background img

The New Stuff

السيئات في وقت البلاء هلكة

السيئات في وقت البلاء هلكة

قال النعمان بن بشير: "إن الهلكة كل الهلكة أن يعمل بالسيئات في أوقات البلاء".قال النعمان بن بشير: "إن الهلكة كل الهلكة أن يعمل بالسيئات في أوقات البلاء".


قلت: ولا يشك عاقل أن الوقت وقت فتنة وبلاء، ولا يرفع البلاء إلا بتوبة صادقة. 
ومن رحمة الله بنا تتابع البر والخيرات منه على عباده، كي ينصرهم ويهديهم إذا استغلوا مواسم الطاعة..
وإن لم يكن دام البلاء واضطرب الناس وهاجوا وماجوا، وما لهم معين ولا نصير، وما هذا إلا بشؤم معاصيهم والله المستعان!

أهل الدين سادة وأهل الدنيا عبيد

أهل الدين سادة وأهل الدنيا عبيد

فليهنأ أهل الدنيا بدنياهم وليقولوا ويفتخروا على أهل الدين ما يشاؤون، وأنهم أسيادهم وغيرهم عبيد، فهذا لا أثر له، وسرعان ما ينكشف عنهم هذا الوهم والزينة المصطنعة وبهرجة الدنيا، فالميزان عند رب العالمين بالتقوى..

عن سهل، قال: "مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «ما تقولون في هذا؟» قالوا: حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يستمع، قال: ثم سكت، فمر رجل من فقراء المسلمين، فقال: «ما تقولون في هذا؟» قالوا: حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يستمع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا خير من ملء الأرض مثل هذا» (رواه البخاري).

‫‏قال ابن حجر في فتح الباري‬:
"وفي الحديث بيان أن السيادة بمجرد الدنيا لا أثر لها، وإنما الاعتبار في ذلك بالآخرة كما تقدم، وأن العيش عيش الآخرة، وأن الذي يفوته الحظ من الدنيا يعاض عنه بحسنة الآخرة".

قلت:‬
فليهنأ أهل الدنيا بدنياهم وليقولوا ويفتخروا على أهل الدين ما يشاؤون، وأنهم أسيادهم وغيرهم عبيد، فهذا لا أثر له، وسرعان ما ينكشف عنهم هذا الوهم والزينة المصطنعة وبهرجة الدنيا، فالميزان عند رب العالمين بالتقوى، ومن فاته شيء من الدنيا وصبر على لوعتها وشدتها عوضه الله عنها بحسنة الأخرة، ونسأل الله الكريم من فضله.

التعلق بالأسباب

التعلق بالأسباب


الالتفات إلى الأسباب: شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا: نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية: قدح في الشرع

من صور التعلق المذموم وأشكاله تعلق بعض الناس بالأسباب، فيلقي إليها بكل اعتماده، ويعلق عليها كلَّ آماله، حتى أدى بالبعض إلى نسيان التوكل، وترك تعليقَ قلبه بمسبب الأسباب، الله الذي أعطى الأسباب تأثيرها، ولولاه –سبحانه- ما كان لها أثر، ولا اطَّرَد للناس عادة. وتبرز قيمة التعلق بالله تعالى في تحصيل آثار الأسباب؛ حين نتأمل قصصاً سلبَ الله فيها تأثير الأسباب، أو قلب تأثيرها. من ذلك قصة إبراهيم- عليه الصلاة والسلام- لما ألقى به قومه في النار، واعتمدوا على الأسباب، وظنوا أن النار قاضية عليه، غير أن الله تعالى – مسبب الأسباب- منع أثرها، بل جعلها برداً وسلاماً كما قال تعالى: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ، قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ، وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ} [الأنبياء:68-70]. فانظر كيف أخلدوا إلى السبب واعتمدوا عليه، وانظر كيف اعتمد إبراهيم- عليه الصلاة والسلام- على الله تعالى، ولم يتقطع قلبه فرقا بتقطع الأسباب، بل لجأ إلى الله تعالى، وحَسْبَلَ مفوضا أمره إلى الله-سبحانه فعن ابن عباس-رضي الله عنهما- أنه قال: "حسبي الله ونعم الوكيل" قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين قالوا: {لَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] (البخاري، الجامع الصحيح، رقم: [4563]).
قالت طائفة من العلماء:" الالتفات إلى الأسباب: شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا: نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية: قدح في الشرع، وإنما التوكل، والرجاء: معنى يتألف من موجب التوحيد، والعقل، والشرع" .وبيان ذلك أن الالتفات إلى السبب هو اعتماد القلب عليه ورجاؤه، والاستناد إليه، وليس في المخلوقات ما يستحق هذا؛ لأنه ليس مستقلًا، ولا بد له من شركاء، وأضداد، ومع هذا كله: فإن لم يسخِّره مسبِّب الأسباب:لم يسخَّر، وهذا مما يبين أن الله رب كل شيء، ومليكه، وأن السموات، والأرض، وما بينهما، والأفلاك، وما حوته: لها خالق، مدبِّر، غيرها " [ابن تيمية ، مجموع الفتاوى،8/  169]. وما دام ذلك كذلك " فعلى العبد أن يكون قلبه معتمدًا على الله، لا على سببٍ من الأسباب، والله ييسر له من الأسباب ما يصلحه في الدنيا والآخرة، فإن كانت الأسباب مقدورة له، وهو مأمور بها: فَعَلَها، مع التوكل على الله، كما يؤدي الفرائض، وكما يجاهد العدو، ويحمل السلاح، ويلبس جُنَّة الحرب، ولا يكتفي في دفع العدو على مجرد توكله بدون أن يفعل ما أُمر به من الجهاد، ومَن ترك الأسباب المأمور بها: فهو عاجز، مفرط، مذموم "[المصدر السابق  (8، 528- 529 )].
وقد صحح هذا المفهومَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم حين عَلَّم الرجلَ حُسْنَ التوكل مع بذل الأسباب، حين سأله سائل: "يا رسول الله أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟" قال : «اعقلها وتوكل» (الترمذي، الجامع الكبير، رقم:[2517])، وهذا من جملة المفاهيم التي انحرفت عند بعض طوائف الأمة، فبدلاً من أن تكون طاقةً دافعةً إلى العلم والعمل، صارت عند بعضهم تُكَّأَةً يتكئون عليها، ويعلقون عليها ضعفهم ويبررون بها عجزهم، مثل ما حدث لمفهوم التوكل فصار تواكلاً، ومثله ما حدث لمفهوم القضاء والقدر قديماً وحديثاً، حتى قال بعضهم عن المحتل: جاء بقضاء الله وقدره، ويخرج بقضاء الله وقدره! وتركوا بذلَ الأسباب التي هي أيضاً لا تخرج عن قضاء الله وقدره، ولذلك قال الإمام الملهم عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه لما قالوا له عن عدم دخول أرض الطاعون: " أفرارا من قدر الله؟ فقال عمر:... نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت واديا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله"(البخاري، برقم: [5728]، ومسلم، برقم:[2218]، في صحيحيهما).

من عاش بالمكر مات بالفقر

من عاش بالمكر مات بالفقر

من تأمل الشريعة ورزق فيها فقه نفس علم ذلك واستقر مفهوم هذا الأمر في قلبه؛ لاطراد سنة الله في خلقه في هذا الشأن، ومن لم يكن له فقه نفس في هذا ومعرفة به فإنه يفوته خير كبير وهو لا يشعر، وقد أجمع أهل العقل والنظر أن الجزاء من جنس العمل، فمن المعلوم أنه كما تدين تدان..


‬قال الإمام المحقق ابن القيم برد الله مضجعه:
"وقد شاهد الناس عيانًا أنه من عاش بالمَكْرِ مَاتَ بالفقر، وعاقب الله جل جلاله كل خائن بأنه يضل كيده ويبطله، ولا يهديه لمقصوده وإن نال بعضه، فالذى ناله سبب لزيادة عقوبته وخيبته: {وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} [يوسف من الآية:52]، وهذا باب واسع جدًا عظيم النفع، لمن تدبره يجده متضمنًا لمعاقبة الرب سبحانه من خرج عن طاعته، بأن يعكس عليه مقصوده شرعًا وقدرًا، دنيا وآخره، وقد اطردت سنته الكونية سبحانه فى عباده، بأن من مكر بالباطل مكر به، ومن احتال احتيل عليه، ومن خادع غيره خدع، فلا تجد ماكرًا إلا وهو ممكور به، ولا مخادعًا إلا وهو مخدوع، ولا محتالاً إلا وهو محتال عليه" (انظر: إغاثة اللهفان).
قلت:
ومن تأمل الشريعة ورزق فيها فقه نفس علم ذلك واستقر مفهوم هذا الأمر في قلبه؛ لاطراد سنة الله في خلقه في هذا الشأن، ومن لم يكن له فقه نفس في هذا ومعرفة به فإنه يفوته خير كبير وهو لا يشعر، وقد أجمع أهل العقل والنظر أن الجزاء من جنس العمل، فمن المعلوم أنه كما تدين تدان، وكما تفعل مع عباده يُفعل معك؛ لتطمئن القلوب وتستريح النفوس وهذا مقتضى سنة الله الكونية، إذ لو حابت هذه السنن أحد ماتت النفوس كمدًا وغيظًا –وحاشاه- من ظلم خلقه وقد حرمه على نفسه.

لا يؤمن أحدكم حتى يحب نفسه أكثر

لا يؤمن أحدكم حتى يحب نفسه أكثر

يقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: «لا يُؤمِنُ أحدُكم حتى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنَفْسِه » صحيح البخاري؛وهذاخلق عظيم فى مقابل الأنانية التى هي من أسوأ أنواع الخلق، لكن هناك نوعاً راقياً من الأنانية؛ فحب الذات فطرة فى كل كائن حى؛ لكنه جُعل لدى الإنسان لهدف أسمى وهو التطلع إلى أعلى الدرجات فى الآخرة .


يقول  رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: «لا يُؤمِنُ أحدُكم حتى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنَفْسِه» الراوي : أنس بن مالك . (صحيح البخاري؛ رقم: [13]).
وهذاخلق عظيم فى مقابل الأنانية التى هي من أسوأ أنواع الخلق، لكن هناك نوعاً راقياً من الأنانية؛ فحب الذات فطرة فى كل كائن حى؛ لكنه جُعل لدى الإنسان لهدف أسمى وهو التطلع إلى أعلى الدرجات  فى الآخرة {وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين:26].
 فكلما كان المرء متحلياً بروح التضحية والإيثار إنما هو فى حقيقة الأمر يحب ذاته أعلى درجات الحب ولكن كيف ذلك؟
هو الانتباه إلى أن كل ما يقدمه لأخيه من خيرأو حتى من مشاعر  طيبة بنية خالصة لوجه الله إنما هو زيادة فى ميزان حسناته ورفع لدرجاته وقد ضرب الأنصارمع المهاجرين أروع الأمثلة على ذلك حين حلوا بديارهم فنزل فيهم قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا   يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9]
وفى الجهة المقابلة  نجد الشخص الذى يستحل مال أخيه  أوعرضه وهويجهل أو يتجاهل أنه بذلك إنما يُهدِي إليه حسناته  ويحمل عنه سيئاته وأوزاره .وفى هذا المعنى الخطير ورد الحديث المعروف عندما سأل رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أصحابه :
« أتدرون ما المفلِسُ ؟ قالوا : المفلِسُ فينا من لا درهمَ له ولا متاعَ . فقال : إنَّ المفلسَ من أمَّتي ، يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ ، ويأتي قد شتم هذا ، وقذف هذا ، وأكل مالَ هذا ، وسفك دمَ هذا ، وضرب هذا . فيُعطَى هذا من حسناتِه وهذا من حسناتِه . فإن فَنِيَتْ حسناتُه ، قبل أن يقضيَ ما عليه ، أخذ من خطاياهم فطُرِحت عليه . ثمَّ طرح في النَّارِ» الراوي : أبو هريرة. (صحيح مسلم؛رقم: [2581])
فهذا الحديث يبين لنا كم يكون الإنسان مبغضاً نفسه مهيناً لها عندما يقدم على ظلم الآخرين وهو يحسب نفسه فد فاز بمغنم.
وقد استوعب السلف الصالح هذه الحقيقة حتى أن الإمام الشافعي- رحمه الله- كان يقول: "لو كنت مغتابا أحداً لاغتبت أمى" وهذا من فرط حبه لها لأنه يدرك تماما أنه بذلك يهدى إليها حسناته.
وقال عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ رَحِمَهُ الله:
" لَوْلَا أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُعْصَى اللهُ لَتَمَنَّيْتُ أَنْ لَا يَبْقَى فِي هَذَا الْمِصْرِ أَحَدٌ إِلَّا وَقَعَ وَاغْتَابَنِي
وَأَيُّ شَيْءٍ أَهْنَأُ مِنْ حَسَنَةٍ يَجِدُهَا الرَّجُلُ فِي صَحِيفَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمْ يَعْمَلْهَا وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا "
ويذكر أن الحسن البصري -رحمه الله- قد أهدى طبقاً من تمرٍ لرجل علم أنه اغتابه شاكراً إياه لأنه قد أهدى إليه من حسناته.
وقائمة حقوق الأخرين طويلة طويلة وقد اخترنا آفة الغيبة كمثال لأنها من أشد ما يستهين الناس بها وهى ليست كذلك، فما بالنا بما يستعظم من الذنوب؟!

‏تخلقوا بأخلاق الإسلام ينصركم الله‬

‏تخلقوا بأخلاق الإسلام ينصركم الله‬

أزمتنا ازمة أخلاق، ونبينا متمم مكارم الأخلاق، وأمته بعيدة عن الأخلاق! والسبب فشو الجهل والعصبية وحب الذات والأنا، وعدم سماع واحترام الآخر، فعمت وطمت هذه الأزمة..


ويذكر الأستاذ ‫‏زغلول النجار‬ -وفقه الله- للأستاذ (ت.ب. إيرفنج)  الأستاذ بجامعة تنسي الأمريكية حينما وقف مخاطبًا جمعًا من المسلمين في مدينة (جلاسجو) ببريطانيا منذ سنوات قال فيها: "إنكم لن تستطيعوا أن تنافسوا الدول الكبرى علميًا، أو تقنيًا، أو اقتصاديًا، أو سياسيًا، أو عسكريًا، ولكنكم تستطيعون أن تجعلوا تلك الدول تجثوا على ركبها أمامكم بالإسلام..
أفيقوا من غفلتكم لقيمة هذا النور الذي تحملون، والذي تتعطش إليه أرواح الناس في مختلف جنبات الأرض، تعلموا الإسلام وطبقوه، واحملوه لغيركم من البشر تتفتح أمامكم الدنيا، ويدِنْ لكم كل ذي سلطان، أعطوني أربعين شابًا ممن يفهمون هذا الدين فهمًا عميقًا، ويطبقونه على حياتهم تطبيقًا دقيقًا، ويحسنون عرضه على الناس بلغة العصر وأسلوبه وأنا أفتح بهم الأمريكتين".
قلت: أزمتنا ازمة أخلاق، ونبينا متمم مكارم الأخلاق، وأمته بعيدة عن الأخلاق! والسبب فشو الجهل والعصبية وحب الذات والأنا، وعدم سماع واحترام الآخر، فعمت وطمت هذه الأزمة.. والله المستعان.

الوفاء .. روائع القصص

الوفاء .. روائع القصص

- لما حضرتْ عبدَ الله بن عمر الوفاةُ، قال: "إنه كان خطب إليَّ ابنتي رجل من قريش، وقد كان مني إليه شبه الوعد، فوالله لا ألقى اللهَ بثلث النفاق، أُشْهِدُكم أني قد زوجته ابنتي" (الغزالي: إحياء علوم الدين [9/1580]).

- لما حضرتْ عبدَ الله بن عمر الوفاةُ، قال: "إنه كان خطب إليَّ ابنتي رجل من قريش، وقد كان مني إليه شبه الوعد، فوالله لا ألقى اللهَ بثلث النفاق، أُشْهِدُكم أني قد زوجته ابنتي" (الغزالي: إحياء علوم الدين [9/1580]).
- حُكِيَ أن الخليفة المأمون لما وَلَّى عبد الله بن طاهر بن الحسين مصر والشام وأطلق حكمه، دخل على المأمون بعض إخوانه يومًا، فقال: "يا أمير المؤمنين، إن عبد الله بن طاهر يميل إلى ولد أبي طالب، وهواه مع العلويين، وكذلك كان أبوه قبله". فحصل عند المأمون شيء من كلام أخيه من جهة عبد الله بن طاهر، فتشوَّش فكره، وضاق صدره، فاستحضر شخصًا وجعله في زيِّ الزهَّاد والنسَّاك الغزاة، ودسَّه إلى عبد الله بن طاهر، وقال له: "امضِ إلى مصر، وخالط أهلها، وداخل كبراءها، واستَمِلْهُمْ إلى القاسم بن محمد العلوي، واذكر مناقبه، ثم بعد ذلك اجتمع ببعض بطانة عبد الله بن طاهر، ثم اجتمع بعبد الله بن طاهر بعد ذلك، وادْعُهُ إلى القاسم بن محمد العلوي، واكشف باطنه، وابحث عن دفين نيَّته، وائتني بما تسمع".
ففعل ذلك الرجل ما أمره به المأمون، وتوجَّه إلى مصر ودعا جماعة من أهلها، ثم كتب ورقة لطيفة ودفعها إلى عبد الله بن طاهر وقت ركوبه، فلمَّا نزل من الركوب وجلس في مجلسه خرج الحاجب إليه، وأدخله على عبد الله بن طاهر وهو جالس وحده، فقال له: "لقد فهمت ما قصدت، فهات ما عندك". فقال: "ولي الأمان؟" قال: "نعم". فأظهر له ما أراده، ودعاه إلى القاسم بن محمد، فقال له عبد الله: "أَوَتنصفني فيما أقوله لك؟" قال: "نعم". قال: "فهل يجب شكر الناس بعضهم لبعض عند الإحسان والمنَّة؟" قال: "نعم". قال: "فيجب عليَّ وأنا في هذه الحالة التي تراها من الحكم والنعمة والولاية ولي خاتم في المشرق وخاتم في المغرب، وأمري فيما بينهما مطاع، وقولي مقبول، ثم إني ألتفت يمينًا وشمالاً فأرى نعمة هذا الرجل غامرة وإحسانه فائضًا عليَّ، أفتدعوني إلى الكفر بهذه النعمة، وتقول: اغدر وجانب الوفاء، والله لو دعوتني إلى الجنة عيانًا لما غدرت، ولما نكثت بيعته وتركت الوفاء له". فسكت الرجل، فقال له عبد الله: "والله ما أخاف إلاَّ على نفسك، فارحل من هذا البلد". فلما يئس الرجل منه وكشف باطنه وسمع كلامه رجع إلى المأمون، فأخبره بصورة الحال، فسَرَّه ذلك، وزاد في إحسانه إليه، وضاعف إنعامه عليه (الأبشيهي: المستطرف [1/288]).
- يُذْكَرُ أن النعمان كان قد جعل له يومين: يوم بؤس مَنْ صادفه فيه قتله وأرداه، ويوم نعيم من لقيه فيه أحسن إليه وأغناه. وكان هذا الطائي قد رماه حادث دهره بسهام فاقته وفقره، فأخرجته الفاقة من محلِّ استقراره ليرتاد شيئًا لصبيته وصغاره، فبينما هو كذلك إذ صادفه النعمان في يوم بؤسه، فلمَّا رآه الطائي علم أنه مقتول، وأن دمه مطلول، فقال: "حيَّا الله الملك، إن لي صبية صغارًا وأهلاً جياعًا وقد أرقتُ ماء وجهي في حصول شيء من البلغة لهم، وقد أقدمني سوء الحظِّ على المَلِكِ في هذا اليوم العبوس، وقد قربت من مقرِّ الصبية والأهل، وهم على شفا تلف من الطوى، ولن يتفاوت الحال في قتلي بين أول النهار وآخره، فإن رأى الملك أن يأذن لي في أن أُوَصِّل إليهم هذا القوت وأوصي بهم أهل المروءة من الحيِّ لئلاَّ يهلكوا ضياعًا، ثم أعود إلى الملك وأسلِّم نفسي لنفاذ أمره". فلمَّا سمع النعمان صورة مقاله، وفهم حقيقة حاله، ورأى تلهُّفه على ضياع أطفاله، رقَّ له ورثى لحاله، غير أنه قال له: "لا آذن لك حتى يَضْمَنَكَ رجل معنا، فإن لم ترجع قتلناه"، وكان شَرِيكُ بن علي بن شُرَحْبِيل نديم النعمان معه، فالتفت الطائي إلى شريك، وقال له:
يا شريك بن عدي *** ما من الموت انهزام
من الأطفال ضعاف *** عدموا طعم الطعام
بين رجوع وانتظار *** وافتقارًا وسقام
يا أخا كلِّ كريم *** أنت من قوم كرام
يا أخا النعمان جُدْ لي *** بضمان والتزام
ولك الله بأني *** راجع قبل الظلام
(الأبيات من الرمل).

فقال شريك بن عدي: "أصلح الله المَلِكَ، عليَّ ضمانه". فمرَّ الطائي مسرعًا، وصار النعمان يقول لشريك: "إن صدر النهار قد ولَّى ولم يرجع". وشريك يقول: "ليس للمَلِكِ عليَّ سبيل حتى يأتي المساء". فلما قرب المساء قال النعمان لشريك: "قد جاء وقتك، قم فتأهب للقتل". فقال شريك: "هذا شخص قد لاح مقبلاً، وأرجو أن يكون الطائي، فإن لم يكن فأَمْرُ الملك ممتثل". قال: فبينما هم كذلك وإذ بالطائي قد اشتد عَدْوُه في سيره مسرعًا، حتى وصل، فقال: "خشيت أن ينقضي النهار قبل وصولي". ثم وقف قائمًا، وقال: "أيها الملك، مُرْ بأمرك". فأطرق النعمان، ثم رفع رأسه، وقال: "والله ما رأيت أعجب منكما، أمَّا أنت يا طائي فما تركتَ لأحد في الوفاء مقامًا يقوم فيه، ولا ذكرًا يفتخر به، وأمَّا أنت يا شريك فما تركت لكريم سماحة يُذْكَرُ بها في الكرماء، فلا أكون أنا ألأم الثلاثة، ألا وأني قد رفعت يوم بؤسي عن الناس، ونقضتُ عادتي كرامة لوفاء الطائي وكرم شريك". فقال الطائي:
ولقد دعتني للخلاف عشيرتي *** فعددت قولهمو من الإضلال
إنــي امرؤ مني الوفــاء سجية *** وفعال كل مهذَّب مفضال
(الأبيات من الكامل).
فقال له النعمان: "ما حملك على الوفاء وفيه إتلاف نفسك؟" فقال: "ديني، فمن لا وفاء فيه لا دين له". فأحسن إليه النعمان، ووصله بما أغناه، وأعاده مكرمًا إلى أهله، وأناله ما تمنَّاه (الإبشيهي: المستطرف [1/287]، [288]).
- لما مات امرؤ القيس سار الحارث بن أبي شمر الغساني إلى السموءل (شاعر جاهلي حكيم) بن عادياء، وطالبه بأدراع امرئ القيس، وكانت مائة درع، وبما له عنده، فلم يُعْطِه، فأخذ الحارث ابنًا للسموءل، فقال: إما أن تسلم الأدراع، وإما قتلتُ ابنك. فأبى السموءل أن يسلَّم إليه شيئًا، فقَتَلَ ابنه، فقال السموءل في ذلك:
وفيت بأدرع الكنديِّ إنِّي *** إذا ما ذمَّ أقوامٌ وفيت
وأوصى عاديا يومًا بأن لا *** تُهَـدَّم يا سمول ما بنيت
بنى لي عاديا حصنًا حصينًا *** وماءً كلّما شئت استقيت
(الأبيات من الوافر، للسموءل بن غريض بن عادياء. ابن الأثير: الكامل في التاريخ [1/179]).
- قال الشعبيُّ: قال عمرو بن معديكرب: خرجتُ يومًا حتى انتهيت إلى حي، فإذا بفرسٍ مشدودةٍ، ورمحٍ مركوز، وإذا صاحبه في وهدةٍ يقضي حاجة له، فقلت له: "خذ حذرك، فإني قاتلك". قال: "ومن أنت؟" قلت: "أنا ابن معديكرب". قال: "يا أبا ثور، ما أنصفتني، أنت على ظهر فرسك وأنا في بئرٍ، فأعطني عهدًا أنّك لا تقتلني حتى أركب فرسي وآخذ حذري". فأعطيته عهدًا أني لا أقتله حتى يركب فرسه ويأخذ حذره، فخرج من الموضع الذي كان فيه حتى احتبى بسيفه وجلس، فقلت له: "ما هذا؟" قال: "ما أنا براكبٍ فرسي ولا مقاتلك، فإن نكثت عهدًا فأنت أعلم". فتركته ومضيت، فهذا أحيل مَنْ رأيت (ابن الجوزي: أخبار الظراف والمتماجنين ص113).

لا تغترَّ بالكثرة مِن حَولك

لا تغترَّ بالكثرة مِن حَولك

لا تغتمَّ بالقِلَّة، أو تأسفنَّ لغُربَة، فهي إلى النجاة أقرب، ومَن أخلصَ وصبرَ جمَع اللهُ عليه القلوب، ولو بعد حين.

لا تغترَّ بالكثرة مِن حَولك في مجلسِك أو خُطبتِك أو دعْوتك!
أورد الذَّهبي رحمه الله، في السِّـيَـر:
"قال عبد الرحمن بن مَهدي: كنتُ أجلس يوم الجمعة، فإذا كثر الناس فَرِحتُ، وإذا قلُّوا حَزنتُ!
فسألتُ بشر بن منصور، فقال: هذا مجلسُ سُوء، فلا تَعُد إليه، فما عُدتُ إليه.
وعن مالك رحمه الله: كنتُ آتي نافعًا وأنا غلامٌ حديث السِّن، فينزل ويُحدثني، وكان يجلس بعد الصبح في المسجد لا يكاد يأتيه أحد.
وعن الأوزاعي رحمه الله: مات عطاءُ بن أبي رباح يوم مات وهو أرضَى أهل الأرض عند الناس، وما كان يشهد مجلسَه إلا تسعة أو ثمانية" (انظر: سِيَـر أعلام النبلاء).
قلتُ:
يرحمُ الله سلفنَا، ما أخلصَهم لله وأخشاهم له! فطِنُوا إلى الداء العُضال بالالتفات إلى الناس، فهَجروه ومَضوا، شعارهم: "إنِّي مُهاجرٌ إلى ربِّي"! فأبَى الله إلَّا أن يجمع عليهم القلوب، ويَضع لهم القَبول كلّ زمانٍ ومكان! وماهي إلَّا بركةالإخلاص، وعدم الالتفات إلى الناس.
فلا تغتمَّ بالقِلَّة، أو تأسفنَّ لغُربَة، فهي إلى النجاة أقرب.
ومَن أخلصَ وصبرَ جمَع اللهُ عليه القلوب، ولو بعد حين.

لا تأكل بدينك فتخسر دنياك وأخراك

لا تأكل بدينك فتخسر دنياك وأخراك

يا صاحب الدِّين والعلم والقدوة والأسوة: لا تأكل بدينك، ولا تَبذله رخيصًا مُهانًا، ولا تتزلَّف به لنَيل رضا مخلوق؛ طمعًا في دنيا زائلة، ولُقمةٍ عاجلة ومتاعٍ قليل، وما أتاك على هذا الوجه فاصفع به وجه صاحبه؛ فإنه الهَوان في مِسلاخ إكرام، والدَّنيَّة في ثياب عطيَّة!

ذكر الإمام الآجُرّيّ بإسناده إلى عيسى بن سنان، قال:
"سمعتُ وهب بن مُنبّه يقول لعطاء الخراساني: كان العلماء قبلنا استغنَوا بعلمهم عن دنيا غيرهم، فكانوا لا يلتفتون إلى دنياهم، فكان أهل الدنيا يبذلون لهم دنياهم رغبةً في علمهم، فأصبح أهل العلم منّا اليوم يبذلون لأهل الدنيا علمَهم رغبةً في دنياهم، فأصبح أهل الدنيا قد زهدوا في علمهم لِما رأوا من سوء موضعه عندهم..
فإياك وأبواب السلاطين، فإن عند أبوابهم فتنًا كمبارك الإبل، لا تصيب من دنياهم شيئًا إلا أصابوا من دينك مثله!
ثم علَّق الآجريّ قائلًا: فإذا كان يُخاف على العلماء في ذلك الزمان أن تفتنهم الدنيا! فما ظنّك في زمننا هذا؟ الله المستعان! ما أعظم ما قد حلَّ بالعلماء من الفتن وهم عنه في غفلة" (انظر: أخلاق العلماء).
قلتُ:
يرحم الله الإمام الآجريّ المُتوفَّى (360هـ) يقول هذا.. وقد كانت أزمانهم أزمان الدِّيانة والعلم والورع! فكيف لو رأى ما عليه بعض أهل الديانة في زماننا؟! فإلى الله المُشتكَى. 
فيا صاحب الدِّين والعلم والقدوة والأسوة: لا تأكل بدينك، ولا تَبذله رخيصًا مُهانًا، ولا تتزلَّف به لنَيل رضا مخلوق؛ طمعًا في دنيا زائلة، ولُقمةٍ عاجلة ومتاعٍ قليل، وما أتاك على هذا الوجه فاصفع به وجه صاحبه؛ فإنه الهَوان في مِسلاخ إكرام، والدَّنيَّة في ثياب عطيَّة! 
وكما قال عليَّ رضي الله عنه:
"خذوا العطاء ما كان طُعمةً، فإذا كان عن دينكم فارفضوه أشدَّ الرفض" (مصنَّف ابن أبي شيبة).
فصُن دينك واحفظْه تَسلَم وتَغنم، ومَن يَستعْفِف يُعفّه الله.

أبو فهر المسلم


التفاؤل: إكسير الأوقات العصيبة

التفاؤل: إكسير الأوقات العصيبة

فالصحة النفسية لا تعطى للفرد، ولكنه يكتسبها بجده واجتهاده وتوفيق الله تعالى له، فكل فرد مسئول عن صحته النفسية وعن نموها، فإذا رأينا الأمور بصورة إيجابية تفاؤلية أو صورة سلبية تشاؤمية فإنها تنعكس على شخصيتنا، وبالتالي هي التي ستحدد سلوكنا.


بسم الله الرحمن الرحيم..
ما أجمل أن ترتبط النفوس بالخير وتنعقد عليها همتها، وما أجمل أن تتفائل بالأحسن لتجده بعون الله ومدده ولطفه، فانشراح الصدر بالخيرات من أعظم أسباب استقرار النفس وديمومة فاعليتها، الأمر الذي يضعها على جادة الاستفادة والإفادة، وتصير رقمًا مميزًا في المعادلة البشرية بعطائها الفريد وبصماتها المميزة، يقول روبرت شوللر: "إن الأوقات العصبية لا تستمر إلى الأبد، لكن الأقوياء يستمرون".
من حسنات التفاؤل أنه دليل حسن ظنك بالله عز وجل، ويجلب السعادة إلى النفس والقلب، وفي الفأل الحسن تقوية للعزائم وانطلاقًا إلى الأمام، وباعثًا على الجد والأمل، فلولا الأمل لبطل العمل، وفي التفاؤل أيضًا اقتداء بالسنة المطهرة، وأخذًا بالأسوة الحسنة، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يتفاءل في حروبه وغزواته وفي شأنه كله.
والتفاؤل يوحد قوة الروح وقوة الجسد، ومن استقرار الروح تزدهر الصحة النفسية التي ترتبط غاية الارتباط بقدرة الشخصية على التوافق مع نفسها ومجتمعها الذي تعيش فيه، وهذا يؤدي -إن شاء الله تعالى- إلى التمتع بحياة هادئة سوية، مليئة بالحماس، وخالية من الأسى والاضطراب والتشاؤم.
التفاؤل يعني أن يرضى المرء عن نفسه، وأن يتقبل ذاته، كما يتقبل الآخرين، وتغيب عن سلوكياته اضطرابات التوافق الاجتماعي أو السلوكيات الشاذة، بل يسلك في تصرفاته السلوك المعقول المتسم بالاتزان والمتصف بالإيجابية والقدرة على مواجهة المواقف ومجابهة المشاكل التي تقابله في مختلف نواحي حياته.
يقول عالما النفس (بايلس) و(سيلجمان) مؤسسًا حركة علم النفس الإيجابي "الواعدة": "إنّ التفاؤل دفاع جيد ضد التعاسه، وإن التفاؤل يمكن أن يُتعلم".
كما يعتقدان أن الفرد عندما تتوفر لدية متطلباته الحياتية الأساسية من طعام يشبعه وبيت يؤويه، فإن ما يفيض من مال لا يزيد إلا قليلًا من سعادته، ولكي يكون سعيدًا بجد عليه أن يبحث عن الحياة المفعمة بالمعاني الإيجابية والأفكار التفاؤلية.
وبناءً على هذا الطرح فالصحة النفسية لا تعطى للفرد، ولكنه يكتسبها بجده واجتهاده وتوفيق الله تعالى له، فكل فرد مسئول عن صحته النفسية وعن نموها، فإذا رأينا الأمور بصورة إيجابية تفاؤلية أو صورة سلبية تشاؤمية فإنها تنعكس على شخصيتنا، وبالتالي هي التي ستحدد سلوكنا.
والتفاؤل والأمل يساعدا في الاستقرار النفسي الذي يتسم بتوقع النجاح والفوز في المستقبل القريب والاستبشار به في المستقبل البعيد، ولا يكون ذلك إلا بالاعتماد والثقة في الله سبحانه وتعالى ثم الثقة في النفس.
وأعلى مراتب التفاؤل توقع الشفاء عند المرض، والنجاح عند الفشل، والنصر عند الهزيمة، وتوقع تفريج الكروب، ودفع المصائب والنوازل عند وقوعها، فالتفاؤل والأمل عملية نفسية إرادية تولد أفكار ومشاعر الرضا والتحمل والثقة، وتبعد أفكار ومشاعر اليأس والانهزامية والعجز، وترقى بالإنسان إلى النجاح والتألق.
والتفاؤل ينشط أجهزة المناعة النفسية والجسدية، مما يجعل المرء على جادة الصحة والسلامة والوقاية، ويتفق علماء النفس على ضرورة أن يعيش الفرد يومه متفائلًا حتى في الظروف الصعبة، ولا يقلق على المستقبل، فلكل مشكلة احتمالات لحلها، والفشل يجب أن يؤخذ على أنه تجارب يستفيد منها المرء في المستقبل، وليست عائقًا أمام تقدمه، ثم يحاول التحسين من إخفاقاته بهدوء وتعقل. 
فالمتفائل يفسر الأزمات تفسيرًا إيجابيًا، ويتلمح لطف الله تعالى فيها بالنظر إلى من هو أشد منه أزمة وبلاء، بل إن التفاؤل يبعث في نفسه الأمل في الله والثقة بالفرج والأمن والطمأنينة بمعية الله الرحمن الرحيم، وفي الحديث القدسي الشهير: «أنا عند ظن عبدي بي» (صحيح الترغيب:3386).
ومن ناحية أخرى يقول علماء النفس: "علينا أن ندرك جيدًا أنه لا إفراط ولا تفريط"، صحيح أن المتفاءل بالخير يجده، ولكن الأحوط أن لا يفرط أو يغالي في التفاؤل، لأنه قد يدفع بالفرد إلى المغامرة، والاستهانة بأخذ الحيطة والحذر في دروب حياته.
وكذلك يعتبر التشاؤم في نفس الوقت مظهرًا من مظاهر انخفاض أو اعتلال الصحة النفسية لدى الفرد، لأن التشاؤم يستنزف طاقة الشخص، ويقلل من نشاطه، ويضعف من دوافعه وتفكيره، ويبعده عن مظان الأمل والسعادة والثقة بالنفس والنجاح، ولذلك فإن التفاؤل من مظاهر الصحة النفسية الجيدة، لكن لا يكتمل التفاؤل إلا بحسن التوكل على اللهعز وجل، الذي له ملك السماوات والأرض، والإيمان بالقدرة الإلهية العظيمة التي تسير كل شيء. 
وخلاصة القول أن التفاؤل هو مفتاح الصحة والسعادة والنجاح، وهو الذي يؤكد الذات ويزيد الثقة بها، ويمنح الشعور بالمقدرة والتحكم والسيطرة على التصرفات الحالية والمستقبلية، ويعطي المرء الاستقلال الفكري والنفسي الذي يتيح له الإمساك بمفاتيح الشخصية وعدم تركها للآخرين حتى لا يكون قشة في مهب الريح.
كما أن التفاؤل يكسب المرء القدرة على تجاوز الأفكار السلبية وكسر حلقاتها وتغيير اتجاهها، وتنمية الأفكار الإيجابية والارتفاع بالقدرات الكامنة فينا كي لا يقع في براثن الإحباط والتشاؤم.
إن المتفائل الحقيقي محب على الدوام لا يعرف الحسد والحقد والكراهية التي نهى عنها ديننا الحنيف، والمتفائل عندما يتخفف من هذه الأثقال التي تعوق كل انطلاقة سيكون حرًا فاعلًا.
والتفاؤل مسلك يفرضه الإيمان بالله والرضا بقضائه وقدره، أما التشاؤم فلا يستقيم مع صريح الإيمان، وعليه فإن تحول المتشائم إلى متفائل ممكن إذا تمت له الهداية واتبع الطريق الصحيح بعد التوكل على الله، ولا شيء مستحيل أمام هذا التحول إذا صدقت النوايا وحسنت ثقتنا في المولى عز وجل، فكن متفائلًا وابتعد عن التشاؤم، وابتسم فإن الحياة لك ولمن حولك. 

المؤامرة ليست ضد رمضان

المؤامرة ليست ضد رمضان

فهذا الإنسان الجديد الراقي وليد العطاءات الرمضانية الرافض للإسفاف الإعلامي وما يقدمه من حرب على الدين والفضيلة وتشجيع على الفسق والرذيلة هذا الوليد الجديد جدير بتدبير المؤامرات لإجهاضه قبل أن يخرج للنور بمزيد من الإغراءات وبمزيد من الفتن، فكيف لتاجرالغواية أن يقبل بالتفريط في زبائنه؟


لما كان رمضان المدرسة التي تخرج المؤمنين الجدد الذين تدربوا في حضنها على الاقتراب من الله والبعد عن المعاصي، بل أن الاقتراب من الله أساسه هو البعد عن المعاصي فالتخلية قبل التحلية؛ وهذا أساس في التعامل مع الله، فالصوم فرضه الله سبحانه لتهذيب النفس أولا ولتعليمها كيف تتقي الله وذلك يظهر جلياً في قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]
فبعد فرض الصوم شهراً كاملاً تحبس فيه النفس عن معاصي اللسان فلا غيبة ولا نميمة ولا كذب ولا فحش ولا بذاءة ولا لفظ يحبط العمل ويكفينا حكم الله تعالى في قائل الزور من خلال قول النبي صلى الله عليه وسلم:
«من لمْ يَدَعْ قولَ الزورِ والعملَ بِهِ ، فليسَ للهِ حاجَةٌ في أنِ يَدَعَ طعَامَهُ وشرَابَهُ» الراوي: أبو هريرة (صحيح البخاري؛ رقم: [1903]).  
وسلسلة آفات اللسان طويلة، فمن ضبط لسانه لعله ينجو من وعيد الله الذي يصل إلى حد السخط دون أن يدري المتكلم كما في قول الرسول صلى الله عليه وسلم:
«إنَّ العبدَ ليتكلَّمُ بالكلمةِ من رضوانِ اللهِ، لا يُلقي لها بالًا، يرفعُ اللهُ بها درجاتٍ ، وإنَّ العبدَ ليتكلَّمُ بالكلمةِ من سخطِ اللهِ ، لا يُلقي لها بالًا ، يهوي بها في جهنَّمَ» الراوي : أبو هريرة (صحيح البخاري؛ رقم: [6478]).
وبالقياس نفسه تكون حساسية المسلم لسائر المعاصي وكيف أن معاصي كل الجوارح الأخرى يمكن أن تبلغ به هذا المبلغ من سخط الله فلا يستهين بآثام البصر ولا آثام السمع وأخطرها على الإطلاق آثام القلب المتعددة مثل الشرك أو القسوة أو النفاق أو الكبر أو الحسد أو الحقد وغيرها.
ولا نجد متآمراً على صوم المسلم مثل تآمر وسائل الإعلام المختلفة وعلى رأسها المسلسلات والأفلام والبرامج التافهة والمغرضة التي لا تهدف إلى ضياع رمضان فحسب كفرصة ذهبية يمنحها الله للمسلم لنيل أعلى الدرجات والحصول على الحسنات؛ بل هي في حقيقتها مؤامرة على محاولة المسلم لإعادة بناء شخصيته بشكل يحقق له عمل مصالحة مع ربه؛ فالمصالحة مع الرب في الحقيقة مصالحة مع النفس والكون لأن الله خلق الإنسان مفطوراً على عبادته وطاعته ومرضاته.
وما من إنسان يستطيع الشعور بالسعادة والانسجام مع ذاته إلا من خلال إصلاح ما بينه وما بين ربه، فالأمر لا يتعلق بالسعادة الأخروية وحسب بل السعادة الدنيوية كذلك.
وأستشهد ببعض قول السلف الصالح : "إنا لفي سعادة لو علمها الملوك وأبناء الملوك لقاتلونا عليها بالسيوف"
كما أستشهد بالمقارنة بمن مررت بهم سواء على أرض الواقع أو من خلال الكتب بمن يتمتعون بعلاقة طيبة مع خالقهم وبين من نبذوا كتاب الله وحكمه وراء ظهورهم وآثروا الإنغماس في الشهوات التي لا تحقق الإنسان أية سعادة حقيقية، فهي أشبه ما تكون بماء البحر الذي كلما ازداد منه شرباً ازداد منه عطشاً، لأنه في نفس الوقت يحرمه الزاد الروحي الذي يمنح النفس الشعور بالقوة على تحمل الحياة بأعبائها المختلفة والرضا بحظه منها، وأهم من ذلك الشعور بالأمن والأمان لأنه يحيا في كنف القوي العزيز، والأمل في حياة أفضل فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
فهذا الإنسان الجديد الراقي وليد العطاءات الرمضانية الرافض للإسفاف الإعلامي وما يقدمه من حرب على الدين والفضيلة وتشجيع على الفسق والرذيلة-هذا الوليد الجديد جدير بتدبير المؤامرات لإجهاضه قبل أن يخرج للنور بمزيد من الإغراءات وبمزيد من الفتن، فكيف لتاجرالغواية أن يقبل بالتفريط في زبائنه؟

سبق المقربون

سبق المقربون

سئل ابن مسعود: كيف كُنتُم تستقبلون رمضان؟ قال: "ما كان أحد منا يجرؤ على استقبال الهلال وفي قلبه ذره حقد على أخيه المسلم".

السابقون في الدنيا إلى الخيرات هم السابقون في الآخرة إلى الجنات، فالسابقون أعلى الخلق درجة.
والسبق هناك في الآخرة على قدر السبق هنا في الدنيا، وليس السابق من سبق به بعيره، ولكن السابق من غفرت له ذنوبه.

سئل ابن مسعود: كيف كُنتُم تستقبلون رمضان؟ 
قال: "ما كان أحد منا يجرؤ على استقبال الهلال وفي قلبه ذره حقد على أخيه المسلم". 

{سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ . مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ . الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [الحديد:21-24].

{وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه من الآية:84].
{فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الذاريات:50].


قيح النفوس وقيح الأجساد

قيح النفوس وقيح الأجساد

كثيرًا ما تخدعنا نفوسنا عن نفوسنا! فنظن فيها الخير ولا نرى شرها، وبقدر ما لا نرى شرها يحجب عنا معرفة ربنا تعالى وفضله، ونُخدع فيها فنثق فيها بعض الثقة، ونركن إليها بعض الركون، وبمقدار هذه الثقة وهذا الظن بمقدار ما نتخلى عن الافتقار إلى الله..

يقول تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء من الآية:79]، إنا علمنا أن أصل الطريق إلى الله تعالى أن تعرف ربك وتعرف نفسك، فمن عرف ربه عرف أن منه الخير كله إعدادًا وإمدادًا، ومن عرف نفسه عرف أن منها الشر والسوء وأنها المتسببة فيه، وأن الشر الواقع في الوجود هو بسبب ذنوبها بارتكاب لمحرم أو بتفريط في واجب.

لكن كثيرًا ما تخدعنا نفوسنا عن نفوسنا! فنظن فيها الخير ولا نرى شرها، وبقدر ما لا نرى شرها يحجب عنا معرفة ربنا تعالى وفضله، ونُخدع فيها فنثق فيها بعض الثقة، ونركن إليها بعض الركون، وبمقدار هذه الثقة وهذا الظن بمقدار ما نتخلى عن الافتقار إلى الله..

وما دمنا تركنا قدرًا من الافتقار ثقة في نفوسنا، وظنّنا الواهم بها عندئذ نُحرم من التوفيق، وحرمان التوفيق يعني الخذلان، وعندئذ تحدث المعصية، والمعصية سبب الشرور، يقول ابن تيمية مرارًا: "والذنوب هي أصل الشرور في العالم"، والذنوب تشمل التفريط في أمر الله وتضييع الواجبات والحقوق وارتكاب المحرمات والمظالم.

يقول البعض: لما نظرت في جراح الأجساد وما يعتريها من الصديد والقيح، ويلجأ العبد إلى معالجة الآفة ليتخلص من التغير الذي اعترى جسده ليعود وفق ما جبله الله عليه، فإذا بقيح النفوس أشد، وآفاتها أقبح من صديد الأجساد، وهي ممتلئة بهذا القبح بما يزكم الأنوف ويمرض الحياة، ومصداقه: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} [المؤمنون من الأية:1]، وإذا بالملاذ والاستقامة بصحة النفوس، وصحتها فيما شرع الله لها، فإن تُركت لنفسها تُركت لقبائحها، فإذا بكل مساحة لم تغطها بأمر الله تعالى تحتاج إلى استغفار لتتقي شرها وسوءها..

حتى إذا صحّت التقوى وتمكنت من العبد وقاه الله شر نفسه، قد جاء في عدد من أدعية رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ هو صلى الله عليه وسلم فيها من شر نفسه قبل أن يسأل ويدعو، ويجعلها في خطبة الحاجة في الجمع والعيدين والنكاح: «ونعوذ بالله من شر أنفسنا وسيئات أعمالنا» (صحيح النسائي:1403)، ويعلّم خير الأمة بعده، الصدّيق الأكبر، دعاء للصباح والمساء وحين مضجعه يبدأ فيها بالاستعاذة من شر نفسه، ويعِد بعض الناس أنه إن أسلم أن يعلمه كلمتين ينفعانه؛ فلما أسلم علّمه: «اللهم ألْهمني رشدي وقني شر نفسي» (صححه ابن القيم في الوابل الصيب:199). 

لذا يدعو يوسف: {أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [يوسف من الآية:101]، فيتبرأ من حول نفسه إلى ولاية ربه، ويخاف إبراهيم: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم من الآية:35]، فيخاف إن وُكل لنفسه، ويقول الله لنبيه: {لَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاك لَقَدْ كِدْت تَرْكَن إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} [الإسراء:74]، ويقول له: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ}، ثم يجمع له الأمر فيقول: {وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء:113].

ولما يعلن الراسخون في العلم إيمانهم: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ} [آل عمران من الآية:7]، هنا يدعون راجين مرتعدين: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران:8]، ويجتهد رسول الله في قسَمه ويمينه فيقول: «لا ومقلب القلوب»، ويقول في دعائه: «أعوذ بك أن تضلني، الجن والإنس يموتون، وأنت الحي الذي لا تموت» (رواه مسلم).

إذا رأيت آفات جسدك فاعلم أن قبحها قليل، وقبح النفوس بآفاتها وأهوائها أشد، وأن الخير في فضله تعالى، فلا تغترن بها ولا تثق بها بل اتهمها وتواضع لخالقها، ولخلقه؛ فلست أفضل منهم بل ما بك من خير فبمقدار فضله، فعليه توكل وإليه فالْجأ، وطامِن من نفسك، وتواضع لعبيده، فصديد النفوس أقبح وأنتن مما ترى، ولو وكلَت إليها الأمور لبلغ الفساد للسماوات والأرض، ولولا فضل الله أن وقانا شرورها لكان وكان..

لهذا يقرن تعالى العبادة بالتوكل، فالتوكل هو الاعتماد على الخالق لا على النفس ولو دخلت النفس لأفسدت الأمور.. أرأريت؟ كل الخير فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وفي كل كلمة أوحِيت إليه، {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء من الآية:79]، يعني بسببها لكن الكل بتقدير رب العالمين، فما كان من خير فمحض فضله، وما كان من سوء فعقوبة إما على معصية ومخالفة، وإما على فراغ مما أمر الله تعالى به.. والكثير قد يفطن للأولى ولكن القليل من يفطن للثانية، وهي جرم الفراغ من القيام بما أمر تعالى. 

إن سعيكم لشتى

إن سعيكم لشتى

رمضان غنيمة للمسلم بما اكتسبه من صيام أيامه وقيام لياليه، والانقطاع إلى الله عز وجل بالعبادة فيه..


حديث صحيح اصبر على قراءته وشرحه..
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه ما أتى على المسلمين شهر خير لهم من رمضان»، يعني: أقسم أبو هريرة بما حلف به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، «ولا أتى على المنافقين شهر شر لهم من رمضان؛ وذلك لما يعد المؤمنون فيه من القوة للعبادة، وما يعد فيه المنافقون من غفلات الناس وعوراتهم، هو غنم للمؤمن، يغتنمه الفاجر».
‫‏
وفي رواية، قال: «أظلكم شهركم هذا بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما مر بالمؤمنين شهر خير لهم منه ولا بالمنافقين شهر شر لهم منه، بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ليكتب أجره ونوافله من قبل أن يدخله، ويكتب إصره وشقاءه من قبل أن يدخله؛ وذاك لأن المؤمن يعد فيه القوة من النفقة للعبادة ويعد فيه المنافق اتباع غفلات المؤمنين واتباع عوراتهم، فهو غنم للمؤمن يغتنمه الفاجر»، وفي رواية البيهقي: «فهو غنم للمؤمن ونقمة للفاجر» (وهذا الحديث أخرجه البيهقي في السنن، والطبراني في الأوسط، وابن خزيمة، وسكت عنه المنذري، وقال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: إسناده صحيح).

‏المعنى:
وقوله صلى الله عليه وسلم في الرواية الأولى: «أظلكم شهركم هذا» يعني: أشرف عليكم وقرب منكم، «بمحلوف رسول الله صلى عليه وسلم»، يعني: إني أحلف بما حلف عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، «ما مر بالمؤمنين شهر خير لهم منه، ولا بالمنافقين شهر شر لهم منه، إن الله عز وجل ليكتب أجره ونوافله من قبل أن يدخله، ويكتب إصره وشقاءه»، والإصر هنا الإثم والعقوبة، «من قبل أن يدخله» أي: الله عز وجل يعلم ما كان وما سيكون لا حدود لعلمه سبحانه وتعالى، فالله عز وجل يكتب قبل دخول الشهر أن فلانًا سيجني من هذا الشهر كذا وكذا من الطاعات والعبادات، وفلان سوف يجني كذا وكذا من الشقاء والإثم والإصر والإثم والعقاب.
قوله: «إن الله عز وجل ليكتب أجره ونوافله من قبل أن يدخله» إن المؤمن يستعد ويتهيأ لاستقبال رمضان قبل دخوله كما ذكرنا في إعداد النفقة وإعداد القوت وغير ذلك؛ حتى يتفرغ ويجتهد في طاعة الله عز وجل في رمضان، فإن الله عز وجل يكتب له أجره ونوافله، وما سيترتب على أعماله هذه من الثواب قبل أن يدخل عليه شهر رمضان.
قوله عليه الصلاة والسلام: «ما أتى على المسلمين شهر خير لهم من رمضان، ولا أتى على المنافقين شهر شر لهم من رمضان؛ وذلك لما يعد المؤمنون فيه من القوة للعبادة» يعني: يعد المؤمنون لرمضان ما يقويهم على العبادة، فهم يدخرون ما ينفقونه على العيال قبل أن يدخل رمضان، أيضاً كثير من الناس يخرجون زكواتهم في رمضان، وكثير من الناس يتهيئون لأداء العمرة في رمضان وغير ذلك، تجدهم يخصصون ويتأهبون لقدوم رمضان قبل دخوله، فهم يعدون قبل دخول رمضان ما يحتاجونه؛ حتى يتفرغوا لطاعة الله إذا دخل عليهم رمضان.
أما قوله: «وذلك أن المؤمن يعد فيه القوة من النفقة للعبادة»، يعني: أن المؤمنين بسبب اشتغالهم بالعبادة في رمضان فإن ذلك يمنعهم من تحصيل المعاش أو التقليل منه، فقيام الليل يستدعي النوم بالنهار، والاعتكاف يستدعي عدم الخروج من المسجد، وفي هذا تعطيل لأسباب المعاش، فهم يجمعون القوت وما يلزم لأولادهم في رمضان قبل حلوله؛ ليتفرغوا فيه للعبادة، وللإقبال على الله عز وجل، ولاجتناء ثمرة هذا الموسم فهو خير لهم مما أنفقوه؛ لما اكتسبوا فيه من الأجر العظيم والغفران العميم.
وقوله عليه الصلاة والسلام: «وما يعد فيه المنافقون من غفلات الناس وعوراتهم» يعني: هذا هو السبب في أن شهر رمضان شر على المنافقين، وما أكثر هؤلاء المنافقين من أعداء الله، من قطاع الطريق إلى الله، الذين يغتنمون فرصةالتوبة والإنابة، واستقامة الناس على طاعة الله وانفتاح أبواب الخيرات، حتى يصدوا الناس عن ذلك الخير، وتراهم يجلبون بخيلهم ورجلهم ليل نهار، في النهار يريدون أن يفسدوا صيام الناس بالمعاصي بالأفلام وباللهو والعبث والفجور، وفي الليل بالسهر والعكوف أمام االتلفزيون وأمثاله.
قوله عليه الصلاة والسلام في نهاية الحديث: «هو غنم للمؤمن يغتنمه الفاجر»، وفي رواية البيهقي: «فهو غنم للمؤمن ونقمة للفاجر»، والمعنى: أن الله عز وجل ينتقم من الفاجر ويذيقه العذاب الأليم؛ لسوء فعله وإيذائه المؤمنين وتتبع عوراتهم، فيكون نقمة له، وأما المسلم فرمضان غنيمة له؛ بما اكتسبه من صيام أيامه وقيام لياليه، والانقطاع إلى الله عز وجل بالعبادة فيه.

Popular Posts

Blog Archive