جحودهم شيئاً من فضله؛ فهو عظيم بأعماله، وبقدره، وبخلقه، وجوهره؛ فهو مثل الدُّرِّ الذي قيمته ونفاسته فيه لا فيما يقال عنه؛ ففضل الشيء كامنٌ فيه ولو عُزِي إلى غيره:
كالعطر يعبق في المجالس نشرُه *** والفضل منسوبٌ إلى المتعطِّر
هذا وإن للشعراء لَفَتاتٍ ووقفاتٍ في وصف العظماء العقلاء.
فهذا أبو الطيب يصف العظيم العاقل بأنه شجاع يقرن شجاعته بالحكمة، فيقول:
وكلُّ شجاعة في المرء تُغني *** ولا مثل الشجاعة في الحكيم
وهذا شوقي يقول في نحو ذلك:
إن الشجاعة في الرجال كثيرة *** ورأيت شجعان العقول قليلا
ويصفون العظيم العاقل بأنه يقوم بمعضلات الأمور، ويتصدَّى لحلِّ المشكلات بارتياحٍ، ويَقَظَة، وثبات على نحو قول أبي تمام:
لا تَدْعُوَنْ نوحَ بنَ عمروٍ دعوةً *** للخطب إلا أن يكون جليلا
يقظٌ إذا ما المشكلاتُ عَرَوْنَه *** ألفيتَه المُتَبَسِّمَ البهلولا
ثَبْتُ المقامِ يرى القبيلةَ واحداً *** ويُرى فيحسبُه القبيلُ قبيلا
والعظيم العاقل عندهم سريع النجدة، منجحٌ للطِّلْبة، كما قال بشار:
إذا أيقظتك حروب العدى *** فَنَبِّهْ لها عمراً ثم نَمْ
ويصفون مجالس العظماء بأنها مجالس فضل وعقل على نحو قول زهير:
وفيهم مقاماتٌ حِسانٌ وجوهها *** وأنديةٌ ينتابها القول والفعل
وإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم *** مجالس قد يَشْفى بأحلامها الجهلُ
وقول الآخر:
لا يُقَال الفُحش في ناديهمُ *** لا ولا يَبخَلُ منهم من يُسَلْ
وكما يقول أحدهم في مجالسة عاقل عظيم:
وكنت جليسَ قعقاعِ بنِ شَور *** ولا يشقى بقعقاع جليسُ
ضحوك السن إن نطقوا بخير *** وعند الشر مطراقٌ عبوسُ
ويصفون العظماء بأنهم يُعْدُون جلساءهم بالمكارم على نحو قول أبي تمام:
ولو لم يزِعْني عنك غيرك وازع *** لأعديتني بالحلم إن العلا تعدي
أو قول بشار:
لمست بكفي كَفَّه أبتغي الغنى *** ولم أدْرِ أن الجود من كفِّه يعدي
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى *** أفدتُ وأعداني فأتلفت ما عندي
ويصفون العاقل بأصالة الرأي، وتدَبُّر العواقب على نحو قول أحدهم:
عليم بما خلف العواقب إن سرت *** بديهته فضلاً بما في العواقب
وصيقلُ آراءٍ يبيت يَكُدُّها *** ويشحذها شَحْذَ المُدَى للنوائب
وإذا رثوا عظيماً عاقلاً له وزنه في ضبط الأمور ذكروا عظم الفادحة في فقده على نحو قول المهلهل في أخيه كليب:
أودى الخيار من المعاشر كلهم *** واسْتَبَّ بعدك يا كليبُ المجلسُ
وتنازعوا في كلِّ أمرِ عظيمة *** لو كنت حاضرهم بها لم ينبسوا
وكما قال الآخر:
هذا أبو القاسم في نعشه *** قوموا انظروا كيف تزول الحبالْ
وكما قال أبو تمام في محمد بن حميد الطوسي:
كأن بني نبهان يوم وفاته *** نجومُ سماءٍ خرَّ من بينها البدرُ
ويقولون في ذمِّ التزهيد بالأكابر والعظماء:
فكبيرٌ ألا يصان كبيرٌ *** وعظيمٌ أن يُنبذَ العظماءُ
أو يقولون:
لا تَضَعْ مِنْ عظيمِ قدرٍ وإن كُنْـ *** ـتَ مشاراً إليه بالتعظيم
فالكبير العظيم يصغر قدراً *** بالتَّجَرِّي على الكبير العظيم
وإذا أثنى قائلهم على كبير بأنه لا يغفل صغار الأمور ولا كبارها أنشد:
لولا ملاحظةُ الكبيرِ صغيرَه *** ما كان يُعرف في الأنام كبيرُ
وإذا أثنوا على عظيمٍ جامعٍ لمكارم الأخلاق أنشدوا:
فتىً جمع العلياءَ علماً وعِفَّةً *** وبأساً وجوداً لا يُفيق فُواقا
كما جمع التفاحُ حسناً ونضرة *** ورائحةً محبوبةً ومذاقا
وقال أبو الطيب فيمن وصف عظيمٍ عاقلٍ جوادٍ:
كالبدر من حيث التفتَّ رأيتَه *** يُهْدي إلى عينيك نوراً ثاقبا
كالبحر يقذف للقريب جواهراً *** جوداً ويبعث للبعيد سحائبا
كالشمس في كَبِد السماء وضوؤها *** يغشى البلاد مشارقاً ومغاربا
وقال الفرزدق في العظيم الذي ينخدع تكرماً وإغضاءًا:
استمطروا من قريش كل منخدع *** إن الكريم إذا خادعته انخدعا
وهذا أحدهم يثني على عظيمٍ متواضعٍ ذي سلطان فيقول:
فتىً زاده السلطان في الخِلِّ رغبةً *** إذا غيَّر السلطانُ كلَّ خليل
وهذا أحدهم يثني على عظيم عُزل من منصبه فيقول:
لِيهْنَك إن أصبحت مجتمع الشملِ *** وراعي المعالي والمحامي عن المجد
وإنك صنت الأمر فيما وَليْتَه *** وفرقت ما بين الغواية والرُّشْدِ
فلا يحسبِ الأعداءُ عزلَك مغنماً *** فإنَّ إلى الإصدار ما غايةُ الورد
وما كنت إلا السيف جُرِّد للوغى *** وأحمد فيه ثم رُدَّ إلى الغِمْدِ
فهذه شذرات عن علامات العظيم العاقل، وهي -في الوقت نفسه- ترشد من يريد الاتصاف بتلك الصفات إلى أن يأخذ بها، أو يأطر نفسه على ما يستطيع منها. 

رمضان شهر الدعوة

نحمدك اللهم أن هديتنا سُبُلَ الفلاح، ونستعين بك على إعلاء كلمة الحق والدعوة إلى الصلاح، ونصلي ونسلم على نبيك محمد

الذي أنـزلت إليه قرآناً عربياً، وعلى كل من دعا إلى سبيلك مخلصاً تقياً.
أما من زاغ عن الهدى، واتخذ من المضلين عضداً فإليك إيابه، وعليك حسابه، أما بعد:
فإن الدعوة إلى الله لمن أوجب الواجبات، وأهم المهمات، وأعظم القربات، وإن شهرَ رمضانَ لفرصةٌ سانحةٌ، ومناسبة كريمة، وأرضٌ لنشر الدعوةِ خصبةٌ، ذلكم أن القلوب في رمضان تخشع لذكر الله، وتستعد لقبول المواعظ الحسنة، وتقوى بها إرادة التوبة.
والحديث في هذه الليلة سيدور حول الدعوة إلى الله من حيث مفهومُها،وفضائلُها وآدابها، وما يدور في فلكها.

أيها المسلمون الكرام: الدعوة إلى الله_عز وجل_تشمل كلَّ ما يُقصد به رفعةُ الإسلام، ونشرُه بين الناس، ونفيُ ما علق به من شوائب، وردُّ كلِّ ما يغضُّ من شأنه، ويصرف الناس عنه.
والدعوة إلى الله تشمل كلَّ قولٍ،أو فعل،أو كتابة،أو حركة،أو سكنة،أو خُلق، أو نشاط، أو بذل للمال، أو الجاه،أو أي عمل يخدم الدين، ولا يخالف الحكمة.
ولا ريب أن العلم هو مرتكز الدعوة، وهو أساسها ودليلها وقائدها،
ولكن الدعوة تحتاج مع العلم إلى كثير من الجهود التي مضى شيء منها؛ فكلٌّ يعمل على شاكلته، وقد علم كل أناس مشربهم.

أيها الصائمون الكرام: لقد جاءت نصوص الشرع آمرةً بالدعوة، منوهةً بشأنها، محذرةً من التخاذل في تبليغها، مبينةً فضائلَها والأجورَ المترتبةَ عليها.
ولقد جاءت النصوص في ذلك الصدد على وجوه شتى، وصيغ متعددة.
فجاءت بصيغة الأمر بالدعوة بصريح لفظها قال_تعالى_: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة"، وقال: "إليه أدعوا وإليه متاب".

وجاءت بصيغة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر".
وجاءت بصيغة التبليغ قال الله _تعالى_: "ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك".
وجاءت بصيغة النصح قال_عز وجل_: "إذا نصحوا لله ورسوله".
وجاءت بصيغة التواصي قال الله_تعالى_: "وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر".
وجاءت بصيغة الوعظ قال_سبحانه_: " قل إنما أعظكم بواحدة".
وجاءت بصيغة التذكير، قال الله_عز وجل_: " ذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين".
وجاء بصيغة الإنذار، قال الله_تعالى_: "وأنذر عشيرتك الأقربين"،
وجاءت بصيغة التبشير قال _تبارك وتعالى_: "وبشر المؤمنين".
وجاءت بصيغة الجهاد، قال _عز وجل_: " فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً".
وجاءت بصيغة التحذير من التولي عن الدعوة ونصرة الدين، قال _عز وجل_: "فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم" .
أما فضائل الدعوة وثمراتها التي تعود على الأفراد بخاصة، وعلى الأمة بعامة فلا تكاد تحصى، وأدلةُ الوحيينِ مليئةٌ بذلك، متضافرةٌ عليه.
فالدعوة إلى الله طاعة لله، وإرضاءٌ له، وسلامةٌ من وعيده.
والدعوةُ إلى الله إعزازٌ لدين الله، واقتداءٌ بأنبيائه ورسله، وإغاظةٌ لأعدائه من شياطين الجن والإنس، وإنقاذٌ لضحايا الجهل والتقليد الأعمى.
والدعوةُ إلى الله سبب في زيادة العلم والإيمان، ونـزول الرحمة ودفع البلاء، ورفعه.
وهي سبب لمضاعفة الأعمال في الحياة وبعد الممات، وسبب للاجتماع والألفة، والتمكين في الأرض.
والدعوةُ إلى الله أحسنُ القول، فلا شيء أحسن من الدعوة إلى الله "ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين".

وهدايةُ رجلٍ واحدٍ خيرٌ من الدنيا وما عليها،والدعاةُ إلى الله هم أرحمُ الناس، وأزكاهم نفوساً،وأطهرهم قلوباً،وهم أصحابُ الميمنة،وهم ورثة الأنبياء.
أيها الصائمون الكرام: هناك صفات يحسن بالداعي إلى الله أن يتصف بها _سواء كانت دعوته فردية أم عامة_ فمن ذلك: العلمُ والعملُ بالعلم والإخلاصُ والصبرُ والحلمُ وحسنُ الخلقِ والكرمُ والإيثارُ والتواضعُ والحكمةُ والرحمةُ والحرصُ على جمع الكلمة على الحق.

ومن الصفات التي يجمل بالداعي أن يتصف بها: الصفحُ الجميلُ، ومقابلةُ الإساءةِ بالإحسان، والثقةُ بالله، واليقينُ بنصره، والرضا بالقليل من النتائج، والسعيُ للكثير من الخير.
ومنها: تجنبُ الحسدِ، وتجنبٌ استعجالِ النتائج، وتجنبٌ التنافس على الدنيا والانهماكِ في ملذاتها ومشاغلها.

ومن آداب الداعي إلى الله أن يكون ملازماً للِّينِ والرفق، حريصاً على هداية الخلق، مستشعراً للمسؤولية ، قويَّ الصلة بالله، كثير الذكر والدعاء والإقبال على الله بسائر القربات.
ومن آدابه: الحرصُ على مسألة القدوة، وأن يغتنم كل فرصة للدعوة، وألا يحتقر أي جهد في سبيلها مهما قل.
ومن آدابه: أن ينـزلَ الناسَ منازلَهم، وأن يتحامى قدر المستطاع ما يسوؤهم، وأن يتحمل همَّهم وألا يحمِّلهم شيئاً من همومه.
ومن آدابه: تحسُّسُ أدواء المدعوين، ومعرفة أحوالهم.
ومنها: البعدُ عن الجدال إلا في أضيق الحدود وبالتي هي أحسن.
ومنها:تعاهدُ المدعوين،وتشجيعُهم، وربطُهم بالرفقة الصالحة، ومراعاة الحكمة في إنقاذهم من رفقة السوء.
ومنها: البدء بالأهم فالمهم، والبعد عن الانتصار للنفس.
ومنها: تنويع وسائل الدعوة، فتارة بالموعظة، وتارة بالهدية، وتارة بالتوجيه غير المباشر، وهكذا. ..
ومنها: إظهار الاهتمام بالمدعو، ومعرفةُ اسمه، وإشعارهُ بأهميته، وإشغاله بما ينفعه.

أيها الصائمون الكرام:هذه هي الدعوة إلى الله،وتلك فضائلها،وآداب أهلها؛ فحريّ بنا أن نكون دعاة إلى الله؛ كُلٌ بحسبه، فهذا بعلمه، وهذا بماله، وهذا بجاهه، وهذا بجهده؛ لنحقِّقَ الخيرية ولنسلمَ من الوعيد.
فيا طالب العلم هذا شهرُ رمضانَ فرصةٌ عظيمة للدعوة إلى الله،فهاهي القلوب ترق،وها هي النفوس تهفو إلى الخير،وتجيب داعي الله؛فهلا استشعرت مسؤوليتك، وهلا استفرغت في سبيل الدعوة طاقتك وجهدك، وهلا أبلغت وأعذرت، ورفعت عن نفسك التبعة!!

ويا من آتاه الله بسطةً في المال ألا تؤثر الدعوة إلى الله بجانب من مالك، فتساهم في كفالة الدعاة، وإعدادهم، وتشارك في طباعة الكتب النافعة،ونحو ذلك مما يدور في فلك الدعوة، ألا تريد أن تدخل في زمرة الدعاة إلى الله.

ويا من آتاه الله جاهاً ألا بذلته في سبيل الله، ألا سعيت في تيسير أمور الدعوة إلى الله.
ويا أيها الإعلامي المسلم أيَّا كان موقِعُك ألا يكون لك نصيب في نشر الخير، والدعوة إلى الله بالكلمة الطيبة، والطرح البناء، أما علمت أنك ترسل الكلمةَ أو تعين على إرسالها، فتسير بها الركبانُ، وتبلغ مابلغ الليل والنهار؟ أما علمت أن لك غُنْمَها، وعليك غُرْمَها؟

ويا من حباه الله دراية ومعرفة بشبكة الاتصالات وما يسمى بالإنترنت، ألا جعلت من ذلك وسيلة لنشر الدعوة إلى الله؟ أليس من اليسير في حقك أن تبث الخير على أوسع نطاق، وبأقل مؤونة، ألست تخاطب العالم، وأنت منزوٍ في قعر بيتك؟

ويا أيتها المرأة المسلمة ألا تسعين جاهدة في نشر الخير في صفوف النساء بما تستطيعين.
ويا أيها المسلمون عموماً ألا نتعاون جميعاً في سبيل الدعوة إلى الله، ألا نجعل من شهرنا هذا ميداناً لاستباق الخيرات، ألا نتعاون في نصح الغافلين، وتذكير الناسين، وتعليم الجاهلين؟!
"ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين" اللهم اجعلنا من أنصار دينك، ومن الدعاة إلى سبيلك وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وسلام على المرسلين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد

رمضان شهر الدعوة

رمضان شهر الدعوة

نحمدك اللهم أن هديتنا سُبُلَ الفلاح، ونستعين بك على إعلاء كلمة الحق والدعوة إلى الصلاح، ونصلي ونسلم على نبيك محمد

الذي أنـزلت إليه قرآناً عربياً، وعلى كل من دعا إلى سبيلك مخلصاً تقياً.
أما من زاغ عن الهدى، واتخذ من المضلين عضداً فإليك إيابه، وعليك حسابه، أما بعد:
فإن الدعوة إلى الله لمن أوجب الواجبات، وأهم المهمات، وأعظم القربات، وإن شهرَ رمضانَ لفرصةٌ سانحةٌ، ومناسبة كريمة، وأرضٌ لنشر الدعوةِ خصبةٌ، ذلكم أن القلوب في رمضان تخشع لذكر الله، وتستعد لقبول المواعظ الحسنة، وتقوى بها إرادة التوبة.
والحديث في هذه الليلة سيدور حول الدعوة إلى الله من حيث مفهومُها،وفضائلُها وآدابها، وما يدور في فلكها.

أيها المسلمون الكرام: الدعوة إلى الله_عز وجل_تشمل كلَّ ما يُقصد به رفعةُ الإسلام، ونشرُه بين الناس، ونفيُ ما علق به من شوائب، وردُّ كلِّ ما يغضُّ من شأنه، ويصرف الناس عنه.
والدعوة إلى الله تشمل كلَّ قولٍ،أو فعل،أو كتابة،أو حركة،أو سكنة،أو خُلق، أو نشاط، أو بذل للمال، أو الجاه،أو أي عمل يخدم الدين، ولا يخالف الحكمة.
ولا ريب أن العلم هو مرتكز الدعوة، وهو أساسها ودليلها وقائدها،
ولكن الدعوة تحتاج مع العلم إلى كثير من الجهود التي مضى شيء منها؛ فكلٌّ يعمل على شاكلته، وقد علم كل أناس مشربهم.

أيها الصائمون الكرام: لقد جاءت نصوص الشرع آمرةً بالدعوة، منوهةً بشأنها، محذرةً من التخاذل في تبليغها، مبينةً فضائلَها والأجورَ المترتبةَ عليها.
ولقد جاءت النصوص في ذلك الصدد على وجوه شتى، وصيغ متعددة.
فجاءت بصيغة الأمر بالدعوة بصريح لفظها قال_تعالى_: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة"، وقال: "إليه أدعوا وإليه متاب".

وجاءت بصيغة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر".
وجاءت بصيغة التبليغ قال الله _تعالى_: "ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك".
وجاءت بصيغة النصح قال_عز وجل_: "إذا نصحوا لله ورسوله".
وجاءت بصيغة التواصي قال الله_تعالى_: "وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر".
وجاءت بصيغة الوعظ قال_سبحانه_: " قل إنما أعظكم بواحدة".
وجاءت بصيغة التذكير، قال الله_عز وجل_: " ذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين".
وجاء بصيغة الإنذار، قال الله_تعالى_: "وأنذر عشيرتك الأقربين"،
وجاءت بصيغة التبشير قال _تبارك وتعالى_: "وبشر المؤمنين".
وجاءت بصيغة الجهاد، قال _عز وجل_: " فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً".
وجاءت بصيغة التحذير من التولي عن الدعوة ونصرة الدين، قال _عز وجل_: "فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم" .
أما فضائل الدعوة وثمراتها التي تعود على الأفراد بخاصة، وعلى الأمة بعامة فلا تكاد تحصى، وأدلةُ الوحيينِ مليئةٌ بذلك، متضافرةٌ عليه.
فالدعوة إلى الله طاعة لله، وإرضاءٌ له، وسلامةٌ من وعيده.
والدعوةُ إلى الله إعزازٌ لدين الله، واقتداءٌ بأنبيائه ورسله، وإغاظةٌ لأعدائه من شياطين الجن والإنس، وإنقاذٌ لضحايا الجهل والتقليد الأعمى.
والدعوةُ إلى الله سبب في زيادة العلم والإيمان، ونـزول الرحمة ودفع البلاء، ورفعه.
وهي سبب لمضاعفة الأعمال في الحياة وبعد الممات، وسبب للاجتماع والألفة، والتمكين في الأرض.
والدعوةُ إلى الله أحسنُ القول، فلا شيء أحسن من الدعوة إلى الله "ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين".

وهدايةُ رجلٍ واحدٍ خيرٌ من الدنيا وما عليها،والدعاةُ إلى الله هم أرحمُ الناس، وأزكاهم نفوساً،وأطهرهم قلوباً،وهم أصحابُ الميمنة،وهم ورثة الأنبياء.
أيها الصائمون الكرام: هناك صفات يحسن بالداعي إلى الله أن يتصف بها _سواء كانت دعوته فردية أم عامة_ فمن ذلك: العلمُ والعملُ بالعلم والإخلاصُ والصبرُ والحلمُ وحسنُ الخلقِ والكرمُ والإيثارُ والتواضعُ والحكمةُ والرحمةُ والحرصُ على جمع الكلمة على الحق.

ومن الصفات التي يجمل بالداعي أن يتصف بها: الصفحُ الجميلُ، ومقابلةُ الإساءةِ بالإحسان، والثقةُ بالله، واليقينُ بنصره، والرضا بالقليل من النتائج، والسعيُ للكثير من الخير.
ومنها: تجنبُ الحسدِ، وتجنبٌ استعجالِ النتائج، وتجنبٌ التنافس على الدنيا والانهماكِ في ملذاتها ومشاغلها.

ومن آداب الداعي إلى الله أن يكون ملازماً للِّينِ والرفق، حريصاً على هداية الخلق، مستشعراً للمسؤولية ، قويَّ الصلة بالله، كثير الذكر والدعاء والإقبال على الله بسائر القربات.
ومن آدابه: الحرصُ على مسألة القدوة، وأن يغتنم كل فرصة للدعوة، وألا يحتقر أي جهد في سبيلها مهما قل.
ومن آدابه: أن ينـزلَ الناسَ منازلَهم، وأن يتحامى قدر المستطاع ما يسوؤهم، وأن يتحمل همَّهم وألا يحمِّلهم شيئاً من همومه.
ومن آدابه: تحسُّسُ أدواء المدعوين، ومعرفة أحوالهم.
ومنها: البعدُ عن الجدال إلا في أضيق الحدود وبالتي هي أحسن.
ومنها:تعاهدُ المدعوين،وتشجيعُهم، وربطُهم بالرفقة الصالحة، ومراعاة الحكمة في إنقاذهم من رفقة السوء.
ومنها: البدء بالأهم فالمهم، والبعد عن الانتصار للنفس.
ومنها: تنويع وسائل الدعوة، فتارة بالموعظة، وتارة بالهدية، وتارة بالتوجيه غير المباشر، وهكذا. ..
ومنها: إظهار الاهتمام بالمدعو، ومعرفةُ اسمه، وإشعارهُ بأهميته، وإشغاله بما ينفعه.

أيها الصائمون الكرام:هذه هي الدعوة إلى الله،وتلك فضائلها،وآداب أهلها؛ فحريّ بنا أن نكون دعاة إلى الله؛ كُلٌ بحسبه، فهذا بعلمه، وهذا بماله، وهذا بجاهه، وهذا بجهده؛ لنحقِّقَ الخيرية ولنسلمَ من الوعيد.
فيا طالب العلم هذا شهرُ رمضانَ فرصةٌ عظيمة للدعوة إلى الله،فهاهي القلوب ترق،وها هي النفوس تهفو إلى الخير،وتجيب داعي الله؛فهلا استشعرت مسؤوليتك، وهلا استفرغت في سبيل الدعوة طاقتك وجهدك، وهلا أبلغت وأعذرت، ورفعت عن نفسك التبعة!!

ويا من آتاه الله بسطةً في المال ألا تؤثر الدعوة إلى الله بجانب من مالك، فتساهم في كفالة الدعاة، وإعدادهم، وتشارك في طباعة الكتب النافعة،ونحو ذلك مما يدور في فلك الدعوة، ألا تريد أن تدخل في زمرة الدعاة إلى الله.

ويا من آتاه الله جاهاً ألا بذلته في سبيل الله، ألا سعيت في تيسير أمور الدعوة إلى الله.
ويا أيها الإعلامي المسلم أيَّا كان موقِعُك ألا يكون لك نصيب في نشر الخير، والدعوة إلى الله بالكلمة الطيبة، والطرح البناء، أما علمت أنك ترسل الكلمةَ أو تعين على إرسالها، فتسير بها الركبانُ، وتبلغ مابلغ الليل والنهار؟ أما علمت أن لك غُنْمَها، وعليك غُرْمَها؟

ويا من حباه الله دراية ومعرفة بشبكة الاتصالات وما يسمى بالإنترنت، ألا جعلت من ذلك وسيلة لنشر الدعوة إلى الله؟ أليس من اليسير في حقك أن تبث الخير على أوسع نطاق، وبأقل مؤونة، ألست تخاطب العالم، وأنت منزوٍ في قعر بيتك؟

ويا أيتها المرأة المسلمة ألا تسعين جاهدة في نشر الخير في صفوف النساء بما تستطيعين.
ويا أيها المسلمون عموماً ألا نتعاون جميعاً في سبيل الدعوة إلى الله، ألا نجعل من شهرنا هذا ميداناً لاستباق الخيرات، ألا نتعاون في نصح الغافلين، وتذكير الناسين، وتعليم الجاهلين؟!
"ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين" اللهم اجعلنا من أنصار دينك، ومن الدعاة إلى سبيلك وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وسلام على المرسلين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد

Popular Posts