background img

The New Stuff

حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم على أمته

حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم على أمته


فمن أراد التوسع في معرفة حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم فعليه بسفر العلامة القاضي عياض، الموسوم بـ: (الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم).

لا يؤمن أحد حتى يشهد (أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله)، فيحقق توحيد العبودية لله سبحانه، ويحقق توحيد الاتباع للمصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن هذا كان لزامًا لقبول أي طاعة أو قربة أن يتوفر فيها الإخلاص والمتابعة، إخلاص العبادة لله وحده، ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما جاء به.
وإن لخير الورى والرحمة المهداة الذي قال فيه الحق سبحانه، {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}، علينا حقوقًا وجب علينا الإتيان بها حتى نحقق شاهدة (أن محمدًا رسول الله)، وهذه بعض حقوقه على أمته صلى الله عليه وسلم:
أَوَّلاً: الإيمان بِهِ صلى الله عليه وسلم.
إن أول هذه الحقوق وأساسها هو الإيمان به صلى الله عليه وسلم، والتصديق برسالته، وأنه عبد لله عز وجل، اختاره واصطفاه سبحانه وتعالى، ليبلغ الناس دينه، فيأمرهم بعبادته والتزام شريعته، وأنه خاتم الأنبياء والرسل صلى الله عليه وسلم، بعثه الله للناس كافة.
والقرآن مليء بالآيات التي تأمر بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك قوله تعالى: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا} [التغابن:8]. وَقَالَ جل في علاه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} [الحجرات:15].
وبين سبحانه أن جزاء الكفر به وبرسوله العذاب، حيث قال تعالى: {وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا} [الفتح:13].
وَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِه إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» (رواه مسلم).
ثَانِيًا: اتباعه صلى الله عليه وسلم.
إن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم أصل عظيم، إذ هو البرهان الحقيقي على صحة الإيمان به، ويستوجب ذلك طاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وتصديقه فيما أخبر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرعه صلى الله عليه وسلم.
وقد جعل الله عز وجل صدق محبته رهين باتباع نبيه فقال سبحانه: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران:31].
وتوعد المخالفين لأمره فقال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:63].
وجعل الإيمان به سبحانه مرتبط بالرضا بانشراح الصدر لتحكيمه صلى الله عليه وسلم، فقال: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65].
وجعل النبي صلى الله عليه وسلم كل أمر مخالفا لهديه مردود على صاحبه، حينما قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (أخرجه الشيخان).
ثالثًا: محبته صلى الله عليه وسلم.
مما يجب علينا تجاهه صلى الله عليه وسلم محبته أكثر من كل شيء سوى الله، فيكون أحب إلينا من مالنا وأولادنا ووالدينا، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (متفق عليه).
بل أحب إلينا من أنفسنا، فقد قال عمر ذات يوم للنبي صلى الله عليه سلم: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك»، فقال عمر: فإنه الآن -والله- لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الآن يا عمر» (رواه البخاري).
رابعًا: الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم كلما ذكر
ومن حقوقه عليه الصلاة والسلام على المسلمين، الصلاة عليه كلما سمعوا اسمه، فقد أمر الله المؤمنين بالصلاة عليه مطلقا فقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56].
وجعلت الصلاة عليه ركنا من أركان الصلاة، تقال في التشهد الأخير.
وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي» (رواه مسلم)، ومن البخل أن تسمع اسمه ولا تصلي عليه؛ ففي الحديث: «البخيل من ذكرت عنده ولم يصل علي» (رواه أحمد، والترمذي، وصححه الألباني؛ في إرواء الغليل).
وللصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فوائد كثيرة أوردها الإمام ابن القيم في كتابه القيم: (جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام).
خامسًا: الانتصار له صلى الله عليه وسلم.
وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم أفضل المناصرين لدعوته والمدافعين عن هديه صلى الله عليه وسلم، بل ضحوا بكل شيء حتى بأرواحهم لأجل مناصرته صلى الله عليه وسلم، وحمايته من أي أذى ودونه أموالهم وأولادهم وأرواحهم رضي الله عنهم.
ويكون الانتصار للنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته بالانتصار لسنته، والذبّ عنها، وحفظها من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين؛ وبصونها من زيادة الوضاعين أو نقصها من طرف المتعصبين المقلدين، ومن مسخ العلمانيين، الذين يجحدون حجيتها، ولا يقبلون منها إلا ما يرضي أهواءهم، ويوافق منظومة تفكيرهم.
ويكون الذب كذلك عن شخصه الكريم إذا أساء إليه أحد أو سخر منه، أو وصفه بأوصاف لا تليق بمقامه الكريم صلى الله عليه وسلم (مثل الرسوم المسيئة).
وبخصوص هذا الأمر قال الحق سبحانه: {ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ} [آل عمران:81]. وقال كذلك: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف:157].
سادسًا: نَشْرُ دعوته صلى الله عليه وسلم.
من حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم علينا، نشر دعوته وتبليغ الناس شريعته وهديه وسنته، فقد أمر صلى الله عليه وسلم فقال: «بلغوا عني ولو آية» (رواه البخاري)؛ وجعل المولى سبحانه التبليغ عنه صلى الله عليه وسلم من مقتضياته اتباعه، فقال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف:108].
والدعوة إلى الله تعالى أشرف الوظائف، لأنها وظيفة الرسل عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت:33].
بل قيام الأمة بالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شرط خيريتها، قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران:110].
سابعًا: اتخاذه صلى الله عليه وسلم القدوة والأسوة.
قال ربنا جل في علاه: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21].
فالنبي صلى الله عليه وسلم هو الأسوة والقدوة الذي يقتدى بهديه ويتمسك بطريقته، لأنه صلى الله عليه وسلم المثال الأوفق، وأحسن من طبق الإسلام كما أراد الله عز وجل، حتى كان كما قالت أمنا عائشة رضي الله عنها: «كان خلقه القرآن».
فمن أراد أن يسلم في تطبيقه للدين فعليه بهدي النبي الأمين صلى الله عليه وسلم.
ثامنًا: توقيره صلى الله عليه وسلم حيا وميتًا.
وهذا من حقوقه صلى الله عليه وسلم التي فرط فيها الكثير منا، قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الفتح:8-9].
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: "تعزروا الرسول وتوقروه، أي تعظموه، وتجلوه، وتقوموا بحقوقه، كما كانت له المنة العظيمة في رقابكم".
ومن توقيره صلى الله عليه وسلم، امتثال هديه، والحرص على سنته، وتعظيم أمره، وعدم التقدم بين يدي شريعته بالآراء الشخصية أو المذاهب الفكرية المستحدثة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات:1].
ولا نرفع أصواتنا عند سماع حديثه صلى الله عليه وسلم، ولا نذكر اسمه مجردا، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات:2].
تاسعًا: محبة آله وصحابته رضوان الله عليهم وموالاتهم.
ومن حقوقه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم علينا، محبة آل بيته وصحابته الطاهرين، ومولاتهم، والاقتداء بهم، والثناء عليهم، والاستغفار لهم، والإمساك عما شجر بينهم، وتحريم سبهم والتنقيص منهم.
قال الحق سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر:10].
{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة:100].
وحَثَّ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم أصحابه عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» (رواه مسلم).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حق أصحابه: «لا تسبوا أصحابي لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه» (رواه البخاري ومسلم).
وختامًا.
فمن أراد التوسع في معرفة حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم فعليه بسفر العلامة القاضي عياض، الموسوم بـ: (الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم).

صور من احتساب النبي صلى الله عليه وسلم في الأدب

صور من احتساب النبي صلى الله عليه وسلم في الأدب

فيأمر النبي صلى الله عليه وسلم بكل أمر فيه خير للناس ومنفعة لهم في دينهم ودنياهم، وكل ما يسعدهم في دنياهم وأخراهم، ويحذرهم من كل ما يسبب لهم الشقاء في الدنيا والآخرة، وسنذكر في هذه العجالة بعضاً من صور احتسابه صلى الله عليه وسلم، ودلالته على الخير، وتحذيره ممّا يخلّ بالآداب.

إن الله تبارك وتعالى أخرج برسالة النبي صلى الله عليه وسلم الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى، علم أمته كل خير، فحثهم إليه ورغبهم فيه، وبين لهم كل شر وحذرهم منه، فتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُؤذى فلا يَغضب، ويُنتقص فلا ينتقم، ويُشتم فلا يرد، ويُساء إليه فيدفع الإساءة بالإحسان، وما انتصر لنفسه أبدا، ولكنه صلى الله عليه وسلم كان يغضب غضباً شديداً إذا انتهكت حرمات الله تبارك وتعالى، أو عطلت له فريضة؛ فيتغير لونه، ويتمعَّرُ وجهه، ويعلو صوته؛ محذرًا منذرًا، آمرًا ناهيًا، قالتعائشة رضي الله عنها: "ما انْتَقَمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لِنَفْسِهِ في شَيْءٍ قَطُّ إلا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ الله فَيَنْتَقِمَ بها لله" (رواه البخاري برقم [5775]).
فهذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم تحكيه أقرب الناس إليه، وأعلمهم به، فإذا نظرنا إلى سيرته عليه الصلاة والسلام وجدناها لا تعدو وصف عائشة رضي الله عنها؛ فقد أوذي صلى الله عليه وسلم أشد الأذى وما انتقم ممن آذوه وهو قادر عليهم، بل يردُّ إساءتهم بالإحسان، ومن ذلك ما روى أَنَس رضي الله عنه قال: "كنت أَمْشِي مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً حتى نَظَرْتُ إلى صَفْحَةِ عَاتِقِ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أَثَّرَتْ بها حَاشِيَةُ الْبُرْدِ من شِدَّةِ جَبْذَتِهِ ثُمَّ قال: يا محمد مُرْ لي من مَالِ الله الذي عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ إليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثُمَّ ضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ له بِعَطَاءٍ" (رواه البخاري برقم [2980]، ومسلم برقم [1057]).
فيأمر النبي صلى الله عليه وسلم  بكل أمر فيه خير للناس ومنفعة لهم في دينهم ودنياهم، وكل ما يسعدهم في دنياهم وأخراهم، ويحذرهم من كل ما يسبب لهم الشقاء في الدنيا والآخرة، وسنذكر في هذه العجالة بعضاً من صور احتسابه صلى الله عليه وسلم، ودلالته على الخير، وتحذيره ممّا يخلّ بالآداب:
- فمن صور احتسابه صلى الله عليه وسلم أنه يُنكر على الأفرادِ ما يَقع منهم، من خللٍ في الآداب والأخلاق والسُّلوك؛ كما في حديث المِسْوَرِ بن مَخْرَمَةَ رضي الله عنه قال: "أَقْبَلْتُ بِحَجَرٍ أَحْمِلُهُ ثَقِيلٍ، وَعَلَيَّ إِزَارٌ خَفِيفٌ، قال: فَانْحَلَّ إِزَارِي وَمَعِيَ الْحَجَرُ، لم أَسْتَطِعْ أَنْ أَضَعَهُ حتى بَلَغْتُ بِهِ إلى مَوْضِعِهِ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارْجِعْ إلى ثَوْبِكَ فَخُذْهُ، ولا تَمْشُوا عُرَاةً»" (رواه مسلم برقم [341]).
- وجعل عليه الصلاة والسلام من حق الطريق لمن جلس فيه أن يحتسب على الناس، ولا يسكت إذا رأى المنكرات، وإلا لم يكن مؤدياً لحق الطريق، وذلك في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والجلوس على الطرقات»، فقالوا: "ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها"، قال: «فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقها»، قالوا: "وما حق الطريق؟" قال: «غض البصر وكف الأذى ورد السلام وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر» (رواه البخاري برقم [2333]).
والأسواق كالطرقات، تكثر فيها المنكرات، ويرتادها كثير من الناس، وقل فيهم من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهذا من تقصيرهم في هذا الباب العظيم من الدين، فعلى مرتادي الأسواق أن يقوموا بواجبهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
- واحتسب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم على بعض أصحابه رضوان الله عليهم عندما هموا بضرب الأعرابي الذي بال في المسجد، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن أعرابياً بال في المسجد فثار إليه الناس ليقعوا به فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوه وأهريقوا على بوله ذنوبًا من ماء أو سجلاً من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» (رواه البخاري برقم [5777]، ومسلم برقم [284]، واللفظ للبخاري)، وهذا فيه بيان ما ينبغي أن يكون عليه المحتسب من الرفق واللين مع المخالفين.
- ومن صور احتسابه صلى الله عليه وسلم أنه كان أحياناً يغيِّر المنكر بيدِه ويبيِّن سببَ ذلك؛ ليعلَمَ صاحب المنكر لِمَ غيَّره؛ كما في حديث عائِشة رضي الله عنها قالت: "دخل عَلَيَّ النبي صلى الله عليه وسلم وفي البَيْتِ قِرامٌ فيه صُوَرٌ، فتَلوَّنَ وجْهُهُ، ثُمَّ تَناوَلَ السِّتْرَ فهَتَكَهُ، وقال: «من أَشَدِّ النَّاس عَذابًا يوم القِيامة الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هذه الصُّوَرَ»" (رواه البخاري برقم [5758] ، ومسلم برقم [2107]).
ومرةً رَأَى خاتَمًا من ذَهَبٍ في يد رَجُلٍ، فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ، وقال صلى الله عليه وسلم: «يَعْمِدُ أحدُكم إلى جَمْرة من نارٍ، فَيَجْعَلُها في يَدِه» (رواه مسلم برقم [200]).
- ومن صور احتسابه صلى الله عليه وسلم تعليمه أصحابه الآداب العامة بين المسلمين، والحقوق الإسلامية فمن ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس» (رواه البخاري برقم [1183]، ومسلم برقم [2162])، وروي من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع، ونهانا عن سبع، أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام، ونصر المظلوم، وإبرار المقسم، ونهانا عن خواتيم الذهب، وعن الشرب في الفضة، أو قال: آنية الفضة، وعن المياثر والقسي، وعن لبس الحرير والديباج والإستبرق" (رواه البخاري برقم [5312]، ومسلم برقم [2066]).
- ولرُبَّما ظهر على حالِه صلى الله عليه وسلم شدَّةٌ وغضب في إنْكارِه للمُنْكر؛ غيرةً لله تعالى، وتربيةً لِمن يرونه؛ لئلا يتهاونوا بالمنْكَرات؛ لأنَّ تهاوُنَهم به يؤدِّي إلى اعتياده ثم أُلْفَتِه، وهو عند الله تعالى عظيم.
فكان صلى الله عليه وسلم لا يرى منكرًا، أو يسمع به إلا بادر إلى الإنكار على صاحبه، كائنًا مَن كان، وتنوَّعت أساليبُه في الإنكار باللسان فتارةً يخصُّ صاحب المنكر بالإنْكار، فيخاطبه مباشرةً؛ فمرة رأى عَبْد الله رضي الله عنه وعليه ثوبين معصفرين فأنكر عليه يقول عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: رَأَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عليَّ ثوْبيْنِ مُعصْفَرَيْن، فقال: «إنَّ هذه من ثِيابِ الكُفَّارِ؛ فلا تَلْبَسْها» (رواه مسلم برقم [2077])، وفي روايةٍ قال: «أَأُمُّكَ أمَرَتْكَ بهذا؟» قلْت: "أغْسِلُهُما؟" قال: «بَلْ أحْرِقْهُما» (رواه مسلم برقم [2077])، وهذا احتساب من النبي صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما وتعليمه آداب اللباس.
وعن عُقْبة بن عامِرٍ رضي الله عنه قال: أهديَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَرُّوجُ حَرِيرٍ، فلَبِسَهُ ثمَّ صلَّى فيه، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَنَزَعَهُ نَزْعًا شديدًا كالكارِهِ له، ثُمَّ قال: «لا يَنْبَغِي هذا لِلمُتَّقِين» (رواه البخاري برقم [368]، وبرقم [5465]، ومسلم برقم [2075]).
وأحياناً يصعِد المنبر فيخطب خطبةً لأجْل إنكار منكر، وقع فيه النَّاس أو بعضهم؛ ليُحذِّرَهم صلى الله عليه وسلم مما وقعوا فيه، ومن ذلك ما بلغه صلى الله عليه وسلم من خطأ في معاملاتهم باشتراط شروط ليست صحيحة، فصعد المنبر لإنكار هذا المنكر فقال صلى الله عليه وسلم: «ما بالُ أقْوامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا ليست في كِتابِ الله؟! من اشْتَرَطَ شَرْطًا ليس في كِتابِ الله، فَلَيْسَ له، وإنِ اشْتَرَطَ مِائة مَرَّةٍ» (رواه البخاري برقم [444])، وهذا فيه بيان بعض آداب المعاملات.
وفي بعْض الأحيان يُعلن براءته من المنكر؛ ومن ذلك: أن خالد بن الوليد رضي الله عنه قتل بعض الأسرى، فأُخبر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: «اللهُمَّ إني أَبْرأُ إلَيْكَ ممَّا صَنَعَ خالِدُ بن الوَلِيدِ» مَرَّتَيْنِ (رواه البخاري برقم [6766]).
وفي بعض المنكرات يوجه أصحابَه رضي الله عنهم إلى الشدَّة والغلظة في الإنكار؛ كما في حديث أُبَي بن كَعْبٍ رضي الله عنه أنَّ رَجُلاً اعْتَزى بِعَزاءِ الجاهليَّةِ، فَأَعَضَّهُ ولم يُكَنِّهِ، فَنَظَرَ القَوْمُ إليه، فقال لِلقَوْمِ: "إني قد أرَى الذي في أنْفُسِكُمْ، إني لم أسْتَطِعْ إلا أن أقُولَ هذا، إنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَمَرَنا: «إذا سَمِعْتُمْ مَن يَعْتَزِى بِعَزاءِ الجاهِلِيَّةِ، فَأَعِضُّوهُ، ولا تُكَنُّوا»" (رواه الإمام أحمد في المسند برقم [21233]، وقال محققوه: حديث حسن، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم [619]).
وروى هَمَّامُ بن الحارِثِ: أَنَّ رَجُلاً جَعَلَ يَمْدَحُ عُثْمانَ، فَعَمِدَ المِقْدادُ فَجَثا على رُكْبَتَيْهِ، وكان رَجُلاً ضَخْماً، فجَعل يَحْثُو في وجْهِهِ الحَصْباءَ، فقال له عُثْمانُ: "ما شَأْنُكَ؟" فقال: "إنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رَأَيْتُم المَدَّاحِينَ، فاحْثُوا في وُجُوهِهِمْ التُّرابَ»" (رواه مسلم برقم [3002]).
فهذه صور ومواقف احتسابية للنبي الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكرتها للسير على نهجه، واقتفاء أثره فالله تبارك وتعالى يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21]، أسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا لطاعته ورضاه، والحمد لله رب العالمين.

فضحك!

فضحك!

عجباً لهذه الأخلاق! أكاد أكررها في همس يقترب من الجنون، مذهولاً أمام عظمته وقمة سمو أخلاقه أكررها في تعجب! فضحك، فضحك، فضحك... لم يصفح فحسب، لم يأمر بعطاء فقط، بل ضحك في وجهه بعد كل ما فعل، ما أعظمك يا محمد!

عجباً لهذه الأخلاق! أكاد أكررها في همس يقترب من الجنون، مذهولاً أمام عظمته وقمة سمو أخلاقه
أكررها في تعجب! فضحك، فضحك، فضحك، فضحك، فضحك، فضحك، فضحك، فضحك...
لم يصفح فحسب، لم يأمر بعطاء فقط، بل ضحك في وجهه بعد كل ما فعل، ما أعظمك يا محمد!

عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: "كنت أمشي مع النَّبي صلى الله عليه وسلم، وعليه بُردٌ نجرانيٌّ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيٌّ، فجذبه جذبةً شديدةً، حتى نظرت إلى صفحة عاتق النَّبي صلى الله عليه وسلم قد أثَّرت به حاشية الرِّداء من شدَّة جذبته، ثمَّ قال: مُرْ لي من مال الله الذي عندك، «فالتفت إليه، فضحك، ثمَّ أمر له بعطاء»" (رواهالبخاري:3149، ومسلم:1057).

قال النَّوويُّ: "فيه احتمال الجاهلين، والإعراض عن مقابلتهم، ودفع السَّيئة بالحسنة، وإعطاء من يُتألَّف قلبه، والعفو عن مرتكب كبيرةٍ -لا حدَّ فيها- بجهله، وإباحة الضَّحك عند الأمور التي يُتعجَّب منها في العادة، وفيه كمال خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم وحِلمه وصفحه الجميل" (شرح النَّووي على مسلم).
صلى الله عليه وسلم، صلى الله على محمد. 

لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة

لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة

الحديث عن اتباع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو حديث عن الإسلام بتشريعاته وحكمه وآدابه البالغة، إذ هو الذي جاء بهذا الدين من ربه، وبينه عليه الصلاة والسلام في سنته الثابتة عنه.

الحمد لله رب العالمين، نحمده تعالى ونستعينه، ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، اللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا، لك الحمد ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، نشهد أنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين من ربه، فصلوات الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، أما بعد:

عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، وطاعته عملًا بقول المولى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران:102]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا . يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70-71].

أيها المسلمون: يقول الله تبارك وتعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21]، والأسوة هي القدوة، وهذه الآية من أعظم الآيات التي تدعو المسلمين إلى الاقتداء برسولهم صلى الله عليه وسلم في كافة شؤون الحياة، إذ المسلم ملزم بأن يجعل قدوته رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال اتباع سنته، والسير وفق ما سار عليه صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام رضي الله عنهم.

عباد الله: إن موضوع التأسي بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم موضوع هام في حياة المسلمين، وهو من أساسيات عقيدتهم، كيف لا وقد أمرنا الله عز وجل بهذا فقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر:7]، ووردت أحاديث عدة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحث على الاقتداء به صلى الله عليه وآله وسلم، والسير على نهجه، وتبين ضرورة وأهمية التأسي به عليه الصلاة والسلام .

والحديث عن اتباع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو حديث عن الإسلام بتشريعاته وحكمه وآدابه البالغة، إذ هو الذي جاء بهذا الدين من ربه، وبينه عليه الصلاة والسلام في سنته الثابتة عنه، ولذا قال الشافعي: "كل ما حكم به رسول الله فهو مما فهمه من القرآن، ثم أخرج ما يؤيده"(1).
ولو عرجنا إلى كتاب الله عز وجل، وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم لوجدنا النصوص الكثيرة الدالة على هذا الاتباع، من ذلك:
[1]- قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21].
[2]- وقوله: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء:80].
[3]- و {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر:7].
[4]- و {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام:153].
[5]- و {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران:131].
وهذا كله لأن الله عز وجل قد ذكر عن نبيه صلى الله عليه وآله وسلم {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:3-4]، وهناك نصوص أخرى تبين أهمية الاتباع للرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وفضله.

وسنقف مع قضايا يعتقد بعض المسلمين حين يقومون بعملها أنها من سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأنهم متبعون للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام فيها، رغم أنهم -وللأسف الشديد- في الحقيقة مبتدعون فيما يقومون به كونها أمور محدثة في الدين لا أصل لها، وهذه الأمور قد تكون على شكل مواسم، أو عبادات معينة، أو غير ذلك، ومن هذه الأمور:
أولًا: بدعة المولد:
وهذه البدعة من البدع التي انتشرت في أوساط المسلمين حتى أصبحت مستساغة لدى كثير منهم، بل نرى كثيرًا من أبناء المسلمين اليوم في أرجاء شتى من بقاع الأرض يستعدون لها، إذ أصبحت عندهم من الأمور التي يتعبدون الله عز وجل بها، ويتقربون بها إليه قاصدين بذلك إظهار محبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الاحتفال، وفي الحقيقة فإن هذا ليس من محبة رسول الله عليه الصلاة والسلام في شيء، ولا من كمال تعظيمه؛ لأن محبته صلى الله عليه وآله وسلم تكون في متابعته وطاعته، واتباع أوامره، وإحياء سنته باطنًا وظاهرًا، ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان، وهذه طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.
والمعلوم يقينًا أن هذه البدعة ليست من الدين حيث لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه احتفل بمولده، ولا ثبت عن أحد من أصحابه رضوان الله عليهم أنه احتفل بمولد، فمن هو الأعلم بدين الله: النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وصحابته رضي الله عنهم؛ أم من أتى من بعدهم من الناس؟
وإذا تتبعنا كتب التاريخ فإننا نجد أن ما يسمى بالمولد هو بدعة محدثة أول من أحدثها هم الفاطميون في عهد المعز لدين الله الفاطمي العبيدي الباطني من بني عبيد القداح، ومعلوم أن الدولة الفاطمية لم تظهر إلا في عام 322 هـ، ولا يعرف المؤرخون أحدًا قبل الفاطميين احتفل بذكرى المولد النبوي، فإنهم كانوا يحتفلون بالذكرى في مصر احتفالًا عظيمًا بالرغم من أنه لم يثبت تاريخ صحيح في تحديد اليوم الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد جاءت كتب السير والتاريخ لتحدثنا أن النبي عليه الصلاة والسلام ولد يوم الثاني عشر، وأخرى تذكر أنه كان في يوم الرابع عشر، وأخرى يوم السادس عشر، والحاصل أن تاريخ الولادة غير منضبط، إلا أن الثابت قطعًا ويقينًا أنه عليه الصلاة والسلام توفي يوم الثاني عشر من ربيع الأول، فبماذا يحتفلون بالثابت قطعًا أم بالمشكوك في صحته؟.

أيها المسلمون:
لقد وقع "الاختلاف في قضية مولد النبي صلى الله عليه وسلم، ويجب أن يُعلم أن المتفق عليه أنه ولد في الاثنين، وفي شهر ربيعٍ الأول، والإنسان يجب عليه دائمًا أن يأخذ بما اتُفق عليه أولًا، وأما ما اختلف عليه فيبدأ بعد ذلك بالأقوى، والثابت أنه صلى الله عليه وسلم قد وُلد يوم الاثنين -وهذا قطعيٌ-، ولا يُعلم أن هناك خلافًا في أنه وُلد في غير يوم الاثنين، والأمر الثاني المُتفق عليه أنه وُلد في شهر ربيعٍ الأول، والخلاف هو في أي يومٍ من شهر ربيعٍ الأول وُلد، والذي عليه عامّة الناس في عصرنا أنه يوم الاثنين الثاني عشر ربيع الأول، لكن الأظهر والله أعلم، وما دلت عليه الدراسات المعاصرة؛ أنه وُلد يوم الاثنين التاسع من شهر ربيعٍ الأول، لأن الفلكيين كالعلامة محمود باشا، والمنصور فوزي وغيره ذكروا أنه لا يمكن أن يكون يوم الاثنين في العام الذي وُلد فيه النبي صلى الله عليه وسلم فلكيًا هو يوم الثاني عشر، وإنما هو يوم الاثنين التاسع من شهر ربيعٍ الأول الموافق في السنة الميلادية الثاني والعشرين من شهر إبريل لعام خمسمائة وواحد وسبعين من ميلاد المسيح عليه الصلاة والسلام"(2).

ثانيًا: بدعة الأعياد المحدثة اليوم في عصرنا كعيد الأم، ورأس السنة، وعيد العمال... إلى آخر ما هنالك من الأعياد المحدثة التي جاء الشرع الحنيف ليبطلها: والمعلوم الثابت في كتب السير والأحاديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين قدم إلى المدينة المنورة وجد الناس يلعبون في يومين من السنة؛ فأنكر عليهم، وأخبرهم بوجود يومين آخرين للمسلمين هما: الفطر والأضحى.
وثبت عن أنس بن مالك رضي الله عنه قوله: كان لأهل الجاهلية يومان في كل سنة يلعبون فيهما، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قال: «كان لكم يومان تلعبون فيهما؛ وقد أبدلكم الله بهما خيرًا منهما: يوم الفطر، ويوم الأضحى» (3)، وهذين هما العيدين الوحيدين للأمة الإسلامية الذين ارتضاهما الله عز وجل للأمة ولا عيد سواهما، بل كل الأعياد سواهما باطلة مردودة في دين الله تبارك وتعالى.
إلا أننا اليوم نجد من المسلمين من يحتفل بعيد رأس السنة، وعيد الأم، وعيد العمال، وعيد الشجرة، وعيد الحب،إلخ... الأعياد التي لم تثبت في ديننا، ولم يقرها الشرع الحيف بل أبطلها وردها، ولو نظرنا إلى هذه الأعياد لوجدنا فيها من المفاسد الكبيرة ما الله به عليم، فمن مفاسدها:
[1]- أن في هذه الأعياد منافاة للهداية التي يطلبها العبد في كل صلاة في قوله: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ . صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [الفاتحة:6-7]، فكيف يدعو الله عز وجل أن يهديه الصراط المستقيم، وأن يجنبه صراط المغضوب عليهم، وصراط الضالين؛ ثم هو يناقضها بهذا العمل؛ إذ في هذا الصنيع تشبه باليهود والنصارى فهم أرباب هذه الفكرة، وهم من يقيم هذه الأعياد، ولقد حذرنا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من التشبه بالكفار فجاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم» (4).
[2]- أن في هذا مناقضة لعقيدة الولاء والبراء التي من لوازمها البراءة من أقوال المشركين، وأفعالهم، ومعتقداتهم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة:51]، فالبراءة من الكفار مطلب شرعي، والاحتفال بهذه الأعياد مناقض لهذه العقيدة.
[3]- أن في هذا الاحتفال معصية للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وعدم السمع والطاعة له، ومخالفة أمره، ففي قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «وقد أبدلكم الله بهما خيرًا منهما: يوم الفطر، ويوم الأضحى» "يقتضي الاعتياض بما شرع لنا عما كان في الجاهلية" (5).
[4]- أن في هذا الاحتفال بهذه الأعياد ابتداع في الدين، وإحداث شيء فيه ليس منه، وقد ثبت عن أم المؤمنين عائشةرضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (6).
[5] - أن في الاحتفال بهذه الأعياد إقرارًا لما هم عليه من شعائر الكفر، والعقائد الباطلة، وقد ذكر ابن القيم هذه المسألة فقال: "أعياد الكفار كثيرة مختلفة، وليس على المسلم أن يبحث عنها، ولا يعرفها، بل يكفيه أن يعرف في أي فعل من الأفعال، أو يوم، أو مكان، أو سبب هذا الفعل أو تعظيم هذا المكان أو الزمان؛ من جهتهم، ولو لم يعرف أن سببه من جهتهم فيكفيه أن يعلم أنه لا أصل له في دين الإسلام، فإنه إذا لم يكن له أصل فإما أن يكون قد أحدثه بعض الناس من تلقاء نفسه، أو يكون مأخوذًا عنهم، فأقل أحواله: أن يكون من البدع، ونحن ننبه على ما رأينا كثيرًا من الناس قد وقعوا فيه" (7).
"وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقول: "عيد مبارك عليك"، أو "تهنأ بهذا العيد" ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثمًا عند الله، وأشد مقتًا من التهنئة بشرب الخمر، وقتل النفس، وارتكاب الفرج الحرام ونحوه، وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنأ عبدًا بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه" (8).

ثالثًا: من الأمور التي تنافي الاتباع في عصرنا الذكر الجماعي: سواء كان عقب الصلوات، أو في أماكن حلق الذكر التي يجتمع إليها الناس، ويعتقدون أنها من الأمور التي يتقربون بها إلى الله عز وجل، وهي من الأمور التي لم يفعلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا أصحابه، بل هي بدعة محدثة.
و"كان مبتدأ نشأة الذكر الجماعي وظهوره في زمن الصحابة رضي الله عنهم، وقد أنكر الصحابة هذه البدعة حين ظهرت؛ مما أدى إلى أن قل انتشار هذه الظاهرة، وخبَتْ بسبب إنكار السلف لها، ثم لما كان زمن المأمون أمر بنشر تلك الظاهرة، فكتب إلى إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد يأمره أن يأمر الناس بالتكبير بعد الصلوات الخمس. وكتب يأمره بأخذ الجند بالتكبير إذا صلوا، فبدؤوا بذلك في مسجد المدينة والرصافة يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة بقيت من شهررمضان من هذه السنة" (9)، وجاء في تاريخ ابن كثير: "وفيها كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد يأمره أن يأمر الناس بالتكبير عقب الصلوات الخمس، فكان هذا مبتدأ عودة ظاهرة الذكر الجماعي إلى الظهور وبقوة بسبب مناصرة السلطان لها، ومن المعلوم أن السلطان إذا ناصر أمرًا أو قولًا ما، ونشره بالقوة بين الناس؛ فلابد أن ينتشر ويذيع، إذ أن الناس على دين ملوكهم، واستمرت هذه الظاهرة منتشرةً بين الرافضة والصوفية ومن تأثر بهم" (10).
ومن خلال هذا الكلام يتبين أن هذه البدعة هي من البدع المحدثة في الأمة، إذ لو لم تكن محدثة لما أنكرها الصحابة رضي الله عنهم حين انتشرت في زمنهم، فمن أعلم بما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبالسنة والبدعة: الصحابة رضي الله عنهم أم من يأتي من بعدهم؟

أيها الناس إن أجمل شيء في الحياة هو الالتزام بهذا الدين وفق ما جاء عن الله عز وجل، وما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ وبهذا الالتزام يكون العبد ممن قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيهم: «وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا ملة واحدة، فقيل له: ما الواحدة؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي» [11].
والواجب على كل مسلم حريص على أن يكون حقًا من الفرقة الناجية أن ينطلق سالكاً الطريق المستقيم، وألا يأخذ يمينًا ويسارًا، إذ ليس هناك حزبٌ فائز إلا حزب الله تبارك وتعالى الذي تحدث عنهم القرآن الكريم فقال: {أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة:22]، وكل ما ليس من حزب الله فإنه من حزب الشيطان.
ولا شك ولا ريب أن السلوك على الصراط المستقيم يتطلب معرفة بهذا الصراط المستقيم معرفةً صحيحة، وليس بمجرد التكتل والتحزب الأعمى، بل لا يكون التحزب صحيحًا فالحًا إلا إن كان على كلمة الإسلام الحقة.

نسأل الله عز وجل أن يهدينا سبلنا، وأن يحبب الإيمان إلى قلوبنا، وأن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله رب العالمين.

أيها الحاكم تأمل

أيها الحاكم تأمل

البطش بالمخالفين، التنكيل، التعذيب، الاستهزاء والتشويه، الرمي بالتهم، انتهاك الأعراض.. هذا ديدن معظم حكام العالم العربي مع معارضيهم، لا أدري من أسوتهم في ذلك، ولكني أنقل إليهم ما فعله أسوتنا وقدوتنا مع معارض فج وقح.


البطش بالمخالفين، التنكيل، التعذيب، الاستهزاء والتشويه، الرمي بالتهم، انتهاك الأعراض..
هذا ديدن معظم حكام العالم العربي مع معارضيهم، لا أدري من أسوتهم في ذلك، ولكني أنقل إليهم ما فعله أسوتنا وقدوتنا مع معارض فج وقح..

عن عبد الله رضي الله عنه، قال: "لما كان يوم حنين، آثر النَّبي صلى الله عليه وسلم أناسًا في القسمة، «فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عُيَيْنة مثل ذلك، وأعطى أناسًا من أشراف العرب، فآثرهم يومئذ في القسمة»، قال رجلٌ: والله إنَّ هذه القسمة ما عُدل فيها، وما أُريد بها وجه الله، فقلت: والله لأخبرنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم، فأتيته فأخبرته، فقال: «فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله، رحم الله موسى قد أُوذي بأكثر من هذا فصبر» (رواهالبخاري:3150)، ومسلم:1062).

عاملوهم معاملة النبي للكفار

عاملوهم معاملة النبي للكفار

وسط هذا الضجيج، وبين هذا الزحام يحضرني وصف عائشة لأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم مع الكفار.. لأفاجأ عند التأمل أن مسلمي اليوم عند الاختلاف لا يعامل أحدهم الآخر معاملة النبي صلى الله عليه وسلم للكافر، فضلاً عن المسلم!


في وقت اشتداد الفتن استحر القتل في معظم الدول العربية؛ بسبب الاختلاف السياسي..!
التراشق بالسهام والنبال، والاتهامات والكراهية، انتشار الاعتقالات والاغتصابات والانتهاكات بأنواعها..

وسط هذا الضجيج، وبين هذا الزحام يحضرني وصف عائشة لأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم مع الكفار..
لأفاجأ عند التأمل أن مسلمي اليوم عند الاختلاف لا يعامل أحدهم الآخر معاملة النبي صلى الله عليه وسلم للكافر، فضلاً عن المسلم!

عن عائشة رضي الله عنها زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم، أنَّها قالت للنَّبي صلى الله عليه وسلم: "هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ من يوم أحد؟ قال: «لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشدُّ ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلَّا وأنا بقرن الثَّعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلَّتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إنَّ الله قد سمع قول قومك لك، وما رَدُّوا عليك، وقد بعث إليك مَلَك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني مَلَك الجبال، فسلَّم عليَّ، ثمَّ قال: يا محمد، فقال، ذلك فيما شئت، إن شئت أن أُطْبِق عليهم الأَخْشَبَين؟ فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا» (رواه البخاري:3231، واللَّفظ له، ومسلم:1795).

رسالة: لكل مسلم.
هل عاملت المخالف معك من بني الإسلام بما روته عائشة رضي الله عنها من معاملة النبي صلى الله عليه وسلم للكفار؟!

صدق النبي صلى الله عليه وسلم يوم انكسفت الشمس

صدق النبي صلى الله عليه وسلم يوم انكسفت الشمس

مُدَّعو النبوة عبر العصور يتكلفون جاهدين في ادعاء كرامات وخوارق لأنفسهم وإقناع الناس بها، فلو جاءتهم مثل هذه الفرصة لفرحوا بها واتكأوا عليها العمر كله.


بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين. [منذ أيام] حدث كسوف للشمس، ذكرني ذلك بما رواه البخاري:
كُسِفَتِ الشمسُ على عهدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يومَ ماتَ إبراهيمُ (ابن النبي)، فقال الناسُ: كُسِفَتِ الشمسُ لموتِ إبراهيمَ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إن الشمسَ والقمرَ لا يَنْكَسِفان لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه، فإذا رأيتم فصلُّوا وادعوا اللهَ» (البخاري).
لاحظ: الناس ظنوا هذا الحدث الكوني دليلًا جديدًا على كرامة النبي صلى الله عليه وسلم وعِظَم قدره وخصوصية مكانته، فنفى النبي هذه الكرامة عن نفسه وبيّن أن الكسوف لم يحصل لوفاة ابنه.
مُدَّعو النبوة عبر العصور يتكلفون جاهدين في ادعاء كرامات وخوارق لأنفسهم وإقناع الناس بها، فلو جاءتهم مثل هذه الفرصة لفرحوا بها واتكأوا عليها العمر كله.
بل لو جاءت مثل هذه الفرصة لبعض من كان أول أمره الدعوة إلى الله ثم لبس عليه الشيطان فصار يتخذ الدين مطية لشهرة نفسه وعلوها فلعله يقول في نفسه: (الناس هم الذين قالوا وأنا لم أدَّعِ شيئًا، فَلْأتركهم يظنونها كرامة لي لأكتسب عندهم مكانة فيقتنعوا بالحق الذي أحمله لهم) !
أما الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فتأتيه فرصة ويقتنع الناس من تلقاء أنفسهم بأنها كرامة فينفيها لأنها -ببساطة- غير صحيحة، ويرد الناس إلى الرسالة التي بعث من أجلها: تعظيم الله وعبادته (فإذا رأيتم فصلُّوا وادعوا اللهَ).
إنه: الصادق الأمين.



محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في نظر المنصفين

محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في نظر المنصفين

سموا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن عثرات الناس، وقصور مصارفهم وإدراكهم لعظيم قدره، وعلو منزلته، حيث كان من سمة العظماء أن ينأوا عن الصفارة والصغائر، وأن تبرز خصائص النفوس الأزلية عند جهل الجاهلين.

في ذكري مولد الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم- نذكر أن الله قد أكرم به الإنسانية حيث جعله نورا يهتدي به.
{قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15-16].
أدبه الله وعلمه، كيف يتعامل مع خلائق الإنسانية المتغايرة، بل والمتنافرة فأنزل عليه قوله تعالي: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199].
سموا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن عثرات الناس، وقصور مصارفهم وإدراكهم لعظيم قدره، وعلو منزلته، حيث كان من سمة العظماء أن ينأوا عن الصفارة والصغائر، وأن تبرز خصائص النفوس الأزلية عند جهل الجاهلين.
هذا النبي الذي حباه ربه بنعمه، ففضله علي جميع خلقه، وكرمه وأكرمه بميزات، لم يعطها غيره من الأنبياء والرسل- عليه وعليهم الصلاة والسلام- وبما لاطفه به، وواساه، وامتدحه، وأنثي عليه، وبما كمل به محاسنه خَلْقا وخُلُقا وبما أضفاه عليه من أسمائه.
{لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128].
وقد جعله أمانا لامته لقوله تعالي: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33].
إن أول ما يقع بصر الإنسان علي رسول الله، يشعر أنه أمام جمال مدهش لا مثيل له، ومظهر يوحي بثقة لا حد لها، وهذا ما ينعقد عليه إجماع من شاهدوه - عليه الصلاة والسلام -.
وما عرف التاريخ إنسانا كمل في كل الجوانب إلي درجات الكمال، غير محمد - صلى الله عليه وسلم - مع ملاحظة أن كمالاته هنا جانب من جوانب كمالاته المتعددة، التي لا يحيط بها غير خالقها، وبشهادة العدو، والصديق، والمؤمن، والكافر. وما بلغ أحد في تاريخ البشرية ما بلغه سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم - في تلك الجوانب كلها، ولقد كتب عن نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - بإنصاف الكثير من الفلاسفة، والمستشرقين، ومن هؤلاء:
(1) بوزورث سميت حيث يقول: إن محمداً بلا نزاع أعظم المصلحين علي الإطلاق.
(2) هنري الفرنسي يقول في معرض الاستدلال علي صدق رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم-: لسنا نحتاج في إثبات صدقه إلي أكثر مما يأتي:
(أ) كان محمد أمياً لا يقرأ، ولا يكتب، وهذا الوصف لم يعارض فيه أحد.
(ب) أنه لم يسترشد في دينه بمرشد يتقدمه.
(ج) وأنه كان ينفر من عبادة الأوثان، وتعدد الآلهة، وكان بوجدانه: الواحد الأحد، لما اعتكف وحده بغار حراء.
(د) ومع كوبه أميا، ومعه قرآن يعجز فكر البشر عن الإتيان بمثله لفظا ومعني.
(هـ) وأنه لما قرأ جعفر بن أبي طالب ما جاء في القرآن عن زكريا ويحيي علي النجاشي فاضت عيناه بالدموع، وفي اليوم التالي طلب منه أن يقرأ ما جاء فيه عن المسيح ففعل، فأستغرب الملك لما علم أن المسيح عبد الله ورسوله، فآمن بمحمد وما جاء به.
(و) وأن محمداً، أتى بالقرآن دليا علي صدق رسالته، وهذا الكتاب سر من الأسرار، لا يدركه إلا من صدق بأنه من عند الله.
(ز) أنه كان لا يميل إلي الزخارف والاستكبار والبخل، فقد كان يحلب شاته بنفسه، ويجلس علي التراب، ويرتفع نعله بيده - صلى الله عليه وسلم - وكان قنوعاً.
ولقد خرج من الدنيا، ولم يشبع من خبز البر، ولم تكن له حاشية، ولا وزير ولا حشم، لم يرغب طول حياته في المال، وكان كل ما يأتيه يتصدق به، وبلغ من السلطان غايته إلي غير ذلك من الحقائق، التي ذكرها هذا المنصف بلا تشويه.
برنارد شو
يقول برنارد شو: "إن الإسلام دين يستحق الاحترام والإجلال؛ لأنه أقوى دين علي هضم جميع المدنيات، وهو خالد خلود الأبد، وإني أري كثيرا من بني قومي من العلماء قد دخلوا هذا الدين علي بينه من أمرهم، ومستقبلا سيجد هذا الدين مجاله الفسيح في كل أنحاء أوربا.
وقال درست سيرة محمد فوجدته بعيداً عن مخاصمة المسيح، ويمكن بحق أن نعتبر محمداً منقذاً للإنسانية، وأعتقد أن رجلا مثله لو حكم العالم بآثاره وخلقه لجلب للعالم السلام والسعادة. وقد برهن الإسلام من ساعته الأولي أنه دين الأجناس جميعاً، وإذا ضم سلمان الفارسي، وبلال الحبشي، وصهيبا الرومي، كما اعتنقه مجموعات من النصارى واليهود وعبدة الأوثان، وانصهر الجميع في بوتقة واحدة دون فروق علي الإطلاق، ولم يحس أي منهم أنه غريب عن هذا الدين، وبعد فترة اتصل هذا الدين بأجناس متعددة بينها الأسود والأصفر والأبيض، وكانوا جميعا في رحابه متساوين سعداء".
السير توماس أرنولد
ألف ذلك العلامة كتابا أسماه "الدعوة إلي الإسلام" فيه يسوق الأدلة والبراهين علي أن الإسلام لم ينتشر بحد السيف، كما زعم أعداؤه، ومن هذه البراهين:
(1) إسلام بعض الصليبين قبل موقعة حطين، أي: قبل انكسار شوكتهم في هذه المعركة، بل كانوا في أوج قوتهم مما يدل علي أنهم أسلموا عن طريق الاقتناع، الذي هو الطريق إلي الإسلام دائما.
(2) إسلام المغول في وقت كانوا فيه المتغلبين علي العرب، بل وعلي غير العرب.
(3) انتشار الإسلام في الملايو، وإندونيسيا، والفلبين دون أن تطأ هذه البلاد قدم جندي عربي واحد، ولكن عن طريق التجار وغيرهم، وذلك عن طريق الحكمة والموعظة الحسنة، فأي سيف كان يجبر هؤلاء الصليبيين العتاة وهؤلاء المغول الجبابرة علي الإسلام؟
ولكن كل ما نقوله: أن الذي جعلهم يسلمون هو: سماحة الإسلام وعظمته، هذا بجانب أن الله- سبحانه - وتعالي- ينهي عن استعمال الشدة في نشر الدين تطبيقاً لقوله تعالي: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}[البقرة: 256].
كما يقول - سبحانه - وتعالي-: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125].
أما استخدام السيف فلا مجال له في نشر الدين، اللهم إلا في حالة الدفاع عنه، فهذا أمر واجب يقره العقل قبل الدين.
الإسلام والحضارة
يوضح الأستاذ جورج- سارلمون أن الإسلام شجع الفكر الحضاري، في العلوم التجريبية في حين وقفت المسيحية ضد هذا الفكر، فأبن النفيس قد اكتشف الدورة الدموية الصغرى، قبل أن يعرف (ميخائيل سرفيت) الأسباني ذلك بمائتي وخمسين عاماً، ولقد عرف المسلمون فضل أبن النفيس لكن سرفيت أحرق علناً في جنيف عام 1553م.
أما التشريح فقد كان في أوربا ممنوعا البتة، ولكن صناعة التشريح بلغت أعظم مدي في المشافي الإسلامية، وما يقال عن التشريح يقال عن أمراض العين، فإن المسلمين كانوا حتى القرن الثالث عشر رواد العالم في أمراض العيون.
وعن مدي الفائدة التي عادت علي الغرب من ترجمة الفكر الإسلامي يقول روجيه غارودي.
إن نهضة الغرب لم تبدأ في إيطاليا مع إحياء الثقافة اليونانية والرومانية، بل بدأت في أسبانيا مع إشعاع العلوم والثقافة الإسلامية والعربية، والنهضة الغربية لم تأخذ من العلوم العربية والإسلامية سوء المنهج التجريبي، والقوانين العلمية وتركت الإيمان الذي يوجهها نحو الإله، ويسخرها لخدمة البشر.
رأي المسيو رينيه في الإسلام
يقول الفنان الكبير " المسيو رينيه " الرسام الفرنسي، بعد أن أسلم وسمي نفسه باسم (ناصر الدين): إن العقيدة الإسلامية لا تقف عشرة في سبيل الفكر، وإن الإسلام صالح منذ نشأته لجميع الشعوب والأجناس، فهو صالح كذلك لكل أنواع العقيدة، وجميع درجات المدنيات، وهو كما يبهج الرجل العملي في لندن مثلا- فإنه يأخذ بلب الفيلسوف الروماني، كما يتقبله الشرقي صاحب الخيال الشعري في السماء والماء، وضوء القمر وهدوء السحر، والصحراء والزرع والشجر، كما يأخذ بمجامع المفكر الغربي، الذي عكف علي الإبداع في الفن، ورسم الصور الرائعة في الشعر والنشر، فكم من فيلسوف، وقسيس، ومصور، وشاعر، وطبيب وصيدلي، ومحام، وسياسي في الشرق والغرب قرءوا عن الإسلام فبهرهم، واستحوذ عليهم تناسقه مع الفطرة، وجذبتهم إليه عقائده وعباداته فآمنوا به راغبين راسخين، لا رهبة، بل اقتناعا عميقا وحباً، فهو الرحيق السائغ، والمنطق السليم، والمنهج السليم.
جوستاف لوبون
يقول هذا المفكر: إن للإسلام وحده الفخار بأنه أول دين قال بالتوحيد المحض الخالص، وبأنه أول دين نشر أتباعه ذلكالتوحيد في أنحاء العالم، فالإله الواحد المطلق، الذي دعا إليه الإسلام منزه عن شريك له، وتشتق سهولة الإسلام من التوحيد الخالص، وفي التوحيد سر قوة الإسلام، وهو من أكثر الديانات ملاءمة لمناخ العالم واكتشافاته، ومن أعظمها تهذيبا للنفوس، ودعوة إلي العدل وإلي التسامح.
وفي الحقيقة أن الأمم لم تعرف فاتحين راحمين متسامحين مثل العرب، فلإسلام هو الذي أعطي الفاتحين هذه الرحمة، وهذا التسامح.
الكاتب الإنجليزي الأشهر(توماس كارليل)
يقول هذا الكاتب الكبير في كتابه " الأبطال": لقد أصبح من أكبر العار علي أي متمدين من أبناء هذا العصر أن يصغي إلي أناس حاقدين كاذبين علي محمد، وآن لنا أن نحارب مزاعمهم السخيفة المخجلة، فإن الرسالة التي أداها ذلك الرسول ما زالت السراج المنير مدة اثني عشر قرنا. لنحو مائتي مليون من الناس بعد المليار نسمة. خلقهم الله كخلقنا، أفكان أحد كم يظن أن هذه الرسالة التي عاشت بها الملايين وماتت عليها أكذوبة وخدعة؟! أما أنا فلا أستطيع أن أري هذا الرأي أبداً ولو أن الكذب والغش يروجان عند الخلق في الناس المجانين، ولو كانت الحياة مجرد سخف وعبث وأضلولة، لكان الأولي بها ألا تخلق ثم قال-: والله إن الرجل الكاذب لا يقدر أن يبني بيتا من الطوب، فهو إذا لم يكن عليما بخصائص الجير والتراب وما شاكلهما فما الذي يبنيه ببيت وإنما هو تل من الأنقاض، لا يستطيع أن يبقي علي دعائمه أثنى عشر قرنا من الزمان، يسكنه الآن مائتا مليون مسلم.
ول ديورانت صاحب قصة الحضارة
كتب مجلداً كاملاً عن الحضارة الإسلامية، وقد نظر إلي أمر النبي في المجتمعات، التي آمنت به، وفي تواضعه، الذي لم تعرف له البشرية مثيلا فيقول: "إذا حكمنا علي العظمة بما كان للعظيم من اثر في الناس، لقلنا إن محمدا كان أعظم عظماء التاريخ، فقد رفع المستوي الروحي للوفاء والإخلاص من بعد أن ألقت به في ظلمات الهمجية حرارة وجدب الصحراء، وقد نجح محمد برسالته في ذلك نجاحا عظيماً لم يدانية أحد علي مدي التاريخ، لقد كبح محمد جماح التعصب، وقضي علي الخرافات، وأستطاع في جيل واحد أن ينتصر في مائة معركة، وفي قرن واحد أن ينشئ دولة عظمي، وأن يبقي إلي يومنا هذا قوة ذات خطر عظيم، لم يتظاهر محمد قط بأبهة السلطان، بل كان يرفض أن يوجه إليه شيء من التعظيم والتبجيل، يقبل دعوة العبد الرقيق إلي الطعام، ولا يطلب من عبد أن يقوم له بعمل يجد لديه من القوة والوقت ما يمكنه من عمله، لم يكن ينفق علي أسرته من المال إلا القليل، رغم ما كان يرد إليه من الفيء الكثير، أما ما ينفقه علي نفسه فكان أقل القليل، وكان يخص الصدقات بالجزء الأكثر من هذا المال.
الكاتب الهندي. ميهاتا صاحب كتاب " الحضارة الهندية والإسلام"
يقول" (إن الإسلام قد حمل إلي الهند مشعلا من نور انجلت به الظلمات، التي كانت تغشي الحياة الإنسانية في عصر مالت فيه المدنيات القديمة إلي الانحطاط والتدني، وأصبحت الغايات الفاضلة معتقدات فكرية، لقد كانت فتوح الإسلام في عالم الاقتصاد والأفكار أوسع وأعظم، منها في حقل السياسة، شأنه شأن الأقطار الأخرى، لقد كان من سوء الحظ أن ظل تاريخ الإسلام في هذا القطر الهندي مرتبطا بالحكومات فبقيت حقيقة الاسم في حجاب، وبقيت عبادته مختفية عن الأنظار.
ميشيل هارت وكتاب المائة الأوائل وأعظمهم محمد
يقول: "إن اختياري لمحمد ليكون الأول بين ذوي النفوذ المؤثرين في العالم قد يدهش بعض القراء، ويصبر مثار تساؤلات من البقية. ولكن هو الوحيد في التاريخ، الذي كان امتيازه متكافئا علي المستوي الديني والدنيوي.... وبأصول متواضعة أسس محمد ديانة من ديانات العالم العظيمة، وأصبح زعيما سياسيا، ورغم مرور أكثر من 123 قرنا لا يزال نفوذه الديني والسياسي عميقاً ومستمراً.
ثم يقول مبرزاً سببا آخر من أسباب اختياره نبي الإسلام ليكون الأول: "إن معظم الذين غيروا لتاريخ ظهور في قلب أحد المراكز الحضارية في العالم في بيئة متمدينة تبرز ظهور العظماء فيها، ولكن محمدا هو الوحيد الذي نشأ في بقعة من الصحراء الجرداء المجردة تماما من كل مقومات الحضارة والتقدم، ولكنه جعل من البدو والبسطاء المتحاربين قوة معنوية هائلة، قهرت بعد ذلك إمبراطوريات فارس وبيزنظة وروما المتقدمة بما لا يقاس في تاريخ الغزو في كل زمان ومكان يكون الغزو عسكريا ولكن في حالة الرسالة المحمدية فإن معظم البلاد التي فتحها خلفاءه استعربت تماما وتغيرت لغة ودينا، وقومية، من العراق وسورية إلي آخر الشاطئ الإفريقي غرباً، إلي السودان جنوباً، وأصبحت أمة واحدة تتكلم بلسان واحد إلي الآن، فهناك اليوم بعد ألف وأربعمائة سنة خمسمائة مليون مسلم، ولكن هناك بينهم حوالي مائة وخمسين مليون عربي، وهو معيار قياسي أمد الرسالة- إلي جانب استمرارها الزمني، - بثبات ليس له مثل في تاريخ الفتح الإسلامي في العالم، كذلك لا يوجد نص في تاريخ الرسالات نقل وبقي بحروفه كاملا دون تحريف كل هذا الزمن سوي القرآن، الذي نقله محمد، الأمر الذي لا ينطبق علي التوراة مثلا- أو الإنجيل.
هكذا نجد أن فتوحات العرب التي بدأت في القرن السابع الميلادي قد بقيت تلعب دورا هاما في تاريخ الإنسانية حتى يومنا هذا، ومن أجل هذا النفوذ الديني والدنيوي فإنني وجدت أن محمدا هو صاحب الحق الوحيد في أن اعتبره صاحب أعظم أثر علي الإطلاق في التاريخ الإنساني.
وبعد:
فهل آن للبشرية أن تعرف طريقها الحق في المجتمع الأمثل، وتؤمن بأن هذا المجتمع لا يوجد إلا في إطار الإسلام، والإنسان حين ينظر إلي المجتمع المعاصر ويجد الصراعات المختلفة، التي تدور في سائر أرجاء الأرض من قتل ونهب ونهش أعراض.
فلابد أن يعلم أن المنهج الإسلامي هو المنهج القادر وحده، علي العطاء؛ لأنه قائم في أساسه علي الإيمان، ذلك الإيمان الذي يولد الحب والرحمة، والعدل، والحرية في كل الأمم والشعوب، ولا يفرق بين طوائف الشعوب، ولا يفرق بين طوائف البشر.
ولقد لفت نظر (برنارد شو) أسلوب حل المشكلات الذي يتميز به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم يملك نفسه إلا أن قال وهو غير المسلم:
لو أن محمدا رسول الإسلام وجد وسط هذا العالم الملئ بالمشكلات والصراعات، لا ستطاع أن يحل مشكلات العالم وهو جالس يحتسي فنجاناً من القهوة.
قال تعالي: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33]. والله من وراء القصد.

كيف واجه النبي تحديات ما بعد بناء الدولة الإسلامية؟

كيف واجه النبي تحديات ما بعد بناء الدولة الإسلامية؟

في المرحلة الأولي شن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سلسلة من الحملات العسكرية الصغيرة اصطلح المؤرخون على تسميتها باسم السرايا، وجاءت هذه الهجمات أشبه بمناورات حية كان المقاتل المسلم يجس عن طريقها نبض أعدائه ويختبر إمكاناتهم الحربية ماديًا ومعنويًا، ويمارس مزيدًا من التدريب وتنمية قدراته وطاقاته على الصمود..

بعد ما أسس النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدولة الإسلامية في المدينة المنورة لم يجد الطريق مفروشًا أمامه بالورود، بل تكالبت عليه المخاطر والأعداء مما أوجب عليه أن يتصدى لها على نحو يبدو لكل منصف أن به من الإبداع ما يتفوق به على كل ساسة العالم قديمًا وحديثًا.

في البداية ركز النبي صلى الله عليه وآله وسلم جهده السياسي والعسكري على مناوئة قريش التي حاربت الإسلام وأخرجت المسلمين من ديارهم وأموالهم، وفي نفس الوقت لعبت قريش دور زعيمة الوثنية العربية ورأس حربتها في مواجهة دولة الإسلام.

في المرحلة الأولي شن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سلسلة من الحملات العسكرية الصغيرة اصطلح المؤرخون على تسميتها باسم السرايا، وجاءت هذه الهجمات أشبه بمناورات حية كان المقاتل المسلم يجس عن طريقها نبض أعدائه ويختبر إمكاناتهم الحربية ماديًا ومعنويًا، ويمارس مزيدًا من التدريب وتنمية قدراته وطاقاته على الصمود.. هذا بالنسبة للجيش الإسلامي، أما بالنسبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد حقق بسراياه الأولى عددًا من المنجزات العامة يمكن حصرها بما يلي:

1- الاستطلاع: استطاع المسلمون التعرف على الطرق المحيطة بالمدينة والمؤدية إلى مكة خاصة الطرق التجارية الحيوية لقريش بين مكة والشام، كما تمكنوا من التعرف على قبائل المنطقة.

2- القتال:
أ‌- أثبت المسلمون أنهم أقوياء ويستطيعون الدفاع عن أنفسهم وعقيدتهم تجاه المشركين من قريش وغيرهم من أعداء الدولة الإسلامية.
ب‌- تحالف المسلمون مع بعض القبائل المجاورة.

3- الكتمان: ابتكر الرسول أسلوب الرسائل المختومة والتي لا يفك القائد الإسلامي ختمها إلا في الموعد الذي حدده له النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمحافظة على الكتمان، وحرمان العدو من الحصول على المعلومات التي تفيده بشأن تحركات المسلمين، والكتمان أكبر عامل من عوامل مبدأ المباغتة التي هي إحداث موقف لا يكون العدو مستعدًا له، والمباغتة هي أهم مبدأ من مبادئ الحرب، وقد سبق المسلمون غيرهم في ابتكار هذا الأسلوب الدقيق.

4- الحصار الاقتصادي: هدد المسلمون أهم الطرق التجارية بين مكة والشام، فأصبحت قوافل قريش غير آمنة حين تسلك هذه الطرق مما ترتب عليه أسوأ الأثر على تجارة قريش التي تعيش عليها، وشكل ضغطًا اقتصاديًا على مكة بمحاولة حرمانها من سلوك طريق مكة الشام بأمان.

وكما حرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أن يقيم في داخل المدينة أداة للحكم وأن ينظم شئونها الداخلية، كذلك حرص عبر إرسال السرايا الحربية على أن يضم إلى المدينة ما حولها من ريف وقبائل، وأن يخطط للمدينة المنورة مجالها ويقرر حدودها ويعقد لها أحلافًا مع القبائل النازلة حولها، لأن المدينة -أي مدينة- لا يمكنها أن تعيش بنفسها، ولا أن تستغني عن ريف يمدها بالمؤن ويكون مجالاً لنشاطها، وكان هذا أحد أسباب إرسال النبي لعدة سرايا انطلقت من المدينة واتجهت إلى جميع الجهات فأمنت هذا الريف، وعقدت في أثناء هذه السرايا أحلافًا مع القبائل المجاورة، إذ إنه لا بد لسكان المدن التي تقوم في وسط جو بدوي أن تعمل حسابًا كبيرًا لغزوات البدو، ولا يكون ذلك إلا عن طريق محالفة البدو ثم كسر شوكتهم بالضرب على أيديهم إذا اعتدوا ونقضوا العهد، وإشعارهم دائمًا بقوة المدينة وقدرتها على الضرب.

وكانت إستراتيجية الرسول في توجيه سراياه وغزواته تعتمد على الحذر الدائم والحرص على أن يعرف من أخبار القبائل ما يمكنه من تدبير أمره لإقرار هيبة الدولة في نفوس البدو، فكان لا يترك فرصة لهم للتجمع لغزوه ومهاجمة دولته بل كان يقظًا سريع الحركة فما كان يسمع بتجمع أعدائه حتى يفاجئهم قبل أن يستكملوا جمع قواهم، فيشتت شملهم ويلقي الرعب في قلوبهم، فالهجوم عنده كان أقوى وسيلة للدفاع، وتحطيم قوة العدو قبل أن تكتمل أفضل من تركها تتجمع ثم الصمود أمامها.

ولقد أتاحت هذه الظروف للدولة الإسلامية في المدينة فرصة الاستقرار، ثم بدأ بعد ذلك طور جديد من أطوار الصراع مع الوثنية عبر المعارك الكبرى التي اصطلح المؤرخون على تسميتها بالغزوات، فكانت عدة غزوات نذكر هنا أبرزها وأولها وهي بدر.

غزوة بدر الكبرى:
بدأت غزوة بدر عندما أبلغ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن قافلة لقريش تضم ألف بعير قادمة من الشام صوب مكة يقودها أبو سفيان في ثلاثين أو أربعين تاجرًا مكيًا، وبمبادرة لا تردد فيها قال لأصحابه : «هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها» (صحيح فقه السيرة للألباني:218)، ونظرًا إلى أن نداء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن أمرًا ملزمًا بل كان ندبًا، فمن شاء فليخرج للغزو ومن لم يشأ لا يخرج، ونظرًا إلى أن أحدًا لم يكن يتوقع أن لقاءً مسلحًا حاسمًا سيتمخض عن التحدي الجديد هذا، فقد خرج بعض المسلمين بقيادة رسولهم الكريم صلى الله عليه وآله وسلم لمهاجمة القافلة، وتخلف بعضهم الآخر كما إن الذين خرجوا لم يأخذوا أهبتهم الكاملة من السلاح والتأهب..

وما أن سمع أبو سفيان بخبر تحرك المسلمين لمجابهة قافلته حتى أرسل لمكة على جناح السرعة يستنجد بهم طالبًا أن يخرجوا بجيشهم لإنقاذ أموالهم، فتجمعت قريش كلها 950 مقاتلاً تصاحبهم مائة فرس، ولم يتخلف من أشرافهم أحد إلا أبو لهب الذي يبدو أن مرضه وكبر سنه أقعده عن اللحاق بالجيش، واستطاع أبو سفيان أن يفلت من قبضة المسلمين بإسراعه صوب الطريق الساحلي متجنبًا الطريق الداخلي الذي كان المسلمون يكمنون له به، وما إن اطمأن على قافلته حتى أرسل لقريش يطلب منهم الرجوع بجيشهم لمكة لأن القافلة قد نجت..

لكن أبو جهل صمم على أن يسير جيش قريش لبدر حيث ينعقد به سوقًا للعرب بشكل موسمي، ويقم الجيش هناك ثلاثة أيام حتى يسمع بهم العرب فيظلوا يهابون قريش، ولذا التقى بجيش المسلمين قليل العدد والعدة عند بئر بدر وانتصر المسلمون بفضل وتأييد الله لهم، وكان ذلك يوم الجمعة 17 رمضان، وبغض النظر عن تفاصيل المعركة والمواقف داخل كل من الفريقين (المسلمون وقريش) فإن هناك عدة عوامل مادية لعبت دورًا في النصر فضلاً عن نزول الملائكةلتأييد المسلمين، وهذه العوامل هي:

1- القيادة الموحدة: كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم القائد العام للمسلمين في معركة بدر، وكان المسلمون يعملون كيد واحدة تحت قيادته يوجههم في الوقت الحاسم للقيام بعمل حاسمو، وهذا واجب القائد الكفء، وكان انضباط المسلمين في تنفيذ أوامر قائدهم مثالاً رائعًا للانضباط الحقيقي المتين، وإذا كان الانضباط أساس الجندية وإذا كان الجيش الممتاز هو الذي يتحلى بانضباط ممتاز فقد كان جيش المسلمين جيشًا ممتازًا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان، وإن معنى الضبط هو إطاعة الأوامر وتنفيذها بحرص وأمانة وعن طيبة خاطر، وقد فعل المسلمون ذلك لأن قائدهم يتحلى بصفات القائد المثالي، ضبطًا للأعصاب في الشدائد شجاعة نادرة المواقف، مساواة لنفسه مع أصحابه، استشارة في كل عمل حاسم، أما المشركون فلم يكن لهم قائد عام، كان أكثر سادة قريش مع قوات المشركين ولكن كان أبرز السادة كانا رجلان هما (عتبة بن ربيعة، وأبو جهل) ولم يكونا على رأي واحد وليس لهما هدف واحد.

2- التعبئة الجديدة: طبق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في سيره نحو موقعة بدر تشكيلة لا تختلف بتاتًا عن التعبئة الحديثة في حرب الصحراء، كان لجيشه مقدمة وقسم أكبر ومؤخرة، واستفاد من دوريات الاستطلاع للحصول على المعلومات، وتلك هي الأساليب الحديثة لتشكيلات مسير الاقتراب في حرب الصحراء حتى الآن، أما في المعركة فقد قاتل المسلمون بأسلوب الصفوف، بينما قاتل المشركون بأسلوب الكر والفر وهو أسلوب لم يكن يلائم أوضاع المعركة.

3- العقيدة الراسخة: كان للمسلمين أهداف معينة يعرفونها ويؤمنون بها، وهي إطلاق حريتهم كاملة لبث دعوتهم حتى تكون كلمة الله هي العليا، بينما كانت أهداف قريش هي نحر الذبائح وشرب الخمر وتغني المغنيات فتسمع العرب بمسير قريش وتباهيها بقوتها فتظل تخافها، وهل نستطيع تسمية ذلك أهدافًا، أم أن ذلك طيش وغرور وعصبية جاهلية؟!

4- المعنويات العالية: شجع الرسول أصحابه قبل القتال وأثنائه وقوى معنوياتهم حتى لا تهتز معنوياتهم بتفوق قريش عليه في العدد والعدة، ولم تكن معنويات الذين مارسوا الحرب وعرفوها من المسلمين عالية فحسب، بل كانت معنويات الأحداث الصغار الذين لم يمارسوا حربًا ولا قتالاً عالية أيضًا.. لقد أثبتت كافة الحروب في كافة ادوار التاريخ أن التسليح والتنظيم الجيدين والقوة العددية غير كافية لنيل النصر ما لم يتحل المقاتلون بالمعنويات العالية، بالإضافة إلى كل ذلك تمخضت معركة بدر عن نتائج مهمة فقد هزت بشدة طرق تجارة المكيين وهي عصب حياتهم، وأضعفت هيبة مكة ونفوذها على العرب، وتطورت قوة الإسلام وتعززت دولته الجديدة في المدينة، وانفسح المجال لنشر دعوتهم وازداد التضامن بين المهاجرين والأنصار قوة وتماسكًا.

وعلى منوال معركة بدر جرت العديد من المعارك بين المسلمين وقوى الوثنية ومع قوى اليهود أيضًا الذين نقضوا عهودهم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما جرت العديد من المعاهدات أشهرها صلح الحديبية، حتى تكلل ذلك كله بفتح مكة وإسلام أهل الطائف وأهل اليمن ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وأصبحت الجزيرة العربية كلها موحدة تحت راية الإسلام، وحج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حجة الوداع قبل وفاته وأرسى فيها العديد من القيم والمبادئ الإسلامية السامية فكان مما جاء في خطبته صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع:

«أيها الناس اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدًا..
أيها الناس إن دمائكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا..
وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها لمن ائتمنه عليها..
وإن كل ربا موضوع ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله، وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب 
-الذي قتلته هذيل- فهو أول من أبدأ به من دماء الجاهلية..

أيها الناس إن الشيطان قد يأس أن يعبد بأرضكم هذه أبدًا، ولكنه يطمع فيما سوى ذلك..
أيها الناس إن النسيء زيادة في الكفر يضل به الذي كفروا يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا ليواطئوا عدة ما حرم الله ليحلوا ما حرم الله.. أيها الناس إن لكم على نسائكم حقًا ولهن عليكم حقًا، فاستوصوا بهن خيرًا فإنهن عندكم عوان 
-أي أسيرات- لا يملكن لأنفسهن شيئًا، وإنكم إنما أخذتهن بأمانة الله فاعقلوا أيها الناس قولي فإني قد بلغت.. وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنة نبيه..

أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه تعلمون أن كل مسلم أخ لمسلم، وأن المسلمين أخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه فلا تظلمن أنفسكم.. اللهم قد بلغت
»، فأجابه المسلمون جميعًا: اللهم نعم، فقال صلى الله عليه وآله وسلم «اللهم اشهد»، وبعد ذلك بقليل قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للوفود المحتشدة حوله عند جمرة العقبة، ما يشعر بحلول أجله القريب «خذوا عني مناسككم فلعلي لا أحج بعد عامي هذا» (الألباني فقه السيرة:454 جاء سندها في أحاديث متفرقة: وقسم كبير منها رواه مسلم)، وما لبث أن توفي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في 12 ربيع الأول من العام التالي (عام 11هـ).

وعندما ألف العلامة مايكل هارت في القرن الماضي مؤلفه الشهير (الخالدون مائة اعظمهم محمد) قال:
"وربما بدا غريبًا حقًا أن يكون النبي محمد في رأس هذه القائمة، رغم أن عدد المسيحين ضعف عدد المسلمين، وربما بدا غريبًا أن يكون محمد عليه السلام هو رقم واحد في هذه القائمة، بينما عيسى عليه السلام هو رقم 3، وموسى عليه السلام هو رقم 16، ولكن لذلك أسباب من بينها أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم قد كان دوره أخطر وأعظم في نشر الإسلام وتدعيمه وإرساء قواعد شريعته أكثر مما كان لعيسى عليه السلام في الديانة المسيحية..

وعلى الرغم من أن عيسى عليه السلام هو المسئول عن مبادئ الأخلاق في المسيحية غير أن القديس بولس هو الذي أرسى أصول الشريعة المسيحية، وهو أيضًا المسئول عن كتابة الكثير مما جاء في كتب "العهد الجديد"، أما الرسول محمد صلى الله عليه وسلم فهو المسئول الأول والأوحد عن إرساء قواعد الإسلام وأصول الشريعة والسلوك الاجتماعي والأخلاقي وأصول المعاملات بين الناس في حياتهم الدينية والدنيوية، كما أن القرآن الكريم قد نزل عليه وحده، وفي القرآن وجد المسلمون كل ما يحتاجون إليه في دنياهم وآخرتهم".

وأضاف قائلاً أن: "القرآن الكريم نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم كاملاً وسجلت آياته وهو ما يزال حيًا وكان تسجيلاً في منتهي الدقة، فلم يتغير منه حرف واحد.. وليس في المسيحية شيء مثل ذلك، فلا يوجد كتاب واحد محكم دقيق لتعاليم المسيحية يشبه القرآن الكريم، وكان أثر القرآن الكريم على الناس بالغ العمق، ولذلك كان أثر محمد صلى الله عليه وسلم على الإسلام أكثر وأعمق من الأثر الذي تركه عيسى عليه السلام على الديانة المسيحية".

ويستمر هارت فيقول: "فعلى المستوى الديني كان أثر محمد صلى الله عليه وسلم قويًا في تاريخ البشرية، وكذلك كان عيسى، وكان الرسول محمد على خلاف عيسى رجلاً دنيويًا، فكان زوجًا وأبًا وكان يعمل في التجارة ويرعى الغنم، وكان يحارب ويصاب في الحروب ويمرض.. ثم مات..".

ويقول مايكل هارت أيضا: "لما كان الرسول صلى الله عليه وسلم قوة جبارة، فيمكن أن يقال إنه أعظم زعيم سياسي عرفه التاريخ"، ثم يختم كلامه عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: "فهذا الامتزاج بين الدين والدنيا هو الذي جعلني أومن بأن محمد صلى الله عليه وسلم هو أعظم الشخصيات أثرًا في تاريخ الإنسانية كلها".
 

Popular Posts

Blog Archive