background img

The New Stuff

‏إظهار الرسائل ذات التسميات عبد المنعم منيب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عبد المنعم منيب. إظهار كافة الرسائل

كيف واجه النبي تحديات ما بعد بناء الدولة الإسلامية؟

في المرحلة الأولي شن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سلسلة من الحملات العسكرية الصغيرة اصطلح المؤرخون على تسميتها باسم السرايا، وجاءت هذه الهجمات أشبه بمناورات حية كان المقاتل المسلم يجس عن طريقها نبض أعدائه ويختبر إمكاناتهم الحربية ماديًا ومعنويًا، ويمارس مزيدًا من التدريب وتنمية قدراته وطاقاته على الصمود..

بعد ما أسس النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدولة الإسلامية في المدينة المنورة لم يجد الطريق مفروشًا أمامه بالورود، بل تكالبت عليه المخاطر والأعداء مما أوجب عليه أن يتصدى لها على نحو يبدو لكل منصف أن به من الإبداع ما يتفوق به على كل ساسة العالم قديمًا وحديثًا.

في البداية ركز النبي صلى الله عليه وآله وسلم جهده السياسي والعسكري على مناوئة قريش التي حاربت الإسلام وأخرجت المسلمين من ديارهم وأموالهم، وفي نفس الوقت لعبت قريش دور زعيمة الوثنية العربية ورأس حربتها في مواجهة دولة الإسلام.

في المرحلة الأولي شن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سلسلة من الحملات العسكرية الصغيرة اصطلح المؤرخون على تسميتها باسم السرايا، وجاءت هذه الهجمات أشبه بمناورات حية كان المقاتل المسلم يجس عن طريقها نبض أعدائه ويختبر إمكاناتهم الحربية ماديًا ومعنويًا، ويمارس مزيدًا من التدريب وتنمية قدراته وطاقاته على الصمود.. هذا بالنسبة للجيش الإسلامي، أما بالنسبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد حقق بسراياه الأولى عددًا من المنجزات العامة يمكن حصرها بما يلي:

1- الاستطلاع: استطاع المسلمون التعرف على الطرق المحيطة بالمدينة والمؤدية إلى مكة خاصة الطرق التجارية الحيوية لقريش بين مكة والشام، كما تمكنوا من التعرف على قبائل المنطقة.

2- القتال:
أ‌- أثبت المسلمون أنهم أقوياء ويستطيعون الدفاع عن أنفسهم وعقيدتهم تجاه المشركين من قريش وغيرهم من أعداء الدولة الإسلامية.
ب‌- تحالف المسلمون مع بعض القبائل المجاورة.

3- الكتمان: ابتكر الرسول أسلوب الرسائل المختومة والتي لا يفك القائد الإسلامي ختمها إلا في الموعد الذي حدده له النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمحافظة على الكتمان، وحرمان العدو من الحصول على المعلومات التي تفيده بشأن تحركات المسلمين، والكتمان أكبر عامل من عوامل مبدأ المباغتة التي هي إحداث موقف لا يكون العدو مستعدًا له، والمباغتة هي أهم مبدأ من مبادئ الحرب، وقد سبق المسلمون غيرهم في ابتكار هذا الأسلوب الدقيق.

4- الحصار الاقتصادي: هدد المسلمون أهم الطرق التجارية بين مكة والشام، فأصبحت قوافل قريش غير آمنة حين تسلك هذه الطرق مما ترتب عليه أسوأ الأثر على تجارة قريش التي تعيش عليها، وشكل ضغطًا اقتصاديًا على مكة بمحاولة حرمانها من سلوك طريق مكة الشام بأمان.

وكما حرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أن يقيم في داخل المدينة أداة للحكم وأن ينظم شئونها الداخلية، كذلك حرص عبر إرسال السرايا الحربية على أن يضم إلى المدينة ما حولها من ريف وقبائل، وأن يخطط للمدينة المنورة مجالها ويقرر حدودها ويعقد لها أحلافًا مع القبائل النازلة حولها، لأن المدينة -أي مدينة- لا يمكنها أن تعيش بنفسها، ولا أن تستغني عن ريف يمدها بالمؤن ويكون مجالاً لنشاطها، وكان هذا أحد أسباب إرسال النبي لعدة سرايا انطلقت من المدينة واتجهت إلى جميع الجهات فأمنت هذا الريف، وعقدت في أثناء هذه السرايا أحلافًا مع القبائل المجاورة، إذ إنه لا بد لسكان المدن التي تقوم في وسط جو بدوي أن تعمل حسابًا كبيرًا لغزوات البدو، ولا يكون ذلك إلا عن طريق محالفة البدو ثم كسر شوكتهم بالضرب على أيديهم إذا اعتدوا ونقضوا العهد، وإشعارهم دائمًا بقوة المدينة وقدرتها على الضرب.

وكانت إستراتيجية الرسول في توجيه سراياه وغزواته تعتمد على الحذر الدائم والحرص على أن يعرف من أخبار القبائل ما يمكنه من تدبير أمره لإقرار هيبة الدولة في نفوس البدو، فكان لا يترك فرصة لهم للتجمع لغزوه ومهاجمة دولته بل كان يقظًا سريع الحركة فما كان يسمع بتجمع أعدائه حتى يفاجئهم قبل أن يستكملوا جمع قواهم، فيشتت شملهم ويلقي الرعب في قلوبهم، فالهجوم عنده كان أقوى وسيلة للدفاع، وتحطيم قوة العدو قبل أن تكتمل أفضل من تركها تتجمع ثم الصمود أمامها.

ولقد أتاحت هذه الظروف للدولة الإسلامية في المدينة فرصة الاستقرار، ثم بدأ بعد ذلك طور جديد من أطوار الصراع مع الوثنية عبر المعارك الكبرى التي اصطلح المؤرخون على تسميتها بالغزوات، فكانت عدة غزوات نذكر هنا أبرزها وأولها وهي بدر.

غزوة بدر الكبرى:
بدأت غزوة بدر عندما أبلغ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن قافلة لقريش تضم ألف بعير قادمة من الشام صوب مكة يقودها أبو سفيان في ثلاثين أو أربعين تاجرًا مكيًا، وبمبادرة لا تردد فيها قال لأصحابه : «هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها» (صحيح فقه السيرة للألباني:218)، ونظرًا إلى أن نداء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن أمرًا ملزمًا بل كان ندبًا، فمن شاء فليخرج للغزو ومن لم يشأ لا يخرج، ونظرًا إلى أن أحدًا لم يكن يتوقع أن لقاءً مسلحًا حاسمًا سيتمخض عن التحدي الجديد هذا، فقد خرج بعض المسلمين بقيادة رسولهم الكريم صلى الله عليه وآله وسلم لمهاجمة القافلة، وتخلف بعضهم الآخر كما إن الذين خرجوا لم يأخذوا أهبتهم الكاملة من السلاح والتأهب..

وما أن سمع أبو سفيان بخبر تحرك المسلمين لمجابهة قافلته حتى أرسل لمكة على جناح السرعة يستنجد بهم طالبًا أن يخرجوا بجيشهم لإنقاذ أموالهم، فتجمعت قريش كلها 950 مقاتلاً تصاحبهم مائة فرس، ولم يتخلف من أشرافهم أحد إلا أبو لهب الذي يبدو أن مرضه وكبر سنه أقعده عن اللحاق بالجيش، واستطاع أبو سفيان أن يفلت من قبضة المسلمين بإسراعه صوب الطريق الساحلي متجنبًا الطريق الداخلي الذي كان المسلمون يكمنون له به، وما إن اطمأن على قافلته حتى أرسل لقريش يطلب منهم الرجوع بجيشهم لمكة لأن القافلة قد نجت..

لكن أبو جهل صمم على أن يسير جيش قريش لبدر حيث ينعقد به سوقًا للعرب بشكل موسمي، ويقم الجيش هناك ثلاثة أيام حتى يسمع بهم العرب فيظلوا يهابون قريش، ولذا التقى بجيش المسلمين قليل العدد والعدة عند بئر بدر وانتصر المسلمون بفضل وتأييد الله لهم، وكان ذلك يوم الجمعة 17 رمضان، وبغض النظر عن تفاصيل المعركة والمواقف داخل كل من الفريقين (المسلمون وقريش) فإن هناك عدة عوامل مادية لعبت دورًا في النصر فضلاً عن نزول الملائكةلتأييد المسلمين، وهذه العوامل هي:

1- القيادة الموحدة: كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم القائد العام للمسلمين في معركة بدر، وكان المسلمون يعملون كيد واحدة تحت قيادته يوجههم في الوقت الحاسم للقيام بعمل حاسمو، وهذا واجب القائد الكفء، وكان انضباط المسلمين في تنفيذ أوامر قائدهم مثالاً رائعًا للانضباط الحقيقي المتين، وإذا كان الانضباط أساس الجندية وإذا كان الجيش الممتاز هو الذي يتحلى بانضباط ممتاز فقد كان جيش المسلمين جيشًا ممتازًا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان، وإن معنى الضبط هو إطاعة الأوامر وتنفيذها بحرص وأمانة وعن طيبة خاطر، وقد فعل المسلمون ذلك لأن قائدهم يتحلى بصفات القائد المثالي، ضبطًا للأعصاب في الشدائد شجاعة نادرة المواقف، مساواة لنفسه مع أصحابه، استشارة في كل عمل حاسم، أما المشركون فلم يكن لهم قائد عام، كان أكثر سادة قريش مع قوات المشركين ولكن كان أبرز السادة كانا رجلان هما (عتبة بن ربيعة، وأبو جهل) ولم يكونا على رأي واحد وليس لهما هدف واحد.

2- التعبئة الجديدة: طبق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في سيره نحو موقعة بدر تشكيلة لا تختلف بتاتًا عن التعبئة الحديثة في حرب الصحراء، كان لجيشه مقدمة وقسم أكبر ومؤخرة، واستفاد من دوريات الاستطلاع للحصول على المعلومات، وتلك هي الأساليب الحديثة لتشكيلات مسير الاقتراب في حرب الصحراء حتى الآن، أما في المعركة فقد قاتل المسلمون بأسلوب الصفوف، بينما قاتل المشركون بأسلوب الكر والفر وهو أسلوب لم يكن يلائم أوضاع المعركة.

3- العقيدة الراسخة: كان للمسلمين أهداف معينة يعرفونها ويؤمنون بها، وهي إطلاق حريتهم كاملة لبث دعوتهم حتى تكون كلمة الله هي العليا، بينما كانت أهداف قريش هي نحر الذبائح وشرب الخمر وتغني المغنيات فتسمع العرب بمسير قريش وتباهيها بقوتها فتظل تخافها، وهل نستطيع تسمية ذلك أهدافًا، أم أن ذلك طيش وغرور وعصبية جاهلية؟!

4- المعنويات العالية: شجع الرسول أصحابه قبل القتال وأثنائه وقوى معنوياتهم حتى لا تهتز معنوياتهم بتفوق قريش عليه في العدد والعدة، ولم تكن معنويات الذين مارسوا الحرب وعرفوها من المسلمين عالية فحسب، بل كانت معنويات الأحداث الصغار الذين لم يمارسوا حربًا ولا قتالاً عالية أيضًا.. لقد أثبتت كافة الحروب في كافة ادوار التاريخ أن التسليح والتنظيم الجيدين والقوة العددية غير كافية لنيل النصر ما لم يتحل المقاتلون بالمعنويات العالية، بالإضافة إلى كل ذلك تمخضت معركة بدر عن نتائج مهمة فقد هزت بشدة طرق تجارة المكيين وهي عصب حياتهم، وأضعفت هيبة مكة ونفوذها على العرب، وتطورت قوة الإسلام وتعززت دولته الجديدة في المدينة، وانفسح المجال لنشر دعوتهم وازداد التضامن بين المهاجرين والأنصار قوة وتماسكًا.

وعلى منوال معركة بدر جرت العديد من المعارك بين المسلمين وقوى الوثنية ومع قوى اليهود أيضًا الذين نقضوا عهودهم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما جرت العديد من المعاهدات أشهرها صلح الحديبية، حتى تكلل ذلك كله بفتح مكة وإسلام أهل الطائف وأهل اليمن ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وأصبحت الجزيرة العربية كلها موحدة تحت راية الإسلام، وحج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حجة الوداع قبل وفاته وأرسى فيها العديد من القيم والمبادئ الإسلامية السامية فكان مما جاء في خطبته صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع:

«أيها الناس اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدًا..
أيها الناس إن دمائكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا..
وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها لمن ائتمنه عليها..
وإن كل ربا موضوع ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله، وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب 
-الذي قتلته هذيل- فهو أول من أبدأ به من دماء الجاهلية..

أيها الناس إن الشيطان قد يأس أن يعبد بأرضكم هذه أبدًا، ولكنه يطمع فيما سوى ذلك..
أيها الناس إن النسيء زيادة في الكفر يضل به الذي كفروا يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا ليواطئوا عدة ما حرم الله ليحلوا ما حرم الله.. أيها الناس إن لكم على نسائكم حقًا ولهن عليكم حقًا، فاستوصوا بهن خيرًا فإنهن عندكم عوان 
-أي أسيرات- لا يملكن لأنفسهن شيئًا، وإنكم إنما أخذتهن بأمانة الله فاعقلوا أيها الناس قولي فإني قد بلغت.. وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنة نبيه..

أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه تعلمون أن كل مسلم أخ لمسلم، وأن المسلمين أخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه فلا تظلمن أنفسكم.. اللهم قد بلغت
»، فأجابه المسلمون جميعًا: اللهم نعم، فقال صلى الله عليه وآله وسلم «اللهم اشهد»، وبعد ذلك بقليل قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للوفود المحتشدة حوله عند جمرة العقبة، ما يشعر بحلول أجله القريب «خذوا عني مناسككم فلعلي لا أحج بعد عامي هذا» (الألباني فقه السيرة:454 جاء سندها في أحاديث متفرقة: وقسم كبير منها رواه مسلم)، وما لبث أن توفي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في 12 ربيع الأول من العام التالي (عام 11هـ).

وعندما ألف العلامة مايكل هارت في القرن الماضي مؤلفه الشهير (الخالدون مائة اعظمهم محمد) قال:
"وربما بدا غريبًا حقًا أن يكون النبي محمد في رأس هذه القائمة، رغم أن عدد المسيحين ضعف عدد المسلمين، وربما بدا غريبًا أن يكون محمد عليه السلام هو رقم واحد في هذه القائمة، بينما عيسى عليه السلام هو رقم 3، وموسى عليه السلام هو رقم 16، ولكن لذلك أسباب من بينها أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم قد كان دوره أخطر وأعظم في نشر الإسلام وتدعيمه وإرساء قواعد شريعته أكثر مما كان لعيسى عليه السلام في الديانة المسيحية..

وعلى الرغم من أن عيسى عليه السلام هو المسئول عن مبادئ الأخلاق في المسيحية غير أن القديس بولس هو الذي أرسى أصول الشريعة المسيحية، وهو أيضًا المسئول عن كتابة الكثير مما جاء في كتب "العهد الجديد"، أما الرسول محمد صلى الله عليه وسلم فهو المسئول الأول والأوحد عن إرساء قواعد الإسلام وأصول الشريعة والسلوك الاجتماعي والأخلاقي وأصول المعاملات بين الناس في حياتهم الدينية والدنيوية، كما أن القرآن الكريم قد نزل عليه وحده، وفي القرآن وجد المسلمون كل ما يحتاجون إليه في دنياهم وآخرتهم".

وأضاف قائلاً أن: "القرآن الكريم نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم كاملاً وسجلت آياته وهو ما يزال حيًا وكان تسجيلاً في منتهي الدقة، فلم يتغير منه حرف واحد.. وليس في المسيحية شيء مثل ذلك، فلا يوجد كتاب واحد محكم دقيق لتعاليم المسيحية يشبه القرآن الكريم، وكان أثر القرآن الكريم على الناس بالغ العمق، ولذلك كان أثر محمد صلى الله عليه وسلم على الإسلام أكثر وأعمق من الأثر الذي تركه عيسى عليه السلام على الديانة المسيحية".

ويستمر هارت فيقول: "فعلى المستوى الديني كان أثر محمد صلى الله عليه وسلم قويًا في تاريخ البشرية، وكذلك كان عيسى، وكان الرسول محمد على خلاف عيسى رجلاً دنيويًا، فكان زوجًا وأبًا وكان يعمل في التجارة ويرعى الغنم، وكان يحارب ويصاب في الحروب ويمرض.. ثم مات..".

ويقول مايكل هارت أيضا: "لما كان الرسول صلى الله عليه وسلم قوة جبارة، فيمكن أن يقال إنه أعظم زعيم سياسي عرفه التاريخ"، ثم يختم كلامه عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: "فهذا الامتزاج بين الدين والدنيا هو الذي جعلني أومن بأن محمد صلى الله عليه وسلم هو أعظم الشخصيات أثرًا في تاريخ الإنسانية كلها".
 

كيف واجه النبي تحديات ما بعد بناء الدولة الإسلامية؟

كيف واجه النبي تحديات ما بعد بناء الدولة الإسلامية؟

في المرحلة الأولي شن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سلسلة من الحملات العسكرية الصغيرة اصطلح المؤرخون على تسميتها باسم السرايا، وجاءت هذه الهجمات أشبه بمناورات حية كان المقاتل المسلم يجس عن طريقها نبض أعدائه ويختبر إمكاناتهم الحربية ماديًا ومعنويًا، ويمارس مزيدًا من التدريب وتنمية قدراته وطاقاته على الصمود..

بعد ما أسس النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدولة الإسلامية في المدينة المنورة لم يجد الطريق مفروشًا أمامه بالورود، بل تكالبت عليه المخاطر والأعداء مما أوجب عليه أن يتصدى لها على نحو يبدو لكل منصف أن به من الإبداع ما يتفوق به على كل ساسة العالم قديمًا وحديثًا.

في البداية ركز النبي صلى الله عليه وآله وسلم جهده السياسي والعسكري على مناوئة قريش التي حاربت الإسلام وأخرجت المسلمين من ديارهم وأموالهم، وفي نفس الوقت لعبت قريش دور زعيمة الوثنية العربية ورأس حربتها في مواجهة دولة الإسلام.

في المرحلة الأولي شن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سلسلة من الحملات العسكرية الصغيرة اصطلح المؤرخون على تسميتها باسم السرايا، وجاءت هذه الهجمات أشبه بمناورات حية كان المقاتل المسلم يجس عن طريقها نبض أعدائه ويختبر إمكاناتهم الحربية ماديًا ومعنويًا، ويمارس مزيدًا من التدريب وتنمية قدراته وطاقاته على الصمود.. هذا بالنسبة للجيش الإسلامي، أما بالنسبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد حقق بسراياه الأولى عددًا من المنجزات العامة يمكن حصرها بما يلي:

1- الاستطلاع: استطاع المسلمون التعرف على الطرق المحيطة بالمدينة والمؤدية إلى مكة خاصة الطرق التجارية الحيوية لقريش بين مكة والشام، كما تمكنوا من التعرف على قبائل المنطقة.

2- القتال:
أ‌- أثبت المسلمون أنهم أقوياء ويستطيعون الدفاع عن أنفسهم وعقيدتهم تجاه المشركين من قريش وغيرهم من أعداء الدولة الإسلامية.
ب‌- تحالف المسلمون مع بعض القبائل المجاورة.

3- الكتمان: ابتكر الرسول أسلوب الرسائل المختومة والتي لا يفك القائد الإسلامي ختمها إلا في الموعد الذي حدده له النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمحافظة على الكتمان، وحرمان العدو من الحصول على المعلومات التي تفيده بشأن تحركات المسلمين، والكتمان أكبر عامل من عوامل مبدأ المباغتة التي هي إحداث موقف لا يكون العدو مستعدًا له، والمباغتة هي أهم مبدأ من مبادئ الحرب، وقد سبق المسلمون غيرهم في ابتكار هذا الأسلوب الدقيق.

4- الحصار الاقتصادي: هدد المسلمون أهم الطرق التجارية بين مكة والشام، فأصبحت قوافل قريش غير آمنة حين تسلك هذه الطرق مما ترتب عليه أسوأ الأثر على تجارة قريش التي تعيش عليها، وشكل ضغطًا اقتصاديًا على مكة بمحاولة حرمانها من سلوك طريق مكة الشام بأمان.

وكما حرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أن يقيم في داخل المدينة أداة للحكم وأن ينظم شئونها الداخلية، كذلك حرص عبر إرسال السرايا الحربية على أن يضم إلى المدينة ما حولها من ريف وقبائل، وأن يخطط للمدينة المنورة مجالها ويقرر حدودها ويعقد لها أحلافًا مع القبائل النازلة حولها، لأن المدينة -أي مدينة- لا يمكنها أن تعيش بنفسها، ولا أن تستغني عن ريف يمدها بالمؤن ويكون مجالاً لنشاطها، وكان هذا أحد أسباب إرسال النبي لعدة سرايا انطلقت من المدينة واتجهت إلى جميع الجهات فأمنت هذا الريف، وعقدت في أثناء هذه السرايا أحلافًا مع القبائل المجاورة، إذ إنه لا بد لسكان المدن التي تقوم في وسط جو بدوي أن تعمل حسابًا كبيرًا لغزوات البدو، ولا يكون ذلك إلا عن طريق محالفة البدو ثم كسر شوكتهم بالضرب على أيديهم إذا اعتدوا ونقضوا العهد، وإشعارهم دائمًا بقوة المدينة وقدرتها على الضرب.

وكانت إستراتيجية الرسول في توجيه سراياه وغزواته تعتمد على الحذر الدائم والحرص على أن يعرف من أخبار القبائل ما يمكنه من تدبير أمره لإقرار هيبة الدولة في نفوس البدو، فكان لا يترك فرصة لهم للتجمع لغزوه ومهاجمة دولته بل كان يقظًا سريع الحركة فما كان يسمع بتجمع أعدائه حتى يفاجئهم قبل أن يستكملوا جمع قواهم، فيشتت شملهم ويلقي الرعب في قلوبهم، فالهجوم عنده كان أقوى وسيلة للدفاع، وتحطيم قوة العدو قبل أن تكتمل أفضل من تركها تتجمع ثم الصمود أمامها.

ولقد أتاحت هذه الظروف للدولة الإسلامية في المدينة فرصة الاستقرار، ثم بدأ بعد ذلك طور جديد من أطوار الصراع مع الوثنية عبر المعارك الكبرى التي اصطلح المؤرخون على تسميتها بالغزوات، فكانت عدة غزوات نذكر هنا أبرزها وأولها وهي بدر.

غزوة بدر الكبرى:
بدأت غزوة بدر عندما أبلغ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن قافلة لقريش تضم ألف بعير قادمة من الشام صوب مكة يقودها أبو سفيان في ثلاثين أو أربعين تاجرًا مكيًا، وبمبادرة لا تردد فيها قال لأصحابه : «هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها» (صحيح فقه السيرة للألباني:218)، ونظرًا إلى أن نداء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن أمرًا ملزمًا بل كان ندبًا، فمن شاء فليخرج للغزو ومن لم يشأ لا يخرج، ونظرًا إلى أن أحدًا لم يكن يتوقع أن لقاءً مسلحًا حاسمًا سيتمخض عن التحدي الجديد هذا، فقد خرج بعض المسلمين بقيادة رسولهم الكريم صلى الله عليه وآله وسلم لمهاجمة القافلة، وتخلف بعضهم الآخر كما إن الذين خرجوا لم يأخذوا أهبتهم الكاملة من السلاح والتأهب..

وما أن سمع أبو سفيان بخبر تحرك المسلمين لمجابهة قافلته حتى أرسل لمكة على جناح السرعة يستنجد بهم طالبًا أن يخرجوا بجيشهم لإنقاذ أموالهم، فتجمعت قريش كلها 950 مقاتلاً تصاحبهم مائة فرس، ولم يتخلف من أشرافهم أحد إلا أبو لهب الذي يبدو أن مرضه وكبر سنه أقعده عن اللحاق بالجيش، واستطاع أبو سفيان أن يفلت من قبضة المسلمين بإسراعه صوب الطريق الساحلي متجنبًا الطريق الداخلي الذي كان المسلمون يكمنون له به، وما إن اطمأن على قافلته حتى أرسل لقريش يطلب منهم الرجوع بجيشهم لمكة لأن القافلة قد نجت..

لكن أبو جهل صمم على أن يسير جيش قريش لبدر حيث ينعقد به سوقًا للعرب بشكل موسمي، ويقم الجيش هناك ثلاثة أيام حتى يسمع بهم العرب فيظلوا يهابون قريش، ولذا التقى بجيش المسلمين قليل العدد والعدة عند بئر بدر وانتصر المسلمون بفضل وتأييد الله لهم، وكان ذلك يوم الجمعة 17 رمضان، وبغض النظر عن تفاصيل المعركة والمواقف داخل كل من الفريقين (المسلمون وقريش) فإن هناك عدة عوامل مادية لعبت دورًا في النصر فضلاً عن نزول الملائكةلتأييد المسلمين، وهذه العوامل هي:

1- القيادة الموحدة: كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم القائد العام للمسلمين في معركة بدر، وكان المسلمون يعملون كيد واحدة تحت قيادته يوجههم في الوقت الحاسم للقيام بعمل حاسمو، وهذا واجب القائد الكفء، وكان انضباط المسلمين في تنفيذ أوامر قائدهم مثالاً رائعًا للانضباط الحقيقي المتين، وإذا كان الانضباط أساس الجندية وإذا كان الجيش الممتاز هو الذي يتحلى بانضباط ممتاز فقد كان جيش المسلمين جيشًا ممتازًا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان، وإن معنى الضبط هو إطاعة الأوامر وتنفيذها بحرص وأمانة وعن طيبة خاطر، وقد فعل المسلمون ذلك لأن قائدهم يتحلى بصفات القائد المثالي، ضبطًا للأعصاب في الشدائد شجاعة نادرة المواقف، مساواة لنفسه مع أصحابه، استشارة في كل عمل حاسم، أما المشركون فلم يكن لهم قائد عام، كان أكثر سادة قريش مع قوات المشركين ولكن كان أبرز السادة كانا رجلان هما (عتبة بن ربيعة، وأبو جهل) ولم يكونا على رأي واحد وليس لهما هدف واحد.

2- التعبئة الجديدة: طبق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في سيره نحو موقعة بدر تشكيلة لا تختلف بتاتًا عن التعبئة الحديثة في حرب الصحراء، كان لجيشه مقدمة وقسم أكبر ومؤخرة، واستفاد من دوريات الاستطلاع للحصول على المعلومات، وتلك هي الأساليب الحديثة لتشكيلات مسير الاقتراب في حرب الصحراء حتى الآن، أما في المعركة فقد قاتل المسلمون بأسلوب الصفوف، بينما قاتل المشركون بأسلوب الكر والفر وهو أسلوب لم يكن يلائم أوضاع المعركة.

3- العقيدة الراسخة: كان للمسلمين أهداف معينة يعرفونها ويؤمنون بها، وهي إطلاق حريتهم كاملة لبث دعوتهم حتى تكون كلمة الله هي العليا، بينما كانت أهداف قريش هي نحر الذبائح وشرب الخمر وتغني المغنيات فتسمع العرب بمسير قريش وتباهيها بقوتها فتظل تخافها، وهل نستطيع تسمية ذلك أهدافًا، أم أن ذلك طيش وغرور وعصبية جاهلية؟!

4- المعنويات العالية: شجع الرسول أصحابه قبل القتال وأثنائه وقوى معنوياتهم حتى لا تهتز معنوياتهم بتفوق قريش عليه في العدد والعدة، ولم تكن معنويات الذين مارسوا الحرب وعرفوها من المسلمين عالية فحسب، بل كانت معنويات الأحداث الصغار الذين لم يمارسوا حربًا ولا قتالاً عالية أيضًا.. لقد أثبتت كافة الحروب في كافة ادوار التاريخ أن التسليح والتنظيم الجيدين والقوة العددية غير كافية لنيل النصر ما لم يتحل المقاتلون بالمعنويات العالية، بالإضافة إلى كل ذلك تمخضت معركة بدر عن نتائج مهمة فقد هزت بشدة طرق تجارة المكيين وهي عصب حياتهم، وأضعفت هيبة مكة ونفوذها على العرب، وتطورت قوة الإسلام وتعززت دولته الجديدة في المدينة، وانفسح المجال لنشر دعوتهم وازداد التضامن بين المهاجرين والأنصار قوة وتماسكًا.

وعلى منوال معركة بدر جرت العديد من المعارك بين المسلمين وقوى الوثنية ومع قوى اليهود أيضًا الذين نقضوا عهودهم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما جرت العديد من المعاهدات أشهرها صلح الحديبية، حتى تكلل ذلك كله بفتح مكة وإسلام أهل الطائف وأهل اليمن ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وأصبحت الجزيرة العربية كلها موحدة تحت راية الإسلام، وحج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حجة الوداع قبل وفاته وأرسى فيها العديد من القيم والمبادئ الإسلامية السامية فكان مما جاء في خطبته صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع:

«أيها الناس اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدًا..
أيها الناس إن دمائكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا..
وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها لمن ائتمنه عليها..
وإن كل ربا موضوع ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله، وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب 
-الذي قتلته هذيل- فهو أول من أبدأ به من دماء الجاهلية..

أيها الناس إن الشيطان قد يأس أن يعبد بأرضكم هذه أبدًا، ولكنه يطمع فيما سوى ذلك..
أيها الناس إن النسيء زيادة في الكفر يضل به الذي كفروا يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا ليواطئوا عدة ما حرم الله ليحلوا ما حرم الله.. أيها الناس إن لكم على نسائكم حقًا ولهن عليكم حقًا، فاستوصوا بهن خيرًا فإنهن عندكم عوان 
-أي أسيرات- لا يملكن لأنفسهن شيئًا، وإنكم إنما أخذتهن بأمانة الله فاعقلوا أيها الناس قولي فإني قد بلغت.. وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنة نبيه..

أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه تعلمون أن كل مسلم أخ لمسلم، وأن المسلمين أخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه فلا تظلمن أنفسكم.. اللهم قد بلغت
»، فأجابه المسلمون جميعًا: اللهم نعم، فقال صلى الله عليه وآله وسلم «اللهم اشهد»، وبعد ذلك بقليل قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للوفود المحتشدة حوله عند جمرة العقبة، ما يشعر بحلول أجله القريب «خذوا عني مناسككم فلعلي لا أحج بعد عامي هذا» (الألباني فقه السيرة:454 جاء سندها في أحاديث متفرقة: وقسم كبير منها رواه مسلم)، وما لبث أن توفي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في 12 ربيع الأول من العام التالي (عام 11هـ).

وعندما ألف العلامة مايكل هارت في القرن الماضي مؤلفه الشهير (الخالدون مائة اعظمهم محمد) قال:
"وربما بدا غريبًا حقًا أن يكون النبي محمد في رأس هذه القائمة، رغم أن عدد المسيحين ضعف عدد المسلمين، وربما بدا غريبًا أن يكون محمد عليه السلام هو رقم واحد في هذه القائمة، بينما عيسى عليه السلام هو رقم 3، وموسى عليه السلام هو رقم 16، ولكن لذلك أسباب من بينها أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم قد كان دوره أخطر وأعظم في نشر الإسلام وتدعيمه وإرساء قواعد شريعته أكثر مما كان لعيسى عليه السلام في الديانة المسيحية..

وعلى الرغم من أن عيسى عليه السلام هو المسئول عن مبادئ الأخلاق في المسيحية غير أن القديس بولس هو الذي أرسى أصول الشريعة المسيحية، وهو أيضًا المسئول عن كتابة الكثير مما جاء في كتب "العهد الجديد"، أما الرسول محمد صلى الله عليه وسلم فهو المسئول الأول والأوحد عن إرساء قواعد الإسلام وأصول الشريعة والسلوك الاجتماعي والأخلاقي وأصول المعاملات بين الناس في حياتهم الدينية والدنيوية، كما أن القرآن الكريم قد نزل عليه وحده، وفي القرآن وجد المسلمون كل ما يحتاجون إليه في دنياهم وآخرتهم".

وأضاف قائلاً أن: "القرآن الكريم نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم كاملاً وسجلت آياته وهو ما يزال حيًا وكان تسجيلاً في منتهي الدقة، فلم يتغير منه حرف واحد.. وليس في المسيحية شيء مثل ذلك، فلا يوجد كتاب واحد محكم دقيق لتعاليم المسيحية يشبه القرآن الكريم، وكان أثر القرآن الكريم على الناس بالغ العمق، ولذلك كان أثر محمد صلى الله عليه وسلم على الإسلام أكثر وأعمق من الأثر الذي تركه عيسى عليه السلام على الديانة المسيحية".

ويستمر هارت فيقول: "فعلى المستوى الديني كان أثر محمد صلى الله عليه وسلم قويًا في تاريخ البشرية، وكذلك كان عيسى، وكان الرسول محمد على خلاف عيسى رجلاً دنيويًا، فكان زوجًا وأبًا وكان يعمل في التجارة ويرعى الغنم، وكان يحارب ويصاب في الحروب ويمرض.. ثم مات..".

ويقول مايكل هارت أيضا: "لما كان الرسول صلى الله عليه وسلم قوة جبارة، فيمكن أن يقال إنه أعظم زعيم سياسي عرفه التاريخ"، ثم يختم كلامه عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: "فهذا الامتزاج بين الدين والدنيا هو الذي جعلني أومن بأن محمد صلى الله عليه وسلم هو أعظم الشخصيات أثرًا في تاريخ الإنسانية كلها".
 

الكيفية التي هيأ الله تعالى بها سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتلقي الوحي


كان صلى الله عليه وآله وسلم قد مر بالعديد من التجارب الإنسانية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، هيئته بتقدير الله تعالى لتحمل أعباء الدعوة، وقد تعرضنا لذلك تفصيلاً في الأسبوع الماضي، ويأتي الآن الدور لعرض التهيئة الروحية والأخلاقية التي قدر الله تعالى لنبيه أن يمر بها قبل البعثة وأثر ذلك بعد البعثة.

لم ينزل الوحي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا بعد تهيئة من قدر الله تعالى، فعلى المستوى العام كان العالم محتاجًا للنبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، كي ينقذه من الهاوية التي سقط فيها، وعلى مستوى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم قد مر بالعديد من التجارب الإنسانية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، هيئته بتقدير الله تعالى لتحمل أعباء الدعوة، وقد تعرضنا لذلك تفصيلاً في الأسبوع الماضي، ويأتي الآن الدور لعرض التهيئة الروحية والأخلاقية التي قدر الله تعالى لنبيه أن يمر بها قبل البعثة وأثر ذلك بعد البعثة.
ولا شك أن البعد الأخلاقي في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبرز واضحًا نقيًا في انسلاخه الحاسم عن كل ممارسات الجاهليين غير الأخلاقية، التي كانت تعج بها الحياة العربية في المدن والصحراء، شربًا للخمر واستمراءً للزنا، ولعبا للميسر، وتصعيدًا للربا وتهافتًا على مال اليتيم ووأدًا للبنات وظلمًا للذين لا يقدرون على رد الظلم واستعبادًا محزنًا للذين لا يعرفون طعم الحرية.. 
ممارسات شتى لا يحصيها العد، كانت تجري على مسرح الجزيرة العربية ومدينتها الكبرى (مكة) ليل نهار، ونظرًا لتعاقبها وتكرراها فقد صارت كل هذه الأخلاق الذميمة عادات راسخة وتقاليد مستقرة، ثم تجاوزت هذا لكي تصبح مفاخر ومكرمات يتبارى العرب في الإتيان بالمزيد منها، ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم بعيدٌ عن هذا كله منسلخ منه.. 
ولقد منحه موقفه النبيل هذا نظافة وطهرًا لم يعرفهما إنسان قط، وعلمه في الوقت نفسه كيف يكون الرفض والتمرد على الوضع الديني، الوضع غير الإنساني مهما حمل هذا الوضع من تبريرات انتقلت به من كونه فسقًا وإثمًا وفجورًا إلى مرتبة العادات والقيم والمفاخر والمعتقدات الراسخة.
ويري عماد الدين خليل محقا أن البعد الروحي هو أشد الأبعاد ثقلاً وخطرًا في حياة الإنسان، والروايات القليلة التي تحدثنا عن عزلة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعيدًا عن صخب مكة وضجيجها حينًا بعد حين، وعن انقطاعه إلى الصحراء وحيدًا متأملاً باحثًا منقبًا مقلبًا وجهه في آفاق السموات والأرض، هذه الروايات تكفي لالتقاط الإشارة الأخيرة الحاسمة المتممة للصورة التي علينا أن نعرفها عن حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قبل مبعثه.. 
فكما علمه الانشقاق الأخلاقي عن الوضع المكي القدرة على الرفض والتمرد، فقد جاء تغربه وعزلته وانقطاعه امتدادًا نفسيًا باتجاه آخر لكنه متمم، وبدونه لا يمكن لإنسان ما أن يلعب دوره الحاسم الكبير.. غنه امتداد باتجاه التهيؤ للاندماج والاتصال بالوحي، ومواجهة رفض الجاهلية والتمرد على قيادتها واعرافها وسلطانها مع اندماج بالكون على انفساحه داعيًا البشرية لهجرة مواضعها المنحرفة الخاطئة، التي ساقتها إليها زعامات ظالمة وسلطات مستبدة والوهيات زائفة، وأعراف وبيئات مليئة بالدنس والوحل والخطيئة، إنه تمهيد للاتصال بالسلطة الواحدة التي تشرف على الكون وتحرك الإنسان والخلائق في ساحاته.. سلطة السماء. 
وفي نفس الإطار -وإن بأسلوب مختلف- تأتي حادثة شق الصدر، فقد بقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند مرضعته حليمة في بني سعد حتى بلغ الرابعة أو الخامسة من عمره، وعندئذ حدثت واقعة شق الصدر، إذ «أتاهُ جبريلُ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ وَهوَ يلعَبُ معَ الغلمانِ، فأخذَهُ فصرعَهُ فشقَّ عن قلبِهِ، فاستَخرجَ القلبَ، فاستَخرجَ منهُ علَقةً، فقالَ: هذا حظُّ الشَّيطانِ منكَ، ثمَّ غسلَهُ في طَستٍ من ذَهَبٍ بماءِ زمزمَ، ثمَّ لأَمَهُ، ثمَّ أعادَهُ في مَكانِهِ» (صحيح مسلم:162)، بينما كان الغلمان قد سعوا إلى حليمة فقالوا إن محمدًا قد قتل، فلما جاءته وجدته صلى الله عليه وآله وسلم ممتقع اللون.. 
وهذه الحادثة هي بلا ريب من المعجزات التي تعجز عقولنا وعلمنا البشري عن إدراك حقيقتها في ميداني النفسوالتشريح لأنها -كأي تجربة أو حدث روحي- لا تخضع لمقاييس العقل والحس المحدود، يكفينا أن نلتقط منها رمزًا أو دلالة تغطي مساحة ما في صورة الأربعين سنة من حياة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. 
يقول محمد الغزالي: "شيء واحد هو الذي نستطيع استنتاجه من هذه الأثار، أن بشرًا ممتازًا كمحمد صلى الله عليه وآله وسلم لا تدعه العناية عرضًا للوساوس الصغيرة التي تتناوش غيره من سائر الناس، فإذا كانت هناك موجات تملأ الأفاق، وكانت هناك قلوب تسرع إلى التقاطها والتأثر بها، فقلوب النبين بتولي الله لها لا تستقبل هذه التيارات الخبيثة ولا تهتز لها، وبذلك يكون جهد المرسلين في متابعة الترقي لا في مقاومة التدني، وفي تطهير العامة من المنكر لا في التطهر منه، فقد عافاهم الله من لوثاته".
وما دمنا بصدد تحليل المؤثرات البيئية والوراثية والغيبية في تكوين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتهيئته للرسالة، فإن حادثة شق الصدر تقف في القمة من المؤثرات جميعًا، صياغة روحية مادية لشخصية النبي الإنسان، وتهيئته من لدن العليم بأسرار النفوس الخبير بتعقيدات الشخصية البشرية، لكي يكون محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالذات ووفق تكوينه الموجه قادرًا على التقاط إشارة السماء ومقابلة الوحي وتحمل المسؤولية رسولاً للناس جميعًا؛ ليصعد بهم إلى القمم الشامخة التي تنقطع دونها أنفاس الرجال.
ومن هنا أجمع جميع المؤرخين على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان متميزًا بحسن الخلق كصدق الحديث والأمانة حتى سموه بالصادق الأمين، وكانوا يودعون عنده ودائعهم وأماناتهم، كما كان صلى الله عليه وآله وسلم لا يشرب الخمر ولا يأكل ما مما ذبح على النصب، ولا يحضر للأوثان عيدًا ولا احتفالاً بل كان من بداية نشأته نافرًا من هذه المعبودات الباطلة.
كما كان صلى الله عليه وآله وسلم يأكل من نتيجة عمله لأن أباه لم يترك له ثروة، وكانت التجارة هي عمله حين شب، ولما تزوج خديجة كان يعمل بمالها ويشاركها في الربح، وكان يشارك غيرها أحيانًا، ورغم ذلك كله فعندما بعث الله تعالى نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمره أن ينذر قومه ويدعوهم للإسلام ونزل قوله تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء:214]، خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى صعد الصفا، فهتف بهم فاجتمعوا له، فقال: «أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلاً تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟»، قالوا: ما جربنا عليك كذبًا، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»، فقال أبو لهب: تبًا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ ثم انصرف وتبعه القوم، فنزلت سورة {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد:1]" (صحيح البخاري:4971). 
وهكذا نجد أن الكفار لم تجد معهم أخلاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي اشتهر بها بينهم من الصدق والأمانة وحسن الخلق، بل كذبوه وعاندوه إلا قليلاً ممن كتب الله لهم نعمة الإسلام، واشتدت قريش في عدائها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، أما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد لاقى من إيذائهم أنواعًا كثيرة، من ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: "بينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله".
كما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "بينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ساجد وحوله ناس من قريش جاء عقبة بن أبي معيط بسلا جزور فقذفه على ظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يرفع رأسه فجاءت فاطمة رضي الله عنها فأخذته من على ظهره ودعت على من صنع ذلك"، ومنه ما كانوا يواجهونه به من فنون الاستهزاء والسخرية والغمز واللمز كلما مشي بينهم أو مر بهم في طرقاتهم أو نواديهم، ومن ذلك ماورد من أن بعضهم عمد إلى قبضة من تراب فنثرها على رأسه وهو يسير في بعض طرق مكة، وعاد إلى بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته تغسل عنه التراب وهي تبكي ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لها: «يا بني لا تبكي، فإن الله مانع أباك» (قالالألباني مرسل في دفاع عن الحديث:19). 
وأما أصحابه رضوان الله عليهم فقد تجرع كل منهم ألوانا من العذاب حتى مات منهم من مات تحت العذاب وعمي من عمي، ولم يثنهم ذلك عن دين الله شيئا ولا تتسع المساحة لسرد الوان العذاب التي لاقاها كل منهم وما قصص تعذيب بلال بن رباح وآل ياسر وغيرهم عنا ببعيد.
وقد يكفينا ما ذكره الخباب بن الأرت رضي الله عنه قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو متوسد ببردة وهو في ظل الكعبة، ولقد لقينا من المشركين شدة فقلت: يا رسول الله ألا تدعو الله لنا؟ فقعد وهو محمر الوجه، فقال: «كان الرجلُ فيمن قبلكم يُحْفَرُ لهُ في الأرضِ، فيُجْعَلُ فيهِ، فيُجاءُ بالمنشارِ فيُوضَعُ على رأسِهِ فيُشَقُّ باثنتيْنِ، وما يصدُّهُ ذلك عن دِينِهِ . ويُمْشَطُ بأمشاطِ الحديدِ ما دونَ لحمِهِ من عظمٍ أو عصبٍ، وما يصدُّهُ ذلك عن دِينِهِ، واللهِ ليُتِمَّنَ هذا الأمرُ، حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إلى حضرموت، لا يخافُ إلا اللهَ، أو الذئبَ على غنمِهِ، ولكنكم تستعجلونَ»" (صحيح البخاري:3612).
وبالإضافة لحسن خلقه صلى الله عليه وآله وسلم فقد كان حليمًا صبورًا فصبر على أذى قومه له في سبيل دعوته، ولم يتعجل بالدعاء بهلاك قومه مثلاً، ومن ذلك ما ذكرته عائشة رضي الله عنها من أنها قالت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: "هل أتي عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: «لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيته منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي وإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام فناداني فقال: إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمد إن قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربي إليك لتأمرني فيما شئت، وإن شئت أطبقت عليهم الأخشبين -أي الجبلين المحيطين بمكة-، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا»" (صحيح مسلم:1795).
وعائشة رضي الله عنها هي نفسها التي قالت: "ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئًا قط بيده ولا امرأة ولا خادمًا إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نِيلَ منه شيئًا قط فينتقم من صاحبه إلا أن يُنْتَهَكَ شيء من محارم الله تعالى، فينتقم لله تعالى".
كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذا حلم وصبر واسع، بل لا نهاية له في تعامله مع جهلة المسلمين، ومن أمثلة ذلك ما ذكره أنس رضي الله عنه عندما قال: "كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه بردائه جذبة شديدة فنظرت إلى صفحة عنق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد أثرت فيها حاشية البردة من شدة الجذبة ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء".
ولعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقصد نفسه في ما ذكره ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: "كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحكي نبيًا من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه ضربه قومه فأدموه، ويمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".
ومع ذلك فقد ظل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتمتع بالعديد من الصفات والسمات السلوكية المتميزة بعد البعثة، وظل يسير بها بين الناس، فمنها حسن خلقه صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4]، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "لقد خدمت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر سنين فما قال لي قط: أف، ولا قال لشيء فعلته لِمَ فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله ألا فعلت كذا".
وعن الصعب بن جثامة رضي الله عنه قال: "أهديت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حمارًا وحشيًا فرده علي، فلما رأى ما في وجهي قال: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حُرُمْ» (صحيح البخاري:2573)، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: "لم يكن رسول الله فاحشًا ومتفحشًا، وكان يقول: «إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا»" (صحيح البخاري:3559).

الكيفية التي هيأ الله تعالى بها سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتلقي الوحي

الكيفية التي هيأ الله تعالى بها سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتلقي الوحي


كان صلى الله عليه وآله وسلم قد مر بالعديد من التجارب الإنسانية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، هيئته بتقدير الله تعالى لتحمل أعباء الدعوة، وقد تعرضنا لذلك تفصيلاً في الأسبوع الماضي، ويأتي الآن الدور لعرض التهيئة الروحية والأخلاقية التي قدر الله تعالى لنبيه أن يمر بها قبل البعثة وأثر ذلك بعد البعثة.

لم ينزل الوحي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا بعد تهيئة من قدر الله تعالى، فعلى المستوى العام كان العالم محتاجًا للنبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، كي ينقذه من الهاوية التي سقط فيها، وعلى مستوى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم قد مر بالعديد من التجارب الإنسانية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، هيئته بتقدير الله تعالى لتحمل أعباء الدعوة، وقد تعرضنا لذلك تفصيلاً في الأسبوع الماضي، ويأتي الآن الدور لعرض التهيئة الروحية والأخلاقية التي قدر الله تعالى لنبيه أن يمر بها قبل البعثة وأثر ذلك بعد البعثة.
ولا شك أن البعد الأخلاقي في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبرز واضحًا نقيًا في انسلاخه الحاسم عن كل ممارسات الجاهليين غير الأخلاقية، التي كانت تعج بها الحياة العربية في المدن والصحراء، شربًا للخمر واستمراءً للزنا، ولعبا للميسر، وتصعيدًا للربا وتهافتًا على مال اليتيم ووأدًا للبنات وظلمًا للذين لا يقدرون على رد الظلم واستعبادًا محزنًا للذين لا يعرفون طعم الحرية.. 
ممارسات شتى لا يحصيها العد، كانت تجري على مسرح الجزيرة العربية ومدينتها الكبرى (مكة) ليل نهار، ونظرًا لتعاقبها وتكرراها فقد صارت كل هذه الأخلاق الذميمة عادات راسخة وتقاليد مستقرة، ثم تجاوزت هذا لكي تصبح مفاخر ومكرمات يتبارى العرب في الإتيان بالمزيد منها، ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم بعيدٌ عن هذا كله منسلخ منه.. 
ولقد منحه موقفه النبيل هذا نظافة وطهرًا لم يعرفهما إنسان قط، وعلمه في الوقت نفسه كيف يكون الرفض والتمرد على الوضع الديني، الوضع غير الإنساني مهما حمل هذا الوضع من تبريرات انتقلت به من كونه فسقًا وإثمًا وفجورًا إلى مرتبة العادات والقيم والمفاخر والمعتقدات الراسخة.
ويري عماد الدين خليل محقا أن البعد الروحي هو أشد الأبعاد ثقلاً وخطرًا في حياة الإنسان، والروايات القليلة التي تحدثنا عن عزلة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعيدًا عن صخب مكة وضجيجها حينًا بعد حين، وعن انقطاعه إلى الصحراء وحيدًا متأملاً باحثًا منقبًا مقلبًا وجهه في آفاق السموات والأرض، هذه الروايات تكفي لالتقاط الإشارة الأخيرة الحاسمة المتممة للصورة التي علينا أن نعرفها عن حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قبل مبعثه.. 
فكما علمه الانشقاق الأخلاقي عن الوضع المكي القدرة على الرفض والتمرد، فقد جاء تغربه وعزلته وانقطاعه امتدادًا نفسيًا باتجاه آخر لكنه متمم، وبدونه لا يمكن لإنسان ما أن يلعب دوره الحاسم الكبير.. غنه امتداد باتجاه التهيؤ للاندماج والاتصال بالوحي، ومواجهة رفض الجاهلية والتمرد على قيادتها واعرافها وسلطانها مع اندماج بالكون على انفساحه داعيًا البشرية لهجرة مواضعها المنحرفة الخاطئة، التي ساقتها إليها زعامات ظالمة وسلطات مستبدة والوهيات زائفة، وأعراف وبيئات مليئة بالدنس والوحل والخطيئة، إنه تمهيد للاتصال بالسلطة الواحدة التي تشرف على الكون وتحرك الإنسان والخلائق في ساحاته.. سلطة السماء. 
وفي نفس الإطار -وإن بأسلوب مختلف- تأتي حادثة شق الصدر، فقد بقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند مرضعته حليمة في بني سعد حتى بلغ الرابعة أو الخامسة من عمره، وعندئذ حدثت واقعة شق الصدر، إذ «أتاهُ جبريلُ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ وَهوَ يلعَبُ معَ الغلمانِ، فأخذَهُ فصرعَهُ فشقَّ عن قلبِهِ، فاستَخرجَ القلبَ، فاستَخرجَ منهُ علَقةً، فقالَ: هذا حظُّ الشَّيطانِ منكَ، ثمَّ غسلَهُ في طَستٍ من ذَهَبٍ بماءِ زمزمَ، ثمَّ لأَمَهُ، ثمَّ أعادَهُ في مَكانِهِ» (صحيح مسلم:162)، بينما كان الغلمان قد سعوا إلى حليمة فقالوا إن محمدًا قد قتل، فلما جاءته وجدته صلى الله عليه وآله وسلم ممتقع اللون.. 
وهذه الحادثة هي بلا ريب من المعجزات التي تعجز عقولنا وعلمنا البشري عن إدراك حقيقتها في ميداني النفسوالتشريح لأنها -كأي تجربة أو حدث روحي- لا تخضع لمقاييس العقل والحس المحدود، يكفينا أن نلتقط منها رمزًا أو دلالة تغطي مساحة ما في صورة الأربعين سنة من حياة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. 
يقول محمد الغزالي: "شيء واحد هو الذي نستطيع استنتاجه من هذه الأثار، أن بشرًا ممتازًا كمحمد صلى الله عليه وآله وسلم لا تدعه العناية عرضًا للوساوس الصغيرة التي تتناوش غيره من سائر الناس، فإذا كانت هناك موجات تملأ الأفاق، وكانت هناك قلوب تسرع إلى التقاطها والتأثر بها، فقلوب النبين بتولي الله لها لا تستقبل هذه التيارات الخبيثة ولا تهتز لها، وبذلك يكون جهد المرسلين في متابعة الترقي لا في مقاومة التدني، وفي تطهير العامة من المنكر لا في التطهر منه، فقد عافاهم الله من لوثاته".
وما دمنا بصدد تحليل المؤثرات البيئية والوراثية والغيبية في تكوين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتهيئته للرسالة، فإن حادثة شق الصدر تقف في القمة من المؤثرات جميعًا، صياغة روحية مادية لشخصية النبي الإنسان، وتهيئته من لدن العليم بأسرار النفوس الخبير بتعقيدات الشخصية البشرية، لكي يكون محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالذات ووفق تكوينه الموجه قادرًا على التقاط إشارة السماء ومقابلة الوحي وتحمل المسؤولية رسولاً للناس جميعًا؛ ليصعد بهم إلى القمم الشامخة التي تنقطع دونها أنفاس الرجال.
ومن هنا أجمع جميع المؤرخين على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان متميزًا بحسن الخلق كصدق الحديث والأمانة حتى سموه بالصادق الأمين، وكانوا يودعون عنده ودائعهم وأماناتهم، كما كان صلى الله عليه وآله وسلم لا يشرب الخمر ولا يأكل ما مما ذبح على النصب، ولا يحضر للأوثان عيدًا ولا احتفالاً بل كان من بداية نشأته نافرًا من هذه المعبودات الباطلة.
كما كان صلى الله عليه وآله وسلم يأكل من نتيجة عمله لأن أباه لم يترك له ثروة، وكانت التجارة هي عمله حين شب، ولما تزوج خديجة كان يعمل بمالها ويشاركها في الربح، وكان يشارك غيرها أحيانًا، ورغم ذلك كله فعندما بعث الله تعالى نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمره أن ينذر قومه ويدعوهم للإسلام ونزل قوله تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء:214]، خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى صعد الصفا، فهتف بهم فاجتمعوا له، فقال: «أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلاً تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟»، قالوا: ما جربنا عليك كذبًا، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»، فقال أبو لهب: تبًا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ ثم انصرف وتبعه القوم، فنزلت سورة {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد:1]" (صحيح البخاري:4971). 
وهكذا نجد أن الكفار لم تجد معهم أخلاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي اشتهر بها بينهم من الصدق والأمانة وحسن الخلق، بل كذبوه وعاندوه إلا قليلاً ممن كتب الله لهم نعمة الإسلام، واشتدت قريش في عدائها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، أما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد لاقى من إيذائهم أنواعًا كثيرة، من ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: "بينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله".
كما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "بينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ساجد وحوله ناس من قريش جاء عقبة بن أبي معيط بسلا جزور فقذفه على ظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يرفع رأسه فجاءت فاطمة رضي الله عنها فأخذته من على ظهره ودعت على من صنع ذلك"، ومنه ما كانوا يواجهونه به من فنون الاستهزاء والسخرية والغمز واللمز كلما مشي بينهم أو مر بهم في طرقاتهم أو نواديهم، ومن ذلك ماورد من أن بعضهم عمد إلى قبضة من تراب فنثرها على رأسه وهو يسير في بعض طرق مكة، وعاد إلى بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته تغسل عنه التراب وهي تبكي ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لها: «يا بني لا تبكي، فإن الله مانع أباك» (قالالألباني مرسل في دفاع عن الحديث:19). 
وأما أصحابه رضوان الله عليهم فقد تجرع كل منهم ألوانا من العذاب حتى مات منهم من مات تحت العذاب وعمي من عمي، ولم يثنهم ذلك عن دين الله شيئا ولا تتسع المساحة لسرد الوان العذاب التي لاقاها كل منهم وما قصص تعذيب بلال بن رباح وآل ياسر وغيرهم عنا ببعيد.
وقد يكفينا ما ذكره الخباب بن الأرت رضي الله عنه قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو متوسد ببردة وهو في ظل الكعبة، ولقد لقينا من المشركين شدة فقلت: يا رسول الله ألا تدعو الله لنا؟ فقعد وهو محمر الوجه، فقال: «كان الرجلُ فيمن قبلكم يُحْفَرُ لهُ في الأرضِ، فيُجْعَلُ فيهِ، فيُجاءُ بالمنشارِ فيُوضَعُ على رأسِهِ فيُشَقُّ باثنتيْنِ، وما يصدُّهُ ذلك عن دِينِهِ . ويُمْشَطُ بأمشاطِ الحديدِ ما دونَ لحمِهِ من عظمٍ أو عصبٍ، وما يصدُّهُ ذلك عن دِينِهِ، واللهِ ليُتِمَّنَ هذا الأمرُ، حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إلى حضرموت، لا يخافُ إلا اللهَ، أو الذئبَ على غنمِهِ، ولكنكم تستعجلونَ»" (صحيح البخاري:3612).
وبالإضافة لحسن خلقه صلى الله عليه وآله وسلم فقد كان حليمًا صبورًا فصبر على أذى قومه له في سبيل دعوته، ولم يتعجل بالدعاء بهلاك قومه مثلاً، ومن ذلك ما ذكرته عائشة رضي الله عنها من أنها قالت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: "هل أتي عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: «لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيته منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي وإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام فناداني فقال: إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمد إن قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربي إليك لتأمرني فيما شئت، وإن شئت أطبقت عليهم الأخشبين -أي الجبلين المحيطين بمكة-، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا»" (صحيح مسلم:1795).
وعائشة رضي الله عنها هي نفسها التي قالت: "ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئًا قط بيده ولا امرأة ولا خادمًا إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نِيلَ منه شيئًا قط فينتقم من صاحبه إلا أن يُنْتَهَكَ شيء من محارم الله تعالى، فينتقم لله تعالى".
كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذا حلم وصبر واسع، بل لا نهاية له في تعامله مع جهلة المسلمين، ومن أمثلة ذلك ما ذكره أنس رضي الله عنه عندما قال: "كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه بردائه جذبة شديدة فنظرت إلى صفحة عنق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد أثرت فيها حاشية البردة من شدة الجذبة ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء".
ولعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقصد نفسه في ما ذكره ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: "كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحكي نبيًا من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه ضربه قومه فأدموه، ويمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".
ومع ذلك فقد ظل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتمتع بالعديد من الصفات والسمات السلوكية المتميزة بعد البعثة، وظل يسير بها بين الناس، فمنها حسن خلقه صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4]، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "لقد خدمت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر سنين فما قال لي قط: أف، ولا قال لشيء فعلته لِمَ فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله ألا فعلت كذا".
وعن الصعب بن جثامة رضي الله عنه قال: "أهديت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حمارًا وحشيًا فرده علي، فلما رأى ما في وجهي قال: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حُرُمْ» (صحيح البخاري:2573)، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: "لم يكن رسول الله فاحشًا ومتفحشًا، وكان يقول: «إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا»" (صحيح البخاري:3559).

هل كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم مصلحًا اجتماعيا أم قائدًا سياسيًا أم أنه خاتم المرسلين من رب العالمين؟


في ليلة الاثنين من أواخر الشهر الكريم جاءه جبريل بأمر الله تعالى، وحينئذ بدأ الوحي وبدأت نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف كان العالم وقتها؟ وكيف تهيأ النبي الكريم لتغيير هذا العالم؟

- المسجد النبوي في المدينة المنورة:
عندما بلغ سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم الأربعين من عمره خرج في رمضان كعادته إلى غار حراء متأملاً مفكرًا مقلبًا وجهه في السماء، وفي ليلة الاثنين من أواخر الشهر الكريم جاءه جبريل بأمر الله تعالى، وحينئذ بدأ الوحي وبدأت نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف كان العالم وقتها؟ وكيف تهيأ النبي الكريم لتغيير هذا العالم؟
كانت الوثنيات بأشكالها المختلفة تسيطر على العالم من الهند والصين وفارس شرقًا إلى أوروبا وأفريقيا غربًا، فمن عبادة النيران في بلاد فارس إلى عبادة الأحجار والأشجار في أفريقيا، إلى الجدل الذي وصل حد الاضطهاد الديني والتقاتل بالسلاح حول حقائق العقيدة المسيحية في بيزنطة، بل والإغراق في الجدل الفلسفي العقيم حتى صار اسم بيزنظة علمًا على كل جدل عقيم، الوثنية والجدل العقيم حتى في الألوهيات سيطرا على العالم شرقًا وغربًا، وتدهورت القوى العسكرية لكل من إمبراطوريتي فارس والروم حتى صارتا تعتمدان على حراس من عرب الجزيرة العربية ليحرسوا حدودهما الجنوبية وتمثل ذلك في مملكتي المناذرة والغساسنة.. 
العالم تعمق في الوثنية والضلال والشهوات حتى انغمست الكعبة بيت الله الحرام في الأوثان، ذلك البيت الذي كان قد أعاد بناءه إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل عليهما السلام على أسس التوحيد الخالص {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [البقرة:127-129].
وكانت جزيرة العرب منغمسة في هذه الوثنية من عبادة الحجر والشجر، مع وجود بقايا قليلة من أهل الكتاب اعتراهم ما اعترى أهل الكتاب في ذلك العصر من خلاف وجدل حول حقائق العقيدة، وزاد العرب على وثنيتهم تفككهم السياسي ولم يختلفوا كثيرًا في تحللهم الاجتماعي عمن حولهم من أمم فارس والروم والحبشة، إلا أن مظاهر هذا التحلل ربما اختلفت بشكل أو آخر من وأد البنات وكثرة الحروب والسلب والنهب والعصبية القبلية البغيضة، التي طالما أشعلت الحروب وقطعت الأواصر فضلًا عن الطمع والخمر والقمار والمتعة المحرمة وتسخير الأقوياء للضعفاء.
- مكة قلب الجزيرة:
كانت مكة قلب الجزبرة العربية معنويًا واقتصاديًا ومن ثم سياسيًا، ففي مكة بيت الله الحرام الذي يقدسه كل العرب بجميع قبائلهم وعقائدهم، وعبر مكة كانت تجارة الشرق والغرب تمر من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب وبالعكس عبر رحلة الشتاء والصيف، حيث كان تجار مكة يتجهون في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام لتناقل التجارة من هنا لهنا وبالعكس، فضلاً عن تسويقهم جزءًا كبيرًا من هذه السلع في موسم الحج ببيعه لسائر قبائل الجزيرة العربية من حجاج البيت الحرام، ومن هنا تمتع أهل مكة وهم قبيلة قريش بفروعها العديدة بمكانة سياسية ومعنوية واقتصادية كبيرة بين سائر العرب..
وكانت قريش تنقسم اجتماعيًا إلى شعبتين -كما يقول العقاد- واحدة من أصحاب الترف والطمع وهذه كانت تحرص على استبقاء الأمر الواقع على ما هو عليه لأنه يوافق هواها، أما الشعبة الثانية فكانت من أصحاب السماحة وكانوا أناسًا وسطًا بين مقام الطغاة الظالمين من رؤوس الشعبة الأولى وبين الضعفاء الذين لا يملكون إلا الإذعان للسادة الكبار الطغاة، ومن هذه الشعبة الوسط ذات النسب الكريم كان بيت عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن هنا جاء نسب النبوة العريق الذي خرج منه الصادق الأمين لينقذ العالم من تيه الضلال، في هذا الجو العالمي والإقليمي البائس أوحى الله تعالى إلى سيد الخلق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم ليغير الدنيا من حال إلى حال.
وكما قال العقاد: "قالت حوادث الكون: لقد كانت الدنيا في حاجة إلى رسالة، وقالت حقائق التاريخ: لقد كان محمد هو صاحب تلك الرسالة"، وهكذا كان العالم على موعد مع إمام الأنبياء وخاتم المرسلين، ولكن كيف صلح أن يكفي رسول واحد لهداية البشرية جميعًا، وكيف استمرت هذه الهداية في مرحلة ما بعد موته صلى الله عليه وآله وسلم؟
يقول الشيخ محمد الغزالي: "في المزالق المتلفة قد يقول لك ناصح أمين: أغمض عينيك واتبعني، أو لا تسلني عن شيء يستثيرك! وربما تكون السلامة في طاعته، فأنت تمشي وراءه حتى تبلغ مأمنك، إنه في هذه الحال رائدك المعين، الذي يفكر لك، وينظر لك، ويأخذ بيدك، فلو هلك هلكت معه، أما لو جاءك من أول الأمر رجل رشيد فرسم لك خط السير، وحذرك مواطن الخطر، وشرح لك في إفاضة ما يطوي لك المراحل ويهون المتاعب، وسار معك قليلًا ليدربك على العمل بما علمت، فأنت في هذه الحال رائد نفسك، تستطيع الاستغناء بتفكيرك وبصرك عن غيرك".
إن الوضع الأول أليق بالأطفال والسذج، أما الوضع الأخير فهو المفروض عند معاملة الرجال وأولي الرأي من الناس، والله عز وجل عندما بعث محمدًا عليه الصلاة والسلام لهداية العالم، جعل في رسالته الأصول التي تفتح للعقول منافذ المعرفة بما كان ويكون، والقرآن الذي أنزله على قلبه هو كتاب من رب العالمين إلى كل حي، ليوجهه إلى الخير ويلهمه الرشد.
- قوة من قوى الخير:
لم يكن محمد عليه الصلاة والسلام إمامًا لقبيل من الناس صلحوا بصلاحه، فلما انتهى ذهبوا معه في خبر كان، بل كان قوة من قوى الخير، لها في عالم المعاني ما لاكتشاف البخار والكهرباء في عالم المادة، وإن بعثته لتمثل مرحلة من مراحل التطور في الوجود الإنساني، كان البشر قبلها في وصاية رعاتهم أشبه بطفل محجور عليه، ثم شب الطفل عن الطوق ورشح لاحتمال الأعباء وحده، وجاء الخطاب الإلهي إليه -عن طريق محمد صلى الله عليه وسلم- يشرح له كيف يعيش في الأرض، وكيف يعود إلى السماء، فإذا بقي محمد صلى الله عليه وسلم أو ذهب فلن ينقص ذلك من جوهر رسالته، إن رسالته تفتيح للأعين والآذان وتجلية للبصائر والأذهان، وذلك مودع في تراثه الضخم من كتاب وسنة {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا . فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ في رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} [النساء:174-175].
ومن هنا فنبينا الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم إن كان جاء لإصلاح العالم في فترة دقيقة من الزمن فإنه لم يقدم نفسه كمصلح اجتماعي ولا كقائد سياسي يسعى للتغيير والتطوير، إنما قدم نفسه كنبي وخاتم للمرسلين، فأي عبقرية تمتع بها في مجالات السياسة أو الاجتماع أو الاقتصاد إنما هي عبقرية الدعوة المنزلة من عند الله عز وجل، ولا بد من ملاحظة هذه الحقيقة بشكل موضوعي ودقيق، لأن الموضة التي جرى عليها الكثيرون من المستشرقين ومن لف لفهم في عصرنا الحديث هي مدح النبي الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم باعتباره قائدًا سياسيًا أو عسكريًا عظيمًا أو مصلحًا اجتماعيًا نابغًا، وذلك كله بعيد عن حقيقة أن الله بعثه نبيًا ورسولًا للعالمين كافة.. 
وفي ذلك ما فيه من عدم الصدق والموضوعية فحقائق القرآن ثم حقائق التاريخ تفصح بجلاء عن أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يقدم نفسه بأي صفة للناس سوى صفة الرسالة والنبوة، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سبأ:28]، وقال سبحانه: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف:158].
وبالتالي فرغم ما في ظاهر دعاوى عظمته صلى الله عليه وآله وسلم وعبقريته في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع والحرب من مدح، فإنها تعتبر طعنًا في الرسالة المحمدية إن اعتبر ذلك هو حقيقة النبي الوحيدة دون إرجاع ذلك لطبيعة الرسالة الإسلامية التي بعث الله بها نبينا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم.
صحيح أن محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم عظيم في كل ميزان، عظيم في ميزان الدين، وعظيم في ميزان العلم، وعظيم في ميزان الشعور، وعظيم في ميزان من يختلفون في العقائد ولا يسعهم أن يختلفوا في الطبائع الآدمية -حسب تعبير العقاد- لكنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يقدم نفسه إلا بصفة واحدة هي أنه محمد رسول الله خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم.
ومع ذلك فإنه صلى الله عليه وآله وسلم كان له صفات خيرات حباه الله بها قبل النبوة، مهدت لتصديق الناس له وإيمانهم بما جاء به من دعوة التوحيد وشريعة الإسلام، كما جهزته صلى الله عليه وآله وسلم لتلقي الوحي الإلهي والقيام بواجباته، فالله تعالى قد هيأ الظروف البيئية والوراثية التي تسهم معًا في تكوين الإنسان وتمنحه صفاته الخَلْقية الخُلُقية، وتصوغ بنيانه الجسدي والنفسي، وتحدد قدراته العقلية واستجاباته العاطفية، لتجتمع بشكل يجعل من نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإنسان المهيأ لتحمل المسؤولية التي أنيطت به بعد أربعين سنة من ميلاده، -وحسب عماد الدين خليل فإن أربعة عقود في حياة الإنسان المحدودة تمثل امتدادًا زمنيًا طويلًا أريد به أن يستكمل محمد الإنسان كل مساحات تكوينه الذاتي، ونضجه البشري قبل أن يتاح له أول لقاء مع الوحي الأمين، وما أصعب اللقاء الأول بين ممثلي السماء والأرض وما أشق الحوار..
- العقود الأربعة:
طيلة هذه العقود الأربعة ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم يأخذ ويتلقى ويجابه ويهضم، ويتمثل شتى المؤثرات الوراثية والبيئية لكي يحولها إلى خلايا تبني كيانه، وسمات مادية وروحية تهيئه لليوم العظيم، فعن أصالة أبيه وأمه أخذ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أصالة الشخصية ووضوحها ونقاءها، وكسب على المستوى الاجتماعي احترامًا وتقديرًا في بيئة كانت تستهجن مجهولي الأنساب، وتحتقر الخلطاء، ومن مرارة اليتم ووحشة العزلة وانقطاع معين العطف والحنان قبس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الصلابة والاستقلال، والقدرة على التحمل والإرادة النافذة والتحدي الذي لا تنكسر له قناة، وبالفقر والحرمان تربى ونما بعيدًا عن ترف الغنى وميوعة الدلال واتكالية الواجدين.. 
وعبر رحلته الأولى إلى الشام في رعاية عمه فتح محمد صلى الله عليه وآله وسلم عينيه ووعيه تجاه العالم الذي يتجاوز حدود الصحراء وسكونها، إلى حيث المجتمعات المدنية التي تضطرب نشاطًا وقلقًا، والجماعات العربية التي فصلتها عن شقيقتها في الصحراء الأم سلطات أجنبية أحكمت قبضتها على الأعناق، وساقت الشيوخ والأمراء العرب إلى ما تريد هي وتهوى لا ما يريدون ويهوون.. 
وفي رحلته الثانية إلى الشام مسؤولًا عن تجارة السيدة خديجة تعلم الرسول الكثير والكثير، عمق في حسه معطيات الرحلة الأولى وزاد عليها إدراكًا أكثر بما يحدث في أطراف عالمه العربي من علاقات بين الغالب والمغلوب والسيد والمسود، وإفادة أغنى من كل ما يتعلمه الذين يرحلون من مكان إلى مكان فيتعلمون من رحيلهم طبائع الجماعات والشعوب وكنه العلاقات بينها، واختلاف البيئات والأوضاع، ويزدادون مرونة وقدرة على التعامل المنفتح الذي لا ينقطع له خيط مع شتى الطبائع وفهمًا لما يتطلبه الإنسان في عصر من العصور، بعد اطلاع مباشر على عينات من هذا الإنسان في سعادته وهنائه أو تعاسته وشقائه.. 
وفوق هذا وذاك فقد أتيح للرسول صلى الله عليه وآله وسلم في رحلته هذه تنمية وامتحان قدراته الخاصة التي تعلمها أيام الرعي صبيًا، وها هو الآن يدير تجارة لسيدة تملك الكثير، فيعرف كيف يحيل القليل كثيرًا، ويصمد إزاء إغراء الذهب والفضة، أمينًا لا تلحق أمانته ذرة من غبار، قديرًا على الارتفاع فوق مستويات الإغراء إلى آخر لحظة، ثم يجىء إسهامه في القضايا الكبرى التي عاشتها مكة آنذاك متنوعًا شاملًا مغطيًا شتى مساحات العمل البشري الجماعي، وكأنه أريد له أن يجرب كل شيء، أن يسهم عاملًا في كل اتجاه وأن يبني عبر أنشطته المتنوعة جميعًا شخصية قادرة على التصدي لكل مشكلة، والإسهام الإيجابي الفعال في كل ما من شأنه أن يعيد حقًا أو يقيم عدلًا.. 
في حرب الفجار مارس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم شؤون القتال، وفي حلف الفضول شارك في تجربة السياسة والحكم، وفي بناء الكعبة أعرب عن بداهته المثيرة للإعجاب في حل المشاكل التي تلعب فيها المعتقدات والقيم والمقدسات دورًا كبيرًا، وخلال هذا وذاك يتزوج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويمارس في أعقاب زواجه ذاك كبرى التجارب الاجتماعية في حياة الإنسان وينجح في التجربة.
هكذا بدت حياة النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم قبل مبعثه، سلسلة مترابطة الحلقات منطقية التعاقب من التجارب والخبرات في شتى المجالات لتهيئه لتلقي الوحي والقيام بأعباء الرسالة.
ولكن ماذا عن خبراته الروحية والدينية والأخلاقية؟
هذا له حديث آخر إن شاء الله.

هل كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم مصلحًا اجتماعيا أم قائدًا سياسيًا أم أنه خاتم المرسلين من رب العالمين؟

هل كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم مصلحًا اجتماعيا أم قائدًا سياسيًا أم أنه خاتم المرسلين من رب العالمين؟


في ليلة الاثنين من أواخر الشهر الكريم جاءه جبريل بأمر الله تعالى، وحينئذ بدأ الوحي وبدأت نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف كان العالم وقتها؟ وكيف تهيأ النبي الكريم لتغيير هذا العالم؟

- المسجد النبوي في المدينة المنورة:
عندما بلغ سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم الأربعين من عمره خرج في رمضان كعادته إلى غار حراء متأملاً مفكرًا مقلبًا وجهه في السماء، وفي ليلة الاثنين من أواخر الشهر الكريم جاءه جبريل بأمر الله تعالى، وحينئذ بدأ الوحي وبدأت نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف كان العالم وقتها؟ وكيف تهيأ النبي الكريم لتغيير هذا العالم؟
كانت الوثنيات بأشكالها المختلفة تسيطر على العالم من الهند والصين وفارس شرقًا إلى أوروبا وأفريقيا غربًا، فمن عبادة النيران في بلاد فارس إلى عبادة الأحجار والأشجار في أفريقيا، إلى الجدل الذي وصل حد الاضطهاد الديني والتقاتل بالسلاح حول حقائق العقيدة المسيحية في بيزنطة، بل والإغراق في الجدل الفلسفي العقيم حتى صار اسم بيزنظة علمًا على كل جدل عقيم، الوثنية والجدل العقيم حتى في الألوهيات سيطرا على العالم شرقًا وغربًا، وتدهورت القوى العسكرية لكل من إمبراطوريتي فارس والروم حتى صارتا تعتمدان على حراس من عرب الجزيرة العربية ليحرسوا حدودهما الجنوبية وتمثل ذلك في مملكتي المناذرة والغساسنة.. 
العالم تعمق في الوثنية والضلال والشهوات حتى انغمست الكعبة بيت الله الحرام في الأوثان، ذلك البيت الذي كان قد أعاد بناءه إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل عليهما السلام على أسس التوحيد الخالص {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [البقرة:127-129].
وكانت جزيرة العرب منغمسة في هذه الوثنية من عبادة الحجر والشجر، مع وجود بقايا قليلة من أهل الكتاب اعتراهم ما اعترى أهل الكتاب في ذلك العصر من خلاف وجدل حول حقائق العقيدة، وزاد العرب على وثنيتهم تفككهم السياسي ولم يختلفوا كثيرًا في تحللهم الاجتماعي عمن حولهم من أمم فارس والروم والحبشة، إلا أن مظاهر هذا التحلل ربما اختلفت بشكل أو آخر من وأد البنات وكثرة الحروب والسلب والنهب والعصبية القبلية البغيضة، التي طالما أشعلت الحروب وقطعت الأواصر فضلًا عن الطمع والخمر والقمار والمتعة المحرمة وتسخير الأقوياء للضعفاء.
- مكة قلب الجزيرة:
كانت مكة قلب الجزبرة العربية معنويًا واقتصاديًا ومن ثم سياسيًا، ففي مكة بيت الله الحرام الذي يقدسه كل العرب بجميع قبائلهم وعقائدهم، وعبر مكة كانت تجارة الشرق والغرب تمر من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب وبالعكس عبر رحلة الشتاء والصيف، حيث كان تجار مكة يتجهون في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام لتناقل التجارة من هنا لهنا وبالعكس، فضلاً عن تسويقهم جزءًا كبيرًا من هذه السلع في موسم الحج ببيعه لسائر قبائل الجزيرة العربية من حجاج البيت الحرام، ومن هنا تمتع أهل مكة وهم قبيلة قريش بفروعها العديدة بمكانة سياسية ومعنوية واقتصادية كبيرة بين سائر العرب..
وكانت قريش تنقسم اجتماعيًا إلى شعبتين -كما يقول العقاد- واحدة من أصحاب الترف والطمع وهذه كانت تحرص على استبقاء الأمر الواقع على ما هو عليه لأنه يوافق هواها، أما الشعبة الثانية فكانت من أصحاب السماحة وكانوا أناسًا وسطًا بين مقام الطغاة الظالمين من رؤوس الشعبة الأولى وبين الضعفاء الذين لا يملكون إلا الإذعان للسادة الكبار الطغاة، ومن هذه الشعبة الوسط ذات النسب الكريم كان بيت عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن هنا جاء نسب النبوة العريق الذي خرج منه الصادق الأمين لينقذ العالم من تيه الضلال، في هذا الجو العالمي والإقليمي البائس أوحى الله تعالى إلى سيد الخلق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم ليغير الدنيا من حال إلى حال.
وكما قال العقاد: "قالت حوادث الكون: لقد كانت الدنيا في حاجة إلى رسالة، وقالت حقائق التاريخ: لقد كان محمد هو صاحب تلك الرسالة"، وهكذا كان العالم على موعد مع إمام الأنبياء وخاتم المرسلين، ولكن كيف صلح أن يكفي رسول واحد لهداية البشرية جميعًا، وكيف استمرت هذه الهداية في مرحلة ما بعد موته صلى الله عليه وآله وسلم؟
يقول الشيخ محمد الغزالي: "في المزالق المتلفة قد يقول لك ناصح أمين: أغمض عينيك واتبعني، أو لا تسلني عن شيء يستثيرك! وربما تكون السلامة في طاعته، فأنت تمشي وراءه حتى تبلغ مأمنك، إنه في هذه الحال رائدك المعين، الذي يفكر لك، وينظر لك، ويأخذ بيدك، فلو هلك هلكت معه، أما لو جاءك من أول الأمر رجل رشيد فرسم لك خط السير، وحذرك مواطن الخطر، وشرح لك في إفاضة ما يطوي لك المراحل ويهون المتاعب، وسار معك قليلًا ليدربك على العمل بما علمت، فأنت في هذه الحال رائد نفسك، تستطيع الاستغناء بتفكيرك وبصرك عن غيرك".
إن الوضع الأول أليق بالأطفال والسذج، أما الوضع الأخير فهو المفروض عند معاملة الرجال وأولي الرأي من الناس، والله عز وجل عندما بعث محمدًا عليه الصلاة والسلام لهداية العالم، جعل في رسالته الأصول التي تفتح للعقول منافذ المعرفة بما كان ويكون، والقرآن الذي أنزله على قلبه هو كتاب من رب العالمين إلى كل حي، ليوجهه إلى الخير ويلهمه الرشد.
- قوة من قوى الخير:
لم يكن محمد عليه الصلاة والسلام إمامًا لقبيل من الناس صلحوا بصلاحه، فلما انتهى ذهبوا معه في خبر كان، بل كان قوة من قوى الخير، لها في عالم المعاني ما لاكتشاف البخار والكهرباء في عالم المادة، وإن بعثته لتمثل مرحلة من مراحل التطور في الوجود الإنساني، كان البشر قبلها في وصاية رعاتهم أشبه بطفل محجور عليه، ثم شب الطفل عن الطوق ورشح لاحتمال الأعباء وحده، وجاء الخطاب الإلهي إليه -عن طريق محمد صلى الله عليه وسلم- يشرح له كيف يعيش في الأرض، وكيف يعود إلى السماء، فإذا بقي محمد صلى الله عليه وسلم أو ذهب فلن ينقص ذلك من جوهر رسالته، إن رسالته تفتيح للأعين والآذان وتجلية للبصائر والأذهان، وذلك مودع في تراثه الضخم من كتاب وسنة {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا . فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ في رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} [النساء:174-175].
ومن هنا فنبينا الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم إن كان جاء لإصلاح العالم في فترة دقيقة من الزمن فإنه لم يقدم نفسه كمصلح اجتماعي ولا كقائد سياسي يسعى للتغيير والتطوير، إنما قدم نفسه كنبي وخاتم للمرسلين، فأي عبقرية تمتع بها في مجالات السياسة أو الاجتماع أو الاقتصاد إنما هي عبقرية الدعوة المنزلة من عند الله عز وجل، ولا بد من ملاحظة هذه الحقيقة بشكل موضوعي ودقيق، لأن الموضة التي جرى عليها الكثيرون من المستشرقين ومن لف لفهم في عصرنا الحديث هي مدح النبي الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم باعتباره قائدًا سياسيًا أو عسكريًا عظيمًا أو مصلحًا اجتماعيًا نابغًا، وذلك كله بعيد عن حقيقة أن الله بعثه نبيًا ورسولًا للعالمين كافة.. 
وفي ذلك ما فيه من عدم الصدق والموضوعية فحقائق القرآن ثم حقائق التاريخ تفصح بجلاء عن أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يقدم نفسه بأي صفة للناس سوى صفة الرسالة والنبوة، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سبأ:28]، وقال سبحانه: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف:158].
وبالتالي فرغم ما في ظاهر دعاوى عظمته صلى الله عليه وآله وسلم وعبقريته في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع والحرب من مدح، فإنها تعتبر طعنًا في الرسالة المحمدية إن اعتبر ذلك هو حقيقة النبي الوحيدة دون إرجاع ذلك لطبيعة الرسالة الإسلامية التي بعث الله بها نبينا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم.
صحيح أن محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم عظيم في كل ميزان، عظيم في ميزان الدين، وعظيم في ميزان العلم، وعظيم في ميزان الشعور، وعظيم في ميزان من يختلفون في العقائد ولا يسعهم أن يختلفوا في الطبائع الآدمية -حسب تعبير العقاد- لكنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يقدم نفسه إلا بصفة واحدة هي أنه محمد رسول الله خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم.
ومع ذلك فإنه صلى الله عليه وآله وسلم كان له صفات خيرات حباه الله بها قبل النبوة، مهدت لتصديق الناس له وإيمانهم بما جاء به من دعوة التوحيد وشريعة الإسلام، كما جهزته صلى الله عليه وآله وسلم لتلقي الوحي الإلهي والقيام بواجباته، فالله تعالى قد هيأ الظروف البيئية والوراثية التي تسهم معًا في تكوين الإنسان وتمنحه صفاته الخَلْقية الخُلُقية، وتصوغ بنيانه الجسدي والنفسي، وتحدد قدراته العقلية واستجاباته العاطفية، لتجتمع بشكل يجعل من نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإنسان المهيأ لتحمل المسؤولية التي أنيطت به بعد أربعين سنة من ميلاده، -وحسب عماد الدين خليل فإن أربعة عقود في حياة الإنسان المحدودة تمثل امتدادًا زمنيًا طويلًا أريد به أن يستكمل محمد الإنسان كل مساحات تكوينه الذاتي، ونضجه البشري قبل أن يتاح له أول لقاء مع الوحي الأمين، وما أصعب اللقاء الأول بين ممثلي السماء والأرض وما أشق الحوار..
- العقود الأربعة:
طيلة هذه العقود الأربعة ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم يأخذ ويتلقى ويجابه ويهضم، ويتمثل شتى المؤثرات الوراثية والبيئية لكي يحولها إلى خلايا تبني كيانه، وسمات مادية وروحية تهيئه لليوم العظيم، فعن أصالة أبيه وأمه أخذ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أصالة الشخصية ووضوحها ونقاءها، وكسب على المستوى الاجتماعي احترامًا وتقديرًا في بيئة كانت تستهجن مجهولي الأنساب، وتحتقر الخلطاء، ومن مرارة اليتم ووحشة العزلة وانقطاع معين العطف والحنان قبس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الصلابة والاستقلال، والقدرة على التحمل والإرادة النافذة والتحدي الذي لا تنكسر له قناة، وبالفقر والحرمان تربى ونما بعيدًا عن ترف الغنى وميوعة الدلال واتكالية الواجدين.. 
وعبر رحلته الأولى إلى الشام في رعاية عمه فتح محمد صلى الله عليه وآله وسلم عينيه ووعيه تجاه العالم الذي يتجاوز حدود الصحراء وسكونها، إلى حيث المجتمعات المدنية التي تضطرب نشاطًا وقلقًا، والجماعات العربية التي فصلتها عن شقيقتها في الصحراء الأم سلطات أجنبية أحكمت قبضتها على الأعناق، وساقت الشيوخ والأمراء العرب إلى ما تريد هي وتهوى لا ما يريدون ويهوون.. 
وفي رحلته الثانية إلى الشام مسؤولًا عن تجارة السيدة خديجة تعلم الرسول الكثير والكثير، عمق في حسه معطيات الرحلة الأولى وزاد عليها إدراكًا أكثر بما يحدث في أطراف عالمه العربي من علاقات بين الغالب والمغلوب والسيد والمسود، وإفادة أغنى من كل ما يتعلمه الذين يرحلون من مكان إلى مكان فيتعلمون من رحيلهم طبائع الجماعات والشعوب وكنه العلاقات بينها، واختلاف البيئات والأوضاع، ويزدادون مرونة وقدرة على التعامل المنفتح الذي لا ينقطع له خيط مع شتى الطبائع وفهمًا لما يتطلبه الإنسان في عصر من العصور، بعد اطلاع مباشر على عينات من هذا الإنسان في سعادته وهنائه أو تعاسته وشقائه.. 
وفوق هذا وذاك فقد أتيح للرسول صلى الله عليه وآله وسلم في رحلته هذه تنمية وامتحان قدراته الخاصة التي تعلمها أيام الرعي صبيًا، وها هو الآن يدير تجارة لسيدة تملك الكثير، فيعرف كيف يحيل القليل كثيرًا، ويصمد إزاء إغراء الذهب والفضة، أمينًا لا تلحق أمانته ذرة من غبار، قديرًا على الارتفاع فوق مستويات الإغراء إلى آخر لحظة، ثم يجىء إسهامه في القضايا الكبرى التي عاشتها مكة آنذاك متنوعًا شاملًا مغطيًا شتى مساحات العمل البشري الجماعي، وكأنه أريد له أن يجرب كل شيء، أن يسهم عاملًا في كل اتجاه وأن يبني عبر أنشطته المتنوعة جميعًا شخصية قادرة على التصدي لكل مشكلة، والإسهام الإيجابي الفعال في كل ما من شأنه أن يعيد حقًا أو يقيم عدلًا.. 
في حرب الفجار مارس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم شؤون القتال، وفي حلف الفضول شارك في تجربة السياسة والحكم، وفي بناء الكعبة أعرب عن بداهته المثيرة للإعجاب في حل المشاكل التي تلعب فيها المعتقدات والقيم والمقدسات دورًا كبيرًا، وخلال هذا وذاك يتزوج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويمارس في أعقاب زواجه ذاك كبرى التجارب الاجتماعية في حياة الإنسان وينجح في التجربة.
هكذا بدت حياة النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم قبل مبعثه، سلسلة مترابطة الحلقات منطقية التعاقب من التجارب والخبرات في شتى المجالات لتهيئه لتلقي الوحي والقيام بأعباء الرسالة.
ولكن ماذا عن خبراته الروحية والدينية والأخلاقية؟
هذا له حديث آخر إن شاء الله.


Popular Posts