background img

The New Stuff

‏إظهار الرسائل ذات التسميات ياسر منير. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ياسر منير. إظهار كافة الرسائل

الصيام بين اليهودية والمسيحية والإسلام

إنّ الصيام في الإسلام يُعْرف برؤية الهلال، وهو كفّ النفس عن اللّذات الثلاثة: (الطعام، والشراب، والجماع) في أوقات الإمساك، والترخيص بها في الإفطار. وقد راعى الإسلام ذوي الأعذار فأباح لهم الفطر. وجعل الإسلام القيام في لياليه والاعتكاف بالمساجد في أواخره حملاً للنفس على التزكية وترغيبًا لها في الخير. ثُمّ يعقبه ما يدلُّ على البهجة، ونباهة حال المِلًّة، وهو عيد الفطر، وليس للأديان الأخرى مثل هذه المزيّة


إنّ الصيام في الإسلام يُعْرف برؤية الهلال، وهو كفّ النفس عن اللّذات الثلاثة: (الطعام، والشراب، والجماع) في أوقات الإمساك، والترخيص بها في الإفطار. وقد راعى الإسلام ذوي الأعذار فأباح لهم الفطر. وجعل الإسلام القيام في لياليه والاعتكاف بالمساجد في أواخره حملاً للنفس على التزكية وترغيبًا لها في الخير. ثُمّ يعقبه ما يدلُّ على البهجة، ونباهة حال المِلًّة، وهو عيد الفطر، وليس للأديان الأخرى مثل هذه المزيّة (انظر: الإعلام بمناقب الإسلام. ص 144).

وقد عبَّرالغزالي عن فلسفة الصيام في الإسلام قائلاً: "اعلم أن الصّوْم ثلاث درجات: صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص. أما صَوْم العموم: فهو كفّ البطن والفرج عن قضاء الشهوة كما سبق تفصيله. وأما صوم الخصوص: فهو كفّ السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام. وأما صوم خصوص الخصوص: فصوم القلب عن الهمم الدنِيَّة والأفكار الدنيوية، وكفّه عما سوى الله عزّ وجل بالكلية" (أبو حامد الغزالي: أسرار الصوم، [ص:40]، تحقيق ماهر المنجد، ط 1، 1417هـ / 1996م، دار الفكر – دمشق).

"وتعدّ فريضة الصيام من أقدم التشريعات اليهودية بعد شعيرة تقديم القرابين في الهيكل التي اختفت وحلت محلها الصلاة اليهودية. ويتسع مفهوم الصيام كثيرًا لدى اليهود؛ وسبب ذلك راجع إلى اجتهاداتهم في إيجاد أنواع منه، جُلّها مرتبط بالحدث التاريخي، وما أفرزته طبيعتهم العدائية للأمم التي عايشوها، أو عاصروها، والتي غلب عليها طابع الحزن؛ نتيجة تعرضهم للمحن" (أ. ناصر الدين الكاملي: الصوم في القديم والحديث، [ص:21]، د. ت. مطبعة الكونكورد).

والصوم لدى اليهود نوعان:

1- فردي (شخص) ويُسَمى صوم الأسر، ويقع في حالات الحزن الفردي، أو عند التكفير عن خطيئة.

2- جماعي، وهو غير ثابت، وغالبًا ما يفعلونه عند حدوث حزن عام يقلقهم، كالصوم عند رداءة المحصول، أو غارات الجراد، أو الهزائم في الحروب (أ. عبد الرزاق رحيم صلال: العبادات في الأديان السماويّة، [ص:102]، وقارن: د. حسن ظاظا: الفكر الديني الإسرائيلي أطواره ومذاهبه، [ص:68]، ط 1971م، معهد البحوث والدراسات العربية – الإسكندرية).

"وقد ظهر عند اليهود ما يُسمّى بصيام الصمت، وهو استغراق الصامت في صمته، ضاربًا على نفسه ثوب التوبةمن الخطايا والندم على ما اقترفه اللسان من بذيء الكلام وفاحشه. وهذا النوع من الصيام معروف في الديانات القديمة، وليس وقت محدد" (أ. عبد الرزاق رحيم صلال: العبادات في الأديان السماويّة، [ص:110]).

وقد أشار القرآن إلى صيام الصمت في قوله تعالى على لسان مريم: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} [مريم:26]. وقد وردت الإشارة إلى هذا الصيام في نصوص التوراة، من ذلك: "شقَّ ثيابه وجعل مسحًا على جسده وصام واضطجع بالمسح ومشى بسكوت" (الملوك الأول 21: 27). وأيضًا: "ارتعِدوا ولا تُخطِئوا، تكلموا في قلوبكم على مضاجعكم واسكتوا" (مزمور 4: 4).

وفي الأسر البابلي صام اليهود أربعة أيام هي:

1- صوم الشهر الرابع من تموز: في ذكرى تدمير أورشليم والهيكل 587 ق. م، لكنهم تركوا هذا الصوم بعد إعادة بناء الهيكل.

2- صوم الشهر الخامس من آب.

3- صوم الشهر السابع من شهر تشرى.

4- صوم الشهر الثامن من شهر تبيتو.

وكان بعض الربانيين يعدُّون صوم هذه الأيام واجبًا عند الأزمات، وهناك أيام أخرى للصوم وضعوها لإحياء ذكرى بعض الأيام، خاصّة أيام النكبات، ولم يتقبلها عامة الناس (قاموس الكتاب المقدس (أنا الألف والياء) لمجموعة من علماء اللاهوت، [ص:17-20]، ط 1989م، دار المشرق – بيروت).

والصيام الوارد عند اليهود في التوراة: هو الصيام الأربعيني، ورد في التوراة: "وكان -أي: موسى عليه السلام- هناك عند الرّبّ أربعين نهارًا وأربعين ليلة لم يأكل خبزًا، ولم يشرب ماءً" (الخروج 34:28).

والمُلاحظ من النص التوراتي، ما يلي:

أ- الصّوْم الموسوي كان للتقرب إلى الله واستقبال وحيه.

ب- لم يُصرِّح النّصُّ بفرض هذا الصيام الأربعيني على العامة، ورغم ذلك فقد استند النصارى إلى هذا النَّصّ لفرض الصيام بوجه عام.

ج- امتناع موسى عليه السلام عن الطعام والشراب جميعًا، وهذا لم يلتزم به اليهود والنصارى؛ بل لم ترد إليه إشارة في صيامهم على الإطلاق.

د- هذه الأربعون يومًا لم يرد في النصوص تحديدها بين أيام السنة (د. أحمد غنيم: فلسفة الصيام في الديانة اليهودية، والنصرانية، وفي الإسلام. [ص:12]، طـ 1، 1405هـ / 1985م، مطبعة حسَّان – القاهرة).

غير أنّ دائرة المعارف اليهودية ترى أن الصيام الوحيد الذي لم يرد غيره في التشريع الموسوي هو صيام يوم الغفران (يوم كبور): "ويكون لكم فريضة دهرية أنكم في الشهر السابع في عاشر الشهر تذلّلون نفوسكم، وكل عمل لا تعملون الوطني، والغريب النازل في وسطكم" (اللاويين 16:29).

"ويبدأ اليهود صيامه قبل غروب الشمس بنحو ربع ساعة إلى ما بعد غروب الشمس في اليوم التالي بنحو ربع ساعة، فهو لا يزيد بحال عن خمس وعشرين ساعة متتالية، وهو عاشوراء اليهود، وما زال فيهم حتى اليوم" (موسوعة الكتاب المقدس لمجموعة من الباحثين، [ص:33]، ط 1993م. دار منهل الحياة – لبنان).

وقيل: "إن مدة يوم الغفران هوسبع وعشرون ساعة من قبل مغيب الشمس لليوم الأول إلى ما بعد غياب الشمس لليوم الثاني" (أ. عبد الرزاق رحيم صلال: العبادات في الأديان السماويّة، [ص:103]).

"فكأنَّها اعتبرت ما ورد عن صيام موسى عليه السلام أربعين يومًا كان خِصيصة له وحده، رغم أن الكنيسة النصرانية قد ألزمت أتباعها بالصيام الأربعيني" (د. أحمد غنيم : فلسفة الصيام في الديانة اليهودية، والنصرانية، وفي الإسلام. [ص:14]).

"والشيء المثير للعجب أنهم -أي اليهود- اختلفوا في توقيت الصيام بعد موسى عليه السلام. وقد اهتم شُرّاح العهد الجديد بالصيام رغم اعترافهم بعدم وجوب فرضه فيه، ويعتبرونه إلى جنب الصلاة والصلاة والصدقة أحد الأركان الأساسية لدينهم" (أ. عبد الرزاق رحيم صلال: العبادات في الأديان السماويّة، [ص:181]).

وما جاءت به النصرانية عبر مراحل تأثرها وتطورها يصعب تسميته بشرع سماوي، فالكثير الغالب فيه تشريع كنسي وضعه القساوسة والرهبان وصادقت عليه مجامعهم الكنسية التي عدت قراراتها ذات قدسية ملزمة على كل نصراني. وليس في العهد الجديد وصية تطلب الصوم، إنما يُفْهم أنه أمر اختياري يلجأ إليه النصراني عند الحاجة، ويقترن بالصلاة والتذلل، وليس في الكتاب المقدس -عند أهله- ما يحظر التنادي إلى يوم صوم وصلاة في كنيسة من الكنائس ولأجل حاجة ما" (انظر: [اللاويين 16: 29]، [صموئيل الثاني 12: 16، 20]، [إشعياء 58: 3 – 5]، [يونان 3: 5]).

والمتصفح لسيرة المسيح عليه السلام من خلال الأناجيل يبدو له أنه أراد للصائمين عدم إظهار صومهم للآخرين؛ حتى لا يصبحوا مرائين به، كما كان يفعل اليهود آنذاك، وبما أن الصوم عبادة نسكية وتوجه إلى الله تعالى نجد أن المسيح عليه السلام يحثُّ أتباعه على الصوم، ويمدحه (انظر: [متى 6: 16 - 18]، وأيضًا: [معجم اللاهوت الكتابي [ص:488]).

ويرى فريق من النصارى "أنّ المسيح عليه السلام لم يفرض عليهم صيامًا إلا الصوم الكبير (صوم يوم الكفارة)" السابق لعيد الفصح (أ. عبد الرزاق رحيم صلال: العبادات في الأديان السماويّة، [ص:182]).

"ومع ظهور البواكير الأولى للتشريع الكنسي تحددت بعض معالم الصيام، وما يجب تناوله من طعام، وما لا يجب عندما عرف الصيام بأنه "شريعة كنسية تكيفها الكنيسة حسب مقتضيات الزمان والمكان" (د. علي الخطيب: الصيام من البداية حتى الإسلام، [ص:151]، ط 1، 1980م. المكتبة العصرية – بيروت).

ويمكن تقسيم الصيام حسب الطوائف النصرانية إلى ثلاثة أقسام هي:

1- الصيام في الكنيسة الكاثوليكية:
"ويبدأ عندهم في منتصف الليل إلى نصف النهار، ويلتزم به مَنْ بلغ السابعة من العمر، وينتهي بالستين للرجال، والخمسين للنساء. والصيام اللازم في الكاثوليكية: هو الصيام الكبير، ويمتنعون عن أكل اللحم والألبان والبياض (البيض، والجبن، والحليب، والزبد) يومي الأربعاء والجمعة، لكنهم يلتزمون -اليوم- صيام يوم واحد" (د. علي الخطيب: الصيام من البداية حتى الإسلام، [ص:151]، ط 1، 1980م، المكتبة العصرية – بيروت).


"وقد أعطت الكنيسة الكاثوليكية السلطة لرجال كنيستها بإعفاء من رغب من أتباعها من الواجبات الدينية ومنها الصيام، مما مكنها من فرض أصوام متفاوتة بجانب فرائض أخرى على المتهمين بجرائم متفاوتة، يمارسونها عدة سنوات لا شهورًا وأيامًّا، وهكذا بقي في قانون الكنيسة العالمي (الكاثوليكي) الصيام في جميع أيام الأحد ويوم القديس (مرقس) وأسبوع الفصح وأيام الطلبات (البركات) وجميع أيام السبت والجمعة" (د. علي الخطيب: الصيام من البداية حتى الإسلام، [ص:152]، وأيضًا: أغناطيوس فرزلي: التعليم المسيحي الأرثوذكسي، [ص:84]، د. ت. مطبعة أناتوليى – الإسكندرية).

2- الصيام في الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية:
تتفق الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية مع نظيرتها الكاثوليكية في الصوم الكبير باعتباره أهم وأعمّ أنواع الصيام ومدته خمسون يومًا أو خمسة وخمسون يومًا ولديهم طريقة فلكية لضبط وقته من عام إلى عام، حيث إن النسيء يحول دون وضع تاريخ ثابت له، وينبغي أن يبدأ بيوم الإثنين.


ولها أصوام أخرى أهمها:

أ- صوم الأربعين يومًا؛ ويصومون قبلها أسبوعًا سموه أسبوع الاستعداد وبعده أسبوعًا آخر سموه أسبوع الآلام.

ب- صوم الميلاد؛ ومدته أربعون يومًا من 25 من نوفمبر إلى 6 من يناير.

ج- صوم العنصرة (الرسل)؛ وتمارسه الكنيسة منذ عصر الرسل ليس عدد محدد من الأيام، ويترك أمره بيوم "أحد العنصرة". فإذا زادت أيام الصوم، وإذا تأخر انقضت وتنتهي تقريبًا في 11 أيلول.

د- صوم العذراء؛ ومدته خمسون يومًا.

هـ - صوم نينوى؛ ومدته ثلاثة أيام، ويعتقدون أن يونس عليه السلام قد بدأ هذا الصيام ببطن الحوت (يونان 1: 17).

و- وللكنيسة صيام آخر متفاوت بين اليوم والثلاثة: ويُسمّى صيام البراموت (الاستعداد) (القس شنودة يوحنا: الصوم في كنيستنا القبطية الأرثوذوكسية، [ص:25]، ط 1963م، مطبعة الإسكندرية).

3- الصيام في الكنيسة البروتستانتية:
وتترك الكنيسة البروتستانتية مسألة الصوم الشخصي الذي يقرر فيه الصائم لنفسه الصوم، وكيفيته، وَفْقَ رغبته الشخصية النابعة عن إحساسه الذاتي، فإذا ما صام وأفطر يحلّ له أكل ما يشتهيه من المأكولات، فهو عندهم مستحب وليس بواجب. وتختلف الكنيسة البروتستانتية عن الأرثوذكسية القبطية؛ بأن الأولى تنكر الصيام والثانية تتمسك به" (د. علي الخطيب: الصيام من البداية حتى الإسلام، [ص:161-162]).


4- صيام طائفتي الأرمن والقبط:
إنّ أشدّ أنواع الصيام عند النصارى هو عند الأرمن والقبط: إذ يصومون الأربعاء والجمعة من كل أسبوع إلا ما وقع منها بين الفصح والصعود، ويصومون عشرة أسابيع من كل سنة، وهي:


- بعد الأحد الأول من عيد الثالوث.
- بعد عيد التجلي.
- بعد عيد الصليب في أيلول.
- بعد الأحد الثالث عشر من عيد الثالوث.
- بعد الواحد والعشرين من عيد الثالوث.
- الصوم السابق لعيد الميلاد.
- صوم الميلاد.
- صوم المر.
- صوم الفصح (بطرس البستانى: دائرة المعارف، جـ 11، [ص:70]).

وفي نهاية بحثنا عن الصيام عند النصارى أذكر ما اتفقت عليه الفرق النصرانية بخصوص الصيام، فهي قد رفعت الأناجيل من طريق التشريع وأبعدتها عن التوجه له، وأعطت الكنيسة وحدها هذا الحق، كما أنها لم تر بأسًا بالاتصال الجنسي بين الزوجين فهذا لا شأن له بالصيام ولا يفسده من قريب أو بعيد.


واختلفت في نقاط عدة منها:

- لون التكليف بالصيام، فلا اتفاق بينها على أن يكون فرضًا.

- لا اتفاق بينهما في بداية أو نهاية مدة الصيام، وأمر ذلك متروك للصائم ينهيه متى شاء ما دام لا يطيق الاستمرار على ذلك.

- الصمت يقبل عليه الكاثوليك أكثر من غيرهم، وله شأن في برامجهم الدينية.

- أقرت الكنيسة الكاثوليكية صيام السبت، ومنعه الأرثوذكس إلا في سبت واحد يقع قبل عيد القيامة مباشرة (د. علي الخطيب: الصيام من البداية حتى الإسلام، [ص:162-163]. وقارن: د. سعود عبد العزيز الخلف: دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية، [ص:268-269]، ط 1، 1418هـ / 1997م، مكتبة أضواء السلف – الرياض).

وفيما ذكرته يتضح لنا أن المسيح عليه السلام لم يصم أو يدعو إلى صيام ما صاموه آنفًا، فهو صام أربعين يومًا في البرية فقط. وجميع صيام النصارى متأثر بما توارثوه من الأمم الوثنية، خاصة الهنود والفرس واليونان والبابليين (بطرس البستاني: دائرة المعارف، ج 14، [ص:397]).


وفي المانوية فرض ماني عليهم صيام سبعة أيام أبد الدهر من كل شهر (ابن النديم: الفهرست، [ص:396]، وأيضًا: أرثر كريستنسن: إيران في عهد الساسانيين، [ص:183]).

ولم يكن الصيام موجودًا فقط في اليهودية والمسيحية والإسلام؛ بل كان موجودًا في سائر الأمم السابقة، عبر الزمان والمكان. بل إنّ كلمة الصيّام قد استقرّت في التيوتونية العتيقة (اللغة القديمة للشعوب الألمانية، والإسكندنافية، والإنجليزية)، وفي اللاتينية، واليونانية، كما احتل الصيام مكانة بارزة عند فارس، والهند، حتى قيل: "إن الصيام عُرْف دينيّ عالميّ (د. أحمد غنيم: فلسفة الصيام "في الديانة اليهودية، والنصرانية، وفي الإسلام"، [ص:6]).

وفي نهاية بحثنا أذكر أنّ الله تعالى بَيّن الغاية والهدف من الصيام بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183].

والصوم عبادة روحية تربوية تهذيبيّة ليس المراد منها صيام البطون عن الطعام، وإن كان للجسد نصيبه من فوائد الصوم، وإنما المطلوب أيضًا صيام الجوارح عن الحرام.

الصيام بين اليهودية والمسيحية والإسلام

الصيام بين اليهودية والمسيحية والإسلام

إنّ الصيام في الإسلام يُعْرف برؤية الهلال، وهو كفّ النفس عن اللّذات الثلاثة: (الطعام، والشراب، والجماع) في أوقات الإمساك، والترخيص بها في الإفطار. وقد راعى الإسلام ذوي الأعذار فأباح لهم الفطر. وجعل الإسلام القيام في لياليه والاعتكاف بالمساجد في أواخره حملاً للنفس على التزكية وترغيبًا لها في الخير. ثُمّ يعقبه ما يدلُّ على البهجة، ونباهة حال المِلًّة، وهو عيد الفطر، وليس للأديان الأخرى مثل هذه المزيّة


إنّ الصيام في الإسلام يُعْرف برؤية الهلال، وهو كفّ النفس عن اللّذات الثلاثة: (الطعام، والشراب، والجماع) في أوقات الإمساك، والترخيص بها في الإفطار. وقد راعى الإسلام ذوي الأعذار فأباح لهم الفطر. وجعل الإسلام القيام في لياليه والاعتكاف بالمساجد في أواخره حملاً للنفس على التزكية وترغيبًا لها في الخير. ثُمّ يعقبه ما يدلُّ على البهجة، ونباهة حال المِلًّة، وهو عيد الفطر، وليس للأديان الأخرى مثل هذه المزيّة (انظر: الإعلام بمناقب الإسلام. ص 144).

وقد عبَّرالغزالي عن فلسفة الصيام في الإسلام قائلاً: "اعلم أن الصّوْم ثلاث درجات: صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص. أما صَوْم العموم: فهو كفّ البطن والفرج عن قضاء الشهوة كما سبق تفصيله. وأما صوم الخصوص: فهو كفّ السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام. وأما صوم خصوص الخصوص: فصوم القلب عن الهمم الدنِيَّة والأفكار الدنيوية، وكفّه عما سوى الله عزّ وجل بالكلية" (أبو حامد الغزالي: أسرار الصوم، [ص:40]، تحقيق ماهر المنجد، ط 1، 1417هـ / 1996م، دار الفكر – دمشق).

"وتعدّ فريضة الصيام من أقدم التشريعات اليهودية بعد شعيرة تقديم القرابين في الهيكل التي اختفت وحلت محلها الصلاة اليهودية. ويتسع مفهوم الصيام كثيرًا لدى اليهود؛ وسبب ذلك راجع إلى اجتهاداتهم في إيجاد أنواع منه، جُلّها مرتبط بالحدث التاريخي، وما أفرزته طبيعتهم العدائية للأمم التي عايشوها، أو عاصروها، والتي غلب عليها طابع الحزن؛ نتيجة تعرضهم للمحن" (أ. ناصر الدين الكاملي: الصوم في القديم والحديث، [ص:21]، د. ت. مطبعة الكونكورد).

والصوم لدى اليهود نوعان:

1- فردي (شخص) ويُسَمى صوم الأسر، ويقع في حالات الحزن الفردي، أو عند التكفير عن خطيئة.

2- جماعي، وهو غير ثابت، وغالبًا ما يفعلونه عند حدوث حزن عام يقلقهم، كالصوم عند رداءة المحصول، أو غارات الجراد، أو الهزائم في الحروب (أ. عبد الرزاق رحيم صلال: العبادات في الأديان السماويّة، [ص:102]، وقارن: د. حسن ظاظا: الفكر الديني الإسرائيلي أطواره ومذاهبه، [ص:68]، ط 1971م، معهد البحوث والدراسات العربية – الإسكندرية).

"وقد ظهر عند اليهود ما يُسمّى بصيام الصمت، وهو استغراق الصامت في صمته، ضاربًا على نفسه ثوب التوبةمن الخطايا والندم على ما اقترفه اللسان من بذيء الكلام وفاحشه. وهذا النوع من الصيام معروف في الديانات القديمة، وليس وقت محدد" (أ. عبد الرزاق رحيم صلال: العبادات في الأديان السماويّة، [ص:110]).

وقد أشار القرآن إلى صيام الصمت في قوله تعالى على لسان مريم: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} [مريم:26]. وقد وردت الإشارة إلى هذا الصيام في نصوص التوراة، من ذلك: "شقَّ ثيابه وجعل مسحًا على جسده وصام واضطجع بالمسح ومشى بسكوت" (الملوك الأول 21: 27). وأيضًا: "ارتعِدوا ولا تُخطِئوا، تكلموا في قلوبكم على مضاجعكم واسكتوا" (مزمور 4: 4).

وفي الأسر البابلي صام اليهود أربعة أيام هي:

1- صوم الشهر الرابع من تموز: في ذكرى تدمير أورشليم والهيكل 587 ق. م، لكنهم تركوا هذا الصوم بعد إعادة بناء الهيكل.

2- صوم الشهر الخامس من آب.

3- صوم الشهر السابع من شهر تشرى.

4- صوم الشهر الثامن من شهر تبيتو.

وكان بعض الربانيين يعدُّون صوم هذه الأيام واجبًا عند الأزمات، وهناك أيام أخرى للصوم وضعوها لإحياء ذكرى بعض الأيام، خاصّة أيام النكبات، ولم يتقبلها عامة الناس (قاموس الكتاب المقدس (أنا الألف والياء) لمجموعة من علماء اللاهوت، [ص:17-20]، ط 1989م، دار المشرق – بيروت).

والصيام الوارد عند اليهود في التوراة: هو الصيام الأربعيني، ورد في التوراة: "وكان -أي: موسى عليه السلام- هناك عند الرّبّ أربعين نهارًا وأربعين ليلة لم يأكل خبزًا، ولم يشرب ماءً" (الخروج 34:28).

والمُلاحظ من النص التوراتي، ما يلي:

أ- الصّوْم الموسوي كان للتقرب إلى الله واستقبال وحيه.

ب- لم يُصرِّح النّصُّ بفرض هذا الصيام الأربعيني على العامة، ورغم ذلك فقد استند النصارى إلى هذا النَّصّ لفرض الصيام بوجه عام.

ج- امتناع موسى عليه السلام عن الطعام والشراب جميعًا، وهذا لم يلتزم به اليهود والنصارى؛ بل لم ترد إليه إشارة في صيامهم على الإطلاق.

د- هذه الأربعون يومًا لم يرد في النصوص تحديدها بين أيام السنة (د. أحمد غنيم: فلسفة الصيام في الديانة اليهودية، والنصرانية، وفي الإسلام. [ص:12]، طـ 1، 1405هـ / 1985م، مطبعة حسَّان – القاهرة).

غير أنّ دائرة المعارف اليهودية ترى أن الصيام الوحيد الذي لم يرد غيره في التشريع الموسوي هو صيام يوم الغفران (يوم كبور): "ويكون لكم فريضة دهرية أنكم في الشهر السابع في عاشر الشهر تذلّلون نفوسكم، وكل عمل لا تعملون الوطني، والغريب النازل في وسطكم" (اللاويين 16:29).

"ويبدأ اليهود صيامه قبل غروب الشمس بنحو ربع ساعة إلى ما بعد غروب الشمس في اليوم التالي بنحو ربع ساعة، فهو لا يزيد بحال عن خمس وعشرين ساعة متتالية، وهو عاشوراء اليهود، وما زال فيهم حتى اليوم" (موسوعة الكتاب المقدس لمجموعة من الباحثين، [ص:33]، ط 1993م. دار منهل الحياة – لبنان).

وقيل: "إن مدة يوم الغفران هوسبع وعشرون ساعة من قبل مغيب الشمس لليوم الأول إلى ما بعد غياب الشمس لليوم الثاني" (أ. عبد الرزاق رحيم صلال: العبادات في الأديان السماويّة، [ص:103]).

"فكأنَّها اعتبرت ما ورد عن صيام موسى عليه السلام أربعين يومًا كان خِصيصة له وحده، رغم أن الكنيسة النصرانية قد ألزمت أتباعها بالصيام الأربعيني" (د. أحمد غنيم : فلسفة الصيام في الديانة اليهودية، والنصرانية، وفي الإسلام. [ص:14]).

"والشيء المثير للعجب أنهم -أي اليهود- اختلفوا في توقيت الصيام بعد موسى عليه السلام. وقد اهتم شُرّاح العهد الجديد بالصيام رغم اعترافهم بعدم وجوب فرضه فيه، ويعتبرونه إلى جنب الصلاة والصلاة والصدقة أحد الأركان الأساسية لدينهم" (أ. عبد الرزاق رحيم صلال: العبادات في الأديان السماويّة، [ص:181]).

وما جاءت به النصرانية عبر مراحل تأثرها وتطورها يصعب تسميته بشرع سماوي، فالكثير الغالب فيه تشريع كنسي وضعه القساوسة والرهبان وصادقت عليه مجامعهم الكنسية التي عدت قراراتها ذات قدسية ملزمة على كل نصراني. وليس في العهد الجديد وصية تطلب الصوم، إنما يُفْهم أنه أمر اختياري يلجأ إليه النصراني عند الحاجة، ويقترن بالصلاة والتذلل، وليس في الكتاب المقدس -عند أهله- ما يحظر التنادي إلى يوم صوم وصلاة في كنيسة من الكنائس ولأجل حاجة ما" (انظر: [اللاويين 16: 29]، [صموئيل الثاني 12: 16، 20]، [إشعياء 58: 3 – 5]، [يونان 3: 5]).

والمتصفح لسيرة المسيح عليه السلام من خلال الأناجيل يبدو له أنه أراد للصائمين عدم إظهار صومهم للآخرين؛ حتى لا يصبحوا مرائين به، كما كان يفعل اليهود آنذاك، وبما أن الصوم عبادة نسكية وتوجه إلى الله تعالى نجد أن المسيح عليه السلام يحثُّ أتباعه على الصوم، ويمدحه (انظر: [متى 6: 16 - 18]، وأيضًا: [معجم اللاهوت الكتابي [ص:488]).

ويرى فريق من النصارى "أنّ المسيح عليه السلام لم يفرض عليهم صيامًا إلا الصوم الكبير (صوم يوم الكفارة)" السابق لعيد الفصح (أ. عبد الرزاق رحيم صلال: العبادات في الأديان السماويّة، [ص:182]).

"ومع ظهور البواكير الأولى للتشريع الكنسي تحددت بعض معالم الصيام، وما يجب تناوله من طعام، وما لا يجب عندما عرف الصيام بأنه "شريعة كنسية تكيفها الكنيسة حسب مقتضيات الزمان والمكان" (د. علي الخطيب: الصيام من البداية حتى الإسلام، [ص:151]، ط 1، 1980م. المكتبة العصرية – بيروت).

ويمكن تقسيم الصيام حسب الطوائف النصرانية إلى ثلاثة أقسام هي:

1- الصيام في الكنيسة الكاثوليكية:
"ويبدأ عندهم في منتصف الليل إلى نصف النهار، ويلتزم به مَنْ بلغ السابعة من العمر، وينتهي بالستين للرجال، والخمسين للنساء. والصيام اللازم في الكاثوليكية: هو الصيام الكبير، ويمتنعون عن أكل اللحم والألبان والبياض (البيض، والجبن، والحليب، والزبد) يومي الأربعاء والجمعة، لكنهم يلتزمون -اليوم- صيام يوم واحد" (د. علي الخطيب: الصيام من البداية حتى الإسلام، [ص:151]، ط 1، 1980م، المكتبة العصرية – بيروت).


"وقد أعطت الكنيسة الكاثوليكية السلطة لرجال كنيستها بإعفاء من رغب من أتباعها من الواجبات الدينية ومنها الصيام، مما مكنها من فرض أصوام متفاوتة بجانب فرائض أخرى على المتهمين بجرائم متفاوتة، يمارسونها عدة سنوات لا شهورًا وأيامًّا، وهكذا بقي في قانون الكنيسة العالمي (الكاثوليكي) الصيام في جميع أيام الأحد ويوم القديس (مرقس) وأسبوع الفصح وأيام الطلبات (البركات) وجميع أيام السبت والجمعة" (د. علي الخطيب: الصيام من البداية حتى الإسلام، [ص:152]، وأيضًا: أغناطيوس فرزلي: التعليم المسيحي الأرثوذكسي، [ص:84]، د. ت. مطبعة أناتوليى – الإسكندرية).

2- الصيام في الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية:
تتفق الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية مع نظيرتها الكاثوليكية في الصوم الكبير باعتباره أهم وأعمّ أنواع الصيام ومدته خمسون يومًا أو خمسة وخمسون يومًا ولديهم طريقة فلكية لضبط وقته من عام إلى عام، حيث إن النسيء يحول دون وضع تاريخ ثابت له، وينبغي أن يبدأ بيوم الإثنين.


ولها أصوام أخرى أهمها:

أ- صوم الأربعين يومًا؛ ويصومون قبلها أسبوعًا سموه أسبوع الاستعداد وبعده أسبوعًا آخر سموه أسبوع الآلام.

ب- صوم الميلاد؛ ومدته أربعون يومًا من 25 من نوفمبر إلى 6 من يناير.

ج- صوم العنصرة (الرسل)؛ وتمارسه الكنيسة منذ عصر الرسل ليس عدد محدد من الأيام، ويترك أمره بيوم "أحد العنصرة". فإذا زادت أيام الصوم، وإذا تأخر انقضت وتنتهي تقريبًا في 11 أيلول.

د- صوم العذراء؛ ومدته خمسون يومًا.

هـ - صوم نينوى؛ ومدته ثلاثة أيام، ويعتقدون أن يونس عليه السلام قد بدأ هذا الصيام ببطن الحوت (يونان 1: 17).

و- وللكنيسة صيام آخر متفاوت بين اليوم والثلاثة: ويُسمّى صيام البراموت (الاستعداد) (القس شنودة يوحنا: الصوم في كنيستنا القبطية الأرثوذوكسية، [ص:25]، ط 1963م، مطبعة الإسكندرية).

3- الصيام في الكنيسة البروتستانتية:
وتترك الكنيسة البروتستانتية مسألة الصوم الشخصي الذي يقرر فيه الصائم لنفسه الصوم، وكيفيته، وَفْقَ رغبته الشخصية النابعة عن إحساسه الذاتي، فإذا ما صام وأفطر يحلّ له أكل ما يشتهيه من المأكولات، فهو عندهم مستحب وليس بواجب. وتختلف الكنيسة البروتستانتية عن الأرثوذكسية القبطية؛ بأن الأولى تنكر الصيام والثانية تتمسك به" (د. علي الخطيب: الصيام من البداية حتى الإسلام، [ص:161-162]).


4- صيام طائفتي الأرمن والقبط:
إنّ أشدّ أنواع الصيام عند النصارى هو عند الأرمن والقبط: إذ يصومون الأربعاء والجمعة من كل أسبوع إلا ما وقع منها بين الفصح والصعود، ويصومون عشرة أسابيع من كل سنة، وهي:


- بعد الأحد الأول من عيد الثالوث.
- بعد عيد التجلي.
- بعد عيد الصليب في أيلول.
- بعد الأحد الثالث عشر من عيد الثالوث.
- بعد الواحد والعشرين من عيد الثالوث.
- الصوم السابق لعيد الميلاد.
- صوم الميلاد.
- صوم المر.
- صوم الفصح (بطرس البستانى: دائرة المعارف، جـ 11، [ص:70]).

وفي نهاية بحثنا عن الصيام عند النصارى أذكر ما اتفقت عليه الفرق النصرانية بخصوص الصيام، فهي قد رفعت الأناجيل من طريق التشريع وأبعدتها عن التوجه له، وأعطت الكنيسة وحدها هذا الحق، كما أنها لم تر بأسًا بالاتصال الجنسي بين الزوجين فهذا لا شأن له بالصيام ولا يفسده من قريب أو بعيد.


واختلفت في نقاط عدة منها:

- لون التكليف بالصيام، فلا اتفاق بينها على أن يكون فرضًا.

- لا اتفاق بينهما في بداية أو نهاية مدة الصيام، وأمر ذلك متروك للصائم ينهيه متى شاء ما دام لا يطيق الاستمرار على ذلك.

- الصمت يقبل عليه الكاثوليك أكثر من غيرهم، وله شأن في برامجهم الدينية.

- أقرت الكنيسة الكاثوليكية صيام السبت، ومنعه الأرثوذكس إلا في سبت واحد يقع قبل عيد القيامة مباشرة (د. علي الخطيب: الصيام من البداية حتى الإسلام، [ص:162-163]. وقارن: د. سعود عبد العزيز الخلف: دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية، [ص:268-269]، ط 1، 1418هـ / 1997م، مكتبة أضواء السلف – الرياض).

وفيما ذكرته يتضح لنا أن المسيح عليه السلام لم يصم أو يدعو إلى صيام ما صاموه آنفًا، فهو صام أربعين يومًا في البرية فقط. وجميع صيام النصارى متأثر بما توارثوه من الأمم الوثنية، خاصة الهنود والفرس واليونان والبابليين (بطرس البستاني: دائرة المعارف، ج 14، [ص:397]).


وفي المانوية فرض ماني عليهم صيام سبعة أيام أبد الدهر من كل شهر (ابن النديم: الفهرست، [ص:396]، وأيضًا: أرثر كريستنسن: إيران في عهد الساسانيين، [ص:183]).

ولم يكن الصيام موجودًا فقط في اليهودية والمسيحية والإسلام؛ بل كان موجودًا في سائر الأمم السابقة، عبر الزمان والمكان. بل إنّ كلمة الصيّام قد استقرّت في التيوتونية العتيقة (اللغة القديمة للشعوب الألمانية، والإسكندنافية، والإنجليزية)، وفي اللاتينية، واليونانية، كما احتل الصيام مكانة بارزة عند فارس، والهند، حتى قيل: "إن الصيام عُرْف دينيّ عالميّ (د. أحمد غنيم: فلسفة الصيام "في الديانة اليهودية، والنصرانية، وفي الإسلام"، [ص:6]).

وفي نهاية بحثنا أذكر أنّ الله تعالى بَيّن الغاية والهدف من الصيام بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183].

والصوم عبادة روحية تربوية تهذيبيّة ليس المراد منها صيام البطون عن الطعام، وإن كان للجسد نصيبه من فوائد الصوم، وإنما المطلوب أيضًا صيام الجوارح عن الحرام.

غزوة بدر.. دروس وعِبَر

أتناول الحديث عن غزوة بدر الكبرى؛ للاستفادة منها في الأحداث التي تَمُرّ بالمسلمين في واقعنا المعاصر، خاصة والصف الإسلامي اليوم طريح ضعف، وطليح ذلّ ومسكنة على موائد اللِّئام.


الحمد لله الذى وزّع بين الخلق الهِبَات والمواهب، وأظهر في النابغين منهم العجائب والغرائب، وأكرم السالكين والمُجدِّين منهم بأعلى وأغلى الطلائِب والرغائب، والصلاة والسلام على مَنْ كان اتِّبَاعُه سببًا في النجاة من النوائب. وبعد:
فقد ورد عن أبى حنيفة قوله: "معرفة السِيّر تغنى عن كثير من الفقه"، لأن هذه السِيّر الكريمة تحوى الفقه والتطبيق العملي الواقعي له، وفيها العِبَر المُسْتَلّةُ من أحداث التاريخ.
وقد رأيت أن أتناول الحديث عن غزوة بدر الكبرى؛ للاستفادة منها في الأحداث التي تَمُرّ بالمسلمين في واقعنا المعاصر، خاصة والصف الإسلامي اليوم طريح ضعف، وطليح ذلّ ومسكنة على موائد اللِّئام.
وقعت غزوة بدر الكبرى أو يوم الفرقان في رمضان من السنة الثانية من الهجرة بين الطائفة المؤمنة التي باعت الدنيامن أجل الآخرة ونعيمها والثُّلّة الكافرة[1].
بدأت المعركة بمحاولة المسلمين اعتراض عيرٍ لقريشٍ متوجهةٍ من الشام إلى مكة يقودها أبو سفيان بن حرب الذى تَمَكّن من الفِرَار بالقافلة، وأرسل رسولًا إلى قريش؛ طلبًا للعَوْنِ والنَّجْدة، فاستجابت قريشٌ وخرجت لقتال المسلمين. كان تَعْدَاد المسلمين في هذه الغَزَاة ثلاث مائة وبضعة عشر رجلًا، معهم فَرَسان وسبعون جملًا، أمّا جيش قريش فقوامه ألفَ رجلٍ معهم مائتا فرس، أي كانوا يُشكِّلون ثلاثة أضعاف جيش المسلمين من حيث العدد تقريبًا. وأسفرت الغَزَاةُ عن انتصار للمسلمين على قريش في مَحلٍّ سامق ومَجدٍ سَابقٍ وقتل قائدهم جاسي السريرة عمرو بن هشام. وكان عدد من قُتل من قريش في غزوة بدر سبعين رجلًا وأُسِرَ منهم سبعون آخرون، أما المسلمون فلم يُقتل منهم سوى أربعة عشر رجلًا، ستة منهم من المهاجرين وثمانية من الأنصار.
وقد تمخَّضَتْ غَزَاةُ بدر عن دروس وعِبَر أرى في سَرْدِها مَنْفعةً للصف الإسلامي، ومَعِينًا من التجارب تَمْتَاحُ منه الجماعات المجاهدة في العالم ضدّ عتاة المستكبرين، وطواغيت البريّة:
1- الابتكار في الخُطط العسكرية:
لقد ابتكر الرسول صلى الله عليه وسلم في قتاله مع المشركين يوم بدر أسلوبًا جديدًا في منازلة الأعداء يتمثل في نظام الصفوف [2]. وهذا الأسلوب أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} [الصف:4]. وقد كانت العرب تقاتل بأسلوب الكرّ والفرّ، وهو الأسلوب المعهود بينهم، فعمد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ابتكار أسلوب الصفوف.
ويعتبر الإبداع والابتكار ميزة رائدة تنماز بها العسكرية الإسلامية في المعارك. ومن أشهر الخطط العسكرية المُبدعة في التاريخ العسكري للمسلمين خُطّة محمد الفاتح [3] في فتح القسطنطينية، فقد وصل بسفنه المُحمّلة بالمدافع الضخمة إلى مضيق الدردنيل، فوجد أن البيزنطيين قد سدُّوا المضيق بمجموعة من السلاسل الضخمة الممتدة بين الشاطئين؛ بحيث تمنع السفن من العبور، فقرر القائد المِغْوَار أن يقوم بأكبر عملية نقل أسطول بَحْرىّ في التاريخ، وقام الجيش كله بسحب السفن على أعمدة خشبية ووضعها على قمة الجبل، ثمّ التفَّ من خلف السلاسل، وأنزل الأسطول في البحر مرَّة أخرى، ففوجئ البيزنطيون بحركة الالتفاف التي لم يسبق لها مثيل في التاريخ كله، وكانت نتيجة المفاجأة وعنصر الدَّهشةِ أن سقطت المدينةُ في قبضته بأقل الخسائر [4].
ويعتبر المجاهد البطل أصلان مسخادوف [5]، أحد أبرز قادة المجاهدين الشيشان الذين قادوا الجهاد المسلح للدفاع عن الشيشان المسلمة، خلال أعوام طويلة، شملت الحربين الرئيستين بين الشيشان والاحتلال الروسي. وخلال ذلك أبرز المجاهد الشجاع من الابتكار في الخطط الحربية ما أذهل الدب الروسي اللعين، وأوقف زحف الروس في الشيشان التي تمكّنت في بضعة آلاف من المجاهدين أن تكسر شموخ الدُّبّ الروسي الذى نَاوَشَ الأمّة المسلمة في أكثر من 400,000 مقاتل.
وأنت واجِدٌ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم يتّسم بالبراعة العسكرية؛ فقد كان يُعْطى التعليمات العسكرية التي كان يصدرها خلال تطبيقه لها، اعتمادًا على عنصر المُبَاغتة للعدو. وهذا يطابق تمامًا الأصول الحديثة في استخدام الأسلحة [6].
2- الاستفادة من الظروف البيئية المحيطة أثناء قتال العدو:
لم يغفل النبي صلى الله عليه وسلم الاستفادة من الظروف الطبيعية أثناء قتال العدو، فقد كان يستفيد من كل الظروف المحيطة في ميدان المعركة لخدمة صفّه. ومن أمثلة ذلك ما فعله صلى الله عليه وسلم قبل بدء القتال يوم بدر، يقول المقريزي: "وأصبح صلى الله عليه وسلم ببدر قبل أن تنزل قريش، فطلعت الشمس وهو يصفهم فاستقبل المغرب وجعل الشمس خلفه فاستقبلوا الشمس" [7].
3- الحرص على رفع الروح المعنوية للجنود:
كان صلى الله عليه وسلم يَحثُّ أصحابه على القتال ويحرضهم عليه امتثالًا لقوله تعالى:  {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ} [الأنفال:65]. ففي غَزَاة بدر الكبرى رفع صلى الله عليه وسلم الروح المعنوية لأصحابه قائلًا: «قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ» [8]. 
وفى المجال العسكري تلعب الروح المعنوية دورًا بارزًا في صَقْل شخصية المُحارب؛ إذ الروح المعنوية المرتفعة تُمثّل مصدرًا من مصادر التفوق العسكري، والصمود أمام المشاقّ التي تلاقى المجاهد في ساحة الوغى.
ومن صور التعبئة المعنوية أنه صلى الله عليه وسلم كان يبشرهم بقتل صناديد المشركين، وزيادة لهم في السكينة والاطمئنان كان يحدد مكان قتلى كل واحد منهم‏‏ [9]. وقد أثرت هذه التعبئة المعنوية في نفوس أصحابه رضوان الله عليهم والذين جاءوا من بعدهم بإحسان [10].‏

4- الدعاء أحد الأسلحة الفتّاكة في مواجهة الأعداء:
لما نظّم صلى الله عليه وسلم صفوف جيشه، وأخذ بكل الأسباب المُتَاحة، رجع إلى عريشه الذى بُنى له ومعه صاحبه أبو بكر، وسعد بن معاذ على باب العريش لحراسته وهو شاهر سيفه، واتجه صلى الله عليه وسلم إلى الدعاء قائلًا: «اللهمَّ أَنجِزْ لي ما وعدتني. اللهمَّ آتِ ما وعدتني، اللهمَّ إن تَهلِك هذه العصابةُ من أهلِ الإسلامِ لا تُعبدُ في الأرض» [11].
ونحن نعلم أن الدعاء مَطِيَّةُ مَظِنة الخطر، وحقيقته: إظهار الافتقَار إليه، والتبرُّؤ من الحول والقوة، وهو سمة العبودية، واستشعار الذِّلةِ البشرية، وفيه معنى الثناء على الله تعالى، وإضافة الجود، والكرم إليه؛ ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة» [12].
وكم أقام الدعاء ممالك وأزال ممالك! فلا ينبغي للطائفة المؤمنة إهمال الدعاء؛ فشأنه عظيم، وأمره جسيم. يقول الخطابي رحمه الله: "معنى الدعاء استدعاء العبد ربَّه عزَّ وجل العنايةَ، واستمدادُه منه المعونة، وحقيقته إظهار الافتقار إلى الله تعالى، والتبرّؤ من الحول والقوة، وهو سمة العبودية واستشعارُ الذلة البشريَّة، وفيه معنى الثناء على الله عزَّ وجل، وإضافة الجود والكرم إليه" [13].
5- الحرب قائمة بين أهل الإيمان والكفر لا محالة:
لا شك أنّ من أهم وأخطر سنن الله تعالى في العلاقة بين الناس هو التدافع بين الحق والباطل، والصراع بين الإيمان والكفر. وبالتالي فالذين يَسْعَوْن لإقامة التعايش السِّلْمي والأمان الاجتماعي مع الأعداء في مقابل التنازل عن ثوابت الإسلام هم واهمون، يبحثون عن سراب. ألم يسمع هؤلاء الرويبضة قول ابن جوريون: "نحن قوم لا نحيا إلا بعدو"؟!
وقد ورد ذكر سنة التدافع في موضعين من كتاب الله تعالى؛ فأما الموضع الأول فبعد قصة المنازلة بين طالوت وجالوت، قال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّـهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}  [البقرة من الآية:251]. أمّا الموضع الثاني فعند الإذن بالجهاد وبيان مشروعيته، قال سبحانه:  {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّـهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّـهِ كَثِيرًا} [الحج من الآية:40].
6- تواجد القائد مع جنوده في ساحة النِّزَالِ:
فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم أشجع الناس؛ حيث كان مع قومه في قلب المعركة وفى ميدانها، بل كان يُسوِّى صفوفهم بيده الشريفة الكريمة صلى الله عليه وسلم.
والقائد الناجح هو من يُشارك جنوده لَأْواء المشاقّ وكَأْداء الحروب، ويُكابد معهم الآكام والشِّعَاب. فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا يوم بدر، كل ثلاثة على بعير، فكان أبو لبابة وعلى بن أبي طالب زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فكانت إذا جاءت عقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالا : نحن نمشي عنك قال: «ما أنتما بأقوى مني وما أنا بأغنى عن الأجر منكما» [14].
7- النصر من عند الله:
إنَّ حقيقة النصر في غزاة بدر كانت من الله تعالى، وقد حكم اله تعالى بذلك في قوله: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّـهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ ۗ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّـهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران:126]. وقد قيّد الله تعالى النصر بقوله: {وَعَدَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:55].
فإذا انتصر الكفر، وكان للكافرين الصَّوْلة والدولة والغلبة على المؤمنين، في بعض الأزمنة أو الأمكنة؛ فذلك لتخلف سبب النصر وشرطه؛ فيُعَاقب الله المؤمنين على تفريطهم في دينهم وما أمروا به لعلهم يرجعون، ويكون هذا ابتلاء وتمحيصًا للمؤمنين، وإمهالًا واستدراجًا للكافرين.
8- التركيز على وسائل الإعلام:
فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يَحثُّ شعراء المسلمين على القيام بواجبهم في الدفاع عن المسلمين وإخافة الأعداء بشعرهم؛ إذ كان الشعر يمثل الحملات الإعلامية المؤثرة في دنيا العرب، فيرفع أقوامًا ويخفض آخرين، ويُشعل الحروب الضارية ويُطفئها [15]. ولا شك أن للإعلام دور في إحداث النكاية في الأعداء. ولا بد للصفِّ الإسلامي أن يُوَطِّن نفسه على تلقي الصواعق المُرْسلة من إعلام الأعداء، مِصْدَاقًا لقول جحدر بن معاوية العُكْلى:
بِكُلِّ صروفِ الدّهرِ قد عِشْتَ حِقْبَةً *** وقَدْ حملتْنِي بينها كُلَّ مُحْملِ
ومن الغفلة انتظار الإنصاف من الأعداء؛ إذ كيف آمنك، وهذا أثر فأسك؟! ولا بُدّ من مواجهة الخصوم بإعلام يستأصل شأفتهم، ويُبيدُ خضراءهم.
هذا ومن لطيف القول أنه قد ورد في سفر إشعياء إشارة إلى غزاة بدر: "وَحْيٌ مِنْ جِهَةِ بِلاَدِ الْعَرَبِ: فِي الْوَعْرِ فِي بِلاَدِ الْعَرَبِ تَبِيتِينَ، يَا قَوَافِلَ الدادانيين، هَاتُوا مَاءً لِمُلاَقَاةِ الْعَطْشَانِ، يَا سُكَّانَ أَرْضِ تَيْمَاءَ. وَافُوا الْهَارِبَ بِخُبْزِهِ، فَإِنَّهُمْ مِنْ أَمَامِ السُّيُوفِ قَدْ هَرَبُوا. مِنْ أَمَامِ السَّيْفِ الْمَسْلُولِ، وَمِنْ أَمَامِ الْقَوْسِ الْمَشْدُودَةِ، وَمِنْ أَمَامِ شِدَّةِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُ هكَذَا قَالَ لِيَ السَّيِّدُ: " فِي مُدَّةِ سَنَةٍ كَسَنَةِ الأَجِيرِ يَفْنَى كُلُّ مَجْدِ قِيدَارَ، وَبَقِيَّةُ عَدَدِ قِسِيِّ أَبْطَالِ بَنِي قِيدَارَ تَقِلُّ، لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَ إِسْرَائِيلَ قَدْ تَكَلَّمَ" (إصحاح:21).
وقد قام كل من أ. عصام أحمد حسين، د. ليلى صالح محمد بدراسة هذه الغزاة في سفر إشعياء، وانتهت هذه الدراسة إلى نتائج هي:
1- رَسَم نص نبوءة أشعياء 21/13-17 وبدقة المسرح الجغرافي لحدثين مُهمَّين متعاقبين في المكان (بلاد العرب- وظروف الهجرة من مكة إلى المدينة المنورة ومسارها).
2- حَدَد نص نبوءة إشعياء 21/13-17 هُوِيّة المخاطبين (سكان تيماء)، وأدوارهم كجماعة بشرية يسكنون في تلك المناطق المذكورة بالاسم.
3- وَصَف نص نبوءة إشعياء 21/13-17 شخصين رئيسين في قلب الحدث (الهجرة) وهما كما ورد في القرآن الكريم: الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق رضى الله عنه. يقول الله عز وجل : {إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّـهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّـهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّـهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّـهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّـهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة:40].
4- ذكر النص أهمية حدث (الهجرة)، وتأثيره على التاريخ الذي أصبح يؤرخ به التاريخ الهجري ودوره في الدولة الإسلامية.
5- ذكر النص أهمية الحدث الذى يحدث بعد الهجرة بعام هي (غزوة بدر الكبرى) وأهميتها في تغير مجرى الأحداث في المدينة المنورة والإسلام [16].
هذا، وآمل أن أكون ما كتبته عَذْب المشرب، نقى الساحة من المأثم. والحمد لله أولًا وآخرًا.

_______________________________
[1] بعد نزول النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه على أدنى ماء بدر من المشركين، اقترح الصحابي الجليل سعد بن معاذ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بناء عريش له يكون مقرًا لقيادته ويأمن فيه من العدو. ويستفاد من بناء العريش أمور، منها: لا بد أن يكون مكان القيادة مشرفًا على أرض المعركة، يتمكن القائد فيه من متابعة المعركة وإدارتها. وينبغي الاهتمام بحياة القائد، وصونها من التعرض لأى خطر (انظر: سيرة ابن هشام، ج [2]، ص [233] تحقيق عمر عبد السلام تدمري ط [3] 1440هـ 1990م. دار الكتاب العربي). ولما وصل قريبًا من بدر علم بمسير قريش، فأخبر أصاحبه بذلك واستشارهم في الأمر ليكونوا على بصيرة من ذلك. قال سعد: "قد آمنا بك يا رسول الله وصدقناك وأعطيناك عهودنا فامض  يا رسول الله  لما أمرت، فوالذي بعثك بالحق إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لنخوضنه معك، وما نكره أن تلقى العدو بنا غدًا، وانا لصبرٌ عند الحرب، صدقٌ عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله" (ابن الأثير الجزري: الكامل ج [2]، ص [١٢٠]، تحقيق عبد الله القاضي، ط 1987م. دار الكتب العلمية).
[2] صفة هذا الأسلوب: أن يكون المقاتلون على هيئة صفوف الصلاة، وتقل هذه الصفوف أو تكثر، حسب قلة
المقاتلين أو كثرتهم. ويتترس الجيش بالصفوف الأولى من أصحاب الرماح لصد هجمات الفرسان، وتكون الصفوف التي خلفها من أصحاب النبال، لتسديدها نحو الأعداء. وقد استفاد المسلمون من هذه الخُطّة المبتكرة في إرهاب الأعداء ودلالة على حسن وترتيب النظام عند المسلمين (د. عبد الله محمد الرشيد: القيادة العسكرية، ص [401]، رسالة دكتوراه، جامعة الإمام).
[3] السلطان الفاتح محمد بن مراد الثاني خان ثاني، سابع سلاطين الدولة العثمانية وسلالة آل عثمان، يُلقب، إلى جانب (الفاتح)، بأبي الفتوح وأبى الخيرات. حكم ما يقرب من ثلاثين عامًا عرفت توسعًا كبيرًا للخلافة الإسلامية. استطاع أن يقضى نهائيًا على الإمبراطورية البيزنطية بعد أن استمرّت أحد عشر قرنًا ونيفًا. وقد نجح الشيخ (آق شمس الدين) -وكان واحدًا ممن قام على تربية محمد الفاتح وتعليمه- في بث روح الجهاد والتطلع إلى الأمور السامقة في نفس الأمير الصغير، وأن يُوحى له بأنه المقصود ببشارة النبي صلى الله عليه وسلم في فتح القسطنطينية. ولا شكّ أنّ هذا الإيحاء كان له دور كبير في حياة محمد الفاتح فنشأ محبًّا للجهاد، عالي الهمة والطموح، واسع الثقافة، وعلى دِرَاية مذهلة بفنون الحرب والقتال. وكان من تقدير الله أن باغته الموت فجأة وهو يستعد لفتح روما، فمات في (4 من ربيع الأول 886 هـ / 3 من مايو 1481م). وابتهجت أوروبا الصليبية كلها بعد سماعها نبأ الوفاة الحزين المؤلم للطائفة المجاهدة. وأمر بابا روما بصلاة الشكر لموت هذا البطل الذى أذلّ الصليبية العالمية، وألزمها الرُّغام والصَّغار. وإن شاء الله نحن عائدون يا روما فلا تبتهجي! مَنْ يضحكْ أخيرًا يضحكْ كثيرًا! (للتوسع في الترجمة انظر: ويكيبيديا).

غزوة بدر.. دروس وعِبَر

غزوة بدر.. دروس وعِبَر

أتناول الحديث عن غزوة بدر الكبرى؛ للاستفادة منها في الأحداث التي تَمُرّ بالمسلمين في واقعنا المعاصر، خاصة والصف الإسلامي اليوم طريح ضعف، وطليح ذلّ ومسكنة على موائد اللِّئام.


الحمد لله الذى وزّع بين الخلق الهِبَات والمواهب، وأظهر في النابغين منهم العجائب والغرائب، وأكرم السالكين والمُجدِّين منهم بأعلى وأغلى الطلائِب والرغائب، والصلاة والسلام على مَنْ كان اتِّبَاعُه سببًا في النجاة من النوائب. وبعد:
فقد ورد عن أبى حنيفة قوله: "معرفة السِيّر تغنى عن كثير من الفقه"، لأن هذه السِيّر الكريمة تحوى الفقه والتطبيق العملي الواقعي له، وفيها العِبَر المُسْتَلّةُ من أحداث التاريخ.
وقد رأيت أن أتناول الحديث عن غزوة بدر الكبرى؛ للاستفادة منها في الأحداث التي تَمُرّ بالمسلمين في واقعنا المعاصر، خاصة والصف الإسلامي اليوم طريح ضعف، وطليح ذلّ ومسكنة على موائد اللِّئام.
وقعت غزوة بدر الكبرى أو يوم الفرقان في رمضان من السنة الثانية من الهجرة بين الطائفة المؤمنة التي باعت الدنيامن أجل الآخرة ونعيمها والثُّلّة الكافرة[1].
بدأت المعركة بمحاولة المسلمين اعتراض عيرٍ لقريشٍ متوجهةٍ من الشام إلى مكة يقودها أبو سفيان بن حرب الذى تَمَكّن من الفِرَار بالقافلة، وأرسل رسولًا إلى قريش؛ طلبًا للعَوْنِ والنَّجْدة، فاستجابت قريشٌ وخرجت لقتال المسلمين. كان تَعْدَاد المسلمين في هذه الغَزَاة ثلاث مائة وبضعة عشر رجلًا، معهم فَرَسان وسبعون جملًا، أمّا جيش قريش فقوامه ألفَ رجلٍ معهم مائتا فرس، أي كانوا يُشكِّلون ثلاثة أضعاف جيش المسلمين من حيث العدد تقريبًا. وأسفرت الغَزَاةُ عن انتصار للمسلمين على قريش في مَحلٍّ سامق ومَجدٍ سَابقٍ وقتل قائدهم جاسي السريرة عمرو بن هشام. وكان عدد من قُتل من قريش في غزوة بدر سبعين رجلًا وأُسِرَ منهم سبعون آخرون، أما المسلمون فلم يُقتل منهم سوى أربعة عشر رجلًا، ستة منهم من المهاجرين وثمانية من الأنصار.
وقد تمخَّضَتْ غَزَاةُ بدر عن دروس وعِبَر أرى في سَرْدِها مَنْفعةً للصف الإسلامي، ومَعِينًا من التجارب تَمْتَاحُ منه الجماعات المجاهدة في العالم ضدّ عتاة المستكبرين، وطواغيت البريّة:
1- الابتكار في الخُطط العسكرية:
لقد ابتكر الرسول صلى الله عليه وسلم في قتاله مع المشركين يوم بدر أسلوبًا جديدًا في منازلة الأعداء يتمثل في نظام الصفوف [2]. وهذا الأسلوب أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} [الصف:4]. وقد كانت العرب تقاتل بأسلوب الكرّ والفرّ، وهو الأسلوب المعهود بينهم، فعمد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ابتكار أسلوب الصفوف.
ويعتبر الإبداع والابتكار ميزة رائدة تنماز بها العسكرية الإسلامية في المعارك. ومن أشهر الخطط العسكرية المُبدعة في التاريخ العسكري للمسلمين خُطّة محمد الفاتح [3] في فتح القسطنطينية، فقد وصل بسفنه المُحمّلة بالمدافع الضخمة إلى مضيق الدردنيل، فوجد أن البيزنطيين قد سدُّوا المضيق بمجموعة من السلاسل الضخمة الممتدة بين الشاطئين؛ بحيث تمنع السفن من العبور، فقرر القائد المِغْوَار أن يقوم بأكبر عملية نقل أسطول بَحْرىّ في التاريخ، وقام الجيش كله بسحب السفن على أعمدة خشبية ووضعها على قمة الجبل، ثمّ التفَّ من خلف السلاسل، وأنزل الأسطول في البحر مرَّة أخرى، ففوجئ البيزنطيون بحركة الالتفاف التي لم يسبق لها مثيل في التاريخ كله، وكانت نتيجة المفاجأة وعنصر الدَّهشةِ أن سقطت المدينةُ في قبضته بأقل الخسائر [4].
ويعتبر المجاهد البطل أصلان مسخادوف [5]، أحد أبرز قادة المجاهدين الشيشان الذين قادوا الجهاد المسلح للدفاع عن الشيشان المسلمة، خلال أعوام طويلة، شملت الحربين الرئيستين بين الشيشان والاحتلال الروسي. وخلال ذلك أبرز المجاهد الشجاع من الابتكار في الخطط الحربية ما أذهل الدب الروسي اللعين، وأوقف زحف الروس في الشيشان التي تمكّنت في بضعة آلاف من المجاهدين أن تكسر شموخ الدُّبّ الروسي الذى نَاوَشَ الأمّة المسلمة في أكثر من 400,000 مقاتل.
وأنت واجِدٌ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم يتّسم بالبراعة العسكرية؛ فقد كان يُعْطى التعليمات العسكرية التي كان يصدرها خلال تطبيقه لها، اعتمادًا على عنصر المُبَاغتة للعدو. وهذا يطابق تمامًا الأصول الحديثة في استخدام الأسلحة [6].
2- الاستفادة من الظروف البيئية المحيطة أثناء قتال العدو:
لم يغفل النبي صلى الله عليه وسلم الاستفادة من الظروف الطبيعية أثناء قتال العدو، فقد كان يستفيد من كل الظروف المحيطة في ميدان المعركة لخدمة صفّه. ومن أمثلة ذلك ما فعله صلى الله عليه وسلم قبل بدء القتال يوم بدر، يقول المقريزي: "وأصبح صلى الله عليه وسلم ببدر قبل أن تنزل قريش، فطلعت الشمس وهو يصفهم فاستقبل المغرب وجعل الشمس خلفه فاستقبلوا الشمس" [7].
3- الحرص على رفع الروح المعنوية للجنود:
كان صلى الله عليه وسلم يَحثُّ أصحابه على القتال ويحرضهم عليه امتثالًا لقوله تعالى:  {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ} [الأنفال:65]. ففي غَزَاة بدر الكبرى رفع صلى الله عليه وسلم الروح المعنوية لأصحابه قائلًا: «قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ» [8]. 
وفى المجال العسكري تلعب الروح المعنوية دورًا بارزًا في صَقْل شخصية المُحارب؛ إذ الروح المعنوية المرتفعة تُمثّل مصدرًا من مصادر التفوق العسكري، والصمود أمام المشاقّ التي تلاقى المجاهد في ساحة الوغى.
ومن صور التعبئة المعنوية أنه صلى الله عليه وسلم كان يبشرهم بقتل صناديد المشركين، وزيادة لهم في السكينة والاطمئنان كان يحدد مكان قتلى كل واحد منهم‏‏ [9]. وقد أثرت هذه التعبئة المعنوية في نفوس أصحابه رضوان الله عليهم والذين جاءوا من بعدهم بإحسان [10].‏

4- الدعاء أحد الأسلحة الفتّاكة في مواجهة الأعداء:
لما نظّم صلى الله عليه وسلم صفوف جيشه، وأخذ بكل الأسباب المُتَاحة، رجع إلى عريشه الذى بُنى له ومعه صاحبه أبو بكر، وسعد بن معاذ على باب العريش لحراسته وهو شاهر سيفه، واتجه صلى الله عليه وسلم إلى الدعاء قائلًا: «اللهمَّ أَنجِزْ لي ما وعدتني. اللهمَّ آتِ ما وعدتني، اللهمَّ إن تَهلِك هذه العصابةُ من أهلِ الإسلامِ لا تُعبدُ في الأرض» [11].
ونحن نعلم أن الدعاء مَطِيَّةُ مَظِنة الخطر، وحقيقته: إظهار الافتقَار إليه، والتبرُّؤ من الحول والقوة، وهو سمة العبودية، واستشعار الذِّلةِ البشرية، وفيه معنى الثناء على الله تعالى، وإضافة الجود، والكرم إليه؛ ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة» [12].
وكم أقام الدعاء ممالك وأزال ممالك! فلا ينبغي للطائفة المؤمنة إهمال الدعاء؛ فشأنه عظيم، وأمره جسيم. يقول الخطابي رحمه الله: "معنى الدعاء استدعاء العبد ربَّه عزَّ وجل العنايةَ، واستمدادُه منه المعونة، وحقيقته إظهار الافتقار إلى الله تعالى، والتبرّؤ من الحول والقوة، وهو سمة العبودية واستشعارُ الذلة البشريَّة، وفيه معنى الثناء على الله عزَّ وجل، وإضافة الجود والكرم إليه" [13].
5- الحرب قائمة بين أهل الإيمان والكفر لا محالة:
لا شك أنّ من أهم وأخطر سنن الله تعالى في العلاقة بين الناس هو التدافع بين الحق والباطل، والصراع بين الإيمان والكفر. وبالتالي فالذين يَسْعَوْن لإقامة التعايش السِّلْمي والأمان الاجتماعي مع الأعداء في مقابل التنازل عن ثوابت الإسلام هم واهمون، يبحثون عن سراب. ألم يسمع هؤلاء الرويبضة قول ابن جوريون: "نحن قوم لا نحيا إلا بعدو"؟!
وقد ورد ذكر سنة التدافع في موضعين من كتاب الله تعالى؛ فأما الموضع الأول فبعد قصة المنازلة بين طالوت وجالوت، قال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّـهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}  [البقرة من الآية:251]. أمّا الموضع الثاني فعند الإذن بالجهاد وبيان مشروعيته، قال سبحانه:  {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّـهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّـهِ كَثِيرًا} [الحج من الآية:40].
6- تواجد القائد مع جنوده في ساحة النِّزَالِ:
فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم أشجع الناس؛ حيث كان مع قومه في قلب المعركة وفى ميدانها، بل كان يُسوِّى صفوفهم بيده الشريفة الكريمة صلى الله عليه وسلم.
والقائد الناجح هو من يُشارك جنوده لَأْواء المشاقّ وكَأْداء الحروب، ويُكابد معهم الآكام والشِّعَاب. فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا يوم بدر، كل ثلاثة على بعير، فكان أبو لبابة وعلى بن أبي طالب زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فكانت إذا جاءت عقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالا : نحن نمشي عنك قال: «ما أنتما بأقوى مني وما أنا بأغنى عن الأجر منكما» [14].
7- النصر من عند الله:
إنَّ حقيقة النصر في غزاة بدر كانت من الله تعالى، وقد حكم اله تعالى بذلك في قوله: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّـهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ ۗ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّـهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران:126]. وقد قيّد الله تعالى النصر بقوله: {وَعَدَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:55].
فإذا انتصر الكفر، وكان للكافرين الصَّوْلة والدولة والغلبة على المؤمنين، في بعض الأزمنة أو الأمكنة؛ فذلك لتخلف سبب النصر وشرطه؛ فيُعَاقب الله المؤمنين على تفريطهم في دينهم وما أمروا به لعلهم يرجعون، ويكون هذا ابتلاء وتمحيصًا للمؤمنين، وإمهالًا واستدراجًا للكافرين.
8- التركيز على وسائل الإعلام:
فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يَحثُّ شعراء المسلمين على القيام بواجبهم في الدفاع عن المسلمين وإخافة الأعداء بشعرهم؛ إذ كان الشعر يمثل الحملات الإعلامية المؤثرة في دنيا العرب، فيرفع أقوامًا ويخفض آخرين، ويُشعل الحروب الضارية ويُطفئها [15]. ولا شك أن للإعلام دور في إحداث النكاية في الأعداء. ولا بد للصفِّ الإسلامي أن يُوَطِّن نفسه على تلقي الصواعق المُرْسلة من إعلام الأعداء، مِصْدَاقًا لقول جحدر بن معاوية العُكْلى:
بِكُلِّ صروفِ الدّهرِ قد عِشْتَ حِقْبَةً *** وقَدْ حملتْنِي بينها كُلَّ مُحْملِ
ومن الغفلة انتظار الإنصاف من الأعداء؛ إذ كيف آمنك، وهذا أثر فأسك؟! ولا بُدّ من مواجهة الخصوم بإعلام يستأصل شأفتهم، ويُبيدُ خضراءهم.
هذا ومن لطيف القول أنه قد ورد في سفر إشعياء إشارة إلى غزاة بدر: "وَحْيٌ مِنْ جِهَةِ بِلاَدِ الْعَرَبِ: فِي الْوَعْرِ فِي بِلاَدِ الْعَرَبِ تَبِيتِينَ، يَا قَوَافِلَ الدادانيين، هَاتُوا مَاءً لِمُلاَقَاةِ الْعَطْشَانِ، يَا سُكَّانَ أَرْضِ تَيْمَاءَ. وَافُوا الْهَارِبَ بِخُبْزِهِ، فَإِنَّهُمْ مِنْ أَمَامِ السُّيُوفِ قَدْ هَرَبُوا. مِنْ أَمَامِ السَّيْفِ الْمَسْلُولِ، وَمِنْ أَمَامِ الْقَوْسِ الْمَشْدُودَةِ، وَمِنْ أَمَامِ شِدَّةِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُ هكَذَا قَالَ لِيَ السَّيِّدُ: " فِي مُدَّةِ سَنَةٍ كَسَنَةِ الأَجِيرِ يَفْنَى كُلُّ مَجْدِ قِيدَارَ، وَبَقِيَّةُ عَدَدِ قِسِيِّ أَبْطَالِ بَنِي قِيدَارَ تَقِلُّ، لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَ إِسْرَائِيلَ قَدْ تَكَلَّمَ" (إصحاح:21).
وقد قام كل من أ. عصام أحمد حسين، د. ليلى صالح محمد بدراسة هذه الغزاة في سفر إشعياء، وانتهت هذه الدراسة إلى نتائج هي:
1- رَسَم نص نبوءة أشعياء 21/13-17 وبدقة المسرح الجغرافي لحدثين مُهمَّين متعاقبين في المكان (بلاد العرب- وظروف الهجرة من مكة إلى المدينة المنورة ومسارها).
2- حَدَد نص نبوءة إشعياء 21/13-17 هُوِيّة المخاطبين (سكان تيماء)، وأدوارهم كجماعة بشرية يسكنون في تلك المناطق المذكورة بالاسم.
3- وَصَف نص نبوءة إشعياء 21/13-17 شخصين رئيسين في قلب الحدث (الهجرة) وهما كما ورد في القرآن الكريم: الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق رضى الله عنه. يقول الله عز وجل : {إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّـهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّـهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّـهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّـهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّـهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة:40].
4- ذكر النص أهمية حدث (الهجرة)، وتأثيره على التاريخ الذي أصبح يؤرخ به التاريخ الهجري ودوره في الدولة الإسلامية.
5- ذكر النص أهمية الحدث الذى يحدث بعد الهجرة بعام هي (غزوة بدر الكبرى) وأهميتها في تغير مجرى الأحداث في المدينة المنورة والإسلام [16].
هذا، وآمل أن أكون ما كتبته عَذْب المشرب، نقى الساحة من المأثم. والحمد لله أولًا وآخرًا.

_______________________________
[1] بعد نزول النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه على أدنى ماء بدر من المشركين، اقترح الصحابي الجليل سعد بن معاذ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بناء عريش له يكون مقرًا لقيادته ويأمن فيه من العدو. ويستفاد من بناء العريش أمور، منها: لا بد أن يكون مكان القيادة مشرفًا على أرض المعركة، يتمكن القائد فيه من متابعة المعركة وإدارتها. وينبغي الاهتمام بحياة القائد، وصونها من التعرض لأى خطر (انظر: سيرة ابن هشام، ج [2]، ص [233] تحقيق عمر عبد السلام تدمري ط [3] 1440هـ 1990م. دار الكتاب العربي). ولما وصل قريبًا من بدر علم بمسير قريش، فأخبر أصاحبه بذلك واستشارهم في الأمر ليكونوا على بصيرة من ذلك. قال سعد: "قد آمنا بك يا رسول الله وصدقناك وأعطيناك عهودنا فامض  يا رسول الله  لما أمرت، فوالذي بعثك بالحق إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لنخوضنه معك، وما نكره أن تلقى العدو بنا غدًا، وانا لصبرٌ عند الحرب، صدقٌ عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله" (ابن الأثير الجزري: الكامل ج [2]، ص [١٢٠]، تحقيق عبد الله القاضي، ط 1987م. دار الكتب العلمية).
[2] صفة هذا الأسلوب: أن يكون المقاتلون على هيئة صفوف الصلاة، وتقل هذه الصفوف أو تكثر، حسب قلة
المقاتلين أو كثرتهم. ويتترس الجيش بالصفوف الأولى من أصحاب الرماح لصد هجمات الفرسان، وتكون الصفوف التي خلفها من أصحاب النبال، لتسديدها نحو الأعداء. وقد استفاد المسلمون من هذه الخُطّة المبتكرة في إرهاب الأعداء ودلالة على حسن وترتيب النظام عند المسلمين (د. عبد الله محمد الرشيد: القيادة العسكرية، ص [401]، رسالة دكتوراه، جامعة الإمام).
[3] السلطان الفاتح محمد بن مراد الثاني خان ثاني، سابع سلاطين الدولة العثمانية وسلالة آل عثمان، يُلقب، إلى جانب (الفاتح)، بأبي الفتوح وأبى الخيرات. حكم ما يقرب من ثلاثين عامًا عرفت توسعًا كبيرًا للخلافة الإسلامية. استطاع أن يقضى نهائيًا على الإمبراطورية البيزنطية بعد أن استمرّت أحد عشر قرنًا ونيفًا. وقد نجح الشيخ (آق شمس الدين) -وكان واحدًا ممن قام على تربية محمد الفاتح وتعليمه- في بث روح الجهاد والتطلع إلى الأمور السامقة في نفس الأمير الصغير، وأن يُوحى له بأنه المقصود ببشارة النبي صلى الله عليه وسلم في فتح القسطنطينية. ولا شكّ أنّ هذا الإيحاء كان له دور كبير في حياة محمد الفاتح فنشأ محبًّا للجهاد، عالي الهمة والطموح، واسع الثقافة، وعلى دِرَاية مذهلة بفنون الحرب والقتال. وكان من تقدير الله أن باغته الموت فجأة وهو يستعد لفتح روما، فمات في (4 من ربيع الأول 886 هـ / 3 من مايو 1481م). وابتهجت أوروبا الصليبية كلها بعد سماعها نبأ الوفاة الحزين المؤلم للطائفة المجاهدة. وأمر بابا روما بصلاة الشكر لموت هذا البطل الذى أذلّ الصليبية العالمية، وألزمها الرُّغام والصَّغار. وإن شاء الله نحن عائدون يا روما فلا تبتهجي! مَنْ يضحكْ أخيرًا يضحكْ كثيرًا! (للتوسع في الترجمة انظر: ويكيبيديا).

Popular Posts