background img

The New Stuff

‏إظهار الرسائل ذات التسميات ظافر بن حسن آل جبعان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ظافر بن حسن آل جبعان. إظهار كافة الرسائل

أخوة في بيت الطين

في هذه الأيام يوم أن جاورت أبداننا -التي تحمل نفوسنا- جاورت الخرسانة والحديد التي تذاب بالنار، وتصهر به، فاكتسبت من مجاورتها الهيجان والغرور، والإفساد والتخريب، والتحريق


الحمد لله مقلب الدهور والأيام، ومغير الأحوال والأزمان، ومبقي معالم الدين العظام على مرور الليالي والأعوام، والصلاة على خير الرسل والأنام وعلى آله وصحبه الأماجد أولي النواهي والأحلام وبعد:
فما أجمل تلك الليالي والأيام، التي عشناه في بيت الطين، بين الآباء والأمهات، والإخوان والأخوات.
كانت حياة بسيطة بكل المقاييس، بسيطة في الفرش والثياب، والمأوى والكساء، والطعام والشراب؛ لكن مع بساطتها كانت كبيرة في معانيها وعبرها وتربيتها. نفوس أهلها كانت بسيطة لكنها كانت أبية أريبة لبيبة، لا تحرص على حمل حقد ولا ظغينة، ولا بغضاء ولا شحناء.
عاشوا بسطاء بكل معاني البساطة، لكنهم عاشوا عظماء يتلذذون بأيامهم وليليهم أكثر من غيرهم، تجد بينهم إقامة الدين، والمحافظة على شعائره العظام، على قلة العلم والتعليم، وتجدهم أهل إكرام للضيف، وإغاثة للملهوف، ونصرة للمظلوم، مع التعاون، والتناصح، والتآزر، والتواد.
يجمعهم مسجد واحد، وسخينة(1) واحدة، وأب واحد، وأم حانية.
أيام عجيبة غريبة؛ فهل يا ترى لبيت الطين تأثير؟! أم للوقت الذي كان فيه بيت الطين، أم ماذا؟!
هل لأننا خلقنا من طين فنحن لبيت الطين، ونأنس به، فعندما نكون قريبين منه ملامسين له يذهب عن نفوسنا علوها وقهرها، ولقَسِهَا(2)؟
أم أننا في هذه الأيام يوم أن جاورت أبداننا -التي تحمل نفوسنا- جاورت الخرسانة والحديد التي تذاب بالنار، وتصهر به، فاكتسبت من مجاورتها الهيجان والغرور، والإفساد والتخريب، والتحريق؟!
قد أدري، ولا أدري!!
على العموم: ما أجمل تلك الأيام! وما أجمل الأخوة التي كنا نعيشها في بيت الطين ويوم كان الوئام، والصفاء، والألفة والمحبة هي السائدة بين الأهل والجيران، والأحباب والخلان.
فهل ستعود تلك الأيام، وتنقشع ظلمة تلك النفوس التي تحمل الحقد والأظغان، ويسود الصفاء والإخاء؟
أرجو من الله اللطيف أن يعيد الإخاء والصفاء، والمحبة والوفاء، ويديم الألفة واللقاء.
ــــــــــــــــــــــ
(1) الطعام من شعير.
(2) خبثها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول من حديث أمنا عائشة رضي الله عنها: «لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ لَقِسَتْ نَفْسِي» (أخرجه البخاري:6179، ومسلم:6015)

أخوة في بيت الطين

أخوة في بيت الطين

في هذه الأيام يوم أن جاورت أبداننا -التي تحمل نفوسنا- جاورت الخرسانة والحديد التي تذاب بالنار، وتصهر به، فاكتسبت من مجاورتها الهيجان والغرور، والإفساد والتخريب، والتحريق


الحمد لله مقلب الدهور والأيام، ومغير الأحوال والأزمان، ومبقي معالم الدين العظام على مرور الليالي والأعوام، والصلاة على خير الرسل والأنام وعلى آله وصحبه الأماجد أولي النواهي والأحلام وبعد:
فما أجمل تلك الليالي والأيام، التي عشناه في بيت الطين، بين الآباء والأمهات، والإخوان والأخوات.
كانت حياة بسيطة بكل المقاييس، بسيطة في الفرش والثياب، والمأوى والكساء، والطعام والشراب؛ لكن مع بساطتها كانت كبيرة في معانيها وعبرها وتربيتها. نفوس أهلها كانت بسيطة لكنها كانت أبية أريبة لبيبة، لا تحرص على حمل حقد ولا ظغينة، ولا بغضاء ولا شحناء.
عاشوا بسطاء بكل معاني البساطة، لكنهم عاشوا عظماء يتلذذون بأيامهم وليليهم أكثر من غيرهم، تجد بينهم إقامة الدين، والمحافظة على شعائره العظام، على قلة العلم والتعليم، وتجدهم أهل إكرام للضيف، وإغاثة للملهوف، ونصرة للمظلوم، مع التعاون، والتناصح، والتآزر، والتواد.
يجمعهم مسجد واحد، وسخينة(1) واحدة، وأب واحد، وأم حانية.
أيام عجيبة غريبة؛ فهل يا ترى لبيت الطين تأثير؟! أم للوقت الذي كان فيه بيت الطين، أم ماذا؟!
هل لأننا خلقنا من طين فنحن لبيت الطين، ونأنس به، فعندما نكون قريبين منه ملامسين له يذهب عن نفوسنا علوها وقهرها، ولقَسِهَا(2)؟
أم أننا في هذه الأيام يوم أن جاورت أبداننا -التي تحمل نفوسنا- جاورت الخرسانة والحديد التي تذاب بالنار، وتصهر به، فاكتسبت من مجاورتها الهيجان والغرور، والإفساد والتخريب، والتحريق؟!
قد أدري، ولا أدري!!
على العموم: ما أجمل تلك الأيام! وما أجمل الأخوة التي كنا نعيشها في بيت الطين ويوم كان الوئام، والصفاء، والألفة والمحبة هي السائدة بين الأهل والجيران، والأحباب والخلان.
فهل ستعود تلك الأيام، وتنقشع ظلمة تلك النفوس التي تحمل الحقد والأظغان، ويسود الصفاء والإخاء؟
أرجو من الله اللطيف أن يعيد الإخاء والصفاء، والمحبة والوفاء، ويديم الألفة واللقاء.
ــــــــــــــــــــــ
(1) الطعام من شعير.
(2) خبثها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول من حديث أمنا عائشة رضي الله عنها: «لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ لَقِسَتْ نَفْسِي» (أخرجه البخاري:6179، ومسلم:6015)

حال الإنسان عند حلول المصيبة


العبد في هذه الدنيا معرض لصنوف من البلاء، والاختبار، وما ذلك إلا ليعلم الله تعالى من العبد صبره ورضاه.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فإن العبد في هذه الدنيا معرض لصنوف من البلاء، والاختبار، وما ذلك إلا ليعلم الله تعالى من العبد صبره ورضاه؛ وحسن قبوله لحكم الله وأمره، قال الله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك:2].
والإنسان عندما يصاب بمصيبة، فإن له أحوالًا في تقبل تلك المصيبة، إما بالعجز والجزع، وإما بالصبر وحبس النفسعن الجزع، وإما بالرضا، وإما بالشكر.
قال ابن القيم (ت751هـ) رحمه الله تعالى: "والمصائب التي تحل بالعبد، وليس له حيلة في دفعها، كموت من يعزُّ عليه، وسرقة ماله، ومرضه، ونحو ذلك، فإن للعبد فيها أربع مقامات:
أحدها: مقام العجز، وهو مقام الجزع والشكوى والسخط، وهذا ما لا يفعله إلا أقل الناس عقلًا ودينًا ومروءة.
المقام الثاني: مقام الصبر إما لله، وإما للمروءة الإنسانية.
المقام الثالث: مقام الرضى وهو أعلى من مقام الصبر، وفي وجوبه نزاع، والصبر متفق على وجوبه.
المقام الرابع: مقام الشكر، وهو أعلى من مقام الرضى؛ فإنه يشهدُ البليةَ نعمة، فيشكر المُبْتَلي عليها" (عدة الصابرين: [ص81]).
وقد علق على هذه المقامات الأربع الشيخ محمد بن عثيمين[1] رحمه الله تعالى فقال: للإنسان عند حلول المصيبة له أربع حالات:
الحال الأول: أن يتسخط.
الحال الثاني: أن يصبر.
الحال الثالث: أن يرضى.
الحال الرابع: أن يشكر.

هذه أربع حالات للإنسان عندما يصاب بالمصيبة.
أما الحال الأول: أن يتسخط إما بقلبه أو بلسانه أو بجوارحه:
ـ فتسخط القلب أن يكون في قلبه شيء على ربه عز وجل من السُّخط والشره على الله تعالى والعياذ بالله وما أشبهه، ويشعر وكأن الله قد ظلمه بهذه المصيبة.
ـ وأما باللسان فأن يدعو بالويل والثبور، يا ويلاه! يا ثبوراه! وأن يسب الدهر فيؤذي الله عز وجل وما أشبهه.
ـ وأما التسخط بالجوارح مثل: أن يلطم خده، أو يصفع رأسه، أو ينتف شعره، أو يشق ثوبه، وما أشبهه ذلك.
هذا حال السخط حال الهلعين الذين حرموا من الثواب، ولم ينجوا من المصيبة بل الذين اكتسبوا الإثم؛ فصار عندهم مصيبتان: مصيبة في الدين بالسخط، ومصيبة في الدنيا لما أتاهم ممَّا يؤلمهم.
أما الحال الثانية: فالصبر على المصيبة بأن يحبس نفسه؛ هو يكره المصيبة ولا يحبها، ولا يحب إن وقعت، لكن يصبّر نفسه؛ لا يتحدث باللسان بما يسخط الله، ولا يفعل بجوارحه ما يغضب الله تعالى، ولا يكون في قلبه على الله شيءٌ أبدًا؛ صابر لكنه كاره لها.
والحال الثالثة: الرِّضى بأن يكون الإنسان منشرحًا صدره بهذه المصيبة ويرضى بها رضاءً تامًا، وكأنه لم يصب بها.
والحال الرابعة: الشُكر فيشكر الله تعالى عليها، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يكره قال: «الحمد لله على كل حال» [2]. فيشكر الله من أجل أن يُرتب له من الثواب على هذه المصيبة أكثر مما أصابه.
 
مسألة: ما ينبغي لمن بلغته المصيبة أن يفعل:
ينبغي لمن بلغته مصيبة، أيَّاً كانت هذه المصيبة أمور:
[أ] - الصبر؛ فيسن الصبر على المصيبة، ويجب منه ما يمنعه عن المحرم (الفروع [2/223]).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (728هـ) رحمه الله تعالى:"والصبر واجب باتفاق العلماء"[3].
قال ابن القيم (ت751هـ) رحمه الله تعالى: "والصبر واجب بإجماع الأمة، وهو نصف الإيمان، فإن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر"[4].
والصبر هو: حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش (مدارج السالكين [2/162]). قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ . أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} {البقرة:155-157}.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر فقال: «اتقي الله واصبري» قالت: "إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه!" فقيل لها: "إنه النبي صلى الله عليه وسلم" فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين، فقالت: "لم أعرفك"، فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» [5].
قال الحافظ ابن حجر (ت852هـ) رحمه الله تعالى عند قوله صلى الله عليه وسلم : «إنّما الصبر عند الصّدمَة الأولى» المعنى "إذا وقع الثبات أول شيء يهجم على القلب من مقتضيات الجزع فذلك هو الصبر الكامل الذي يترتَب عليه الأَجر؛ قال الخطابي: المعنى أن الصبر الذي يحمد عليه صاحبه ما كان عند مفاجأَة المصيبة، بخلاف ما بعد ذلك فإنه مع الأيام يسلو؛ وحكى الخطابي عن غيره أن المرء لا يُؤجر على المصيبة لأنّها ليست من صنعه، وإنَما يؤجر على حسن تثبته وجميل صبره؛ وقال ابن بطّال: أراد أن لا يجتمع عليها مصيبة الهلاك وفقد الأَجر" (فتح الباري [3/494]-[495]).
قال الإمام الموفق ابن قدامة (ت620هـ) رحمه الله تعالى: "وينبغي للمصاب أن يستعين بالله تعالى، ويتعزى بعزائه، ويمتثل أمره في الاستعانة بالصبر والصلاة، ويَتَنَجَّز ما وعد الله الصابرين، قال الله عز وجل: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ .الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ . أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}، ويسترجع" (المغني [3/495]).
[ب]- الرضا بالقضاء والقدر والتسليم التام لله عز وجل، وهذه الصفة هي من أعظم صفات المؤمن المتوكل على الله، المصدق بموعود الله، الراضي بحكم الله، وبما قضاه الله تعالى وقدره، بل الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان، الواردة في حديث أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه الطويل وفيه "قال: فأخبرني عن الإيمان، قال صلى الله عليه وسلم : «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره»" [6].

[ج]- قول (إنا لله وإنا إليه راجعون)
وذلك لما جاء في قوله تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} [البقرة:156].
وله أن يزيد "اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها"، لما جاء من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبدٍ تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها» قالت: فلما توفي أبو سلمة رضي الله عنه قلت: ومن خيرٌ من أبي سلمة؟ صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عزم الله علي فقلتها، فما الخلف؟! قالت: فتزوجت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن خير من رسول الله صلى الله عليه وسلم [7].

[د]- أن تعلم أن الدنيا دار ابتلاء وامتحان؛ لذا فهي مليئة بالمصائب، والأكدار، والأحزان، كما قال ربنا الرحمن: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة:155]، وقال عز وجل: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد:4].

[هـ]- تذكر أن العبد وأهله وماله لله عز وجل فله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، قال لبيد: وما المال والأهلون إلا ودائع ولابد يومًا أن ترد الودائع.
[و]- الاستعانة على المصيبة بالصلاة، قال الله تعالى: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} [البقرة:45]؛ وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى [8]، ومعنى حزبه: أي نزل به أمرٌ مهم، أو أصابه غم.
وهذا حال المؤمن الصادق، الذي لا يخطر على قلبه في وقت المحن والشدائد، إلا تذكر الله عز وجل، لأنه الذي بيده مفاتيح الفرج.
ولما أخبر ابن عباس رضي الله عنهما بوفاة أحد إخوانه استرجع وصلى ركعتين أطال فيهما الجلـوس، ثم قام وهـو يقول: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} [9].
[ز]- تذكر ثواب المصائب، والصبر عليها، وإليك شيئًا منه:
[1]- دخول الجنة: قال الله تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ . سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد:23-24].
وقال صلى الله عليه وسلم: «يقول الله عز وجل: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت [10] صفيّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة» [11]. وصفيه هو حبيبه المصافي كالولد، والأخ، وكل من يحبه الإنسان،والمراد بقوله عز وجل (ثم احتسبه): أي صبر على فقده راجيًا الأجر من الله تعالى على ذلك (فتح الباري [13/20]).

[2]- الصابرون يوفون أجورهم بغير حساب، قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر:10]، قال الأوزاعي: "ليس يوزن لهم ولا يكال، إنما يغرف لهم غرفًا" (تفسير ابن كثير [4/52]).

[3]- معية الله للصابرين، وهي المعية الخاصة المقتضية للمعونة والنصرة والتوفيق، قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة:153.

[4]- محبة الله للصابرين، قال تعالى: {وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران:146].

[5]- تكفير السيئات لمن صبر على ما يصيبه في حال الدنيا، كبر المصاب أم صغر؛ قال صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب، ولا همٍ، ولا حزن، ولا أذىً، ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه» [12]، والنصب التعب، والوصب: المرض، وقيل هو المرض اللازم.
قال الإمام القرافي (ت684هـ) رحمه الله تعالى: "المصائب كفارات جزمًا سواءً اقترن بها الرضا أم لا، لكن إن اقتران بها الرضا عظم التكفير وإلا قل" (فتح الباري [11/242]).
وقال صلى الله عليه وسلم : «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله, حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة» [13].

[6]- حصول الصلوات، والرحمة، والهداية من الله تعالى للعبد الصابر؛ قال الله عز وجل: {أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة:157].

[7]- رفع منزلة المصاب؛ قال صلى الله عليه وسلم: «إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها بعمله ابتلاه الله في جسده، أو في ماله، أو في ولده، ثم صبّره على ذلك حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله تعالى» [14].

حال الإنسان عند حلول المصيبة

حال الإنسان عند حلول المصيبة


العبد في هذه الدنيا معرض لصنوف من البلاء، والاختبار، وما ذلك إلا ليعلم الله تعالى من العبد صبره ورضاه.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فإن العبد في هذه الدنيا معرض لصنوف من البلاء، والاختبار، وما ذلك إلا ليعلم الله تعالى من العبد صبره ورضاه؛ وحسن قبوله لحكم الله وأمره، قال الله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك:2].
والإنسان عندما يصاب بمصيبة، فإن له أحوالًا في تقبل تلك المصيبة، إما بالعجز والجزع، وإما بالصبر وحبس النفسعن الجزع، وإما بالرضا، وإما بالشكر.
قال ابن القيم (ت751هـ) رحمه الله تعالى: "والمصائب التي تحل بالعبد، وليس له حيلة في دفعها، كموت من يعزُّ عليه، وسرقة ماله، ومرضه، ونحو ذلك، فإن للعبد فيها أربع مقامات:
أحدها: مقام العجز، وهو مقام الجزع والشكوى والسخط، وهذا ما لا يفعله إلا أقل الناس عقلًا ودينًا ومروءة.
المقام الثاني: مقام الصبر إما لله، وإما للمروءة الإنسانية.
المقام الثالث: مقام الرضى وهو أعلى من مقام الصبر، وفي وجوبه نزاع، والصبر متفق على وجوبه.
المقام الرابع: مقام الشكر، وهو أعلى من مقام الرضى؛ فإنه يشهدُ البليةَ نعمة، فيشكر المُبْتَلي عليها" (عدة الصابرين: [ص81]).
وقد علق على هذه المقامات الأربع الشيخ محمد بن عثيمين[1] رحمه الله تعالى فقال: للإنسان عند حلول المصيبة له أربع حالات:
الحال الأول: أن يتسخط.
الحال الثاني: أن يصبر.
الحال الثالث: أن يرضى.
الحال الرابع: أن يشكر.

هذه أربع حالات للإنسان عندما يصاب بالمصيبة.
أما الحال الأول: أن يتسخط إما بقلبه أو بلسانه أو بجوارحه:
ـ فتسخط القلب أن يكون في قلبه شيء على ربه عز وجل من السُّخط والشره على الله تعالى والعياذ بالله وما أشبهه، ويشعر وكأن الله قد ظلمه بهذه المصيبة.
ـ وأما باللسان فأن يدعو بالويل والثبور، يا ويلاه! يا ثبوراه! وأن يسب الدهر فيؤذي الله عز وجل وما أشبهه.
ـ وأما التسخط بالجوارح مثل: أن يلطم خده، أو يصفع رأسه، أو ينتف شعره، أو يشق ثوبه، وما أشبهه ذلك.
هذا حال السخط حال الهلعين الذين حرموا من الثواب، ولم ينجوا من المصيبة بل الذين اكتسبوا الإثم؛ فصار عندهم مصيبتان: مصيبة في الدين بالسخط، ومصيبة في الدنيا لما أتاهم ممَّا يؤلمهم.
أما الحال الثانية: فالصبر على المصيبة بأن يحبس نفسه؛ هو يكره المصيبة ولا يحبها، ولا يحب إن وقعت، لكن يصبّر نفسه؛ لا يتحدث باللسان بما يسخط الله، ولا يفعل بجوارحه ما يغضب الله تعالى، ولا يكون في قلبه على الله شيءٌ أبدًا؛ صابر لكنه كاره لها.
والحال الثالثة: الرِّضى بأن يكون الإنسان منشرحًا صدره بهذه المصيبة ويرضى بها رضاءً تامًا، وكأنه لم يصب بها.
والحال الرابعة: الشُكر فيشكر الله تعالى عليها، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يكره قال: «الحمد لله على كل حال» [2]. فيشكر الله من أجل أن يُرتب له من الثواب على هذه المصيبة أكثر مما أصابه.
 
مسألة: ما ينبغي لمن بلغته المصيبة أن يفعل:
ينبغي لمن بلغته مصيبة، أيَّاً كانت هذه المصيبة أمور:
[أ] - الصبر؛ فيسن الصبر على المصيبة، ويجب منه ما يمنعه عن المحرم (الفروع [2/223]).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (728هـ) رحمه الله تعالى:"والصبر واجب باتفاق العلماء"[3].
قال ابن القيم (ت751هـ) رحمه الله تعالى: "والصبر واجب بإجماع الأمة، وهو نصف الإيمان، فإن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر"[4].
والصبر هو: حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش (مدارج السالكين [2/162]). قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ . أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} {البقرة:155-157}.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر فقال: «اتقي الله واصبري» قالت: "إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه!" فقيل لها: "إنه النبي صلى الله عليه وسلم" فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين، فقالت: "لم أعرفك"، فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» [5].
قال الحافظ ابن حجر (ت852هـ) رحمه الله تعالى عند قوله صلى الله عليه وسلم : «إنّما الصبر عند الصّدمَة الأولى» المعنى "إذا وقع الثبات أول شيء يهجم على القلب من مقتضيات الجزع فذلك هو الصبر الكامل الذي يترتَب عليه الأَجر؛ قال الخطابي: المعنى أن الصبر الذي يحمد عليه صاحبه ما كان عند مفاجأَة المصيبة، بخلاف ما بعد ذلك فإنه مع الأيام يسلو؛ وحكى الخطابي عن غيره أن المرء لا يُؤجر على المصيبة لأنّها ليست من صنعه، وإنَما يؤجر على حسن تثبته وجميل صبره؛ وقال ابن بطّال: أراد أن لا يجتمع عليها مصيبة الهلاك وفقد الأَجر" (فتح الباري [3/494]-[495]).
قال الإمام الموفق ابن قدامة (ت620هـ) رحمه الله تعالى: "وينبغي للمصاب أن يستعين بالله تعالى، ويتعزى بعزائه، ويمتثل أمره في الاستعانة بالصبر والصلاة، ويَتَنَجَّز ما وعد الله الصابرين، قال الله عز وجل: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ .الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ . أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}، ويسترجع" (المغني [3/495]).
[ب]- الرضا بالقضاء والقدر والتسليم التام لله عز وجل، وهذه الصفة هي من أعظم صفات المؤمن المتوكل على الله، المصدق بموعود الله، الراضي بحكم الله، وبما قضاه الله تعالى وقدره، بل الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان، الواردة في حديث أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه الطويل وفيه "قال: فأخبرني عن الإيمان، قال صلى الله عليه وسلم : «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره»" [6].

[ج]- قول (إنا لله وإنا إليه راجعون)
وذلك لما جاء في قوله تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} [البقرة:156].
وله أن يزيد "اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها"، لما جاء من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبدٍ تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها» قالت: فلما توفي أبو سلمة رضي الله عنه قلت: ومن خيرٌ من أبي سلمة؟ صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عزم الله علي فقلتها، فما الخلف؟! قالت: فتزوجت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن خير من رسول الله صلى الله عليه وسلم [7].

[د]- أن تعلم أن الدنيا دار ابتلاء وامتحان؛ لذا فهي مليئة بالمصائب، والأكدار، والأحزان، كما قال ربنا الرحمن: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة:155]، وقال عز وجل: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد:4].

[هـ]- تذكر أن العبد وأهله وماله لله عز وجل فله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، قال لبيد: وما المال والأهلون إلا ودائع ولابد يومًا أن ترد الودائع.
[و]- الاستعانة على المصيبة بالصلاة، قال الله تعالى: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} [البقرة:45]؛ وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى [8]، ومعنى حزبه: أي نزل به أمرٌ مهم، أو أصابه غم.
وهذا حال المؤمن الصادق، الذي لا يخطر على قلبه في وقت المحن والشدائد، إلا تذكر الله عز وجل، لأنه الذي بيده مفاتيح الفرج.
ولما أخبر ابن عباس رضي الله عنهما بوفاة أحد إخوانه استرجع وصلى ركعتين أطال فيهما الجلـوس، ثم قام وهـو يقول: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} [9].
[ز]- تذكر ثواب المصائب، والصبر عليها، وإليك شيئًا منه:
[1]- دخول الجنة: قال الله تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ . سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد:23-24].
وقال صلى الله عليه وسلم: «يقول الله عز وجل: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت [10] صفيّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة» [11]. وصفيه هو حبيبه المصافي كالولد، والأخ، وكل من يحبه الإنسان،والمراد بقوله عز وجل (ثم احتسبه): أي صبر على فقده راجيًا الأجر من الله تعالى على ذلك (فتح الباري [13/20]).

[2]- الصابرون يوفون أجورهم بغير حساب، قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر:10]، قال الأوزاعي: "ليس يوزن لهم ولا يكال، إنما يغرف لهم غرفًا" (تفسير ابن كثير [4/52]).

[3]- معية الله للصابرين، وهي المعية الخاصة المقتضية للمعونة والنصرة والتوفيق، قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة:153.

[4]- محبة الله للصابرين، قال تعالى: {وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران:146].

[5]- تكفير السيئات لمن صبر على ما يصيبه في حال الدنيا، كبر المصاب أم صغر؛ قال صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب، ولا همٍ، ولا حزن، ولا أذىً، ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه» [12]، والنصب التعب، والوصب: المرض، وقيل هو المرض اللازم.
قال الإمام القرافي (ت684هـ) رحمه الله تعالى: "المصائب كفارات جزمًا سواءً اقترن بها الرضا أم لا، لكن إن اقتران بها الرضا عظم التكفير وإلا قل" (فتح الباري [11/242]).
وقال صلى الله عليه وسلم : «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله, حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة» [13].

[6]- حصول الصلوات، والرحمة، والهداية من الله تعالى للعبد الصابر؛ قال الله عز وجل: {أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة:157].

[7]- رفع منزلة المصاب؛ قال صلى الله عليه وسلم: «إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها بعمله ابتلاه الله في جسده، أو في ماله، أو في ولده، ثم صبّره على ذلك حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله تعالى» [14].

الْمَرْحَلَةُ الْذَّهب

أعظم ما ينبغي على العبد استثماره في هذه المرحلة هو ما يعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة.


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين وقائد الغر المحجلين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فإن الإنسان في هذه الحياة يمر بمراحل عمرية وهذه سنة كونية، فمن صغر وطفولة، إلى شبيبة وفتوة، ثم إلى شيبة وهرم، فمن ضعف الطفولة إلى قوة الشبيبة ثم عودة إلى الضعف وهو الشيبة، وهذا مصداق قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ}[الروم:54].
فإذا كانت مراحل العمر هذا حالها، ضعف فقوة فضعف، فعند جميع العقلاء أن أعظم مرحلة يجب استثمارها واستغلالها والإفادة منها هي مرحلة القوة والفتوة، وهي مرحلة الشباب، فإذا علمت نعمة الله عليك في هذه المرحلة فما هو الواجب عليك استثماره في مثل هذه المرحلة.
لعل أعظم ما ينبغي على العبد استثماره في هذه المرحلة هو ما يعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة، فأي عمل مشروع ينبغي أن يبادر فيه، ومن المشاريع الناجحة في هذه المرحلة هو: البناء العلمي، والعبادي، ومن أراد تحصيل هذه البرامج فعليه أن يسلك أسبابها، ويطرق أبوابها، ويستشير أهل الخبرة في ذلك، مع جد واجتهاد حتى يبلغ تلك المنزلة العُلْيَا، ويرتقي أعلى الرُّتب.
إن استغلال هذه المرحلة الذهب مما يعود على العبد نفعه في شبيبته قبل شيبته، بل ذلك من أعظم أسباب الثبات على الحق، والاستمرار عليه، وصدق من قال: "من شب على شيء شاب عليه"، وإن كان هذا القول ليس قاعدة مطردة لكنه أغلبي.
وتأمل معي هذا الموقف لرجل من المسلمين عُرِفَ بالعلم والعبادة، وربى نفسه عليها في شبيبته، فلما كبر سنه، ورق عظمه، وبقي معه من عمله الشيء القليل بالنسبة له، والكثير بالنسبة لنا، وكان يتحسر على أيام شبابه أنه لم يزدد فيها من العمل، وهو من عرف بالعلم والعمل، فماذا نقول نحن الذين ضيعنا وفرطنا والله المستعان؟.
هذا الموقف لأبي إسحاق السبيعي رحمه الله تعالى: قال أبو بكر بن عياش: "رأيت أبا إسحاق السبيعي يبكي"، فقلت: "يا أبا إسحاق ما يبكيك؟" قال: "ذهبت قوتي، وذهبت الصلاة مني ما أستطيع أن أصلي قائمًا إلا بالبقرة وآل عمران" (الثقات لابن حبان [8/67]).
ختامًا: يا شباب الإسلام هبة للعمل، وعزمة من عزمات الرجال للبذل والتضحية، فكم نحن بحاجة لكم في زمن أصبح همُّ كثيرٍ من الشباب الأشكال والمناظر، والملذات والشهوات، فهبوا يا شباب الإسلام للعمل، فتعلَّموا وعلِّموا، واجتهدوا وابْذُلوا وفقكم الله لكل خير، وأعانكم على أمور دينكم ودنياكم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين.

الْمَرْحَلَةُ الْذَّهب

الْمَرْحَلَةُ الْذَّهب

أعظم ما ينبغي على العبد استثماره في هذه المرحلة هو ما يعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة.


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين وقائد الغر المحجلين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فإن الإنسان في هذه الحياة يمر بمراحل عمرية وهذه سنة كونية، فمن صغر وطفولة، إلى شبيبة وفتوة، ثم إلى شيبة وهرم، فمن ضعف الطفولة إلى قوة الشبيبة ثم عودة إلى الضعف وهو الشيبة، وهذا مصداق قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ}[الروم:54].
فإذا كانت مراحل العمر هذا حالها، ضعف فقوة فضعف، فعند جميع العقلاء أن أعظم مرحلة يجب استثمارها واستغلالها والإفادة منها هي مرحلة القوة والفتوة، وهي مرحلة الشباب، فإذا علمت نعمة الله عليك في هذه المرحلة فما هو الواجب عليك استثماره في مثل هذه المرحلة.
لعل أعظم ما ينبغي على العبد استثماره في هذه المرحلة هو ما يعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة، فأي عمل مشروع ينبغي أن يبادر فيه، ومن المشاريع الناجحة في هذه المرحلة هو: البناء العلمي، والعبادي، ومن أراد تحصيل هذه البرامج فعليه أن يسلك أسبابها، ويطرق أبوابها، ويستشير أهل الخبرة في ذلك، مع جد واجتهاد حتى يبلغ تلك المنزلة العُلْيَا، ويرتقي أعلى الرُّتب.
إن استغلال هذه المرحلة الذهب مما يعود على العبد نفعه في شبيبته قبل شيبته، بل ذلك من أعظم أسباب الثبات على الحق، والاستمرار عليه، وصدق من قال: "من شب على شيء شاب عليه"، وإن كان هذا القول ليس قاعدة مطردة لكنه أغلبي.
وتأمل معي هذا الموقف لرجل من المسلمين عُرِفَ بالعلم والعبادة، وربى نفسه عليها في شبيبته، فلما كبر سنه، ورق عظمه، وبقي معه من عمله الشيء القليل بالنسبة له، والكثير بالنسبة لنا، وكان يتحسر على أيام شبابه أنه لم يزدد فيها من العمل، وهو من عرف بالعلم والعمل، فماذا نقول نحن الذين ضيعنا وفرطنا والله المستعان؟.
هذا الموقف لأبي إسحاق السبيعي رحمه الله تعالى: قال أبو بكر بن عياش: "رأيت أبا إسحاق السبيعي يبكي"، فقلت: "يا أبا إسحاق ما يبكيك؟" قال: "ذهبت قوتي، وذهبت الصلاة مني ما أستطيع أن أصلي قائمًا إلا بالبقرة وآل عمران" (الثقات لابن حبان [8/67]).
ختامًا: يا شباب الإسلام هبة للعمل، وعزمة من عزمات الرجال للبذل والتضحية، فكم نحن بحاجة لكم في زمن أصبح همُّ كثيرٍ من الشباب الأشكال والمناظر، والملذات والشهوات، فهبوا يا شباب الإسلام للعمل، فتعلَّموا وعلِّموا، واجتهدوا وابْذُلوا وفقكم الله لكل خير، وأعانكم على أمور دينكم ودنياكم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين.


القواعد الأربع للتغيير الإيجابي والخلوص من المشاكل

العبد معرض لصنوف من البلاء والآفات، ومعرضٌ للمشاكل والعوائق، وعندما نريد أن نستعرض المشاكل والآفات هنا فإن المقام يطول، والحصر يَصْعُب.


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فإن العبد معرض لصنوف من البلاء والآفات، ومعرضٌ للمشاكل والعوائق، وعندما نريد أن نستعرض المشاكل والآفات هنا فإن المقام يطول، والحصر يَصْعُب، وقد نتعرض لمشاكل ونُغْفِل أخرى، وقد نُوَفَّق في علاج البعض ونُخفق في الأخرى، وعند التأمل في الآفات والمشاكل، والعوارض والعوائق، تلخص لدي أن هناك قواعد أربع من سار عليها بالتدرج بين الثلاث الأولى، مع ملازمة الرابعة دومًا وفق بإذن الله تعالى للخلاص من هذه المشاكل، وكان سليمًا من هذه العوارض والآفات، وتغير تغيرًا إيجابي.

وهذه القواعد كالتالي:
القاعدة الأولى: تحديد المشكلة ومعرفة خطورتها، وهذه أول خطوة صحيحة لحل المشاكل، فبعض الناس تجد أنه من رأسه إلى أخمص قدميه مليءٌ بالمشاكل وعندما تطالبه بحل مشاكله، يجيبك: بأنه ليس لديه مشكلة أصلًا؛ فهذا لن تُحَلَّ له مشكلة؛ لأنه إلى لحظته تلك لم يحدد مشكلته، ولم يستشعر خطرها، وأنه بحاجة إلى علاج؛ فهذا نوصيه بأن يحاسب نفسه، ولو أخذ قلمًا وورقة واستعرض شريط حياته فإنه سيقع على بعض أخطائه ومشاكله، فإذا استشعر الشخص مشاكله وعرف خطورتها؛ فهذه أول خطوة على الطريق الصحيح، والتغيير الإيجابي.
مثال: إنسان لديه مشكلة (الكذب)، وهو يشكو منها، فهنا حَدَدَ المشكلة وعرفها، ثم عرف خطرها عليه، فعندها ننتقل به للقاعدة الثانية.

القاعدة الثانية: الرغبة الصادقة في حل تلك المشكلة، فإذا حدد الإنسانُ مشكلته ثم كان لديه رغبة جادة، ونية صادقة في حل تلك المشكلة كان ذلك سبيل صحيح لحل مشكلته، وتكون تلك الرغبة داخلية فلا يمكن للعبد أن يغير مابه حتى يغير ما بنفسه، يقول الله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد:11]؛ لكن بعض الناس يَعْرِف أن لديه مشكلة ومحددٌ لها، لكنه ليس لديه رغبة جادة للتغيير الإيجابي؛ فهذا لن تحل مشكلته أبدًا، إلا أن يتداركه الله برحمته؛ فمثل هذا نوصيه بأن يتعرف على خطورة ما يقع فيه، وشؤمِهِ عليه في الدنيا والآخرة، فإذا حدد الإنسان مشكلته، ثم كانت لديه الرغبة الصادقة في حل تلك المشكلة؛ فهو في الطريق الصحيح نحو التغيير الإيجابي.
تابع المثال: الشخص الذي لديه مشكلة (الكذب)، وحددها وعرف خطورتها، وكانت لديه الرغبة الصادقة في حلها، وهو جاد في التخلص منها، فهنا ننتقل به إلى القاعدة الثالثة.

القاعدة الثالثة:اتخاذ الطرق العملية المناسبة لحل تلك المشكلة، والطرق كثيرة جدًا، فإذا حدد الشخص المشكلة، وكان لديه الرغبة الصادقة في التغيير، فعليه أن يسلك الطريقة المناسبة لحل تلك المشكلة -فكل مشكلة على وجه الأرض لها حل أو حلول- والحلول تختلف باختلاف الأشخاص والأوقات، فمن الحلول: حلولٌ جذرية، وأخرى بعيدة المدى.
فإذا حدد الشخص مشكلته، ثم كانت لديه الرغبة الصادقة في التغيير، ثم وضع لنفسه الطرق العملية المناسبة لحل مشكلته فإنه سيتخلص بإذن الله تعالى من تلك المشكلة التي نغصت عليه معيشته، وضيقت عليه نفسه، وأما من لا يعرف الطرق العملية لحل مشكلته فعليه أن يستعين ببعض المصلحين، أو بعض المربين من أهل الخبرة في حلِّ مثل تلك المشاكل.
تابع المثال: الشخص الذي لديه تلك الخصلة الذميمة (الكذب)، وقد حددها، وكانت لديه الرغبة الصادقة في التغيير، فعليه سلوك الطرق العملية المناسبة لحل تلك المشكلة، ومنها على سبيل المثال فقط:
[1]- أن يعلم أن هذه الصفة الذميمة محرمة بالكتاب، والسنّة، فكيف يتعدى على حد من حدود الله تعالى؟!
[2]- التعرف على خطورة الكذب في الدنيا والآخرة، وعقوبة الكذابين، وأن مرتكبها مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، كما ذكر ذلك الذهبي في كتابه (الكبائر) في الكبيرة الرابعة عشر.
[3]- أن الكذب هو الطريق لفقد مصداقيته بين الناس، وأن الناس سيتعاملون معه على أنه شخص متلاعب، ومكَّار، ومراوغ.
[4]- أن الكذب يجعله دائمًا في مواقف محرجة مع الناس.
[5]- معرفة سبب الكذب، فقد يكون لحب الظهور، أو للتخلص من عقاب أو غير ذلك، فيتعرف على السبب ليسهل عليه بعد ذلك التخلص من تلك البلية بمعالجة السبب الموصل إليها.
[6]- تذكر الموت دائمًا، فإنه مما يهون الدنيا، ويجعل العبد من الصادقين...الخ.

القاعدة الرابعة: كثرة الدعاء، واللجوء إلى الله تعالى بأن يهديك ويسددك، ويعينك ويوفقك، وينجيك ويخلصك مما أنت فيه، فانطرح بين يدي الكريم في كل أمرٍ، صغر أم كبر، عظم عندك أم حقر، فإذا لم يكن توفيق من الله لك، فأيقن أنه لا فلاح لك ولا نجاح ولا نجاة، والله المستعان.
وختامًا: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجنبنا المعاصي والآثام، وأن يُرِيَنَا الحق حقًا ويرزقنا إتباعه، وأن يُرِيَنا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، وأسأله الهداية والثبات إنه، ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.

القواعد الأربع للتغيير الإيجابي والخلوص من المشاكل

القواعد الأربع للتغيير الإيجابي والخلوص من المشاكل

العبد معرض لصنوف من البلاء والآفات، ومعرضٌ للمشاكل والعوائق، وعندما نريد أن نستعرض المشاكل والآفات هنا فإن المقام يطول، والحصر يَصْعُب.


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فإن العبد معرض لصنوف من البلاء والآفات، ومعرضٌ للمشاكل والعوائق، وعندما نريد أن نستعرض المشاكل والآفات هنا فإن المقام يطول، والحصر يَصْعُب، وقد نتعرض لمشاكل ونُغْفِل أخرى، وقد نُوَفَّق في علاج البعض ونُخفق في الأخرى، وعند التأمل في الآفات والمشاكل، والعوارض والعوائق، تلخص لدي أن هناك قواعد أربع من سار عليها بالتدرج بين الثلاث الأولى، مع ملازمة الرابعة دومًا وفق بإذن الله تعالى للخلاص من هذه المشاكل، وكان سليمًا من هذه العوارض والآفات، وتغير تغيرًا إيجابي.

وهذه القواعد كالتالي:
القاعدة الأولى: تحديد المشكلة ومعرفة خطورتها، وهذه أول خطوة صحيحة لحل المشاكل، فبعض الناس تجد أنه من رأسه إلى أخمص قدميه مليءٌ بالمشاكل وعندما تطالبه بحل مشاكله، يجيبك: بأنه ليس لديه مشكلة أصلًا؛ فهذا لن تُحَلَّ له مشكلة؛ لأنه إلى لحظته تلك لم يحدد مشكلته، ولم يستشعر خطرها، وأنه بحاجة إلى علاج؛ فهذا نوصيه بأن يحاسب نفسه، ولو أخذ قلمًا وورقة واستعرض شريط حياته فإنه سيقع على بعض أخطائه ومشاكله، فإذا استشعر الشخص مشاكله وعرف خطورتها؛ فهذه أول خطوة على الطريق الصحيح، والتغيير الإيجابي.
مثال: إنسان لديه مشكلة (الكذب)، وهو يشكو منها، فهنا حَدَدَ المشكلة وعرفها، ثم عرف خطرها عليه، فعندها ننتقل به للقاعدة الثانية.

القاعدة الثانية: الرغبة الصادقة في حل تلك المشكلة، فإذا حدد الإنسانُ مشكلته ثم كان لديه رغبة جادة، ونية صادقة في حل تلك المشكلة كان ذلك سبيل صحيح لحل مشكلته، وتكون تلك الرغبة داخلية فلا يمكن للعبد أن يغير مابه حتى يغير ما بنفسه، يقول الله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد:11]؛ لكن بعض الناس يَعْرِف أن لديه مشكلة ومحددٌ لها، لكنه ليس لديه رغبة جادة للتغيير الإيجابي؛ فهذا لن تحل مشكلته أبدًا، إلا أن يتداركه الله برحمته؛ فمثل هذا نوصيه بأن يتعرف على خطورة ما يقع فيه، وشؤمِهِ عليه في الدنيا والآخرة، فإذا حدد الإنسان مشكلته، ثم كانت لديه الرغبة الصادقة في حل تلك المشكلة؛ فهو في الطريق الصحيح نحو التغيير الإيجابي.
تابع المثال: الشخص الذي لديه مشكلة (الكذب)، وحددها وعرف خطورتها، وكانت لديه الرغبة الصادقة في حلها، وهو جاد في التخلص منها، فهنا ننتقل به إلى القاعدة الثالثة.

القاعدة الثالثة:اتخاذ الطرق العملية المناسبة لحل تلك المشكلة، والطرق كثيرة جدًا، فإذا حدد الشخص المشكلة، وكان لديه الرغبة الصادقة في التغيير، فعليه أن يسلك الطريقة المناسبة لحل تلك المشكلة -فكل مشكلة على وجه الأرض لها حل أو حلول- والحلول تختلف باختلاف الأشخاص والأوقات، فمن الحلول: حلولٌ جذرية، وأخرى بعيدة المدى.
فإذا حدد الشخص مشكلته، ثم كانت لديه الرغبة الصادقة في التغيير، ثم وضع لنفسه الطرق العملية المناسبة لحل مشكلته فإنه سيتخلص بإذن الله تعالى من تلك المشكلة التي نغصت عليه معيشته، وضيقت عليه نفسه، وأما من لا يعرف الطرق العملية لحل مشكلته فعليه أن يستعين ببعض المصلحين، أو بعض المربين من أهل الخبرة في حلِّ مثل تلك المشاكل.
تابع المثال: الشخص الذي لديه تلك الخصلة الذميمة (الكذب)، وقد حددها، وكانت لديه الرغبة الصادقة في التغيير، فعليه سلوك الطرق العملية المناسبة لحل تلك المشكلة، ومنها على سبيل المثال فقط:
[1]- أن يعلم أن هذه الصفة الذميمة محرمة بالكتاب، والسنّة، فكيف يتعدى على حد من حدود الله تعالى؟!
[2]- التعرف على خطورة الكذب في الدنيا والآخرة، وعقوبة الكذابين، وأن مرتكبها مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، كما ذكر ذلك الذهبي في كتابه (الكبائر) في الكبيرة الرابعة عشر.
[3]- أن الكذب هو الطريق لفقد مصداقيته بين الناس، وأن الناس سيتعاملون معه على أنه شخص متلاعب، ومكَّار، ومراوغ.
[4]- أن الكذب يجعله دائمًا في مواقف محرجة مع الناس.
[5]- معرفة سبب الكذب، فقد يكون لحب الظهور، أو للتخلص من عقاب أو غير ذلك، فيتعرف على السبب ليسهل عليه بعد ذلك التخلص من تلك البلية بمعالجة السبب الموصل إليها.
[6]- تذكر الموت دائمًا، فإنه مما يهون الدنيا، ويجعل العبد من الصادقين...الخ.

القاعدة الرابعة: كثرة الدعاء، واللجوء إلى الله تعالى بأن يهديك ويسددك، ويعينك ويوفقك، وينجيك ويخلصك مما أنت فيه، فانطرح بين يدي الكريم في كل أمرٍ، صغر أم كبر، عظم عندك أم حقر، فإذا لم يكن توفيق من الله لك، فأيقن أنه لا فلاح لك ولا نجاح ولا نجاة، والله المستعان.
وختامًا: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجنبنا المعاصي والآثام، وأن يُرِيَنَا الحق حقًا ويرزقنا إتباعه، وأن يُرِيَنا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، وأسأله الهداية والثبات إنه، ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.

شمولية الدين

كم أقلقل الغرب الكافر هذا الصنف من المسلمين، ذلك الصنف الذي يسير على خطى ثابتة، ومبادئ راسخة.


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فكم يزعج الغرب الكافر ذلك المسلم اللطيف، اللين في تعامله، الواضح في قوله، الصادق في فعله، القوي في عزمه، البصير في أمره، الذي يطبق الدين بشموليته، عقد على قلبه دين ربه، فصدَّق بذلك قوله وفعله، وعمل بذلك قلبه وجوارحه، متمثلًا قول الله عز وجل: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة:85]، فلم يفرق بين آي القرآن، وكلام الرحمن، ولم يجعله عضين كما قال الله العظيم: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} [الحجر:91]. أي:أجزاء متفرقة، فيؤمنون ببعض، ويكفرون ببعض؛ بل أخذه بشموليته، وفهمه بكامله، لا يفرق بين آيه، ولا يجادل في معانيه، بل يتبع أمر الله ورسوله ولو خالف هواه، وينتهي عن نهي الله ورسوله ولو صادم نزواته، ولقسات نفسه.

هذا الصنف العزيز من أهل الإسلام حار فيه الشيطان، فاحتار فيه العدو من بني الإنسان، لأنه يسير إلى الله وهو مستشعر قول ربنا الرحمن: {وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء:141]، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج:38]. هذا الصنف معتز بربه وبدينه، فلم يهن ولم يحزن لأنه يعلم أنه هو الأعلى قال تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران:139].
هذا الصنف يعلم علم اليقين أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون:8]، ويعلم كذلك أن الذلة والصغار للمحادين لله ورسوله من الكافرين والمنافقين قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ}[المجادلة:20].
كم أقلقل الغرب الكافر هذا الصنف من المسلمين، ذلك الصنف الذي يسير على خطى ثابتة، ومبادئ راسخة، لا يتلون ولا يتبدل، ثابت في قوله، وفعله، ليس له كل حين ثوبًا، بل ثوبه أبيض ناصع، وقلبه كالمروة البيضاء، وعقله لم تشبه شائبة المادية العفنة، ولا المناصب المُنْسِيَة، ولا اللذائذ المشغلة، ثبته الله فثبت، وأعانه الله فصبر قال الله تعالى: {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ}[إبراهيم:27].
وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الصنف مثلًا بشجرة ثابتة، صامدة، قوية، باسقة، خضراء، نافعة، باقية على هيئتها ما كان فيها حياة، لا تتساقط ولا تتهاوى أمام العواصف، والرياح، بل حتى بعد موتها فهي نافعة للناس، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ». فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ ثُمَّ قَالُوا حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «هِيَ النَّخْلَةُ» (أخرجه البخاري ومسلم).
عندما يتمسك المسلم بدينه، تمسكًا ليس فيه تفريق بين شرائع الإسلام، يكون ذلك غصة في نحور أعداء الله من الكافرين والمنافقين، لأن سعيهم الحثيث ورغبتهم الأكيدة في أن نكون مثلهم كما قال الله تعالى: {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء} [النساء:89]. نحن بحاجة في هذا الزمن إلى أقوام يفهمون الدين فهمًا شموليًا، ويتعاملون مع الشريعةتعاملًا كليًا، فلا يكونوا ممن لا يأخذ من الشريعة إلا ما وافق هواه، وثبَّت له دنيها.
نحن بحاجة إلى ناصحين صابرين مخلصين لا يريدون إلا ما عند الله عز وجل، وإن ضاع مع هذا الصدق شيئًا من دنياهم، فلم يهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا، وما استكانوا، بل يعلمون أن ما عند الله خير للأبرار، قال الله تعالى: {مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء:134].
ليست المسألة أن نفهم بعض قضايا الدين، ونغفل البعض الآخر، ونطبق أجزاء، ونغفل عن أجزاء أخرى، بل الله عز وجل قد أرسل رسله بالهدى ودين الحق، ليكون مهيمنًا وظاهرًا على الأديان بشموليته قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [الصف:9]، فيكون ظاهرًا ولو كره ذلك المشركون، وتأمل قوله تعالى: {وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}، فالمشركون لن يرضوا بهذا الدين بشموليته، بل يريدون منه ما يوافقهم، ولا يصادم معتقداتهم.
فلا يمكن للدين أن يظهر إلا إذا فهم هذا الدين بشموليته علمًا وعملًا، فالهدى الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كما في الآية السابقة هو كمال العلم، ودين الحق هو كمال العمل. (كما قال شيخ الإسلام في مجموع فتاويه [2/59]). لعل ماله رميت بلغ، وما إليه قصدت وصل، فالدين كله لب، والشريعة كلها كل، ولكن أين الحاملون للواء العز، الباذلون في سبيله الغالي والرخيص.

أسأل الله أن يبرم لهذه الأمة أمرًا رشدًا يعز فيه أهل الطاعة، ويذل فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، والله أعلم وصلى الله وسلم على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

شمولية الدين

شمولية الدين

كم أقلقل الغرب الكافر هذا الصنف من المسلمين، ذلك الصنف الذي يسير على خطى ثابتة، ومبادئ راسخة.


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فكم يزعج الغرب الكافر ذلك المسلم اللطيف، اللين في تعامله، الواضح في قوله، الصادق في فعله، القوي في عزمه، البصير في أمره، الذي يطبق الدين بشموليته، عقد على قلبه دين ربه، فصدَّق بذلك قوله وفعله، وعمل بذلك قلبه وجوارحه، متمثلًا قول الله عز وجل: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة:85]، فلم يفرق بين آي القرآن، وكلام الرحمن، ولم يجعله عضين كما قال الله العظيم: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} [الحجر:91]. أي:أجزاء متفرقة، فيؤمنون ببعض، ويكفرون ببعض؛ بل أخذه بشموليته، وفهمه بكامله، لا يفرق بين آيه، ولا يجادل في معانيه، بل يتبع أمر الله ورسوله ولو خالف هواه، وينتهي عن نهي الله ورسوله ولو صادم نزواته، ولقسات نفسه.

هذا الصنف العزيز من أهل الإسلام حار فيه الشيطان، فاحتار فيه العدو من بني الإنسان، لأنه يسير إلى الله وهو مستشعر قول ربنا الرحمن: {وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء:141]، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج:38]. هذا الصنف معتز بربه وبدينه، فلم يهن ولم يحزن لأنه يعلم أنه هو الأعلى قال تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران:139].
هذا الصنف يعلم علم اليقين أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون:8]، ويعلم كذلك أن الذلة والصغار للمحادين لله ورسوله من الكافرين والمنافقين قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ}[المجادلة:20].
كم أقلقل الغرب الكافر هذا الصنف من المسلمين، ذلك الصنف الذي يسير على خطى ثابتة، ومبادئ راسخة، لا يتلون ولا يتبدل، ثابت في قوله، وفعله، ليس له كل حين ثوبًا، بل ثوبه أبيض ناصع، وقلبه كالمروة البيضاء، وعقله لم تشبه شائبة المادية العفنة، ولا المناصب المُنْسِيَة، ولا اللذائذ المشغلة، ثبته الله فثبت، وأعانه الله فصبر قال الله تعالى: {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ}[إبراهيم:27].
وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الصنف مثلًا بشجرة ثابتة، صامدة، قوية، باسقة، خضراء، نافعة، باقية على هيئتها ما كان فيها حياة، لا تتساقط ولا تتهاوى أمام العواصف، والرياح، بل حتى بعد موتها فهي نافعة للناس، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ». فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ ثُمَّ قَالُوا حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «هِيَ النَّخْلَةُ» (أخرجه البخاري ومسلم).
عندما يتمسك المسلم بدينه، تمسكًا ليس فيه تفريق بين شرائع الإسلام، يكون ذلك غصة في نحور أعداء الله من الكافرين والمنافقين، لأن سعيهم الحثيث ورغبتهم الأكيدة في أن نكون مثلهم كما قال الله تعالى: {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء} [النساء:89]. نحن بحاجة في هذا الزمن إلى أقوام يفهمون الدين فهمًا شموليًا، ويتعاملون مع الشريعةتعاملًا كليًا، فلا يكونوا ممن لا يأخذ من الشريعة إلا ما وافق هواه، وثبَّت له دنيها.
نحن بحاجة إلى ناصحين صابرين مخلصين لا يريدون إلا ما عند الله عز وجل، وإن ضاع مع هذا الصدق شيئًا من دنياهم، فلم يهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا، وما استكانوا، بل يعلمون أن ما عند الله خير للأبرار، قال الله تعالى: {مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء:134].
ليست المسألة أن نفهم بعض قضايا الدين، ونغفل البعض الآخر، ونطبق أجزاء، ونغفل عن أجزاء أخرى، بل الله عز وجل قد أرسل رسله بالهدى ودين الحق، ليكون مهيمنًا وظاهرًا على الأديان بشموليته قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [الصف:9]، فيكون ظاهرًا ولو كره ذلك المشركون، وتأمل قوله تعالى: {وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}، فالمشركون لن يرضوا بهذا الدين بشموليته، بل يريدون منه ما يوافقهم، ولا يصادم معتقداتهم.
فلا يمكن للدين أن يظهر إلا إذا فهم هذا الدين بشموليته علمًا وعملًا، فالهدى الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كما في الآية السابقة هو كمال العلم، ودين الحق هو كمال العمل. (كما قال شيخ الإسلام في مجموع فتاويه [2/59]). لعل ماله رميت بلغ، وما إليه قصدت وصل، فالدين كله لب، والشريعة كلها كل، ولكن أين الحاملون للواء العز، الباذلون في سبيله الغالي والرخيص.

أسأل الله أن يبرم لهذه الأمة أمرًا رشدًا يعز فيه أهل الطاعة، ويذل فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، والله أعلم وصلى الله وسلم على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.


عبادة الاستغفار

إن الاستغفار ينبغي أن يكون بتذلل وتضرع وانكسار، وخضوع وافتقار، وبعيون دامعة، وقلوب خاشعة، ونفوس إلى رحمة ربها وصفحه وفضله طامعة، وينبغي أن يكون معه حرارة الابتهال، والصدق في السؤال، والتضرع في الحال، والشعور بالفقر إلى المغفرة في الاستقبال.


بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم اهدني وسددني وثبتني

عبادة الاستغفار
الحمد لله الذي جعل الاستغفار للتائبين بابًا، وللمنيبين اعتذاراً، وللعابدين ذكرًا، والصلاة والسلام على خير المرسلين، وإمام المستغفرين، وقدوة الخلائق أجمعين، أعظم من دل على الله، وأرشد إليه، فصلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،
فالاستغفار هو: طلب المغفرة بالمقال والفِعَال؛ وهو لا يَصْلُح إلا لمن آلمته حرقة الذنب، وتاقت نفسه لأعمال البر، وعَلَت هِمْتُهُ لِبُلُوغ مراتب الذكر، فشمر عن ساعدي الجد، وألقى بمفاتيح الغفلة في غيابات الجب.
الاستغفار عبادة ميسورة، يُطيقها الصغيرُ والكبير، والذكرُ والأنثى، ولا يُعيق فاعلها عائق، فيَصْلُح أن يُؤتى بها في الليل والنهار، والسر والإجهار، فلا الجنابة تمنعها، ولا عذر المرأة يحجبها، من أراد فِعْلَها فهي سهلة ميسورة، ومن أراد الإتيان بها فما عليه إلا أن يحرك بها شفتيه ولسانه، وليس إمرارًا على الذهن، أو العقل، أو القلب، وإنما هي ذكرٌ لسانيٌ يطابق القلب.

فعلى المسلم وهو يستغفر بلسانه أن يحرص على حضور قلبه، فأفضل الذكر والاستغفار ما طابق فيه القلب اللسان. إن الاستغفار ينبغي أن يكون بتذلل وتضرع وانكسار، وخضوع وافتقار، وبعيون دامعة، وقلوب خاشعة، ونفوس إلى رحمة ربها وصفحه وفضله طامعة، وينبغي أن يكون معه حرارة الابتهال، والصدق في السؤال، والتضرع في الحال، والشعور بالفقر إلى المغفرة في الاستقبال.

هذه العبادة يُستحب للعبد أن يكون مُتَّصِلاً بها في الليل والنهار، وأفضل أوقاتها الأسحار، حينما ينـزل الكريم الجبار بعظمته وعزته ورحمته إلى السماء الدنيا، وينادي عباده بنداء لطيف: لنيل مصالحهم، وغفران زلاتهم، وقضاء حاجاتهم، فعَنْ أَبِي هريرةَ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:يَ «نْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» (أخرجه البخاري[1145]) .
ومن أفضل أوقاتها أيضًا عند اقتراف العبد للسيئات والأوزار، فهي دواء الذنوب، وعلاج الأوزار والسيئات، فما جُعل من داءٍ إلا له دواء عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَه، وجهله من جهله ، يقول صلى الله عليه وسلم:أ «لا أدلكم على دائكم ودوائكم، ألا إن داءكم الذنوب، ودواءكم الاستغفار». (أخرجه البيهقي في شعب الإيمان[15/180]) عن أنس رضي الله عنه.

فالاستغفار دواء ناجع، وعلاج نافع، يقشع سحب الهموم، ويزيل غيم الغموم، فهو البلسم الشافي، والدواء الكافي، وهو مكفر من مكفرات الذنوب، قال الربيع بن خثيم مرة لأصحابه: ما الداء؟ وما الدواء؟ وما الشفاء؟ قال: "الداء الذنوب، والدواء الاستغفار، والشفاء أن تتوب فلا تعود" (الزهد لأحمد بن حنبل: [ص:70]) .
إن المداومة على الاستغفار له تأثير عجيب بإذن الله تعالى في دفعِ الكروب، ومحوِ الذنوب، ونيلِ المطلوب، وإخراجِ الغل من القلوب، وتفريجِ الهموم، وإزالةِ الغموم، وشفاءِ الأسقام، وذهابِ الآلام، وحلولِ البركة، والقناعةِ بالرزق، والعاقبةِ الحميدة، وصلاحِ النفس والأهلِ والذرية، وإنزالِ الغيث، وكثرةِ المال والولد، وكسبِ الحسنات، وغيرِ ذلك من الفوائد.

جاء رجلُ إلى الحسن البصري رحمه الله تعالى يشكو إليه الجدب والقحط، فأجابه قائلاً: "استغفر الله"، ثم جاءه رجلُ آخر يشكو الحاجة والفقر، فقال له: "استغفر الله "، ثم جاءه ثالث يشكو قلة الولد، فقال له: "استغفر الله"، فعجب القوم من إجابته، حاجات مختلفة ودواء واحد، فأرشدهم بفقهه إلى الفقه الإيماني، والفهم القرآني، والهدي النبوي، وتلا قول الحق تبارك وتعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح:10-12]، (تفسير القرطبي[18/302]).
قال سفيان: دخلت على جعفر بن محمد، فقال: "إذا كثرت همومك فأكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا استبطأتالرزق فأكثر من الاستغفار، وإذا تداركت عليك النعم فأكثر حمدًا لله" (الترغيب في فضائل الأعمال وثواب ذلك لابن شاهين[1/381]).

إن للاستغفار أثر عظيم في محو الذنوب، فمهما بلغت كثرتها، وَعَظُمَ عَدُهَا فإن الاستغفار هو لها، قال صلى الله عليه وسلم: وَ «الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَمْلأَ خَطَايَاكُمْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتُمُ اللَّهَ لَغَفَرَ لَكُمْ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ لَمْ تُخْطِئُوا لَجَاءَ اللَّهُ عز وجل بِقَوْمٍ يُخْطِئُونَ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ» (أخرجه الإمام أحمد[3/238]، والحاكم في المستدرك[4/274]، والطبراني في الدعاء[1805] عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة[1951]).
وعنه أيضًا قال: سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم يقول: «قَالَ اللَّهُ: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ: لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ: إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً » (أخرجه الترمذي[3540]، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة[127]).
وقال علي رضي الله عنه: حدثني أبو بكر رضي الله عنه، وصدق أبو بكر أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلاَّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ. ثم قرأ هذه الآية: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135]» (أخرجه أحمد[1/223]، وأبو داود[1521] الترمذي[406]، وابن ماجه[1395]،وصححه الألباني [2/125]).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فمن أحس بتقصير في قوله، أو عمله، أو حاله، أو رزقه، أو تَقَلُّبِ قَلْبٍ: فعليه بالتوحيد والاستغفار، ففيهما الشِّفَاء إذا كانا بصدق وإخلاص" ( مجموع الفتاوى [11/698]).

الاستغفار يجلب السرور في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا يذهب الله به الهم، ويشرح به الصدر، يقول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَكْثَرَ مِنَ الاِسْتِغْفَارِ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ» (أخرجه الإمام أحمد[1/248]، عن ابن عباس رضي الله عنهما وفيه ضعف).
وفي الآخرة فإنه يجعل العبد في سرور وحبورٍ دائم، يقول صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن تسره صحيفته فليكثر فيها من الاستغفار» (أخرجه الطبراني في الأوسط[939]، والبيهقي في الشعب[1/440] من حديث ابن الزبير، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة[2299]).

قال عبدالعزيز بن عمر بن عبدالعزيز: "رأيت أبي في النوم بعد موته كأنه في حديقة فرفع إلي تفاحات فأولتُهن بالولد فقلت: أي الأعمال وجدت أفضل قال: الاستغفار يا بني" (المنامات لابن أبي الدنيا[ص:29]).
لقد كان الاستغفار ديدنه عليه الصلاة والسلام في كل أحيانه وأوقاته، وكان يحافظ عليه في كل أحيانه، ومجالسه، فما كان يتركه صلى الله عليه وسلم، بل كان لا يفتر لسانه منه ومن ذكر لربه عز وجل، وكان يعلم أصحابه صيغه وأوقاته، ويبين أحواله وأزمانه.
وفيما يلي سنبين صيغه وأحواله، وأماكنه وأزمانه؛ فصيغ الاستغفار الواردة في الكتاب والسنة تأتي على أنواع ثلاثة:
النوع الأول: صيغ مقيدة بحالٍ، أو زمانٍ، أو مكانٍ معينٍ.
النوع الثاني: غير مقيد بصيغة، لكنه مقيد بحالٍ، أو زمانٍ، أو مكانٍ معين، أو عددٍ.
النوع الثالث: صيغ مطلقة غير مقيدة بحالٍ، أو زمانٍ، أو مكانٍ معين.
وبيان هذه الأنواع فيما يلي:
النوع الأول: صيغ مقيدة بحالٍ، أو زمانٍ، أو مكانٍ معينٍ، فيكون ذكرها في هذا الحال، أو الزمان، أو المكان، الذي جاء النص بتقييده مستحب على التأكيد، ومن هذا النوع ما يلي:
1- سيد الاستغفار، فقد كان يقوله صلى الله عليه وسلم حين يصبح، وحين يمسي، فعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّى، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، فاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ» ثم قَالَ: «مَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهْوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهْوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» (أخرجه البخاري[5947]).

2- عند وقوع العبد في الذنب فيقول: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي" ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فِيمَا يَحْكِي عن رَبِّهِ عز وجل قَالَ: «أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ» (أخرجه مسلم[7162]).

3- وكذلك  أيضًا يقول بعد الوقوع في الذنب: "أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ"، فعن أبي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِلِصٍّ اعْتَرَفَ اعْتِرَافًا وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ». قَالَ: "بَلَى". قَالَ: «اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوهُ ثُمَّ جِيئُوا بِهِ». فَقَطَعُوهُ ثُمَّ جَاءُوا بِهِ فَقَالَ لَهُ: « قُلْ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ». فَقَالَ: "أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ". قَالَ: «اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ» ( أخرجه أحمد[5/293]، وأبو داود[4382]، والنسائي[4877]، وابن ماجه[2597]، والحديث صحيح).

4- عند الدخول والخروج من المسجد، فعن فَاطِمَةَ الْكُبْرَى قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ، وقال: «رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ». وَإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ وَقَالَ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ» (أخرجه الترمذي[314]، والحديث صحيح).

5- عند ركوب الدابة، فعن علي بن ربيعة قال: شهدتُ عَلِيًّا أُتِيَ بدابَّةٍ لِيَرْكَبَهَا، فلمَّا وَضعَ رجلَهُ في الرِّكَابِ قَالَ: "بِسْمِ اللَّهِ" ثَلاَثًا فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ" ثُمَّ قَالَ: {سُبْحَانَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ. وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} [الزخرف:من الآية13-14] ثُمَّ قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ" ثَلاَثًا، "وَاللَّهُ أَكْبَرُ" ثَلاَثًا، "سُبْحَانَكَ إِنِّي قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ". ثُمَّ ضَحِكَ. فَقُلْتُ: "مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟!" قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَنَعَ كَمَا صَنَعْتُ ثُمَّ ضَحِكَ، فَقُلْتُ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: «إِنَّ رَبَّكَ لَيَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرُكَ»" (أخرجه أحمد[1/97]، وأبو داود[2604]، والترمذي[3446]، والحديث صحيح).

6- في دعاء الاستفتاح، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ قَالَ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ؛ أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، وَاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ لاَ يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لاَ يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ» (أخرجه مسلم[1848]).

7- عند ختم سورة الفاتحة، فعن وَائِلِ بن حُجْرٍ رضي الله عنه أَنَّهُ سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حِينَ قَالَ:  {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [الفاتحة:من الآية7] ، قَالَ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي آمِينَ» (أخرجه البيهقي[2/58]، والطبراني في الكبير[15/419])، والحديث ضعيف ولا يصح العمل به، وإنما أوردته لبيان ضعفه.

8- عند الركوع، فعن عائشة رضي الله عنها أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» . يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ. (متفق عليه).

9- بين السجدتين، فعن حذيفة رضي الله عنه أَنَّهُ صَلَّى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ فَسَمِعَهُ يقول بين السجدتين: «رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي» (أخرجه أحمد[5/398]، وأبو داود[874]، والنسائي[1069]، وابن ماجه[897]، والحديث صحيح).

10- بين السجدتين في صلاة الليل، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم  يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فِي صَلاَةِ اللَّيْلِ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، وَاجْبُرْنِي، وَارْزُقْنِي، وَارْفَعْنِي» (أخرجه أحمد[1/371]، وابن ماجه [898]، والحديث صحيح).

11- في حال السجود، فعن عائشة  رضي الله عنها قَالَت: "فقدتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  فَظَنَنْتُ أَنَّهُ أَتَى بَعْضَ جَوَارِيهِ فَطَلَبْتُهُ، فَإِذَا هُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ: « رَبِّ اغْفِرْ لِي مَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ»" (صحيح النسائي[1124]).

12- في التشهد الأخير من الصلاة، فعن علي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال في آخره: ثُمَّ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ، مِنِّي أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ» (أخرجه مسلم[1848]).

13- في الصلاة، فعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم علِّمني دُعَاءً أَدْعُو به في صلاتي، قَالَ: «قُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي إِنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (أخرجه البخاري[834])؛ فيقوله في مواضع الدعاء من الصلاة.

14- وفي الصلاة  أيضًا، فعن عَجُوزٍ من بني نُمَيْرٍ أَنَّها سمعت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَوَجْهُهُ إِلَى الْبَيْتِ قالت فَحَفِظَتْ مِنْهُ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ وَجَهْلِي» (أخرجه أحمد[5/270]، والحديث صحيح لغيره).

15- إذا انصرف من صلاته، فعن ثوبان رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاَتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاَثًا، قال الوليد أحد رواة الحديث  فَقُلْتُ: لِلأَوْزَاعِيِّ: "كَيْفَ الاِسْتِغْفَارُ؟" قَالَ تَقُولُ: "أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ". (أخرجه مسلم[1362]).

16- أن يقول في الصلاة مئة مرة: "رَبِّ اغْفِرْ لِي -أو اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي- وَتُبْ عَلَىَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ"، فعن زَاذَانَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الأَنْصَارِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فى صلاة وهو يقول: «رَبِّ اغْفِرْ لِي -أَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي- وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ». مِائَةَ مَرَّةٍ. (أخرجه أحمد[5/371]، وابن أبي شيبة[10/234]، والحديث إسناده صحيح).

17- عندما يأوي المسلم إلى فراشه، فعَن أَبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «منْ قَالَ حِينَ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ. ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، غَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْر،ِ وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ وَرَقِ الشَّجَرِ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ رَمْلِ عَالِجٍ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ أَيَّامِ الدُّنْيَا» (أخرجه البيهقي[3397])، والحديث ضعيف، فلا يصح العمل به في هذا الموضع، وإنما أوردته لبيان ضعفه، وإمكانية العمل به عند الاستغفار المطلق.

18- عندما يستيقظ من الليل، فعن عائشة رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ، اللَّهُمَّ أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي، وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ، اللَّهُمَّ زِدْنِي عِلْمًا، وَلاَ تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي، وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» (أخرجه أبو داود[5063])، والحديث ضعيف، فلا يصح العمل به في هذا الموضع، وإنما أوردته لبيان ضعفه، وإمكانية العمل به عند الاستغفار المطلق.

19- عندما يَتَعَارَّ الإنسان من الليل، أي ينتبه من نومه فجأة، فيسن له أن يدعو بهذا الدعاء، فعن عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، ثُمَّ دَعَا: رَبِّ اغْفِرْ لِي، غُفِرَ لَهُ». قَالَ الْوَلِيدُ أَوْ قَال: «دَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ فَإِنْ قَامَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى قُبِلَتْ صَلاَتُهُ» (أخرجه البخاري [5947]، وأبو داود[5062] واللفظ له).

20- الاستغفار مئة مرة عند الجلوس في المجلس، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال إنْ كنَّا لَنَعُدُّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المَجْلِسِ الوَاحد مِائَةَ مَرَّةٍ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ»، وفي رواية: «إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ». مِائَةَ مَرَّةٍ. (أخرجه أحمد[2/67]، وأبو داود[1518]، والحديث صحيح).

21- في ختام المجلس عامة، فعن أبي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ بِأَخَرَةٍ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ مِنَ الْمَجْلِسِ:  «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ». فَقَالَ رَجُلٌ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ لَتَقُولُ قَوْلاً مَا كُنْتَ تَقُولُهُ فِيمَا مَضَى". قَالَ: « كَفَّارَةٌ لِمَا يَكُونُ فِي الْمَجْلِسِ» (أخرجه أحمد[4/420]، وأبو داود[4859]، والحديث صحيح).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  «مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» ( أخرجه الترمذي[3433]، والحديث صحيح).

22- عند الخروج من الخلاء، فعن عائشة رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ الْغَائِطِ قَالَ: «غُفْرَانَكَ». (أخرجه أحمد[6/155]، وأبو داود[30]، والترمذي[7]، وابن ماجه[300]، والحديث صحيح).
النوع الثاني: غير مقيد بصيغة، لكنه مقيد بحال، أو زمنٍ، أو مكانٍ معين، أو عدد، فالمشروع فيه الاستغفار بأيِّ صيغة من صيغ الاستغفار، ومنه ما يلي:
1- الاستغفار في اليوم أكثر من سبعين مرة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «وَاللَّهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِى الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» (أخرجه البخاري[6307]).

2- الاستغفار مئة عندما يشعر العبد بالغفلة، فعن أَبِي بُرْدَةَ عن الأَغَرِّ أَغَرِّ مُزَيْنَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُول: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي حَتَّى أَسْتَغْفِرَ اللَّهَ مِائَةَ مَرَّةٍ» (أخرجه مسلم[7033]).

3- الاستغفار ثلاثًا، فعن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ يَدْعُوَ ثَلاَثًا وَيَسْتَغْفِرَ ثَلاَثًا، (أخرجه أحمد [1/394]، وأبو داود[1526])، والحديث ضعيف.

4- عند السَّحَر، يقول الله تعالى: {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات:18]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» (متفق عليه).

5- عند إرادة الثبات على دين الله عز وجل، يقول الله تعالى: {فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ} [فصلت:من الآية6]، فلازمالاستقامة على أمر الله ملازمة الاستغفار لله، فإن الاستغفار سبب من أسباب الثبات على الاستقامة.

6- بعد إفاضة الحاج من عرفات، يقول الله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة:199].

7- عند طلب نزول الغيث، يقول الله تعالى على لسان هود عليه السلام: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ} [هود:52]؛ وقال تعالى على لسان نوح عليه السلام: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [نوح:10-11].

8- عند طلب الولد، وقضاء الديون، وسعة الرزق من مال وجنان، يقول الله تعالى على لسان نوح عليه السلام: فَ {قُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح:10-12]، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ أَكْثَرَ مِنَ الاِسْتِغْفَارِ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ» (أخرجه الإمام أحمد[1/248]، عن ابن عباس رضي الله عنهما وفيه ضعف).

9- عند إرادة التمتع في هذه الحياة الدنيا بالمتاع الحسن، فيتمتع بالمنافع، وسعة الرزق، والسلامة من الاستئصال بالعذاب، يقول الله تعالى: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا} [هود:من الآية3]، وقال تعالى على لسان نوح عليه السلام لما أمر قومه بالاستغفار: {وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح:من الآية12].

10- عند التوبة من الذنب، يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران:135]؛ وقال تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء:110]، وقال تعالى على لسان نوح عليه السلام:{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} [نوح:10]، ويقول صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» (أخرجه مسلم[7141]) عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ وعن علي رضي الله عنه قال: حدثني أبو بكر رضي الله عنه، وصدق أبو بكرأنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلاَّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، ثم قرأ هذه الآية: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135]» (أخرجه أحمد[1/223]، وأبو داود[1521] الترمذي[406]، وابن ماجه[1395]،وصححه الألباني [2/125]).

11- عند إرادة الأمن من العذاب، يقول الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال:33].

12- من كان به حدة في الطبع، وغلظ في القول، أو تقصير في حق الأهل والقرابة، فعن حذيفة رضي الله عنه قال: كانَ فِي لِسَانِي ذَرَبٌ عَلَى أَهْلِي أي حدة وشدة وَلَمْ يَكُنْ يَعْدُوهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «أَيْنَ أَنْتَ عَنْ الاِسْتِغْفَارِ؟ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ» (أخرجه الدارمي في مسنده[2765]، والبيهقي في الدعوات[166،146]). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "إذا وجد العبد تقصيرًا في حقوق القرابة، والأهل، والأولاد، والجيران والإخوان، فعليه بالدعاء لهم، والاستغفار" (مجموع الفتاوى[11/698]).

13- الاستغفار المطلق في كل زمان ومكان، وعلى كل حال يناسب الاستغفار، يقول الله تعالى: {وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} [هود:90]؛ وقال تعالى: {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المزمل:20].

النوع الثالث: صيغ مطلقة غير مقيدة بحالٍ، أو زمانٍ، أو مكانٍ معين؛ ومن هذه الصيغ ما يلي:
1- عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي كُلِّهِ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ وَعَمْدِي وَجَهْلِي وَهَزْلِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»، (متفق عليه).

2- عن زيد مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:  «مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ» (أخرجه أبو داود[1519]، وأخرجه الترمذي[3577]، والحديث صحيح).

3- عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ من قَول: «سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ» ؛ قالت: فقلت: "يا رسول الله أراك تُكثر من قول: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ"، فَقَالَ: «خَبَّرَنِي رَبِّي أَنِّي سَأَرَى عَلاَمَةً فِي أُمَّتِي فَإِذَا رَأَيْتُهَا أَكْثَرْتُ مِنْ قَوْلِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ. فَقَدْ رَأَيْتُهَا: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} فتح مكة  {وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر1-3] » (أخرجه مسلم[1116]).

4- عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَاهْدِنِي لِلطَّرِيقِ الأَقْوَمِ»، وفي رواية عنها بلفظ: «رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَاهْدِنِي السَّبِيلَ الأَقْوَمَ» (أخرجه أحمد[6/303]،[6/315]، والحديث ضعيف).
ومما سبق يتبين صيغ الاستغفار الواردة في الكتاب والسنة، وبيان أوقاتها وأحوالها وأزمانها؛ وبعد هذا البيان فللمكلف أن يستغفر ربه بما ورد تقييده بوقت أو مكان أو حال على أنه ذكر مطلق، أو استغفار عام فهذا لا حرج فيه، شريطة أن يقصد به الاستغفار المطلق لا المقيد.

مسألة:
انتشر بين الناس في هذه الأيام أن بعضهم يستغفر بنية معينة، لتحقيق أمر ما، كمن يريد الرزق مثلاً فإنه يستغفر الله بنية الرزق، وكذا من يريد الذرية فإنه يُكثر من الاستغفار بنية الذرية، فهل يجوز له ذلك؟
فالقول في ذلك والله تعالى أعلم أن هذا الأمر لا بأس به، فقد جاء في قول الله تعالى في سورة نبي الله نوح: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح:10-12].
فالآية فيها دلالة على أن الاستغفار بنية الرزق سواءً مطرًا، أو ولدًا، أو حصول الخيرات ونحوه واقع وموعود به، وبهذا أجاب الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى ذلك الرجل الذي جاءه يشكو الجدب والقحط، فأجابه قائلاً: "استغفر الله"، ثم جاءه رجلُ آخر يشكو الحاجة والفقر، فقال له:"استغفر الله"، ثم جاءه ثالث يشكو قلة الولد، فقال له: "استغفر الله"، فعجب القوم من إجابته، حاجات مختلفة ودواء واحد، فأرشدهم بفقهه إلى الفقه الإيماني، والفهم القرآني، والهدي النبوي، وتلا قول الحق تبارك وتعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح:10-12]، (تفسير القرطبي[18/302] بتصرف). وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ أَكْثَرَ مِنَ الاِسْتِغْفَارِ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ» (أخرجه الإمام أحمد[1/248] عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه ضعف).

والمفهوم من هذه النصوص وأمثالها أن الاستغفار وسيلة من الوسائل التي يمكن للعبد أن يستعملها لتحقيق مطلوبه من إنزال المطر، واستجلاب الرزق، والذرية، والقوة، وحصول مغفرة الذنوب، وتفريج الكروب، والخروج من الهموم.
وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يُكثر من الاستغفار إذا أشكلتْ عليه مسألة، يقول رحمه الله تعالى: "إنه ليقف خاطري في المسألة والشيء، أو الحالة التي تُشْكِل عليّ فأستغفر الله تعالى ألف مرة أو أكثر أو أقل حتى ينشرح الصدر، ويَنْحَلّ إشْكال ما أشْكَل" (ابن تيمية بطل الإصلاح الديني[ص:17] بتصرف) .
لكن: هل لمن استغفر بقصد دنيوي أجر عند الله تعالى، أم هو ممن استعجل الدنيا كما قال تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ . أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}  [هود:15-16]؟
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "من عمل صالحاً التماس الدنيا لا يعمله إلا لالتماس الدنيا فلا يوفى إلا في الدنيا، والذي التمس في الدنيا من المثوبة فهو في الآخرة من الخاسرين" أ.هـ (تفسير ابن كثير[2/577] بتصرف).
فهذا يدل على أن الإنسان إذا عمل عملاً صالحاً أراد به الدنيا فقط، ولم يقصد به ثواب الآخرة أنه لا ثواب له في الآخرة، وأما إن قصد به ثواب الآخرة فقط، أو ثواب الآخرة وحصول المقصود في الدنيا فإنه يثاب على ذلك. والله تعالى أعلم.
أسأل الله أن يجعلنا له من المستغفرين المنيبين، ومن الذاكرين الشاكرين، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم

عبادة الاستغفار

عبادة الاستغفار

إن الاستغفار ينبغي أن يكون بتذلل وتضرع وانكسار، وخضوع وافتقار، وبعيون دامعة، وقلوب خاشعة، ونفوس إلى رحمة ربها وصفحه وفضله طامعة، وينبغي أن يكون معه حرارة الابتهال، والصدق في السؤال، والتضرع في الحال، والشعور بالفقر إلى المغفرة في الاستقبال.


بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم اهدني وسددني وثبتني

عبادة الاستغفار
الحمد لله الذي جعل الاستغفار للتائبين بابًا، وللمنيبين اعتذاراً، وللعابدين ذكرًا، والصلاة والسلام على خير المرسلين، وإمام المستغفرين، وقدوة الخلائق أجمعين، أعظم من دل على الله، وأرشد إليه، فصلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،
فالاستغفار هو: طلب المغفرة بالمقال والفِعَال؛ وهو لا يَصْلُح إلا لمن آلمته حرقة الذنب، وتاقت نفسه لأعمال البر، وعَلَت هِمْتُهُ لِبُلُوغ مراتب الذكر، فشمر عن ساعدي الجد، وألقى بمفاتيح الغفلة في غيابات الجب.
الاستغفار عبادة ميسورة، يُطيقها الصغيرُ والكبير، والذكرُ والأنثى، ولا يُعيق فاعلها عائق، فيَصْلُح أن يُؤتى بها في الليل والنهار، والسر والإجهار، فلا الجنابة تمنعها، ولا عذر المرأة يحجبها، من أراد فِعْلَها فهي سهلة ميسورة، ومن أراد الإتيان بها فما عليه إلا أن يحرك بها شفتيه ولسانه، وليس إمرارًا على الذهن، أو العقل، أو القلب، وإنما هي ذكرٌ لسانيٌ يطابق القلب.

فعلى المسلم وهو يستغفر بلسانه أن يحرص على حضور قلبه، فأفضل الذكر والاستغفار ما طابق فيه القلب اللسان. إن الاستغفار ينبغي أن يكون بتذلل وتضرع وانكسار، وخضوع وافتقار، وبعيون دامعة، وقلوب خاشعة، ونفوس إلى رحمة ربها وصفحه وفضله طامعة، وينبغي أن يكون معه حرارة الابتهال، والصدق في السؤال، والتضرع في الحال، والشعور بالفقر إلى المغفرة في الاستقبال.

هذه العبادة يُستحب للعبد أن يكون مُتَّصِلاً بها في الليل والنهار، وأفضل أوقاتها الأسحار، حينما ينـزل الكريم الجبار بعظمته وعزته ورحمته إلى السماء الدنيا، وينادي عباده بنداء لطيف: لنيل مصالحهم، وغفران زلاتهم، وقضاء حاجاتهم، فعَنْ أَبِي هريرةَ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:يَ «نْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» (أخرجه البخاري[1145]) .
ومن أفضل أوقاتها أيضًا عند اقتراف العبد للسيئات والأوزار، فهي دواء الذنوب، وعلاج الأوزار والسيئات، فما جُعل من داءٍ إلا له دواء عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَه، وجهله من جهله ، يقول صلى الله عليه وسلم:أ «لا أدلكم على دائكم ودوائكم، ألا إن داءكم الذنوب، ودواءكم الاستغفار». (أخرجه البيهقي في شعب الإيمان[15/180]) عن أنس رضي الله عنه.

فالاستغفار دواء ناجع، وعلاج نافع، يقشع سحب الهموم، ويزيل غيم الغموم، فهو البلسم الشافي، والدواء الكافي، وهو مكفر من مكفرات الذنوب، قال الربيع بن خثيم مرة لأصحابه: ما الداء؟ وما الدواء؟ وما الشفاء؟ قال: "الداء الذنوب، والدواء الاستغفار، والشفاء أن تتوب فلا تعود" (الزهد لأحمد بن حنبل: [ص:70]) .
إن المداومة على الاستغفار له تأثير عجيب بإذن الله تعالى في دفعِ الكروب، ومحوِ الذنوب، ونيلِ المطلوب، وإخراجِ الغل من القلوب، وتفريجِ الهموم، وإزالةِ الغموم، وشفاءِ الأسقام، وذهابِ الآلام، وحلولِ البركة، والقناعةِ بالرزق، والعاقبةِ الحميدة، وصلاحِ النفس والأهلِ والذرية، وإنزالِ الغيث، وكثرةِ المال والولد، وكسبِ الحسنات، وغيرِ ذلك من الفوائد.

جاء رجلُ إلى الحسن البصري رحمه الله تعالى يشكو إليه الجدب والقحط، فأجابه قائلاً: "استغفر الله"، ثم جاءه رجلُ آخر يشكو الحاجة والفقر، فقال له: "استغفر الله "، ثم جاءه ثالث يشكو قلة الولد، فقال له: "استغفر الله"، فعجب القوم من إجابته، حاجات مختلفة ودواء واحد، فأرشدهم بفقهه إلى الفقه الإيماني، والفهم القرآني، والهدي النبوي، وتلا قول الحق تبارك وتعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح:10-12]، (تفسير القرطبي[18/302]).
قال سفيان: دخلت على جعفر بن محمد، فقال: "إذا كثرت همومك فأكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا استبطأتالرزق فأكثر من الاستغفار، وإذا تداركت عليك النعم فأكثر حمدًا لله" (الترغيب في فضائل الأعمال وثواب ذلك لابن شاهين[1/381]).

إن للاستغفار أثر عظيم في محو الذنوب، فمهما بلغت كثرتها، وَعَظُمَ عَدُهَا فإن الاستغفار هو لها، قال صلى الله عليه وسلم: وَ «الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَمْلأَ خَطَايَاكُمْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتُمُ اللَّهَ لَغَفَرَ لَكُمْ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ لَمْ تُخْطِئُوا لَجَاءَ اللَّهُ عز وجل بِقَوْمٍ يُخْطِئُونَ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ» (أخرجه الإمام أحمد[3/238]، والحاكم في المستدرك[4/274]، والطبراني في الدعاء[1805] عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة[1951]).
وعنه أيضًا قال: سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم يقول: «قَالَ اللَّهُ: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ: لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ: إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً » (أخرجه الترمذي[3540]، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة[127]).
وقال علي رضي الله عنه: حدثني أبو بكر رضي الله عنه، وصدق أبو بكر أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلاَّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ. ثم قرأ هذه الآية: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135]» (أخرجه أحمد[1/223]، وأبو داود[1521] الترمذي[406]، وابن ماجه[1395]،وصححه الألباني [2/125]).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فمن أحس بتقصير في قوله، أو عمله، أو حاله، أو رزقه، أو تَقَلُّبِ قَلْبٍ: فعليه بالتوحيد والاستغفار، ففيهما الشِّفَاء إذا كانا بصدق وإخلاص" ( مجموع الفتاوى [11/698]).

الاستغفار يجلب السرور في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا يذهب الله به الهم، ويشرح به الصدر، يقول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَكْثَرَ مِنَ الاِسْتِغْفَارِ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ» (أخرجه الإمام أحمد[1/248]، عن ابن عباس رضي الله عنهما وفيه ضعف).
وفي الآخرة فإنه يجعل العبد في سرور وحبورٍ دائم، يقول صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن تسره صحيفته فليكثر فيها من الاستغفار» (أخرجه الطبراني في الأوسط[939]، والبيهقي في الشعب[1/440] من حديث ابن الزبير، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة[2299]).

قال عبدالعزيز بن عمر بن عبدالعزيز: "رأيت أبي في النوم بعد موته كأنه في حديقة فرفع إلي تفاحات فأولتُهن بالولد فقلت: أي الأعمال وجدت أفضل قال: الاستغفار يا بني" (المنامات لابن أبي الدنيا[ص:29]).
لقد كان الاستغفار ديدنه عليه الصلاة والسلام في كل أحيانه وأوقاته، وكان يحافظ عليه في كل أحيانه، ومجالسه، فما كان يتركه صلى الله عليه وسلم، بل كان لا يفتر لسانه منه ومن ذكر لربه عز وجل، وكان يعلم أصحابه صيغه وأوقاته، ويبين أحواله وأزمانه.
وفيما يلي سنبين صيغه وأحواله، وأماكنه وأزمانه؛ فصيغ الاستغفار الواردة في الكتاب والسنة تأتي على أنواع ثلاثة:
النوع الأول: صيغ مقيدة بحالٍ، أو زمانٍ، أو مكانٍ معينٍ.
النوع الثاني: غير مقيد بصيغة، لكنه مقيد بحالٍ، أو زمانٍ، أو مكانٍ معين، أو عددٍ.
النوع الثالث: صيغ مطلقة غير مقيدة بحالٍ، أو زمانٍ، أو مكانٍ معين.
وبيان هذه الأنواع فيما يلي:
النوع الأول: صيغ مقيدة بحالٍ، أو زمانٍ، أو مكانٍ معينٍ، فيكون ذكرها في هذا الحال، أو الزمان، أو المكان، الذي جاء النص بتقييده مستحب على التأكيد، ومن هذا النوع ما يلي:
1- سيد الاستغفار، فقد كان يقوله صلى الله عليه وسلم حين يصبح، وحين يمسي، فعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّى، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، فاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ» ثم قَالَ: «مَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهْوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهْوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» (أخرجه البخاري[5947]).

2- عند وقوع العبد في الذنب فيقول: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي" ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فِيمَا يَحْكِي عن رَبِّهِ عز وجل قَالَ: «أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ» (أخرجه مسلم[7162]).

3- وكذلك  أيضًا يقول بعد الوقوع في الذنب: "أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ"، فعن أبي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِلِصٍّ اعْتَرَفَ اعْتِرَافًا وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ». قَالَ: "بَلَى". قَالَ: «اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوهُ ثُمَّ جِيئُوا بِهِ». فَقَطَعُوهُ ثُمَّ جَاءُوا بِهِ فَقَالَ لَهُ: « قُلْ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ». فَقَالَ: "أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ". قَالَ: «اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ» ( أخرجه أحمد[5/293]، وأبو داود[4382]، والنسائي[4877]، وابن ماجه[2597]، والحديث صحيح).

4- عند الدخول والخروج من المسجد، فعن فَاطِمَةَ الْكُبْرَى قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ، وقال: «رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ». وَإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ وَقَالَ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ» (أخرجه الترمذي[314]، والحديث صحيح).

5- عند ركوب الدابة، فعن علي بن ربيعة قال: شهدتُ عَلِيًّا أُتِيَ بدابَّةٍ لِيَرْكَبَهَا، فلمَّا وَضعَ رجلَهُ في الرِّكَابِ قَالَ: "بِسْمِ اللَّهِ" ثَلاَثًا فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ" ثُمَّ قَالَ: {سُبْحَانَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ. وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} [الزخرف:من الآية13-14] ثُمَّ قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ" ثَلاَثًا، "وَاللَّهُ أَكْبَرُ" ثَلاَثًا، "سُبْحَانَكَ إِنِّي قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ". ثُمَّ ضَحِكَ. فَقُلْتُ: "مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟!" قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَنَعَ كَمَا صَنَعْتُ ثُمَّ ضَحِكَ، فَقُلْتُ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: «إِنَّ رَبَّكَ لَيَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرُكَ»" (أخرجه أحمد[1/97]، وأبو داود[2604]، والترمذي[3446]، والحديث صحيح).

6- في دعاء الاستفتاح، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ قَالَ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ؛ أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، وَاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ لاَ يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لاَ يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ» (أخرجه مسلم[1848]).

7- عند ختم سورة الفاتحة، فعن وَائِلِ بن حُجْرٍ رضي الله عنه أَنَّهُ سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حِينَ قَالَ:  {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [الفاتحة:من الآية7] ، قَالَ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي آمِينَ» (أخرجه البيهقي[2/58]، والطبراني في الكبير[15/419])، والحديث ضعيف ولا يصح العمل به، وإنما أوردته لبيان ضعفه.

8- عند الركوع، فعن عائشة رضي الله عنها أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» . يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ. (متفق عليه).

9- بين السجدتين، فعن حذيفة رضي الله عنه أَنَّهُ صَلَّى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ فَسَمِعَهُ يقول بين السجدتين: «رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي» (أخرجه أحمد[5/398]، وأبو داود[874]، والنسائي[1069]، وابن ماجه[897]، والحديث صحيح).

10- بين السجدتين في صلاة الليل، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم  يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فِي صَلاَةِ اللَّيْلِ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، وَاجْبُرْنِي، وَارْزُقْنِي، وَارْفَعْنِي» (أخرجه أحمد[1/371]، وابن ماجه [898]، والحديث صحيح).

11- في حال السجود، فعن عائشة  رضي الله عنها قَالَت: "فقدتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  فَظَنَنْتُ أَنَّهُ أَتَى بَعْضَ جَوَارِيهِ فَطَلَبْتُهُ، فَإِذَا هُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ: « رَبِّ اغْفِرْ لِي مَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ»" (صحيح النسائي[1124]).

12- في التشهد الأخير من الصلاة، فعن علي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال في آخره: ثُمَّ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ، مِنِّي أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ» (أخرجه مسلم[1848]).

13- في الصلاة، فعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم علِّمني دُعَاءً أَدْعُو به في صلاتي، قَالَ: «قُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي إِنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (أخرجه البخاري[834])؛ فيقوله في مواضع الدعاء من الصلاة.

14- وفي الصلاة  أيضًا، فعن عَجُوزٍ من بني نُمَيْرٍ أَنَّها سمعت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَوَجْهُهُ إِلَى الْبَيْتِ قالت فَحَفِظَتْ مِنْهُ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ وَجَهْلِي» (أخرجه أحمد[5/270]، والحديث صحيح لغيره).

15- إذا انصرف من صلاته، فعن ثوبان رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاَتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاَثًا، قال الوليد أحد رواة الحديث  فَقُلْتُ: لِلأَوْزَاعِيِّ: "كَيْفَ الاِسْتِغْفَارُ؟" قَالَ تَقُولُ: "أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ". (أخرجه مسلم[1362]).

16- أن يقول في الصلاة مئة مرة: "رَبِّ اغْفِرْ لِي -أو اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي- وَتُبْ عَلَىَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ"، فعن زَاذَانَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الأَنْصَارِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فى صلاة وهو يقول: «رَبِّ اغْفِرْ لِي -أَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي- وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ». مِائَةَ مَرَّةٍ. (أخرجه أحمد[5/371]، وابن أبي شيبة[10/234]، والحديث إسناده صحيح).

17- عندما يأوي المسلم إلى فراشه، فعَن أَبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «منْ قَالَ حِينَ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ. ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، غَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْر،ِ وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ وَرَقِ الشَّجَرِ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ رَمْلِ عَالِجٍ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ أَيَّامِ الدُّنْيَا» (أخرجه البيهقي[3397])، والحديث ضعيف، فلا يصح العمل به في هذا الموضع، وإنما أوردته لبيان ضعفه، وإمكانية العمل به عند الاستغفار المطلق.

18- عندما يستيقظ من الليل، فعن عائشة رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ، اللَّهُمَّ أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي، وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ، اللَّهُمَّ زِدْنِي عِلْمًا، وَلاَ تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي، وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» (أخرجه أبو داود[5063])، والحديث ضعيف، فلا يصح العمل به في هذا الموضع، وإنما أوردته لبيان ضعفه، وإمكانية العمل به عند الاستغفار المطلق.

19- عندما يَتَعَارَّ الإنسان من الليل، أي ينتبه من نومه فجأة، فيسن له أن يدعو بهذا الدعاء، فعن عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، ثُمَّ دَعَا: رَبِّ اغْفِرْ لِي، غُفِرَ لَهُ». قَالَ الْوَلِيدُ أَوْ قَال: «دَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ فَإِنْ قَامَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى قُبِلَتْ صَلاَتُهُ» (أخرجه البخاري [5947]، وأبو داود[5062] واللفظ له).

20- الاستغفار مئة مرة عند الجلوس في المجلس، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال إنْ كنَّا لَنَعُدُّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المَجْلِسِ الوَاحد مِائَةَ مَرَّةٍ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ»، وفي رواية: «إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ». مِائَةَ مَرَّةٍ. (أخرجه أحمد[2/67]، وأبو داود[1518]، والحديث صحيح).

21- في ختام المجلس عامة، فعن أبي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ بِأَخَرَةٍ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ مِنَ الْمَجْلِسِ:  «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ». فَقَالَ رَجُلٌ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ لَتَقُولُ قَوْلاً مَا كُنْتَ تَقُولُهُ فِيمَا مَضَى". قَالَ: « كَفَّارَةٌ لِمَا يَكُونُ فِي الْمَجْلِسِ» (أخرجه أحمد[4/420]، وأبو داود[4859]، والحديث صحيح).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  «مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» ( أخرجه الترمذي[3433]، والحديث صحيح).

22- عند الخروج من الخلاء، فعن عائشة رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ الْغَائِطِ قَالَ: «غُفْرَانَكَ». (أخرجه أحمد[6/155]، وأبو داود[30]، والترمذي[7]، وابن ماجه[300]، والحديث صحيح).
النوع الثاني: غير مقيد بصيغة، لكنه مقيد بحال، أو زمنٍ، أو مكانٍ معين، أو عدد، فالمشروع فيه الاستغفار بأيِّ صيغة من صيغ الاستغفار، ومنه ما يلي:
1- الاستغفار في اليوم أكثر من سبعين مرة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «وَاللَّهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِى الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» (أخرجه البخاري[6307]).

2- الاستغفار مئة عندما يشعر العبد بالغفلة، فعن أَبِي بُرْدَةَ عن الأَغَرِّ أَغَرِّ مُزَيْنَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُول: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي حَتَّى أَسْتَغْفِرَ اللَّهَ مِائَةَ مَرَّةٍ» (أخرجه مسلم[7033]).

3- الاستغفار ثلاثًا، فعن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ يَدْعُوَ ثَلاَثًا وَيَسْتَغْفِرَ ثَلاَثًا، (أخرجه أحمد [1/394]، وأبو داود[1526])، والحديث ضعيف.

4- عند السَّحَر، يقول الله تعالى: {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات:18]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» (متفق عليه).

5- عند إرادة الثبات على دين الله عز وجل، يقول الله تعالى: {فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ} [فصلت:من الآية6]، فلازمالاستقامة على أمر الله ملازمة الاستغفار لله، فإن الاستغفار سبب من أسباب الثبات على الاستقامة.

6- بعد إفاضة الحاج من عرفات، يقول الله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة:199].

7- عند طلب نزول الغيث، يقول الله تعالى على لسان هود عليه السلام: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ} [هود:52]؛ وقال تعالى على لسان نوح عليه السلام: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [نوح:10-11].

8- عند طلب الولد، وقضاء الديون، وسعة الرزق من مال وجنان، يقول الله تعالى على لسان نوح عليه السلام: فَ {قُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح:10-12]، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ أَكْثَرَ مِنَ الاِسْتِغْفَارِ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ» (أخرجه الإمام أحمد[1/248]، عن ابن عباس رضي الله عنهما وفيه ضعف).

9- عند إرادة التمتع في هذه الحياة الدنيا بالمتاع الحسن، فيتمتع بالمنافع، وسعة الرزق، والسلامة من الاستئصال بالعذاب، يقول الله تعالى: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا} [هود:من الآية3]، وقال تعالى على لسان نوح عليه السلام لما أمر قومه بالاستغفار: {وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح:من الآية12].

10- عند التوبة من الذنب، يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران:135]؛ وقال تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء:110]، وقال تعالى على لسان نوح عليه السلام:{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} [نوح:10]، ويقول صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» (أخرجه مسلم[7141]) عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ وعن علي رضي الله عنه قال: حدثني أبو بكر رضي الله عنه، وصدق أبو بكرأنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلاَّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، ثم قرأ هذه الآية: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135]» (أخرجه أحمد[1/223]، وأبو داود[1521] الترمذي[406]، وابن ماجه[1395]،وصححه الألباني [2/125]).

11- عند إرادة الأمن من العذاب، يقول الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال:33].

12- من كان به حدة في الطبع، وغلظ في القول، أو تقصير في حق الأهل والقرابة، فعن حذيفة رضي الله عنه قال: كانَ فِي لِسَانِي ذَرَبٌ عَلَى أَهْلِي أي حدة وشدة وَلَمْ يَكُنْ يَعْدُوهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «أَيْنَ أَنْتَ عَنْ الاِسْتِغْفَارِ؟ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ» (أخرجه الدارمي في مسنده[2765]، والبيهقي في الدعوات[166،146]). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "إذا وجد العبد تقصيرًا في حقوق القرابة، والأهل، والأولاد، والجيران والإخوان، فعليه بالدعاء لهم، والاستغفار" (مجموع الفتاوى[11/698]).

13- الاستغفار المطلق في كل زمان ومكان، وعلى كل حال يناسب الاستغفار، يقول الله تعالى: {وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} [هود:90]؛ وقال تعالى: {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المزمل:20].

النوع الثالث: صيغ مطلقة غير مقيدة بحالٍ، أو زمانٍ، أو مكانٍ معين؛ ومن هذه الصيغ ما يلي:
1- عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي كُلِّهِ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ وَعَمْدِي وَجَهْلِي وَهَزْلِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»، (متفق عليه).

2- عن زيد مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:  «مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ» (أخرجه أبو داود[1519]، وأخرجه الترمذي[3577]، والحديث صحيح).

3- عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ من قَول: «سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ» ؛ قالت: فقلت: "يا رسول الله أراك تُكثر من قول: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ"، فَقَالَ: «خَبَّرَنِي رَبِّي أَنِّي سَأَرَى عَلاَمَةً فِي أُمَّتِي فَإِذَا رَأَيْتُهَا أَكْثَرْتُ مِنْ قَوْلِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ. فَقَدْ رَأَيْتُهَا: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} فتح مكة  {وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر1-3] » (أخرجه مسلم[1116]).

4- عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَاهْدِنِي لِلطَّرِيقِ الأَقْوَمِ»، وفي رواية عنها بلفظ: «رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَاهْدِنِي السَّبِيلَ الأَقْوَمَ» (أخرجه أحمد[6/303]،[6/315]، والحديث ضعيف).
ومما سبق يتبين صيغ الاستغفار الواردة في الكتاب والسنة، وبيان أوقاتها وأحوالها وأزمانها؛ وبعد هذا البيان فللمكلف أن يستغفر ربه بما ورد تقييده بوقت أو مكان أو حال على أنه ذكر مطلق، أو استغفار عام فهذا لا حرج فيه، شريطة أن يقصد به الاستغفار المطلق لا المقيد.

مسألة:
انتشر بين الناس في هذه الأيام أن بعضهم يستغفر بنية معينة، لتحقيق أمر ما، كمن يريد الرزق مثلاً فإنه يستغفر الله بنية الرزق، وكذا من يريد الذرية فإنه يُكثر من الاستغفار بنية الذرية، فهل يجوز له ذلك؟
فالقول في ذلك والله تعالى أعلم أن هذا الأمر لا بأس به، فقد جاء في قول الله تعالى في سورة نبي الله نوح: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح:10-12].
فالآية فيها دلالة على أن الاستغفار بنية الرزق سواءً مطرًا، أو ولدًا، أو حصول الخيرات ونحوه واقع وموعود به، وبهذا أجاب الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى ذلك الرجل الذي جاءه يشكو الجدب والقحط، فأجابه قائلاً: "استغفر الله"، ثم جاءه رجلُ آخر يشكو الحاجة والفقر، فقال له:"استغفر الله"، ثم جاءه ثالث يشكو قلة الولد، فقال له: "استغفر الله"، فعجب القوم من إجابته، حاجات مختلفة ودواء واحد، فأرشدهم بفقهه إلى الفقه الإيماني، والفهم القرآني، والهدي النبوي، وتلا قول الحق تبارك وتعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح:10-12]، (تفسير القرطبي[18/302] بتصرف). وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ أَكْثَرَ مِنَ الاِسْتِغْفَارِ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ» (أخرجه الإمام أحمد[1/248] عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه ضعف).

والمفهوم من هذه النصوص وأمثالها أن الاستغفار وسيلة من الوسائل التي يمكن للعبد أن يستعملها لتحقيق مطلوبه من إنزال المطر، واستجلاب الرزق، والذرية، والقوة، وحصول مغفرة الذنوب، وتفريج الكروب، والخروج من الهموم.
وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يُكثر من الاستغفار إذا أشكلتْ عليه مسألة، يقول رحمه الله تعالى: "إنه ليقف خاطري في المسألة والشيء، أو الحالة التي تُشْكِل عليّ فأستغفر الله تعالى ألف مرة أو أكثر أو أقل حتى ينشرح الصدر، ويَنْحَلّ إشْكال ما أشْكَل" (ابن تيمية بطل الإصلاح الديني[ص:17] بتصرف) .
لكن: هل لمن استغفر بقصد دنيوي أجر عند الله تعالى، أم هو ممن استعجل الدنيا كما قال تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ . أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}  [هود:15-16]؟
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "من عمل صالحاً التماس الدنيا لا يعمله إلا لالتماس الدنيا فلا يوفى إلا في الدنيا، والذي التمس في الدنيا من المثوبة فهو في الآخرة من الخاسرين" أ.هـ (تفسير ابن كثير[2/577] بتصرف).
فهذا يدل على أن الإنسان إذا عمل عملاً صالحاً أراد به الدنيا فقط، ولم يقصد به ثواب الآخرة أنه لا ثواب له في الآخرة، وأما إن قصد به ثواب الآخرة فقط، أو ثواب الآخرة وحصول المقصود في الدنيا فإنه يثاب على ذلك. والله تعالى أعلم.
أسأل الله أن يجعلنا له من المستغفرين المنيبين، ومن الذاكرين الشاكرين، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم


سَبْعُ رَسَائِلَ لأَهْلِ الرَّسَائِل

نعيش هذه الأيام قوة في التواصل لم يشهدها العالم من قبل، فوسائل الاتصالات بلغت ذروتها، والتقنية بلغت أَوجَهَا.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فإننا نعيش هذه الأيام قوة في التواصل لم يشهدها العالم من قبل، فوسائل الاتصالات بلغت ذروتها، والتقنية بلغت أَوجَهَا، ومن ذلك التواصل عن طريق الرسائل الالكترونية، إما عن طريق الهاتف المحمول، أو عن طريق شبكة المعلومات (الإنترنت) بما يسمى البريد الإلكتروني، فأدى ذلك إلى سهولة التواصل بين الأفراد والمؤسسات، وأصبح الناس يتواصلون من خلال هذه الخدمات الجليلة.
وقد انتشرت بين الناس الرسائل الالكترونية إما عن طريق الأفراد أو عن طريق المجموعات البريدية، وأصبح كثير من الناس ليس له عمل إلا استقبال هذه الرسائل وإعادة توجيهها بغثها وسمينها، وعُجْرِهَا وبُجْرِهَا، والتفنن في ذلك. وعندما كنت أتأمل مثل هذا العمل أحببت أن أشارك برسائل لأهل الرسائل لعلهم ينتفعون بها، ويستفيدوا من هذه الخدمة الجليلة على ما ينبغي الإفادة منها، فأرسلت سَبْعَ رسائل لأهل الرسائل:
الرسالة الأولى:
لماذا ترسل؟
وهذا سؤال في غاية الأهمية، فلابد أن تسأل نفسك قبل أن ترسل أي رسالة بريدية، أو غيرها. فلماذا ترسل؟ وما هي الفائدة المرجوة من هذه الرسالة؟ هل الفائدة إشباع رغبة؟ أم ضياع وقت؟ أم نصح وإرشاد؟ أم تواصل واطمئنان؟ أم بيع وشراء؟ أم غير ذلك؟
فيا أخي المرسل: أعدد للسؤال جوابًا، وللجواب صوابًا.
 
الرسالة الثانية:
ماذا ترسل؟
ما المادة التي سترسلها هل هي مقالات وبحوث علمية، أم صور ومقاطع مرئية، أم خواطر وتأملات، أم عقود ومعاملات. ولتعلم أن أي رسالة ترسلها فهي إما لك أو عليك، أو لا لك ولا عليك.
فيا أخي المرسل: أعدد للسؤال جوابًا، وللجواب صوابًا.
 
الرسالة الثالثة:
لمن ترسل؟
من الأشخاص الذين ترسل إليهم هذه الرسالة، وما جنسهم؟ وهل هذه الرسالة تناسبهم وتفيدهم، أم هي تشارك في ضياع أوقاتهم ودينهم؟! فيكون إرسالك لهم مما يحمد أم مما يُذَمُّ شرعًا وعقلًا، وستسأل عنه.
فيا أخي المرسل: أعدد للسؤال جوابًا، وللجواب صوابًا.
 
الرسالة الرابعة:
ما مصدرك؟
وهي الطريقة التي من خلالها تتلقى رسائلك، هل هي من أناس تعرفهم، أم من مجهول، فإن كانت ممن تعرفهم فحسن، وإلا تتثبت منه، وأما الرسائل التي من مجهول فلا يجوز نشرها إلا بعد التثبت منها ومن خُبْرِهَا وخَبَرِهَا، أما إلقاؤها على الناس بغثها وسمينها، فيخشى من تحمل تبعتها، وما يترتب عليها من المفاسد والمضار، بل قد تتحمل ما هو أعظم من ذلك السيئة وجرمها الذي تتحمله عن كل من قرأ هذه الرسالة عن طريقك؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» (أخرجه مسلم [1017]) من حديث جرير رضي الله عنه.
فيا أخي المرسل: أعدد للسؤال جوابًا، وللجواب صوابًا.
 
الرسالة الخامسة:
متى ترسل؟
وهو الوقت الذي ترسل فيه الرسالة هل هو موافق للوقت والزمان، فبعض الناس يرسل ما هب ودب، بدون مراعاة للوقت والزمان، وهذا مما يبتذل ويسفه به الأحلام، فاحترام الوقت والزمان مما يحمد لمن يرسل، ويستفاد مما يبعث.
 
الرسالة السادسة:
من أين ترسل؟
أي: من أي شركة ترسل الرسالة، فإن كانت من الشركات التي تحارب الإسلام، أو تشارك في نشر الرذيلة، فلا يجوز المشاركة فيها لأن هذا من التعاون على الإثم والعدوان، وما سوى ذلك فيباح المشاركة فيه، وإن كان الأولى المشاركة في الشركات التي لها مجال في خدمة الدين وأهله، وذلك لإعانتهم، ودعمهم والله المستعان.
 
الرسالة السابعة:
ماذا بعد؟
أخي المرسل لابد أن تستشعر هذا السؤال قبل الإرسال، ولتعلم أن أي رسالة ترسلها فهي إما لك أو عليك، أو لا لك ولا عليك. فتكون لك إذا كان مضمونها حسنًا، فتعود عليك بالأجر والمثوبة، ورفعة الدرجة والقربى من الله تعالى، فكم من كلمة رفعت صاحبها، وأخرى أردته. وقد تكون عليك إذا كانت مما يغضب الله ولا يرضيه، وتجر عليك الإثم والعقوبة. وإما أن تكون لا لك ولا عليك إذا كانت مما يباح نقله وإرساله. فكن على حذر من هذه الرسائل التي تذهب لذتها، ووقتها، ويبقى إما أجرها أو غرمها.
وعن جرير بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» (أخرجه مسلم[1017]).
وصدق من قال:
وَمَا مِنْ كَاتِبٍ إِلَّا سَيَفْنَى *** وَيُبْقِيْ الْدَّهَرُ مَا كَتَبَتْ يَدَاهُ
فَلَا تَكْتُبْ بِكَفِّكَ غَيْرَ شَيْءٍ *** يَسُرُّكَ فِيْ الْقِيَامَةِ أَنْ تَرَاهُ

وفي الختام أخي الحبيب قف مع هذا السؤال وتأمله: هل أعددت للسؤال بين يدي الله عمَّا أرسلت جوابًا؟ وهل جوابك الذي ستجيب به رب العالمين صوابًا؟.

أخي المرسل: أحسب أني قد نصحت لك فكن ممن يقبل النصح، ويكف عمَّا حرم الله، ومن تاب عمَّا مضى كُفِّرَ عنه، بل وبدل بحسنات، فرحمة الله وسعت جميع المخلوقات.

سَبْعُ رَسَائِلَ لأَهْلِ الرَّسَائِل

سَبْعُ رَسَائِلَ لأَهْلِ الرَّسَائِل

نعيش هذه الأيام قوة في التواصل لم يشهدها العالم من قبل، فوسائل الاتصالات بلغت ذروتها، والتقنية بلغت أَوجَهَا.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فإننا نعيش هذه الأيام قوة في التواصل لم يشهدها العالم من قبل، فوسائل الاتصالات بلغت ذروتها، والتقنية بلغت أَوجَهَا، ومن ذلك التواصل عن طريق الرسائل الالكترونية، إما عن طريق الهاتف المحمول، أو عن طريق شبكة المعلومات (الإنترنت) بما يسمى البريد الإلكتروني، فأدى ذلك إلى سهولة التواصل بين الأفراد والمؤسسات، وأصبح الناس يتواصلون من خلال هذه الخدمات الجليلة.
وقد انتشرت بين الناس الرسائل الالكترونية إما عن طريق الأفراد أو عن طريق المجموعات البريدية، وأصبح كثير من الناس ليس له عمل إلا استقبال هذه الرسائل وإعادة توجيهها بغثها وسمينها، وعُجْرِهَا وبُجْرِهَا، والتفنن في ذلك. وعندما كنت أتأمل مثل هذا العمل أحببت أن أشارك برسائل لأهل الرسائل لعلهم ينتفعون بها، ويستفيدوا من هذه الخدمة الجليلة على ما ينبغي الإفادة منها، فأرسلت سَبْعَ رسائل لأهل الرسائل:
الرسالة الأولى:
لماذا ترسل؟
وهذا سؤال في غاية الأهمية، فلابد أن تسأل نفسك قبل أن ترسل أي رسالة بريدية، أو غيرها. فلماذا ترسل؟ وما هي الفائدة المرجوة من هذه الرسالة؟ هل الفائدة إشباع رغبة؟ أم ضياع وقت؟ أم نصح وإرشاد؟ أم تواصل واطمئنان؟ أم بيع وشراء؟ أم غير ذلك؟
فيا أخي المرسل: أعدد للسؤال جوابًا، وللجواب صوابًا.
 
الرسالة الثانية:
ماذا ترسل؟
ما المادة التي سترسلها هل هي مقالات وبحوث علمية، أم صور ومقاطع مرئية، أم خواطر وتأملات، أم عقود ومعاملات. ولتعلم أن أي رسالة ترسلها فهي إما لك أو عليك، أو لا لك ولا عليك.
فيا أخي المرسل: أعدد للسؤال جوابًا، وللجواب صوابًا.
 
الرسالة الثالثة:
لمن ترسل؟
من الأشخاص الذين ترسل إليهم هذه الرسالة، وما جنسهم؟ وهل هذه الرسالة تناسبهم وتفيدهم، أم هي تشارك في ضياع أوقاتهم ودينهم؟! فيكون إرسالك لهم مما يحمد أم مما يُذَمُّ شرعًا وعقلًا، وستسأل عنه.
فيا أخي المرسل: أعدد للسؤال جوابًا، وللجواب صوابًا.
 
الرسالة الرابعة:
ما مصدرك؟
وهي الطريقة التي من خلالها تتلقى رسائلك، هل هي من أناس تعرفهم، أم من مجهول، فإن كانت ممن تعرفهم فحسن، وإلا تتثبت منه، وأما الرسائل التي من مجهول فلا يجوز نشرها إلا بعد التثبت منها ومن خُبْرِهَا وخَبَرِهَا، أما إلقاؤها على الناس بغثها وسمينها، فيخشى من تحمل تبعتها، وما يترتب عليها من المفاسد والمضار، بل قد تتحمل ما هو أعظم من ذلك السيئة وجرمها الذي تتحمله عن كل من قرأ هذه الرسالة عن طريقك؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» (أخرجه مسلم [1017]) من حديث جرير رضي الله عنه.
فيا أخي المرسل: أعدد للسؤال جوابًا، وللجواب صوابًا.
 
الرسالة الخامسة:
متى ترسل؟
وهو الوقت الذي ترسل فيه الرسالة هل هو موافق للوقت والزمان، فبعض الناس يرسل ما هب ودب، بدون مراعاة للوقت والزمان، وهذا مما يبتذل ويسفه به الأحلام، فاحترام الوقت والزمان مما يحمد لمن يرسل، ويستفاد مما يبعث.
 
الرسالة السادسة:
من أين ترسل؟
أي: من أي شركة ترسل الرسالة، فإن كانت من الشركات التي تحارب الإسلام، أو تشارك في نشر الرذيلة، فلا يجوز المشاركة فيها لأن هذا من التعاون على الإثم والعدوان، وما سوى ذلك فيباح المشاركة فيه، وإن كان الأولى المشاركة في الشركات التي لها مجال في خدمة الدين وأهله، وذلك لإعانتهم، ودعمهم والله المستعان.
 
الرسالة السابعة:
ماذا بعد؟
أخي المرسل لابد أن تستشعر هذا السؤال قبل الإرسال، ولتعلم أن أي رسالة ترسلها فهي إما لك أو عليك، أو لا لك ولا عليك. فتكون لك إذا كان مضمونها حسنًا، فتعود عليك بالأجر والمثوبة، ورفعة الدرجة والقربى من الله تعالى، فكم من كلمة رفعت صاحبها، وأخرى أردته. وقد تكون عليك إذا كانت مما يغضب الله ولا يرضيه، وتجر عليك الإثم والعقوبة. وإما أن تكون لا لك ولا عليك إذا كانت مما يباح نقله وإرساله. فكن على حذر من هذه الرسائل التي تذهب لذتها، ووقتها، ويبقى إما أجرها أو غرمها.
وعن جرير بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» (أخرجه مسلم[1017]).
وصدق من قال:
وَمَا مِنْ كَاتِبٍ إِلَّا سَيَفْنَى *** وَيُبْقِيْ الْدَّهَرُ مَا كَتَبَتْ يَدَاهُ
فَلَا تَكْتُبْ بِكَفِّكَ غَيْرَ شَيْءٍ *** يَسُرُّكَ فِيْ الْقِيَامَةِ أَنْ تَرَاهُ

وفي الختام أخي الحبيب قف مع هذا السؤال وتأمله: هل أعددت للسؤال بين يدي الله عمَّا أرسلت جوابًا؟ وهل جوابك الذي ستجيب به رب العالمين صوابًا؟.

أخي المرسل: أحسب أني قد نصحت لك فكن ممن يقبل النصح، ويكف عمَّا حرم الله، ومن تاب عمَّا مضى كُفِّرَ عنه، بل وبدل بحسنات، فرحمة الله وسعت جميع المخلوقات.

Popular Posts