background img

The New Stuff

‏إظهار الرسائل ذات التسميات خالد سعد النجار. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات خالد سعد النجار. إظهار كافة الرسائل
اعلم يا بني

بسم الله الرحمن الرحيم

ما أجل الكلمات الدافئة التي امتزجت بكل معاني الإخلاص عندما تخرج من قلب أغلى الناس وأحن الخلق وأعطف البشر .. «الوالد» الذي فطره الله تعالى على حب دفين لأبنائه لا يعرف المصانعة ولا التملق ولا النفاق، إنها الكنوز الحقيقية والنصائح النورانية التي يكون الولد في أمس الحاجة إليها لقلة خبرته وضعف حيلته وندره الناصح المشفق.

 اعلم يا بني وفقك الله للصواب: أنه لم يتميز الآدمي بالعقل إلا ليعمل بمقتضاه، فاستحضر عقلك، واعمل فكرك، واخل بنفسك .. تعلم بالدليل أنك مخلوق مكلف، وأن عليك فرائض أنت مطالب بها، وأن الملكين يحصيان ألفاظك ونظراتك، وأن أنفاس الحي خطاه إلى أجله، ومقدار اللبث في الدنيا قليل، والحبس في القبور طويل، والعذاب على موافقة الهوى وبيل.
فأين لذة أمس؟! رحلت وأبقت ندما .. وأين شهوة النفس؟! كم نكست رأسا، وزلت قدما، وما سعد من سعد إلا بخلاف هواه، ولا شقي من شقي إلا بإيثار دنياه.
فاعتبر بمن مضى من الملوك والزهاد، أين لذة هؤلاء وأين تعب أولئك؟ بقي الثواب الجزيل، والذكر الجميل للصالحين، والمقالة القبيحة والعقاب الوبيل للعاصين، وكأنه ما جاع من جاع، ولا شبع من شبع.
واعلم أن الكسل عن الفضائل بئس الرفيق، وحب الراحة يورث من الندم ما يربو على كل لذة، فانتبه واتعب لنفسك.
واعلم أن طلب الفضائل نهاية مراد المجتهدين، ثم الفضائل تتفاوت، فمن الناس من يرى الفضائل الزهد في الدنيا، ومنهم من يراها التشاغل بالتعبد، وعلى الحقيقة فليست الفضائل الكاملة إلا الجمع بين العلم والعمل، فإذا حصلا رفعا صاحبهما إلى تحقيق معرفة الخالق سبحانه وتعالى، وحركاه إلى محبته وخشيته والشوق إليه, فتلك الغاية المقصودة وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، وليس كل ما يريد مرادا ولا كل طالب واجدا، ولكن على العبد الاجتهاد، وكل ميسر لما خلق له، والله المستعان.

• واعلم يا بني: أن من تفكر في الدنيا قبل أن يوجد رأى مدة طويلة، فإذا تفكر فيها بعد أن يخرج منها رأى مدة طويلة، وعلم أن اللبث في القبور طويل، فإذا تفكر في يوم القيامة علم أنه خمسون ألف سنة، فإذا تفكر في اللبث في الجنة أو النار علم أنه لا نهاية له، فإذا عاد إلى النظر في مقدار بقائه في الدنيا -فرضنا ستين سنة مثلا- فإنه يمضي منها ثلاثون سنة في النوم، ونحو من خمس عشر في الصبا، فإذا حسب الباقي كان أكثره في الشهوات والمطاعم والمكاسب، فإذا خلص ما للآخرة وجد فيه من الرياء والغفلة كثيرا، فبماذا تشتري الحياة الأبدية، وإنما الثمن هذه الساعات؟
فانتبه يا بني لنفسك، واندم على ما مضى من تفريطك، واجتهد في لحاق الكاملين مادام في الوقت سعة، واسق غصنك ما دامت فيه رطوبة، واذكر ساعتك التي ضاعت فكفى بها عظة، ذهبت لذة الكسل فيها، وفاتت مراتب الفضائل، وقد كان السلف الصالح رحمهم الله تعالى يحبون كل فضيلة ويبكون على فوات واحدة منها .. قال إبراهيم بن أدهم: دخلنا على عابد مريض، وهو ينظر إلى رجليه ويبكي، فقلنا: ما لك تبكي؟ فقال: ما اغبرتا في سبيل الله .. وبكى آخر، فقالوا: ما يبكيك؟ فقال: على يوم مضى ما صمته، وعلى ليلة ذهبت ما قمتها.
فاعلم يا بني أن الأيام تبسط ساعات، والساعات تبسط أنفاس، وكل نفس خزانة، فاحذر أن يذهب نفس بغير شيء، فترى في القيامة خزانة فارغة فتندم ولا ينفعك الندم.

 كتب علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- إلى ولده الحسين: من عبد الله علي أمير المؤمنين الوالد الفاني، الذام للدنيا، الساكن مساكن الموتى، إلى الولد المؤمل ما لا يدرك، السالك سبيل من قد هلك، عرضة الأسقام، ورهينة الأيام، وأسير المنايا، وقرين الرزايا، وصريع الشهوات، ونصب الآفات، وخليفة الأموات
يا بني إن بقيت أو فنيت فإني أوصيك بتقوى الله عز وجل، وعمارة قلبك بذكره، والاعتصام بحبله، فإن الله يقول: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} [آل عمران: 103] وأي سبب يا بني أوثق من سبب بينك وبين الله عز وجل.
أحيي قلبك بالموعظة، ونوره بالحكمة، وقوه بالزهد، وذلله بالموت، وقرره بالفناء، وحذره صولة الدهر وتقلب الليالي، وأعرض عليه أخبار الماضين، وسر في ديارهم وآثارهم، فانظر ما فعلوا، وأين حلوا، فإنك تجدهم قد انتقلوا من دار الغرور ونزلوا دار الغربة، وكأنك عن قليل يا بني قد صرت كأحدهم، فبع دنياك بآخرتك، ولا تبع آخرتك بدنياك، ودع القول فيما لا تعرف، والأمر فيما لا تكلف، ومر بالمعروف بيدك ولسانك وكن من أهله، وأنكر المنكر بيدك ولسانك وباين من فعله، وخض الغمرات إلى الحق، ولا تأخذك في الله لومة لائم، واحفظ وصيتي فلا خير في علم لا ينفع، واعلم أنه لا غنى بك عن حسن الارتياد مع بلاغك من الزاد، فإن أصبت من أهل الفاقة من يحتمل عنك زادك فيوافيك به في معادك فاغتنمه، فإن أمامك عقبة كئودا لا يجاوزها إلا أخف الناس حملا.

وأجمل في الطلب، وأحسن في المكسب، فرب طلب قد جر إلى حرب، وإنما المحروب من حرب دينه، والمسلوب من سلب يقينه، واعلم أنع لا غنى يعدل الجنة، ولا فقر يعدل النار .. والسلام عليك ورحمة الله.

سل الأيام ما فعلت بكسرى --- وقيصر والقصور وساكنيها
أمـا اسـتـدعتهم للمـوت طُـرا --- فلم تدع الحليم ولا السفيها
دنت نحو الدني بسهم خطب --- فأصمـته ولـم تـدع الوجيها
أمـا لو بـيـعـت الدنـيا بفـلس --- أنِفـتُ لعاقل أن يشتـريهـا

اعلم يا بني

اعلم يا بني

بسم الله الرحمن الرحيم

ما أجل الكلمات الدافئة التي امتزجت بكل معاني الإخلاص عندما تخرج من قلب أغلى الناس وأحن الخلق وأعطف البشر .. «الوالد» الذي فطره الله تعالى على حب دفين لأبنائه لا يعرف المصانعة ولا التملق ولا النفاق، إنها الكنوز الحقيقية والنصائح النورانية التي يكون الولد في أمس الحاجة إليها لقلة خبرته وضعف حيلته وندره الناصح المشفق.

 اعلم يا بني وفقك الله للصواب: أنه لم يتميز الآدمي بالعقل إلا ليعمل بمقتضاه، فاستحضر عقلك، واعمل فكرك، واخل بنفسك .. تعلم بالدليل أنك مخلوق مكلف، وأن عليك فرائض أنت مطالب بها، وأن الملكين يحصيان ألفاظك ونظراتك، وأن أنفاس الحي خطاه إلى أجله، ومقدار اللبث في الدنيا قليل، والحبس في القبور طويل، والعذاب على موافقة الهوى وبيل.
فأين لذة أمس؟! رحلت وأبقت ندما .. وأين شهوة النفس؟! كم نكست رأسا، وزلت قدما، وما سعد من سعد إلا بخلاف هواه، ولا شقي من شقي إلا بإيثار دنياه.
فاعتبر بمن مضى من الملوك والزهاد، أين لذة هؤلاء وأين تعب أولئك؟ بقي الثواب الجزيل، والذكر الجميل للصالحين، والمقالة القبيحة والعقاب الوبيل للعاصين، وكأنه ما جاع من جاع، ولا شبع من شبع.
واعلم أن الكسل عن الفضائل بئس الرفيق، وحب الراحة يورث من الندم ما يربو على كل لذة، فانتبه واتعب لنفسك.
واعلم أن طلب الفضائل نهاية مراد المجتهدين، ثم الفضائل تتفاوت، فمن الناس من يرى الفضائل الزهد في الدنيا، ومنهم من يراها التشاغل بالتعبد، وعلى الحقيقة فليست الفضائل الكاملة إلا الجمع بين العلم والعمل، فإذا حصلا رفعا صاحبهما إلى تحقيق معرفة الخالق سبحانه وتعالى، وحركاه إلى محبته وخشيته والشوق إليه, فتلك الغاية المقصودة وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، وليس كل ما يريد مرادا ولا كل طالب واجدا، ولكن على العبد الاجتهاد، وكل ميسر لما خلق له، والله المستعان.

• واعلم يا بني: أن من تفكر في الدنيا قبل أن يوجد رأى مدة طويلة، فإذا تفكر فيها بعد أن يخرج منها رأى مدة طويلة، وعلم أن اللبث في القبور طويل، فإذا تفكر في يوم القيامة علم أنه خمسون ألف سنة، فإذا تفكر في اللبث في الجنة أو النار علم أنه لا نهاية له، فإذا عاد إلى النظر في مقدار بقائه في الدنيا -فرضنا ستين سنة مثلا- فإنه يمضي منها ثلاثون سنة في النوم، ونحو من خمس عشر في الصبا، فإذا حسب الباقي كان أكثره في الشهوات والمطاعم والمكاسب، فإذا خلص ما للآخرة وجد فيه من الرياء والغفلة كثيرا، فبماذا تشتري الحياة الأبدية، وإنما الثمن هذه الساعات؟
فانتبه يا بني لنفسك، واندم على ما مضى من تفريطك، واجتهد في لحاق الكاملين مادام في الوقت سعة، واسق غصنك ما دامت فيه رطوبة، واذكر ساعتك التي ضاعت فكفى بها عظة، ذهبت لذة الكسل فيها، وفاتت مراتب الفضائل، وقد كان السلف الصالح رحمهم الله تعالى يحبون كل فضيلة ويبكون على فوات واحدة منها .. قال إبراهيم بن أدهم: دخلنا على عابد مريض، وهو ينظر إلى رجليه ويبكي، فقلنا: ما لك تبكي؟ فقال: ما اغبرتا في سبيل الله .. وبكى آخر، فقالوا: ما يبكيك؟ فقال: على يوم مضى ما صمته، وعلى ليلة ذهبت ما قمتها.
فاعلم يا بني أن الأيام تبسط ساعات، والساعات تبسط أنفاس، وكل نفس خزانة، فاحذر أن يذهب نفس بغير شيء، فترى في القيامة خزانة فارغة فتندم ولا ينفعك الندم.

 كتب علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- إلى ولده الحسين: من عبد الله علي أمير المؤمنين الوالد الفاني، الذام للدنيا، الساكن مساكن الموتى، إلى الولد المؤمل ما لا يدرك، السالك سبيل من قد هلك، عرضة الأسقام، ورهينة الأيام، وأسير المنايا، وقرين الرزايا، وصريع الشهوات، ونصب الآفات، وخليفة الأموات
يا بني إن بقيت أو فنيت فإني أوصيك بتقوى الله عز وجل، وعمارة قلبك بذكره، والاعتصام بحبله، فإن الله يقول: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} [آل عمران: 103] وأي سبب يا بني أوثق من سبب بينك وبين الله عز وجل.
أحيي قلبك بالموعظة، ونوره بالحكمة، وقوه بالزهد، وذلله بالموت، وقرره بالفناء، وحذره صولة الدهر وتقلب الليالي، وأعرض عليه أخبار الماضين، وسر في ديارهم وآثارهم، فانظر ما فعلوا، وأين حلوا، فإنك تجدهم قد انتقلوا من دار الغرور ونزلوا دار الغربة، وكأنك عن قليل يا بني قد صرت كأحدهم، فبع دنياك بآخرتك، ولا تبع آخرتك بدنياك، ودع القول فيما لا تعرف، والأمر فيما لا تكلف، ومر بالمعروف بيدك ولسانك وكن من أهله، وأنكر المنكر بيدك ولسانك وباين من فعله، وخض الغمرات إلى الحق، ولا تأخذك في الله لومة لائم، واحفظ وصيتي فلا خير في علم لا ينفع، واعلم أنه لا غنى بك عن حسن الارتياد مع بلاغك من الزاد، فإن أصبت من أهل الفاقة من يحتمل عنك زادك فيوافيك به في معادك فاغتنمه، فإن أمامك عقبة كئودا لا يجاوزها إلا أخف الناس حملا.

وأجمل في الطلب، وأحسن في المكسب، فرب طلب قد جر إلى حرب، وإنما المحروب من حرب دينه، والمسلوب من سلب يقينه، واعلم أنع لا غنى يعدل الجنة، ولا فقر يعدل النار .. والسلام عليك ورحمة الله.

سل الأيام ما فعلت بكسرى --- وقيصر والقصور وساكنيها
أمـا اسـتـدعتهم للمـوت طُـرا --- فلم تدع الحليم ولا السفيها
دنت نحو الدني بسهم خطب --- فأصمـته ولـم تـدع الوجيها
أمـا لو بـيـعـت الدنـيا بفـلس --- أنِفـتُ لعاقل أن يشتـريهـا

التفاؤل: إكسير الأوقات العصيبة

فالصحة النفسية لا تعطى للفرد، ولكنه يكتسبها بجده واجتهاده وتوفيق الله تعالى له، فكل فرد مسئول عن صحته النفسية وعن نموها، فإذا رأينا الأمور بصورة إيجابية تفاؤلية أو صورة سلبية تشاؤمية فإنها تنعكس على شخصيتنا، وبالتالي هي التي ستحدد سلوكنا.


بسم الله الرحمن الرحيم..
ما أجمل أن ترتبط النفوس بالخير وتنعقد عليها همتها، وما أجمل أن تتفائل بالأحسن لتجده بعون الله ومدده ولطفه، فانشراح الصدر بالخيرات من أعظم أسباب استقرار النفس وديمومة فاعليتها، الأمر الذي يضعها على جادة الاستفادة والإفادة، وتصير رقمًا مميزًا في المعادلة البشرية بعطائها الفريد وبصماتها المميزة، يقول روبرت شوللر: "إن الأوقات العصبية لا تستمر إلى الأبد، لكن الأقوياء يستمرون".
من حسنات التفاؤل أنه دليل حسن ظنك بالله عز وجل، ويجلب السعادة إلى النفس والقلب، وفي الفأل الحسن تقوية للعزائم وانطلاقًا إلى الأمام، وباعثًا على الجد والأمل، فلولا الأمل لبطل العمل، وفي التفاؤل أيضًا اقتداء بالسنة المطهرة، وأخذًا بالأسوة الحسنة، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يتفاءل في حروبه وغزواته وفي شأنه كله.
والتفاؤل يوحد قوة الروح وقوة الجسد، ومن استقرار الروح تزدهر الصحة النفسية التي ترتبط غاية الارتباط بقدرة الشخصية على التوافق مع نفسها ومجتمعها الذي تعيش فيه، وهذا يؤدي -إن شاء الله تعالى- إلى التمتع بحياة هادئة سوية، مليئة بالحماس، وخالية من الأسى والاضطراب والتشاؤم.
التفاؤل يعني أن يرضى المرء عن نفسه، وأن يتقبل ذاته، كما يتقبل الآخرين، وتغيب عن سلوكياته اضطرابات التوافق الاجتماعي أو السلوكيات الشاذة، بل يسلك في تصرفاته السلوك المعقول المتسم بالاتزان والمتصف بالإيجابية والقدرة على مواجهة المواقف ومجابهة المشاكل التي تقابله في مختلف نواحي حياته.
يقول عالما النفس (بايلس) و(سيلجمان) مؤسسًا حركة علم النفس الإيجابي "الواعدة": "إنّ التفاؤل دفاع جيد ضد التعاسه، وإن التفاؤل يمكن أن يُتعلم".
كما يعتقدان أن الفرد عندما تتوفر لدية متطلباته الحياتية الأساسية من طعام يشبعه وبيت يؤويه، فإن ما يفيض من مال لا يزيد إلا قليلًا من سعادته، ولكي يكون سعيدًا بجد عليه أن يبحث عن الحياة المفعمة بالمعاني الإيجابية والأفكار التفاؤلية.
وبناءً على هذا الطرح فالصحة النفسية لا تعطى للفرد، ولكنه يكتسبها بجده واجتهاده وتوفيق الله تعالى له، فكل فرد مسئول عن صحته النفسية وعن نموها، فإذا رأينا الأمور بصورة إيجابية تفاؤلية أو صورة سلبية تشاؤمية فإنها تنعكس على شخصيتنا، وبالتالي هي التي ستحدد سلوكنا.
والتفاؤل والأمل يساعدا في الاستقرار النفسي الذي يتسم بتوقع النجاح والفوز في المستقبل القريب والاستبشار به في المستقبل البعيد، ولا يكون ذلك إلا بالاعتماد والثقة في الله سبحانه وتعالى ثم الثقة في النفس.
وأعلى مراتب التفاؤل توقع الشفاء عند المرض، والنجاح عند الفشل، والنصر عند الهزيمة، وتوقع تفريج الكروب، ودفع المصائب والنوازل عند وقوعها، فالتفاؤل والأمل عملية نفسية إرادية تولد أفكار ومشاعر الرضا والتحمل والثقة، وتبعد أفكار ومشاعر اليأس والانهزامية والعجز، وترقى بالإنسان إلى النجاح والتألق.
والتفاؤل ينشط أجهزة المناعة النفسية والجسدية، مما يجعل المرء على جادة الصحة والسلامة والوقاية، ويتفق علماء النفس على ضرورة أن يعيش الفرد يومه متفائلًا حتى في الظروف الصعبة، ولا يقلق على المستقبل، فلكل مشكلة احتمالات لحلها، والفشل يجب أن يؤخذ على أنه تجارب يستفيد منها المرء في المستقبل، وليست عائقًا أمام تقدمه، ثم يحاول التحسين من إخفاقاته بهدوء وتعقل. 
فالمتفائل يفسر الأزمات تفسيرًا إيجابيًا، ويتلمح لطف الله تعالى فيها بالنظر إلى من هو أشد منه أزمة وبلاء، بل إن التفاؤل يبعث في نفسه الأمل في الله والثقة بالفرج والأمن والطمأنينة بمعية الله الرحمن الرحيم، وفي الحديث القدسي الشهير: «أنا عند ظن عبدي بي» (صحيح الترغيب:3386).
ومن ناحية أخرى يقول علماء النفس: "علينا أن ندرك جيدًا أنه لا إفراط ولا تفريط"، صحيح أن المتفاءل بالخير يجده، ولكن الأحوط أن لا يفرط أو يغالي في التفاؤل، لأنه قد يدفع بالفرد إلى المغامرة، والاستهانة بأخذ الحيطة والحذر في دروب حياته.
وكذلك يعتبر التشاؤم في نفس الوقت مظهرًا من مظاهر انخفاض أو اعتلال الصحة النفسية لدى الفرد، لأن التشاؤم يستنزف طاقة الشخص، ويقلل من نشاطه، ويضعف من دوافعه وتفكيره، ويبعده عن مظان الأمل والسعادة والثقة بالنفس والنجاح، ولذلك فإن التفاؤل من مظاهر الصحة النفسية الجيدة، لكن لا يكتمل التفاؤل إلا بحسن التوكل على اللهعز وجل، الذي له ملك السماوات والأرض، والإيمان بالقدرة الإلهية العظيمة التي تسير كل شيء. 
وخلاصة القول أن التفاؤل هو مفتاح الصحة والسعادة والنجاح، وهو الذي يؤكد الذات ويزيد الثقة بها، ويمنح الشعور بالمقدرة والتحكم والسيطرة على التصرفات الحالية والمستقبلية، ويعطي المرء الاستقلال الفكري والنفسي الذي يتيح له الإمساك بمفاتيح الشخصية وعدم تركها للآخرين حتى لا يكون قشة في مهب الريح.
كما أن التفاؤل يكسب المرء القدرة على تجاوز الأفكار السلبية وكسر حلقاتها وتغيير اتجاهها، وتنمية الأفكار الإيجابية والارتفاع بالقدرات الكامنة فينا كي لا يقع في براثن الإحباط والتشاؤم.
إن المتفائل الحقيقي محب على الدوام لا يعرف الحسد والحقد والكراهية التي نهى عنها ديننا الحنيف، والمتفائل عندما يتخفف من هذه الأثقال التي تعوق كل انطلاقة سيكون حرًا فاعلًا.
والتفاؤل مسلك يفرضه الإيمان بالله والرضا بقضائه وقدره، أما التشاؤم فلا يستقيم مع صريح الإيمان، وعليه فإن تحول المتشائم إلى متفائل ممكن إذا تمت له الهداية واتبع الطريق الصحيح بعد التوكل على الله، ولا شيء مستحيل أمام هذا التحول إذا صدقت النوايا وحسنت ثقتنا في المولى عز وجل، فكن متفائلًا وابتعد عن التشاؤم، وابتسم فإن الحياة لك ولمن حولك. 

التفاؤل: إكسير الأوقات العصيبة

التفاؤل: إكسير الأوقات العصيبة

فالصحة النفسية لا تعطى للفرد، ولكنه يكتسبها بجده واجتهاده وتوفيق الله تعالى له، فكل فرد مسئول عن صحته النفسية وعن نموها، فإذا رأينا الأمور بصورة إيجابية تفاؤلية أو صورة سلبية تشاؤمية فإنها تنعكس على شخصيتنا، وبالتالي هي التي ستحدد سلوكنا.


بسم الله الرحمن الرحيم..
ما أجمل أن ترتبط النفوس بالخير وتنعقد عليها همتها، وما أجمل أن تتفائل بالأحسن لتجده بعون الله ومدده ولطفه، فانشراح الصدر بالخيرات من أعظم أسباب استقرار النفس وديمومة فاعليتها، الأمر الذي يضعها على جادة الاستفادة والإفادة، وتصير رقمًا مميزًا في المعادلة البشرية بعطائها الفريد وبصماتها المميزة، يقول روبرت شوللر: "إن الأوقات العصبية لا تستمر إلى الأبد، لكن الأقوياء يستمرون".
من حسنات التفاؤل أنه دليل حسن ظنك بالله عز وجل، ويجلب السعادة إلى النفس والقلب، وفي الفأل الحسن تقوية للعزائم وانطلاقًا إلى الأمام، وباعثًا على الجد والأمل، فلولا الأمل لبطل العمل، وفي التفاؤل أيضًا اقتداء بالسنة المطهرة، وأخذًا بالأسوة الحسنة، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يتفاءل في حروبه وغزواته وفي شأنه كله.
والتفاؤل يوحد قوة الروح وقوة الجسد، ومن استقرار الروح تزدهر الصحة النفسية التي ترتبط غاية الارتباط بقدرة الشخصية على التوافق مع نفسها ومجتمعها الذي تعيش فيه، وهذا يؤدي -إن شاء الله تعالى- إلى التمتع بحياة هادئة سوية، مليئة بالحماس، وخالية من الأسى والاضطراب والتشاؤم.
التفاؤل يعني أن يرضى المرء عن نفسه، وأن يتقبل ذاته، كما يتقبل الآخرين، وتغيب عن سلوكياته اضطرابات التوافق الاجتماعي أو السلوكيات الشاذة، بل يسلك في تصرفاته السلوك المعقول المتسم بالاتزان والمتصف بالإيجابية والقدرة على مواجهة المواقف ومجابهة المشاكل التي تقابله في مختلف نواحي حياته.
يقول عالما النفس (بايلس) و(سيلجمان) مؤسسًا حركة علم النفس الإيجابي "الواعدة": "إنّ التفاؤل دفاع جيد ضد التعاسه، وإن التفاؤل يمكن أن يُتعلم".
كما يعتقدان أن الفرد عندما تتوفر لدية متطلباته الحياتية الأساسية من طعام يشبعه وبيت يؤويه، فإن ما يفيض من مال لا يزيد إلا قليلًا من سعادته، ولكي يكون سعيدًا بجد عليه أن يبحث عن الحياة المفعمة بالمعاني الإيجابية والأفكار التفاؤلية.
وبناءً على هذا الطرح فالصحة النفسية لا تعطى للفرد، ولكنه يكتسبها بجده واجتهاده وتوفيق الله تعالى له، فكل فرد مسئول عن صحته النفسية وعن نموها، فإذا رأينا الأمور بصورة إيجابية تفاؤلية أو صورة سلبية تشاؤمية فإنها تنعكس على شخصيتنا، وبالتالي هي التي ستحدد سلوكنا.
والتفاؤل والأمل يساعدا في الاستقرار النفسي الذي يتسم بتوقع النجاح والفوز في المستقبل القريب والاستبشار به في المستقبل البعيد، ولا يكون ذلك إلا بالاعتماد والثقة في الله سبحانه وتعالى ثم الثقة في النفس.
وأعلى مراتب التفاؤل توقع الشفاء عند المرض، والنجاح عند الفشل، والنصر عند الهزيمة، وتوقع تفريج الكروب، ودفع المصائب والنوازل عند وقوعها، فالتفاؤل والأمل عملية نفسية إرادية تولد أفكار ومشاعر الرضا والتحمل والثقة، وتبعد أفكار ومشاعر اليأس والانهزامية والعجز، وترقى بالإنسان إلى النجاح والتألق.
والتفاؤل ينشط أجهزة المناعة النفسية والجسدية، مما يجعل المرء على جادة الصحة والسلامة والوقاية، ويتفق علماء النفس على ضرورة أن يعيش الفرد يومه متفائلًا حتى في الظروف الصعبة، ولا يقلق على المستقبل، فلكل مشكلة احتمالات لحلها، والفشل يجب أن يؤخذ على أنه تجارب يستفيد منها المرء في المستقبل، وليست عائقًا أمام تقدمه، ثم يحاول التحسين من إخفاقاته بهدوء وتعقل. 
فالمتفائل يفسر الأزمات تفسيرًا إيجابيًا، ويتلمح لطف الله تعالى فيها بالنظر إلى من هو أشد منه أزمة وبلاء، بل إن التفاؤل يبعث في نفسه الأمل في الله والثقة بالفرج والأمن والطمأنينة بمعية الله الرحمن الرحيم، وفي الحديث القدسي الشهير: «أنا عند ظن عبدي بي» (صحيح الترغيب:3386).
ومن ناحية أخرى يقول علماء النفس: "علينا أن ندرك جيدًا أنه لا إفراط ولا تفريط"، صحيح أن المتفاءل بالخير يجده، ولكن الأحوط أن لا يفرط أو يغالي في التفاؤل، لأنه قد يدفع بالفرد إلى المغامرة، والاستهانة بأخذ الحيطة والحذر في دروب حياته.
وكذلك يعتبر التشاؤم في نفس الوقت مظهرًا من مظاهر انخفاض أو اعتلال الصحة النفسية لدى الفرد، لأن التشاؤم يستنزف طاقة الشخص، ويقلل من نشاطه، ويضعف من دوافعه وتفكيره، ويبعده عن مظان الأمل والسعادة والثقة بالنفس والنجاح، ولذلك فإن التفاؤل من مظاهر الصحة النفسية الجيدة، لكن لا يكتمل التفاؤل إلا بحسن التوكل على اللهعز وجل، الذي له ملك السماوات والأرض، والإيمان بالقدرة الإلهية العظيمة التي تسير كل شيء. 
وخلاصة القول أن التفاؤل هو مفتاح الصحة والسعادة والنجاح، وهو الذي يؤكد الذات ويزيد الثقة بها، ويمنح الشعور بالمقدرة والتحكم والسيطرة على التصرفات الحالية والمستقبلية، ويعطي المرء الاستقلال الفكري والنفسي الذي يتيح له الإمساك بمفاتيح الشخصية وعدم تركها للآخرين حتى لا يكون قشة في مهب الريح.
كما أن التفاؤل يكسب المرء القدرة على تجاوز الأفكار السلبية وكسر حلقاتها وتغيير اتجاهها، وتنمية الأفكار الإيجابية والارتفاع بالقدرات الكامنة فينا كي لا يقع في براثن الإحباط والتشاؤم.
إن المتفائل الحقيقي محب على الدوام لا يعرف الحسد والحقد والكراهية التي نهى عنها ديننا الحنيف، والمتفائل عندما يتخفف من هذه الأثقال التي تعوق كل انطلاقة سيكون حرًا فاعلًا.
والتفاؤل مسلك يفرضه الإيمان بالله والرضا بقضائه وقدره، أما التشاؤم فلا يستقيم مع صريح الإيمان، وعليه فإن تحول المتشائم إلى متفائل ممكن إذا تمت له الهداية واتبع الطريق الصحيح بعد التوكل على الله، ولا شيء مستحيل أمام هذا التحول إذا صدقت النوايا وحسنت ثقتنا في المولى عز وجل، فكن متفائلًا وابتعد عن التشاؤم، وابتسم فإن الحياة لك ولمن حولك. 

على دروب الصوم نرتقي

والعابدون في رمضان سادة الناس الذين أدركوا بنور بصيرتهم أن رمضان فرصة قد لا تعود إليهم، وربما لن يعيشوا ليدركوها ثانية، فاغتنموا كل لحظاته وساعاته وأيامه بالتقرب إلى الله توبة وعبادة، وعطفًا على الفقراء، وصلة الأرحام، وزيارة البيت الحرام، وغيرها من أنواع البر والإكرام، فرمضان شهر عطاءٍ وإقبالٍ وبذلٍ وأوبةٍ..


الناس في شهر رمضان دروبهم شتى، ومسالكهم لا تعد ولا تحصى، فهم بين متعبد ومبتعد، منهم الصوام القوام ومنهم النومان، منهم سهره في القيام، ومنهم سهره مع القيان والخلان، منهم النهم للقرآن ومنهم النهم للأكل والحلوان، منهم الخلوق ومنهم الغضوب، منهم من يظل على حاله من الإيمان، ومنهم من يتغير بعد رمضان.
والعابدون في رمضان سادة الناس الذين أدركوا بنور بصيرتهم أن رمضان فرصة قد لا تعود إليهم، وربما لن يعيشوا ليدركوها ثانية، فاغتنموا كل لحظاته وساعاته وأيامه بالتقرب إلى الله توبة وعبادة، وعطفًا على الفقراء، وصلة الأرحام، وزيارة البيت الحرام، وغيرها من أنواع البر والإكرام، فرمضان شهر عطاءٍ وإقبالٍ وبذلٍ وأوبةٍ؛ إنه شهر القرآن والصدقات والصفاء والصدق، وقمينٌ بنا تعزيز هذه المظاهر الرمضانية الإيجابية في دواخلنا وفي مجتمعنا، فالله لا يغير ما بقوم -ولم يقل ما بشخص- حتى يغيروا ما بأنفسهم.
رمضان المطهّر:
عندما تهب نفحات هذا الشهر الكريم فإنها تعلن عن ثورة على المألوف، وتحول وتغيير كامل في منظومة الحياة الكونية والتعبدية والاجتماعية والوظيفية، نجد كل شيء وقد تغيرَ من أجل رمضان، فهذه أبواب الجنة قد فتحت، وغلّقت أبوابالنار، وصفِّد الأعداء الألداء من الشياطين ومردة الجن، وتنزل الملائكة الكرام بالرحمات، خاصة في سيدة الليالي (ليلةِالقدر)، ويشهد البشر موسم خيرات فريد، يبسط الرحمن فيه يده فيعطي ويجزل، ويضاعف فيه ثواب الأعمال، ويسطع فيه نجم الإيمان، وتقل فيه دواعي المعصية، كل هذه التغييرات تحدث في سيد الشهور على غير عادة في غيره.
إن ثورة التغيير التي أحدثها هذا الضيفُ الكريم في عالمنا وحياتنا تكتسح ما بدواخلنا لإحداث نقلةٍ رُوحية وجسدية، فالقلوب فيه مقبلة على ربها، والهمم فيه سامية عن الشهوات، والنفوس متخلصة من أسْر المعاصي، والقوى الحيوانية في الإنسان خاضعة للقوى الروحية.
ولذلك ينبغي أن يكون هذا الشهر الفضيل شهر مراجعة وتفكير وتأمل ومحاسبة للنفس، وفرصة سانحة للوقوف مع الذات وتصحيح المسار، إذ حينما يمتنع الإنسان في هذا الشهر الكريم عن الطعام والشراب، وبقية الشهوات التي يلتصق بها يوميًا، فإنه يكون قد تخلص من تلك الانجذابات الأرضية، مما يعطيه فرصة للانتباه نحو ذاته العليا، وتأتي تلك الأجواء الروحية والإيمانية الرائعة، لتحسّن من فرص الاستفادة من هذه النفحة الربانية، ولذلك فقد كان السلفُ يسمُّون رمضان (المطهّر)، ويسألون الله تعالى قبل قدومه بزمن طويل أن يبلغهم الشهر الكريم.
معالجة النفس:
هناك علاقة قوية لا تنفصم بين الصوم كتشريع، والأخلاق كسلوك، والعقيدة كأساس وقاعدة، أما عن العلاقة بين الصوم والأخلاق فيلخصها جابر رضي الله عنه بهذه التوجيهات الرائعة، حيث يقول: "إذا صمت فليصم سمعك وبصرك من المحارم، ولسانك من الكذب، ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء".
وعلاقة الصوم بالعقيدة واضحة من خلال توجيه النداء بالصيام إلى (المؤمنين)، الذين يؤدون التكاليف لصحة وكمال اعتقادهم بالله العلي الحكيم؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183].
ففي رمضان تسلم القلوبُ من وَحَرها وحسدها وحقدها وغشها وخيانتها، وتسلم من الشحناء والبغضاء، ومن التهاجر والتقاطع، لتعود إلى فطرتها الحقيقة؛ قال عليه الصلاة والسلام: «صومُ شهر الصبر وثلاثةِ أيام من كل شهر يُذهبن وَحَرَ الصدر» (صحيح الجامع:3804)، وسلامة القلب سبيل النجاة في الدنيا والآخرة.
وبالصيام يسلم اللسانُ من قول الزور واللغو، واللعن والباطل والكذب، ومن الغيبة والنميمة وغيرها؛ قال رسول الهدى عليه الصلاة والسلام: «من لم يدَعْ قولَ الزور والعملَ به، فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه» (البخاري:1903)، وقال أيضا: «ليس الصيامُ من الأكل والشراب، إنما الصيامُ من اللغو والرفث؛ فإن سابك أحد أو جهل عليك فقُل: إني صائم إني صائم» (صحيح الجامع:5376)، وهكذا بقية الجوارح، وبقية الأعمال، تدخل دورة تربوية لتصلح وتتغير نحو الأفضل لمن صدق مع خالقه، فيصدقه فيما يعمل. 
إن غاية الصيام معالجةُ النفس وإصلاحها لتكتسب بعدها الإرادةَ الصارمة، والعزيمة الجادة على طريق الإصلاح، فالصوم تجربة فريدة في ترويض النفس لتتهذب بأجمل الآداب، وتقوية العزيمة لترتقي نحو الكمال، وتحرير الإرادة لتتخلص من أسر الشهوات، إنها تجربة جديرة في ذاتها بالتقدير والاعتبار، لما لها من أثر بالغ في دعم شخصية المسلم وصقلها، وتنقيتها من أدران الضعف والوهن والخمول.
رمضان مصدر يمدنا بطاقة إيمانية لسائر عامنا، والمحرومُ من حَرَمه كسله من التزود من تلكم الطاقة اللازمة لصناعة الأعمال الصالحة؛ المسعدة في الدنيا، والمنجية في الآخرة، ما أجمل أن يكون شهر رمضان موسم استقطابٍ وتحسينٍ وتغييرٍ للأفضل وبثٍّ للروح الإيجابية في ناشئة العرب والمسلمين ورجالهم ونسائهم؛ حتى يعلم كلُّ واحدٍ منهم أنه على ثغرٍ في عمله القلبي والظاهر وفي سلوكه ولباسه وحديثه، وفي واجبه تجاه مجتمعه الصغير والكبير، وحينها سترتفعُ عن أمتنا الذلة وتؤول المسكنة إلى أهلها، ونكون خير أمة أخرجت للناس.
محطة المخاض:
الصقر هو أطول أنواع الطيور عمرًا، حيث يعيش حتى 70 عامًا، ولكن حتى يعيش هذا العمر الطويل عليه اتخاذ قرارًا صعبًا، فعندما يبلغ عمره 40 عامًا، تعجز أظافره التي كانت تتميز بالمرونة عن الإمساك بفريسته التي هي مصدر غذاءه، ويصبح منقاره القوي الحاد معقوفًا شديد الانحناء بسبب تقدمه في العمر، كما تصبح أجنحته ثقيلة بسبب كثافة ريشها، وتلتصق بالصدر ويصبح الطيران في غاية الصعوبة بالنسبة له، هذه الظروف تضع الصقر أمام خيارين، إما أن يستسلم للموت، أو أن يخضع نفسه لعملية تغيير مؤلمة تستمر 150 يومًا..
وتتطلب العملية أن يقوم الصقر بالتحليق إلى عشه فوق قمة الجبل، ثم يقوم الصقر نفسه بضرب منقاره على صخرة بشدة حتى تنكسر مقدمته المعقوفة، وعند الانتهاء من كسر مقدمة المنقار ينتظر الصقر حتى ينمو المنقار من جديد، ثم يقوم بعد ذلك بكسر مخالبه أيضًا! وبعد أن تنمو المخالب الجديدة يبدأ في نتف ريشه القديم، وبعد خمسة أشهر يتجدد كل شيء، ويطير الصقر وكأنه ولد من جديد ليعيش 30 سنة أخرى بإذن الله تعالى.
إن الوصول إلى معالي الأمور لن يكون إلا على جسور الصبر والتعب، ورمضان محطة الصبر والجلد، جاء ليربي في المسلمين قوة الإرادة ورباطة الجأش، ويربي فيهم ملكة الصبر، ويعودهم على احتمال الشدائد، والجلد أمام العقبات ومصاعب الحياة.
قال بن رجب: "والصبر ثلاثة أنواع: صبرٌ على طاعة الله، وصبرٌ عن محارم الله، وصبرٌ على أقدار الله المؤلمة. وتجتمع الثلاثة كلها في الصوم؛ فإن فيه صبراً على طاعة الله، وصبراً عمّا حرم الله على الصائم من الشهوات، وصبراً على ما يحصل للصائم فيه من ألم الجوع والعطش، وضعف النفس والبدن". 
إن رمضان شهر الخلوة والمخاض من أجل ولادة سنوية جديدة، فرغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف من لم يجدد التوبة والأوبة والعودة إلى رحاب الإيمان، ورغم أنف من لم يكسر عاداته القبيحة، ويقوم بعملية برمجة جديدة لنظام حياته، خاصة أن الجو الإيماني في هذا الشهر مهيأ، والنفوس صافية، والرحمات غزيرة، والبركات وفيرة.
رمضان فرصة لتنظر في أملك في هذه الدنيا، وفي حياتك طولها وقصرها، وفي الدنيا وغرورها، وفتنتها، وفي الناس وآفاتهم، فرمضان قد جاءك لتغيير ذلك كله، لتحيى بروح جديدة.
إن رمضان شهر تربوي حيوي، تفاعلي، تلاحمي، رمضان هو شهر انتصار الإنسان، بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى، انتصار على الشيطان، انتصار على الشهوات، انتصار على السيئات، انتصار نفخة الروح على طينة الأرض، رمضان فرصة لتغيير شخصياتنا إلى الأفضل، لتحويلها إلى شخصية ودودة أكثر اجتماعية، وأكثر تدينا، وأكثر تلاحمًا وترابطًا مع أفراد الأسرة بل والمجتمع والأمة بأسرها، رمضان شهر الجود، وطيب النفس، ليس شهر الخمول والتكاسل وضيق الصدر والتضجر من كل شيء.

على دروب الصوم نرتقي

على دروب الصوم نرتقي

والعابدون في رمضان سادة الناس الذين أدركوا بنور بصيرتهم أن رمضان فرصة قد لا تعود إليهم، وربما لن يعيشوا ليدركوها ثانية، فاغتنموا كل لحظاته وساعاته وأيامه بالتقرب إلى الله توبة وعبادة، وعطفًا على الفقراء، وصلة الأرحام، وزيارة البيت الحرام، وغيرها من أنواع البر والإكرام، فرمضان شهر عطاءٍ وإقبالٍ وبذلٍ وأوبةٍ..


الناس في شهر رمضان دروبهم شتى، ومسالكهم لا تعد ولا تحصى، فهم بين متعبد ومبتعد، منهم الصوام القوام ومنهم النومان، منهم سهره في القيام، ومنهم سهره مع القيان والخلان، منهم النهم للقرآن ومنهم النهم للأكل والحلوان، منهم الخلوق ومنهم الغضوب، منهم من يظل على حاله من الإيمان، ومنهم من يتغير بعد رمضان.
والعابدون في رمضان سادة الناس الذين أدركوا بنور بصيرتهم أن رمضان فرصة قد لا تعود إليهم، وربما لن يعيشوا ليدركوها ثانية، فاغتنموا كل لحظاته وساعاته وأيامه بالتقرب إلى الله توبة وعبادة، وعطفًا على الفقراء، وصلة الأرحام، وزيارة البيت الحرام، وغيرها من أنواع البر والإكرام، فرمضان شهر عطاءٍ وإقبالٍ وبذلٍ وأوبةٍ؛ إنه شهر القرآن والصدقات والصفاء والصدق، وقمينٌ بنا تعزيز هذه المظاهر الرمضانية الإيجابية في دواخلنا وفي مجتمعنا، فالله لا يغير ما بقوم -ولم يقل ما بشخص- حتى يغيروا ما بأنفسهم.
رمضان المطهّر:
عندما تهب نفحات هذا الشهر الكريم فإنها تعلن عن ثورة على المألوف، وتحول وتغيير كامل في منظومة الحياة الكونية والتعبدية والاجتماعية والوظيفية، نجد كل شيء وقد تغيرَ من أجل رمضان، فهذه أبواب الجنة قد فتحت، وغلّقت أبوابالنار، وصفِّد الأعداء الألداء من الشياطين ومردة الجن، وتنزل الملائكة الكرام بالرحمات، خاصة في سيدة الليالي (ليلةِالقدر)، ويشهد البشر موسم خيرات فريد، يبسط الرحمن فيه يده فيعطي ويجزل، ويضاعف فيه ثواب الأعمال، ويسطع فيه نجم الإيمان، وتقل فيه دواعي المعصية، كل هذه التغييرات تحدث في سيد الشهور على غير عادة في غيره.
إن ثورة التغيير التي أحدثها هذا الضيفُ الكريم في عالمنا وحياتنا تكتسح ما بدواخلنا لإحداث نقلةٍ رُوحية وجسدية، فالقلوب فيه مقبلة على ربها، والهمم فيه سامية عن الشهوات، والنفوس متخلصة من أسْر المعاصي، والقوى الحيوانية في الإنسان خاضعة للقوى الروحية.
ولذلك ينبغي أن يكون هذا الشهر الفضيل شهر مراجعة وتفكير وتأمل ومحاسبة للنفس، وفرصة سانحة للوقوف مع الذات وتصحيح المسار، إذ حينما يمتنع الإنسان في هذا الشهر الكريم عن الطعام والشراب، وبقية الشهوات التي يلتصق بها يوميًا، فإنه يكون قد تخلص من تلك الانجذابات الأرضية، مما يعطيه فرصة للانتباه نحو ذاته العليا، وتأتي تلك الأجواء الروحية والإيمانية الرائعة، لتحسّن من فرص الاستفادة من هذه النفحة الربانية، ولذلك فقد كان السلفُ يسمُّون رمضان (المطهّر)، ويسألون الله تعالى قبل قدومه بزمن طويل أن يبلغهم الشهر الكريم.
معالجة النفس:
هناك علاقة قوية لا تنفصم بين الصوم كتشريع، والأخلاق كسلوك، والعقيدة كأساس وقاعدة، أما عن العلاقة بين الصوم والأخلاق فيلخصها جابر رضي الله عنه بهذه التوجيهات الرائعة، حيث يقول: "إذا صمت فليصم سمعك وبصرك من المحارم، ولسانك من الكذب، ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء".
وعلاقة الصوم بالعقيدة واضحة من خلال توجيه النداء بالصيام إلى (المؤمنين)، الذين يؤدون التكاليف لصحة وكمال اعتقادهم بالله العلي الحكيم؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183].
ففي رمضان تسلم القلوبُ من وَحَرها وحسدها وحقدها وغشها وخيانتها، وتسلم من الشحناء والبغضاء، ومن التهاجر والتقاطع، لتعود إلى فطرتها الحقيقة؛ قال عليه الصلاة والسلام: «صومُ شهر الصبر وثلاثةِ أيام من كل شهر يُذهبن وَحَرَ الصدر» (صحيح الجامع:3804)، وسلامة القلب سبيل النجاة في الدنيا والآخرة.
وبالصيام يسلم اللسانُ من قول الزور واللغو، واللعن والباطل والكذب، ومن الغيبة والنميمة وغيرها؛ قال رسول الهدى عليه الصلاة والسلام: «من لم يدَعْ قولَ الزور والعملَ به، فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه» (البخاري:1903)، وقال أيضا: «ليس الصيامُ من الأكل والشراب، إنما الصيامُ من اللغو والرفث؛ فإن سابك أحد أو جهل عليك فقُل: إني صائم إني صائم» (صحيح الجامع:5376)، وهكذا بقية الجوارح، وبقية الأعمال، تدخل دورة تربوية لتصلح وتتغير نحو الأفضل لمن صدق مع خالقه، فيصدقه فيما يعمل. 
إن غاية الصيام معالجةُ النفس وإصلاحها لتكتسب بعدها الإرادةَ الصارمة، والعزيمة الجادة على طريق الإصلاح، فالصوم تجربة فريدة في ترويض النفس لتتهذب بأجمل الآداب، وتقوية العزيمة لترتقي نحو الكمال، وتحرير الإرادة لتتخلص من أسر الشهوات، إنها تجربة جديرة في ذاتها بالتقدير والاعتبار، لما لها من أثر بالغ في دعم شخصية المسلم وصقلها، وتنقيتها من أدران الضعف والوهن والخمول.
رمضان مصدر يمدنا بطاقة إيمانية لسائر عامنا، والمحرومُ من حَرَمه كسله من التزود من تلكم الطاقة اللازمة لصناعة الأعمال الصالحة؛ المسعدة في الدنيا، والمنجية في الآخرة، ما أجمل أن يكون شهر رمضان موسم استقطابٍ وتحسينٍ وتغييرٍ للأفضل وبثٍّ للروح الإيجابية في ناشئة العرب والمسلمين ورجالهم ونسائهم؛ حتى يعلم كلُّ واحدٍ منهم أنه على ثغرٍ في عمله القلبي والظاهر وفي سلوكه ولباسه وحديثه، وفي واجبه تجاه مجتمعه الصغير والكبير، وحينها سترتفعُ عن أمتنا الذلة وتؤول المسكنة إلى أهلها، ونكون خير أمة أخرجت للناس.
محطة المخاض:
الصقر هو أطول أنواع الطيور عمرًا، حيث يعيش حتى 70 عامًا، ولكن حتى يعيش هذا العمر الطويل عليه اتخاذ قرارًا صعبًا، فعندما يبلغ عمره 40 عامًا، تعجز أظافره التي كانت تتميز بالمرونة عن الإمساك بفريسته التي هي مصدر غذاءه، ويصبح منقاره القوي الحاد معقوفًا شديد الانحناء بسبب تقدمه في العمر، كما تصبح أجنحته ثقيلة بسبب كثافة ريشها، وتلتصق بالصدر ويصبح الطيران في غاية الصعوبة بالنسبة له، هذه الظروف تضع الصقر أمام خيارين، إما أن يستسلم للموت، أو أن يخضع نفسه لعملية تغيير مؤلمة تستمر 150 يومًا..
وتتطلب العملية أن يقوم الصقر بالتحليق إلى عشه فوق قمة الجبل، ثم يقوم الصقر نفسه بضرب منقاره على صخرة بشدة حتى تنكسر مقدمته المعقوفة، وعند الانتهاء من كسر مقدمة المنقار ينتظر الصقر حتى ينمو المنقار من جديد، ثم يقوم بعد ذلك بكسر مخالبه أيضًا! وبعد أن تنمو المخالب الجديدة يبدأ في نتف ريشه القديم، وبعد خمسة أشهر يتجدد كل شيء، ويطير الصقر وكأنه ولد من جديد ليعيش 30 سنة أخرى بإذن الله تعالى.
إن الوصول إلى معالي الأمور لن يكون إلا على جسور الصبر والتعب، ورمضان محطة الصبر والجلد، جاء ليربي في المسلمين قوة الإرادة ورباطة الجأش، ويربي فيهم ملكة الصبر، ويعودهم على احتمال الشدائد، والجلد أمام العقبات ومصاعب الحياة.
قال بن رجب: "والصبر ثلاثة أنواع: صبرٌ على طاعة الله، وصبرٌ عن محارم الله، وصبرٌ على أقدار الله المؤلمة. وتجتمع الثلاثة كلها في الصوم؛ فإن فيه صبراً على طاعة الله، وصبراً عمّا حرم الله على الصائم من الشهوات، وصبراً على ما يحصل للصائم فيه من ألم الجوع والعطش، وضعف النفس والبدن". 
إن رمضان شهر الخلوة والمخاض من أجل ولادة سنوية جديدة، فرغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف من لم يجدد التوبة والأوبة والعودة إلى رحاب الإيمان، ورغم أنف من لم يكسر عاداته القبيحة، ويقوم بعملية برمجة جديدة لنظام حياته، خاصة أن الجو الإيماني في هذا الشهر مهيأ، والنفوس صافية، والرحمات غزيرة، والبركات وفيرة.
رمضان فرصة لتنظر في أملك في هذه الدنيا، وفي حياتك طولها وقصرها، وفي الدنيا وغرورها، وفتنتها، وفي الناس وآفاتهم، فرمضان قد جاءك لتغيير ذلك كله، لتحيى بروح جديدة.
إن رمضان شهر تربوي حيوي، تفاعلي، تلاحمي، رمضان هو شهر انتصار الإنسان، بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى، انتصار على الشيطان، انتصار على الشهوات، انتصار على السيئات، انتصار نفخة الروح على طينة الأرض، رمضان فرصة لتغيير شخصياتنا إلى الأفضل، لتحويلها إلى شخصية ودودة أكثر اجتماعية، وأكثر تدينا، وأكثر تلاحمًا وترابطًا مع أفراد الأسرة بل والمجتمع والأمة بأسرها، رمضان شهر الجود، وطيب النفس، ليس شهر الخمول والتكاسل وضيق الصدر والتضجر من كل شيء.

رمضان نصائح تربوية وبرامج عملية


اعلم أنه لا يتم التقرب إلى الله تعالى بترك هذه الشهوات المباحة -أي الأكل والشرب والجماع- في غير حالة الصيام إلا بعد التقرب إليه بترك ما حرمه الله في كل حال، من الكذب والظلم والعدوان على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».

بسم الله الرحمن الرحيم..
الطاعة في الحياة الدنيا هي أكبر (هدف) يعيش له المسلم، يرجو إيجابياته، ويتطلع إلى مكاسبه، وينشد ثمرته العاجلة بالتوفيق في الدنيا والآجلة بالفوز بجنة الخلد في الآخرة، وانظر إلى حالة الندم والحسرة حين الاحتضار لمن عاش حياته بدون هذا الهدف النبيل، قال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ . لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 99-100].
إن حياة القلب ونوره وانشراحه وانبساطه في عبادة الله تبارك وتعالى، وأغلى ثمرة للطاعة محبة الله تعالى ومعيته وتوفيقه ومدده، كما في الحديث القدسي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته» (البخاري). 
لذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إن في القلب لفراغ لا يملئه إلا الإيمان".
وفقه الوقت من أهم الوسائل التي ينبغي أن يعتني بها المسلم الصادق، خاصة مواسم الطاعات كشهر رمضان بما يشمله من كنوز الرحمات والبركات، وبالأخص ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، فليكن شعارنا في رمضان (التجلد خير من التبلد، والعالي يرجو المعالي).
إن رمضان (شهر الصبر) صبر على الطاعات وصبر عن المعاصي، لذلك فهو محطة تربوية وفرصة سنوية لمراجعة الذات فرمضان فرصة لالتزام الصحيح وترك القبيح، وتعديل مساراتنا الفكرية والسلوكية مع ما يستلزم ذلك من معاناة، ولكنها معاناة يستطيبها المؤمن ما دام فيها رضى الله عز وجل، يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في شرح رياض الصالحين: "قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: «الصلاة نور، والصبر ضياء» (رواه مسلم)، الفرق بين النور في الصلاة والضياء في الصبر؛ أن الضياء في الصبر مصحوب بحرارة لما في ذلك من التعب القلبي والبدني في بعض الأحيان".
صبرت عن اللذات حتى تولت *** وألزمت نفسي هجرها فاستمرتِ
وكانت على الأيام نفسي عزيزة *** فلما رأت صبري على الذل ذلتِ
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى *** فإن تُوِّقَتْ تاقت وإلا تسلتِ
الطريق من هنا:
• ليكن رمضان ساحة عملية لتأدية العبادات على وجهها الأكمل كما يحب ربنا ويرضى، فمع صوم البطن يكون صوم الباطن من مجافاة الرفث والفسوق والعصيان وصيانة كافة الجوارح..
قال ابن رجب: "اعلم أنه لا يتم التقرب إلى الله تعالى بترك هذه الشهوات المباحة -أي الأكل والشرب والجماع- في غير حالة الصيام إلا بعد التقرب إليه بترك ما حرمه الله في كل حال، من الكذب والظلم والعدوان على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (البخاري) وفي حديث آخر: «ليس الصيام من الطعام والشراب، إنما الصيام من اللغو والرفث» (قال أبو موسى المديني: هو على شرط مسلم)
ولهذا المعنى والله أعلم ورد في القرآن بعد ذكر تحريم الطعام والشراب على الصائم بالنهار، ذكر تحريم أكل أموال الناس بالباطل، فقال تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:188] فإن تحريم هذا عام في كل زمان ومكان، بخلاف الطعام والشراب، فكان إشارة إلى أن من امتثل أمر الله في اجتناب الطعام والشراب في نهار صومه، فليمتثل أمره في اجتناب أكل الأموال بالباطل، فإنه محرم بكل حال لا يباح في وقت من الأوقات (لطائف المعارف لابن رجب).
أهل الخصوص من الصوام صومهم *** صون اللسان عن البهتان والكذب
والعارفون وأهل الأنس صومهم *** صون القلوب عن الأغيار والحجب
• ينبغي أن يكون حظك من الصلاة الحظ الأوفر من إقامة الصلوات الخمس في أول أوقاتها في الجماعة، في الصف الأول مع إدراك تكبيرة الإحرام، والمحافظة على أذكار ختام الصلاة، والسنن الرواتب، والنوافل، قال صلى الله عليه وسلم: «من خرج من بيته متطهرًا إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين» (صحيح الترغيب والترهيب).
• شهر رمضان (شهر القرآن)، قال صلى الله عليه وسلم: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه قال: فيشفعان له» (صحيح الترغيب والترهيب).
وللسلف رحمهم الله أحوال مشرقة مع القرآن في رمضان، فقد كان جبريلُ يُعارضُ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم القُرْآنَ في رمضانَ كلَّ سنةٍ مرّةً، فَلَمَّا كان العامُ الَّذي تُوُفِّي فيه عارضَه مرَّتين تأكيدًا وتثبيتًا.
وكان الزُّهْرِيُّ رحمه الله إذا دخلَ رمضانُ يقول: "إنما هو تلاوةُ القرآنِ وإطْعَامُ الطَّعامِ".
وكان مالكٌ رحمه الله إذا دخلَ رمضانُ تركَ قراءةَ الحديثِ وَمَجَالسَ العلمِ وأقبَل على قراءةِ القرآنِ من المصْحف.
وكان قتادةُ رحمه الله يخْتِم القرآنَ في كلِّ سبعِ ليالٍ دائمًا، وفي رمضانَ في كلِّ ثلاثٍ، وفي العشْرِ الأخير منه في كلِّ ليلةٍ.
وكان إبراهيمُ النَخعِيُّ رحمه الله يختم القرآن في رمضان في كلِّ ثلاثِ ليالٍ، وفي العشر الأواخِرِ في كلِّ ليلتينِ.
وكان الأسْودُ بن يزيد رحمه الله يقرأ القرآنَ كلَّه في ليلتين في جميع الشَّهر.
إن شهر رمضان شهر الذكر والدعاء بامتياز، قال صلى الله عليه وسلم: «إن لكل مسلم في كل يوم وليلة دعوة مستجابة» (رواه البزار، وصححه الألباني).
• احرص على الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان ما أمكن ذلك، فإن لم تستطع فليالي الوتر من العشر الأواخر من رمضان لغلبة الظن أن فيها ليلة القدر، فلقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى ثم اعتكف أزواجه من بعده، ويا حبذا لو كان الاعتكاف في المسجد الحرام حيث يضاعف الله سبحانه الأجر أضعافًا كثيرة، والعمرة في رمضان تعدل ثواب الحج كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم.
• التقليل من الخلطة إلا لخير راجح، كبر والدين أو صلة رحم أو عمل إغاثي أو دعوي، أو حتى التحفيز على أداء الطاعات كحلقات التلاوة القرآنية والدروس الرمضانية، وإلا فشرف الوقت والشهر يأبى أن يضيع في أحاديث الأسمار والزيارات والولائم التي لا طائل من ورائها.  
• الإحسان للناس طعم خاص في هذا الشهر، وقد قال سيد الأنام صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة غرفًا تُرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها»، فقام أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ فقال: «لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام» (صحيح الجامع:2123)، ومن وجوه الإحسان الخفية المبادرة إلى مصالحة كل مسلم بينك وبينه سوء فهم، وحاول أن يكون لك قصب السبق في هذا الميدان الرمضاني المشرق.
وجامع الكلام هدي نبينا العدنان صلى الله عليه وسلم، حيث يقول ابن القيم رحمه الله في (زاد المعاد): "وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان الإكثار من أنواع العبادات، فكان جبريل عليه السلام يدارسه القرآن في رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجود من الريح المرسلة، وكان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، يكثر الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن والصلاة والذكر والاعتكاف، وكان يخص رمضان من العبادة ما لا يخص به غيره من الشهور، حتى إنه كان ليواصل فيه أحيانًا ليوفر ساعات ليله ونهاره على العبادة".

رمضان نصائح تربوية وبرامج عملية

رمضان نصائح تربوية وبرامج عملية


اعلم أنه لا يتم التقرب إلى الله تعالى بترك هذه الشهوات المباحة -أي الأكل والشرب والجماع- في غير حالة الصيام إلا بعد التقرب إليه بترك ما حرمه الله في كل حال، من الكذب والظلم والعدوان على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».

بسم الله الرحمن الرحيم..
الطاعة في الحياة الدنيا هي أكبر (هدف) يعيش له المسلم، يرجو إيجابياته، ويتطلع إلى مكاسبه، وينشد ثمرته العاجلة بالتوفيق في الدنيا والآجلة بالفوز بجنة الخلد في الآخرة، وانظر إلى حالة الندم والحسرة حين الاحتضار لمن عاش حياته بدون هذا الهدف النبيل، قال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ . لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 99-100].
إن حياة القلب ونوره وانشراحه وانبساطه في عبادة الله تبارك وتعالى، وأغلى ثمرة للطاعة محبة الله تعالى ومعيته وتوفيقه ومدده، كما في الحديث القدسي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته» (البخاري). 
لذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إن في القلب لفراغ لا يملئه إلا الإيمان".
وفقه الوقت من أهم الوسائل التي ينبغي أن يعتني بها المسلم الصادق، خاصة مواسم الطاعات كشهر رمضان بما يشمله من كنوز الرحمات والبركات، وبالأخص ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، فليكن شعارنا في رمضان (التجلد خير من التبلد، والعالي يرجو المعالي).
إن رمضان (شهر الصبر) صبر على الطاعات وصبر عن المعاصي، لذلك فهو محطة تربوية وفرصة سنوية لمراجعة الذات فرمضان فرصة لالتزام الصحيح وترك القبيح، وتعديل مساراتنا الفكرية والسلوكية مع ما يستلزم ذلك من معاناة، ولكنها معاناة يستطيبها المؤمن ما دام فيها رضى الله عز وجل، يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في شرح رياض الصالحين: "قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: «الصلاة نور، والصبر ضياء» (رواه مسلم)، الفرق بين النور في الصلاة والضياء في الصبر؛ أن الضياء في الصبر مصحوب بحرارة لما في ذلك من التعب القلبي والبدني في بعض الأحيان".
صبرت عن اللذات حتى تولت *** وألزمت نفسي هجرها فاستمرتِ
وكانت على الأيام نفسي عزيزة *** فلما رأت صبري على الذل ذلتِ
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى *** فإن تُوِّقَتْ تاقت وإلا تسلتِ
الطريق من هنا:
• ليكن رمضان ساحة عملية لتأدية العبادات على وجهها الأكمل كما يحب ربنا ويرضى، فمع صوم البطن يكون صوم الباطن من مجافاة الرفث والفسوق والعصيان وصيانة كافة الجوارح..
قال ابن رجب: "اعلم أنه لا يتم التقرب إلى الله تعالى بترك هذه الشهوات المباحة -أي الأكل والشرب والجماع- في غير حالة الصيام إلا بعد التقرب إليه بترك ما حرمه الله في كل حال، من الكذب والظلم والعدوان على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (البخاري) وفي حديث آخر: «ليس الصيام من الطعام والشراب، إنما الصيام من اللغو والرفث» (قال أبو موسى المديني: هو على شرط مسلم)
ولهذا المعنى والله أعلم ورد في القرآن بعد ذكر تحريم الطعام والشراب على الصائم بالنهار، ذكر تحريم أكل أموال الناس بالباطل، فقال تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:188] فإن تحريم هذا عام في كل زمان ومكان، بخلاف الطعام والشراب، فكان إشارة إلى أن من امتثل أمر الله في اجتناب الطعام والشراب في نهار صومه، فليمتثل أمره في اجتناب أكل الأموال بالباطل، فإنه محرم بكل حال لا يباح في وقت من الأوقات (لطائف المعارف لابن رجب).
أهل الخصوص من الصوام صومهم *** صون اللسان عن البهتان والكذب
والعارفون وأهل الأنس صومهم *** صون القلوب عن الأغيار والحجب
• ينبغي أن يكون حظك من الصلاة الحظ الأوفر من إقامة الصلوات الخمس في أول أوقاتها في الجماعة، في الصف الأول مع إدراك تكبيرة الإحرام، والمحافظة على أذكار ختام الصلاة، والسنن الرواتب، والنوافل، قال صلى الله عليه وسلم: «من خرج من بيته متطهرًا إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين» (صحيح الترغيب والترهيب).
• شهر رمضان (شهر القرآن)، قال صلى الله عليه وسلم: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه قال: فيشفعان له» (صحيح الترغيب والترهيب).
وللسلف رحمهم الله أحوال مشرقة مع القرآن في رمضان، فقد كان جبريلُ يُعارضُ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم القُرْآنَ في رمضانَ كلَّ سنةٍ مرّةً، فَلَمَّا كان العامُ الَّذي تُوُفِّي فيه عارضَه مرَّتين تأكيدًا وتثبيتًا.
وكان الزُّهْرِيُّ رحمه الله إذا دخلَ رمضانُ يقول: "إنما هو تلاوةُ القرآنِ وإطْعَامُ الطَّعامِ".
وكان مالكٌ رحمه الله إذا دخلَ رمضانُ تركَ قراءةَ الحديثِ وَمَجَالسَ العلمِ وأقبَل على قراءةِ القرآنِ من المصْحف.
وكان قتادةُ رحمه الله يخْتِم القرآنَ في كلِّ سبعِ ليالٍ دائمًا، وفي رمضانَ في كلِّ ثلاثٍ، وفي العشْرِ الأخير منه في كلِّ ليلةٍ.
وكان إبراهيمُ النَخعِيُّ رحمه الله يختم القرآن في رمضان في كلِّ ثلاثِ ليالٍ، وفي العشر الأواخِرِ في كلِّ ليلتينِ.
وكان الأسْودُ بن يزيد رحمه الله يقرأ القرآنَ كلَّه في ليلتين في جميع الشَّهر.
إن شهر رمضان شهر الذكر والدعاء بامتياز، قال صلى الله عليه وسلم: «إن لكل مسلم في كل يوم وليلة دعوة مستجابة» (رواه البزار، وصححه الألباني).
• احرص على الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان ما أمكن ذلك، فإن لم تستطع فليالي الوتر من العشر الأواخر من رمضان لغلبة الظن أن فيها ليلة القدر، فلقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى ثم اعتكف أزواجه من بعده، ويا حبذا لو كان الاعتكاف في المسجد الحرام حيث يضاعف الله سبحانه الأجر أضعافًا كثيرة، والعمرة في رمضان تعدل ثواب الحج كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم.
• التقليل من الخلطة إلا لخير راجح، كبر والدين أو صلة رحم أو عمل إغاثي أو دعوي، أو حتى التحفيز على أداء الطاعات كحلقات التلاوة القرآنية والدروس الرمضانية، وإلا فشرف الوقت والشهر يأبى أن يضيع في أحاديث الأسمار والزيارات والولائم التي لا طائل من ورائها.  
• الإحسان للناس طعم خاص في هذا الشهر، وقد قال سيد الأنام صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة غرفًا تُرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها»، فقام أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ فقال: «لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام» (صحيح الجامع:2123)، ومن وجوه الإحسان الخفية المبادرة إلى مصالحة كل مسلم بينك وبينه سوء فهم، وحاول أن يكون لك قصب السبق في هذا الميدان الرمضاني المشرق.
وجامع الكلام هدي نبينا العدنان صلى الله عليه وسلم، حيث يقول ابن القيم رحمه الله في (زاد المعاد): "وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان الإكثار من أنواع العبادات، فكان جبريل عليه السلام يدارسه القرآن في رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجود من الريح المرسلة، وكان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، يكثر الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن والصلاة والذكر والاعتكاف، وكان يخص رمضان من العبادة ما لا يخص به غيره من الشهور، حتى إنه كان ليواصل فيه أحيانًا ليوفر ساعات ليله ونهاره على العبادة".

رمضان ركاز الشهور والأيام

(رمضان) المعلم الذي يبرهن لنا أن التعلق بغير الله وهم يمكن الاستعلاء والاستغناء عنه إذا أسرنا واستحوذ علينا، فالطعام والشراب والنكاح وسائر الملذات كلها وسائل لغاية أكبر وأجل وأعظم، وهي حسن الخلافة في الأرض..

بسم الله الرحمن الرحيم..
(رمضان) هدية السماء، وبركة أهل الأرض، وخير يفيض لعمر مديد، قال صاحب القول السديد، والشرع المجيد، والمبعوث رحمة للعبيد صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» (متفق عليه)، «من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، كان حقًا على الله أن يدخله الجنة هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها» (البخاري).

«فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة والصيام والصدقة» (متفق عليه).
«الصيام جنة، وحصن حصين من النار» (رواه أحمد)، «الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها» (رواه البخاري). «إن في الجنة بابا يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم» (متفق عليه). «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة» (رواه أحمد). 
«عليك بالصوم فإنه لا مثل له» (رواه النسائي)، «ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله» (رواه مسلم)، «من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال كان كصوم الدهر» (رواه مسلم)، «صيام شهر رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بعده بشهرين فذلك صيام السنة» (صحيح الجامع:3851)، «ينادي مناد كل ليلة: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة» (رواه الترمذي)، ويقول وكيع رحمه الله في تفسير قوله تعال: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} [الحاقة:24]: "هي أيام الصيام".

(رمضان) استراحة نفسية نتخفف فيها من أعبائنا وهمومنا وأحزاننا، ومنحة سماوية نفارق فيها صنوف الرتابة والملل التي غشت أيامنا، وتنطلق فيها الروح في أجواء إيمانية، وثورة نورانية نتعايش فيها أكثر مع القرآن والقيام والبر والإحسان..

إن التعود اليومي على أطيب الوجبات وألذ المشروبات يكسبها نوعًا من الألفة والعادة التي تذهب الإحساس بقيمتها ونعمتها، لذلك فإن قطع هذه الألفة لسويعات بالصيام يوقظ الفطرة المتبلدة، ويبرز قيمة هذه النعم في حياتنا، بل إن طول الشبع يشكل سحابة تحجب نور العقل وإشراقات الروح، ولا تتوارد هذه الفيوضات على مخيلة الوعي إلا بالإخفاء المتناوب لحالات الشبع والتخمة على مستوى الجسد، ولذلك أخرج الطَّبراني بسند جيد: "أَنه صَلى اللَّه عليه وسلم رأَى رَجُلًا عظيم البطنِ، فقال بِأُصبُعه: «لو كان هذا في غيرِ هذا لكان خَيرًا لَك»، وقال لُقْمانُ لابنه: "يا بُنيَّ، إذا امتلأَت المعدةُ نامت الفكرةُ، وخرست الحكمةُ، وقعدت الأَعْضاءُ عن الْعبادة".

(رمضان) فرحة رؤية الهلال حين تتبدى على وجوه الصغار قبل الكبار، وفرحة تجهيز أغراض السحور والإفطار، وفرحة التجمع على مائدة تشمل الأحباب والإخوان والخلان، وفرحة الإعانة على إتمام كل يوم من أيام الصيام، قال صلى الله عليه وسلم: «للصائم فرحتان فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه» (رواه مسلم).

قال ابن رجب رحمه الله: "أما فرحة الصائم عند فطره فإن النفوسَ مجبولةٌ على الميل إلـى ما يلائمها من مطعم ومشرب ومنكح؛ فإذا امتنعت من ذلك في وقت من الأوقات، ثم أبيح لها في وقت آخر، فرحت بإباحة ما منعت منه، خصوصًا عند اشتداد الحاجة إليه؛ فإن النفوسَ تفرح بذلك طبعًا؛ فإن كان ذلك محبوبًا لله كان محبوبًا شرعًا.

والصائمُ عند فطره كذلك، فكما أن الله تعالى حَرَّم على الصائم في نهار الصيام تناولَ هذه الشهواتِ فقد أذن له فيها في ليل الصيام، بل أحب منه المبادرةَ إلى تناولها من أول الليل وآخره؛ فأحب عباد الله إليه أعجلهم فطرًا، والله وملائكته يصلون على المتسحرين؛ فالصائمُ ترك شهواتِه في النهار تقربًا إلى الله، وطاعةً له، وبادر إليها بالليل تقربًا إلى الله، وطاعة له؛ فما تركها إلا بأمر ربه، ولا عاد إليها إلا بأمر ربه؛ فهو مطيعٌ في الحالين؛ ولهذا نُهِيَ عن الوصال؛ فإذا بادر الصائم إلى الفطر تقربًا إلى مولاه، وأكل وشرب وحمد الله فإنه ترجى له المغفرةُ، أو بلوغُ الرضوان بذلك".

إلى أن قال رحمه الله: "ثم إنه ربما استجيب دعاؤه عند فطره، وعند ابن ماجة: «إن للصائم عند فطره دعوةً لا تُرد». وإن نوى بأكله وشربه تقوية بدنه على القيام والصيام كان مثابًا على ذلك، كما أنه إن نوى بنومه في الليل والنهار التقوّيَ على العمل كان نومُه عبادة".

إلى أن قال: "ومن فهم هذا الذي أشرنا إليه، لم يتوقف في معنى فرحه عند فطره؛ فإن فطره على الوجه المشار إليه من فضل الله ورحمته، فيدخل في قوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [ٍيونس:58]"، ثم قال: "وأما فرحه عند لقاء ربه، ففيما يجده عند الله من ثواب الصيام مدَّخرًا؛ فيجده أحوجَ ما كان إليه كما قال تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا} [المزمل:20]" (لطائف المعارف:1/168)، فأكرم برمضان شهر الفرحة.

(رمضان)، ساحة السكينة، ومأوى الفضيلة، وطارد الرذيلة، ومحضن كل الأشياء الجميلة، حتى أن خلوف فم الصائم يستحيل جمالًا وروعة وبهاء، قال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» (متفق عليه)

(رمضان) فاتح أبواب الخير، موصد منافذ الشر، قامع الشياطين، ومسلسل مردة الجن، قال صلى الله عليه وسلم: «أتاكم شهر رمضان شهر مبارك فرض الله عليكم صيامه تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، وفيه ليلة هي خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم» (صحيح الجامع:55)، «تفتح فيه أبواب الجنة»، وفي رواية «أبواب السماء»، وهي كناية عن تواتر هبوط غيث الرحمة وتوالي صعود الطاعة بلا مانع ومعاوق، ويشهد له قوله «وتغلق فيه أبواب الجحيم» كناية عن تنزه أنفس الصوام عن رجس الآثام وكبائر الذنوب العظام، وتكون صغائره مكفرة ببركة الصيام، ولا مانع أيضًا من فتح الجنة وغلق النار على الحقيقة.

(رمضان) كابح الشهوات الجامحة، وقامع لنار الغرائز الحارقة، وصمام الأمان لاندفاعنا وغضبنا، وموقظ ضمائرنا، ومجلي بصائرنا، ومعالج لأمراض قلوبنا من غل وحقد وحسن، ومهذب لسلوكنا من أوضار الغيبة والنميمة والغش والخديعة، وسائر المفاسد التي مقتتها الشريعة، شعار المؤمن فيه: "إني صائم، إني صائم".

(رمضان) يتجلى فيه شرف الزمان، وتعظم فيه أجر الطاعات، فالعمرة في رمضان ليست كأي عمرة، ومأدبة القرآن ليست كأي مأدبة، والصدقة فيه ليست كأي صدقة، وليلة القدر ليست كأي ليلة، والأحداث في رمضان ليست كأي حدث، قال صلى الله عليه وسلم: «عمرة في رمضان كحجة معي» (صحيح الجامع:4098)، وروى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيُدارسه القرآن، فالرسول الله صلى الله عليه وسلم أجودُ بالخير من الريح المرسَلة".

وقال صلى الله عليه وسلم: «ليلة القدر ليلة سابعة أو تاسعة وعشرين، إن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى» (حسن الجامع الصغير:5473) «أنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من شهر رمضان، وأنزلت التوراة لست مضت من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة مضت من رمضان، وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان» (حسن، الجامع الصغير:1497)

(رمضان) الذي يأخذنا قسرًا إلى الضعيف والمسكين والملهوف وذا الحاجة، نحس بمعاناتهم إحساسًا واقعيًا بعيدًا عن وصف الكلمات، ومن عاين ليس كمن سمع، فيدفعنا بقناعة على أن نخرج من أنانيتنا والانهماك في تحقيق رغباتنا، إلى الالتفاف حول جراح الغير لاحتوائها، وساعتها نحس بلذة أعظم من لذة الاستماع برغباتنا، فالأولى لذة خالطتها إنسانيتنا، والثانية لذة خالطتها حيوانيتنا، وشتان بين الإنسان القابع بدواخلنا، والحيوان الذي تحركه غرائزنا، فمن عاش لنفسه عاش صغيرًا ومات صغيرًا، ومن عاش لغيره عاش كبيرًا ومات كبيرًا.

(رمضان) المعلم الذي يبرهن لنا أن التعلق بغير الله وهم يمكن الاستعلاء والاستغناء عنه إذا أسرنا واستحوذ علينا، فالطعام والشراب والنكاح وسائر الملذات كلها وسائل لغاية أكبر وأجل وأعظم، وهي حسن الخلافة في الأرض، قال الشاعر:
والنفس راغبة إذا رغبتها *** وإذا ترد إلى قليل تقنع
فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه وصفاته أن يرزقنا وإياكم حلاوة اليقين، وأن يرزقنا وإياكم كمال الإيمانبالله رب العالمين، اللهم إنا نسألك يقينًا لا يخالطه شك، ونسألك إيمانًا لا يخالطه شرك، ونسألك الصدق في حبك والشوق إلى لقائك، إنك ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.

رمضان ركاز الشهور والأيام

رمضان ركاز الشهور والأيام

(رمضان) المعلم الذي يبرهن لنا أن التعلق بغير الله وهم يمكن الاستعلاء والاستغناء عنه إذا أسرنا واستحوذ علينا، فالطعام والشراب والنكاح وسائر الملذات كلها وسائل لغاية أكبر وأجل وأعظم، وهي حسن الخلافة في الأرض..

بسم الله الرحمن الرحيم..
(رمضان) هدية السماء، وبركة أهل الأرض، وخير يفيض لعمر مديد، قال صاحب القول السديد، والشرع المجيد، والمبعوث رحمة للعبيد صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» (متفق عليه)، «من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، كان حقًا على الله أن يدخله الجنة هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها» (البخاري).

«فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة والصيام والصدقة» (متفق عليه).
«الصيام جنة، وحصن حصين من النار» (رواه أحمد)، «الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها» (رواه البخاري). «إن في الجنة بابا يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم» (متفق عليه). «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة» (رواه أحمد). 
«عليك بالصوم فإنه لا مثل له» (رواه النسائي)، «ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله» (رواه مسلم)، «من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال كان كصوم الدهر» (رواه مسلم)، «صيام شهر رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بعده بشهرين فذلك صيام السنة» (صحيح الجامع:3851)، «ينادي مناد كل ليلة: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة» (رواه الترمذي)، ويقول وكيع رحمه الله في تفسير قوله تعال: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} [الحاقة:24]: "هي أيام الصيام".

(رمضان) استراحة نفسية نتخفف فيها من أعبائنا وهمومنا وأحزاننا، ومنحة سماوية نفارق فيها صنوف الرتابة والملل التي غشت أيامنا، وتنطلق فيها الروح في أجواء إيمانية، وثورة نورانية نتعايش فيها أكثر مع القرآن والقيام والبر والإحسان..

إن التعود اليومي على أطيب الوجبات وألذ المشروبات يكسبها نوعًا من الألفة والعادة التي تذهب الإحساس بقيمتها ونعمتها، لذلك فإن قطع هذه الألفة لسويعات بالصيام يوقظ الفطرة المتبلدة، ويبرز قيمة هذه النعم في حياتنا، بل إن طول الشبع يشكل سحابة تحجب نور العقل وإشراقات الروح، ولا تتوارد هذه الفيوضات على مخيلة الوعي إلا بالإخفاء المتناوب لحالات الشبع والتخمة على مستوى الجسد، ولذلك أخرج الطَّبراني بسند جيد: "أَنه صَلى اللَّه عليه وسلم رأَى رَجُلًا عظيم البطنِ، فقال بِأُصبُعه: «لو كان هذا في غيرِ هذا لكان خَيرًا لَك»، وقال لُقْمانُ لابنه: "يا بُنيَّ، إذا امتلأَت المعدةُ نامت الفكرةُ، وخرست الحكمةُ، وقعدت الأَعْضاءُ عن الْعبادة".

(رمضان) فرحة رؤية الهلال حين تتبدى على وجوه الصغار قبل الكبار، وفرحة تجهيز أغراض السحور والإفطار، وفرحة التجمع على مائدة تشمل الأحباب والإخوان والخلان، وفرحة الإعانة على إتمام كل يوم من أيام الصيام، قال صلى الله عليه وسلم: «للصائم فرحتان فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه» (رواه مسلم).

قال ابن رجب رحمه الله: "أما فرحة الصائم عند فطره فإن النفوسَ مجبولةٌ على الميل إلـى ما يلائمها من مطعم ومشرب ومنكح؛ فإذا امتنعت من ذلك في وقت من الأوقات، ثم أبيح لها في وقت آخر، فرحت بإباحة ما منعت منه، خصوصًا عند اشتداد الحاجة إليه؛ فإن النفوسَ تفرح بذلك طبعًا؛ فإن كان ذلك محبوبًا لله كان محبوبًا شرعًا.

والصائمُ عند فطره كذلك، فكما أن الله تعالى حَرَّم على الصائم في نهار الصيام تناولَ هذه الشهواتِ فقد أذن له فيها في ليل الصيام، بل أحب منه المبادرةَ إلى تناولها من أول الليل وآخره؛ فأحب عباد الله إليه أعجلهم فطرًا، والله وملائكته يصلون على المتسحرين؛ فالصائمُ ترك شهواتِه في النهار تقربًا إلى الله، وطاعةً له، وبادر إليها بالليل تقربًا إلى الله، وطاعة له؛ فما تركها إلا بأمر ربه، ولا عاد إليها إلا بأمر ربه؛ فهو مطيعٌ في الحالين؛ ولهذا نُهِيَ عن الوصال؛ فإذا بادر الصائم إلى الفطر تقربًا إلى مولاه، وأكل وشرب وحمد الله فإنه ترجى له المغفرةُ، أو بلوغُ الرضوان بذلك".

إلى أن قال رحمه الله: "ثم إنه ربما استجيب دعاؤه عند فطره، وعند ابن ماجة: «إن للصائم عند فطره دعوةً لا تُرد». وإن نوى بأكله وشربه تقوية بدنه على القيام والصيام كان مثابًا على ذلك، كما أنه إن نوى بنومه في الليل والنهار التقوّيَ على العمل كان نومُه عبادة".

إلى أن قال: "ومن فهم هذا الذي أشرنا إليه، لم يتوقف في معنى فرحه عند فطره؛ فإن فطره على الوجه المشار إليه من فضل الله ورحمته، فيدخل في قوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [ٍيونس:58]"، ثم قال: "وأما فرحه عند لقاء ربه، ففيما يجده عند الله من ثواب الصيام مدَّخرًا؛ فيجده أحوجَ ما كان إليه كما قال تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا} [المزمل:20]" (لطائف المعارف:1/168)، فأكرم برمضان شهر الفرحة.

(رمضان)، ساحة السكينة، ومأوى الفضيلة، وطارد الرذيلة، ومحضن كل الأشياء الجميلة، حتى أن خلوف فم الصائم يستحيل جمالًا وروعة وبهاء، قال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» (متفق عليه)

(رمضان) فاتح أبواب الخير، موصد منافذ الشر، قامع الشياطين، ومسلسل مردة الجن، قال صلى الله عليه وسلم: «أتاكم شهر رمضان شهر مبارك فرض الله عليكم صيامه تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، وفيه ليلة هي خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم» (صحيح الجامع:55)، «تفتح فيه أبواب الجنة»، وفي رواية «أبواب السماء»، وهي كناية عن تواتر هبوط غيث الرحمة وتوالي صعود الطاعة بلا مانع ومعاوق، ويشهد له قوله «وتغلق فيه أبواب الجحيم» كناية عن تنزه أنفس الصوام عن رجس الآثام وكبائر الذنوب العظام، وتكون صغائره مكفرة ببركة الصيام، ولا مانع أيضًا من فتح الجنة وغلق النار على الحقيقة.

(رمضان) كابح الشهوات الجامحة، وقامع لنار الغرائز الحارقة، وصمام الأمان لاندفاعنا وغضبنا، وموقظ ضمائرنا، ومجلي بصائرنا، ومعالج لأمراض قلوبنا من غل وحقد وحسن، ومهذب لسلوكنا من أوضار الغيبة والنميمة والغش والخديعة، وسائر المفاسد التي مقتتها الشريعة، شعار المؤمن فيه: "إني صائم، إني صائم".

(رمضان) يتجلى فيه شرف الزمان، وتعظم فيه أجر الطاعات، فالعمرة في رمضان ليست كأي عمرة، ومأدبة القرآن ليست كأي مأدبة، والصدقة فيه ليست كأي صدقة، وليلة القدر ليست كأي ليلة، والأحداث في رمضان ليست كأي حدث، قال صلى الله عليه وسلم: «عمرة في رمضان كحجة معي» (صحيح الجامع:4098)، وروى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيُدارسه القرآن، فالرسول الله صلى الله عليه وسلم أجودُ بالخير من الريح المرسَلة".

وقال صلى الله عليه وسلم: «ليلة القدر ليلة سابعة أو تاسعة وعشرين، إن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى» (حسن الجامع الصغير:5473) «أنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من شهر رمضان، وأنزلت التوراة لست مضت من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة مضت من رمضان، وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان» (حسن، الجامع الصغير:1497)

(رمضان) الذي يأخذنا قسرًا إلى الضعيف والمسكين والملهوف وذا الحاجة، نحس بمعاناتهم إحساسًا واقعيًا بعيدًا عن وصف الكلمات، ومن عاين ليس كمن سمع، فيدفعنا بقناعة على أن نخرج من أنانيتنا والانهماك في تحقيق رغباتنا، إلى الالتفاف حول جراح الغير لاحتوائها، وساعتها نحس بلذة أعظم من لذة الاستماع برغباتنا، فالأولى لذة خالطتها إنسانيتنا، والثانية لذة خالطتها حيوانيتنا، وشتان بين الإنسان القابع بدواخلنا، والحيوان الذي تحركه غرائزنا، فمن عاش لنفسه عاش صغيرًا ومات صغيرًا، ومن عاش لغيره عاش كبيرًا ومات كبيرًا.

(رمضان) المعلم الذي يبرهن لنا أن التعلق بغير الله وهم يمكن الاستعلاء والاستغناء عنه إذا أسرنا واستحوذ علينا، فالطعام والشراب والنكاح وسائر الملذات كلها وسائل لغاية أكبر وأجل وأعظم، وهي حسن الخلافة في الأرض، قال الشاعر:
والنفس راغبة إذا رغبتها *** وإذا ترد إلى قليل تقنع
فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه وصفاته أن يرزقنا وإياكم حلاوة اليقين، وأن يرزقنا وإياكم كمال الإيمانبالله رب العالمين، اللهم إنا نسألك يقينًا لا يخالطه شك، ونسألك إيمانًا لا يخالطه شرك، ونسألك الصدق في حبك والشوق إلى لقائك، إنك ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.

ليالي رمضان ليالي الخير والإحسان

من بركات الليالي الرمضانية تعجيل الفطر الذي هو سنة نبوية وسمة إسلامية، نخالف بها أهل الكتاب، وفي هذا من ترسيخ للهوية الإسلامية وفضيلة اتباع السنة المحمدية ما لا يُحد خيره ولا تُحصى بركته، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور».


بسم الله الرحمن الرحيم..
ليالي رمضان ليال ذات أجواء إيمانية خاصة، مفعمة بالبركة والروحانية العالية، ليال تقترب فيها القلوب المؤمنة من السماء، وتحلق الأرواح الزكية في جنان الطاعة، وتستشعر النفوس الصائمة الصلة برحمة الله تعالى وجوده وكرمة الذي يفيض على عباده في هذا الشهر الفضيل.
قال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا كَانَتْ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فتّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهنّم، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وينادَى مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ» (الترمذي).
تبدأ الليلة الرمضانية بالفرحة عند انطلاق أذان المغرب وإفطار الصائم، تلك الفرحة التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقى ربه فرح بصومه» (مسلم).
قال ابن رجب رحمه الله: "أما فرحة الصائم عند فطره: فإن النفوس مجبولة على الميل إلى ما يلائمها من مطعم ومشرب ومنكح، فإذا منعت من ذلك في وقت من الأوقات، ثم أبيح لها في وقت آخر فرحت بإباحة ما منعت منه، خصوصًا عند اشتداد الحاجة إليه، فإن النفوس تفرح بذلك طبعًا"
وقال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله: "وفيه الإشارة إلى أن الصائم إذا قارب فطره، وحصلت له هذه الفرحة، فإنها تقابل ما مر عليها في نهاره من مشقة ترك الشهوات، فهي من باب التنشيط، وإنهاض الهمم على الخير".
ومن بركات الليالي الرمضانية تعجيل الفطر الذي هو سنة نبوية وسمة إسلامية، نخالف بها أهل الكتاب، وفي هذا من ترسيخ للهوية الإسلامية وفضيلة اتباع السنة المحمدية ما لا يُحد خيره ولا تُحصى بركته، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور» (البخاري).
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الدين ظاهرًا» وظهور الدين مستلزم لدوام الخير كما قال ابن حجر العسقلاني، وقال أيضًا: "امتثالا للسنة واقفين عند حدها غير متنطعين بعقولهم ما يغير قواعدها"، زاد أبو هريرة في حديثه: «لأن اليهود والنصارى يؤخرون» (أخرجه أبو داود وابن خزيمة وغيرهما). 
وتأخير أهل الكتاب له أمد، وهو ظهور النجم، وقد روى ابن حبان والحاكم من حديث سهل أيضًا بلفظ: «لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم»، وفيه بيان العلة في ذلك، قال المهلب: "والحكمة في ذلك أن لا يزاد في النهار من الليل، ولأنه أرفق بالصائم وأقوى له على العبادة" (فتح الباري).
قال شيخ الإسلام: "وهذا نص في أن ظهور الدين الحاصل بتعجيل الفطر لأجل مخالفة اليهود والنصارى، وإذا كان مخالفتهم سببًا لظهور الدين فإنما المقصود بإرسال الرسل أن يظهر دين الله على الدين كله، فيكون نفس مخالفتهم من أكبر مقاصد البعثة".
ومن بركة الاتباع في هذه الليالي الفطر وفقًا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم فقد جاء في سنن أبي داود والترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَعَلَى تَمَرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاء»، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه: «كَانَ لَا يُصَلِّي الْمَغْرِبَ حَتَّى يُفْطِرَ، وَلَوْ عَلَى شَرْبَةٍ مِنْ مَاء» (الحاكم في المستدرك).
قال أهل العلم: "يجب على كلِّ مسلم أن يدرك فضل اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وأنَّ السعادة إنَّما تنال باتباعه والسير على نهجه، فلم يبعث الله تعالى الرسل إلا ليُتَّبعوا ولتقتفى آثارهم، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء:64] وفضل اتباع النبي صلى الله عليه وسلم من الأمور المتقررة والأصول المتأكدة، فلا دين إلا بالاتباع، ولا سعادة ولا فلاح في الدنيا والآخرة إلا به".
وما كان الناس بحاجة إلى أن تعقد الفصول وتؤلف المؤلفات في بيان فضل اتباعه، ولكن لمَّا عمت في الناس الأهواء وكثرت البدع والآراء، وفشت الضلالات احتاج أهل العلم إلى تأليف الكتب وعقد الفصول، وكتابة الرسائل وجمع الأدلة في بيان فضل اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، والتحذير من الأهواء وأهلها، حتى تستبين الجادة وتتضح الطريق، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام:55]
ثم تأتي صلاة التراويح بعد فريضة العشاء وهي من العبادات التي تحمل الكثير من الذكريات الرمضانية الجميلة، حيث الاجتماع والوحدة وسماع القرآن بأصوات ندية، والدعاء والتضرع والقنوت، وكثير من العبادات الروحانية والإيمانية الرائعة.
وسميّ قيام الليل في رمضان بصلاة التراويح لأنّ السّلف رحمهم الله كانوا إذا صلّوها استراحوا بعد كلّ ركعتين أو أربع من اجتهادهم في تطويل الصلاة اغتناما لموسم الأجر العظيم وحرصًا على الأجر المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (رواه البخاري).
وعن عمرو بن مرة الجهني قال: "جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من قضاعة فقال: يا رسول الله! أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك محمد رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وصمت الشهر، وقمت رمضان، وآتيتالزكاة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «من مات على هذا كان من الصديقين والشهداء» (رواه البزار بإسناد حسن).
وقيام رَمضان شاملٌ للصلاة في أوَّله وآخِره، والتراويح من قيام رَمضان، ففي السنن وغيرها عن أبي ذر رضِي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «مَن قام مع الإمام حتى ينصَرِف كُتِبَ له قيامُ ليلة».
وفي ليالي رمضان تكون ليلة القدر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدّم من ذنبه» (رواه البخاري). قوله: «إيمانًا واحتسابًا» أي مصدقًا بالثواب على قيامه وصيامه، ومحتسبًا مريدًا بذلك وجه الله، بريئًا من الرياء والسمعة، راجيًا عليه ثوابه.
ولهذا كان من سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم الاعتِكافُ في العشر الأواخر من رمضان، بغية الاجتِهاد في العِبادة، وبذل الوسع في تحرِّي تلك الليلة المباركة، فينقَطِع في المسجد تلك المدَّة عن كلِّ الخلائق، مشتَغِلًا بطاعة الخالق، قد حبَس نفسَه على طاعته، وشغل لسانه بدعائه وذكره، وتخلَّى عن جميع ما يشغله، وعكف بقلبه على ربِّه وما يُقرِّبه منه، فما بقي له سوى الله، وما شغل نفسه إلا بما فيه رِضاه.
وليالي رمضان ليال عامرة بتلاوة القرآن، فقد كان جبريل عليه السلام يلقى النبي صلى الله عليه وسلم في كل ليلة من ليالي رمضان فيدارسه القرآن، لذا كان هم الصالحون تلاوة كتاب ربهم آناء الليل وأطراف النهار، ليكون شفيعًا لهم يومالقيامة، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ» (أحمد).
والسحور من خواتيم الليالي الرمضانية، وهو من السنن المستحبة، لقوله عليه الصلاة والسلام:
- «إن السحور بركة أعطاكموها الله فلا تدعوها» (أحمد والنسائي).
- «إن الله تعالى جعل البركة في السحور والكيل» (صحيح الجامع: 1735).
- «البركة في ثلاثة: في الجماعة، والثريد، والسحور» (الطبراني، صحيح الجامع).
- «عليكم بهذا السحور فإنه هو الغداء المبارك» (أحمد والنسائي).
- «تسحروا فإن في السحور بركة» (البخاري).
- «إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين» (ابن حبان والطبراني).
- «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر» (مسلم).
ويبدأ وقت السحور بعد منتصف الليل، لكن من السنة النبوية تعجيل الإفطار وتأخير السحور، وبذلك سمي السحور لأنه يقع في وقت السحر وهو آخر الليل، قال صلى الله عليه وسلم: «بكروا بالإفطار، وأخروا السحور» (صحيح الجامع:2835).
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من أخلاق النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة» (الطبراني، صحيح الجامع)، وفي التأخير ضمان لأداء صلاة الفجر، وإدارك ثلث الليل الآخر، وهو من الأوقات الشريفة التي تستجاب فيها الدعوات، فضلًا ارتباط السحور ببداية الصوم مما يؤخر الشعور بالجوع والعطش.

ليالي رمضان ليالي الخير والإحسان

ليالي رمضان ليالي الخير والإحسان

من بركات الليالي الرمضانية تعجيل الفطر الذي هو سنة نبوية وسمة إسلامية، نخالف بها أهل الكتاب، وفي هذا من ترسيخ للهوية الإسلامية وفضيلة اتباع السنة المحمدية ما لا يُحد خيره ولا تُحصى بركته، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور».


بسم الله الرحمن الرحيم..
ليالي رمضان ليال ذات أجواء إيمانية خاصة، مفعمة بالبركة والروحانية العالية، ليال تقترب فيها القلوب المؤمنة من السماء، وتحلق الأرواح الزكية في جنان الطاعة، وتستشعر النفوس الصائمة الصلة برحمة الله تعالى وجوده وكرمة الذي يفيض على عباده في هذا الشهر الفضيل.
قال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا كَانَتْ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فتّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهنّم، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وينادَى مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ» (الترمذي).
تبدأ الليلة الرمضانية بالفرحة عند انطلاق أذان المغرب وإفطار الصائم، تلك الفرحة التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقى ربه فرح بصومه» (مسلم).
قال ابن رجب رحمه الله: "أما فرحة الصائم عند فطره: فإن النفوس مجبولة على الميل إلى ما يلائمها من مطعم ومشرب ومنكح، فإذا منعت من ذلك في وقت من الأوقات، ثم أبيح لها في وقت آخر فرحت بإباحة ما منعت منه، خصوصًا عند اشتداد الحاجة إليه، فإن النفوس تفرح بذلك طبعًا"
وقال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله: "وفيه الإشارة إلى أن الصائم إذا قارب فطره، وحصلت له هذه الفرحة، فإنها تقابل ما مر عليها في نهاره من مشقة ترك الشهوات، فهي من باب التنشيط، وإنهاض الهمم على الخير".
ومن بركات الليالي الرمضانية تعجيل الفطر الذي هو سنة نبوية وسمة إسلامية، نخالف بها أهل الكتاب، وفي هذا من ترسيخ للهوية الإسلامية وفضيلة اتباع السنة المحمدية ما لا يُحد خيره ولا تُحصى بركته، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور» (البخاري).
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الدين ظاهرًا» وظهور الدين مستلزم لدوام الخير كما قال ابن حجر العسقلاني، وقال أيضًا: "امتثالا للسنة واقفين عند حدها غير متنطعين بعقولهم ما يغير قواعدها"، زاد أبو هريرة في حديثه: «لأن اليهود والنصارى يؤخرون» (أخرجه أبو داود وابن خزيمة وغيرهما). 
وتأخير أهل الكتاب له أمد، وهو ظهور النجم، وقد روى ابن حبان والحاكم من حديث سهل أيضًا بلفظ: «لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم»، وفيه بيان العلة في ذلك، قال المهلب: "والحكمة في ذلك أن لا يزاد في النهار من الليل، ولأنه أرفق بالصائم وأقوى له على العبادة" (فتح الباري).
قال شيخ الإسلام: "وهذا نص في أن ظهور الدين الحاصل بتعجيل الفطر لأجل مخالفة اليهود والنصارى، وإذا كان مخالفتهم سببًا لظهور الدين فإنما المقصود بإرسال الرسل أن يظهر دين الله على الدين كله، فيكون نفس مخالفتهم من أكبر مقاصد البعثة".
ومن بركة الاتباع في هذه الليالي الفطر وفقًا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم فقد جاء في سنن أبي داود والترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَعَلَى تَمَرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاء»، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه: «كَانَ لَا يُصَلِّي الْمَغْرِبَ حَتَّى يُفْطِرَ، وَلَوْ عَلَى شَرْبَةٍ مِنْ مَاء» (الحاكم في المستدرك).
قال أهل العلم: "يجب على كلِّ مسلم أن يدرك فضل اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وأنَّ السعادة إنَّما تنال باتباعه والسير على نهجه، فلم يبعث الله تعالى الرسل إلا ليُتَّبعوا ولتقتفى آثارهم، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء:64] وفضل اتباع النبي صلى الله عليه وسلم من الأمور المتقررة والأصول المتأكدة، فلا دين إلا بالاتباع، ولا سعادة ولا فلاح في الدنيا والآخرة إلا به".
وما كان الناس بحاجة إلى أن تعقد الفصول وتؤلف المؤلفات في بيان فضل اتباعه، ولكن لمَّا عمت في الناس الأهواء وكثرت البدع والآراء، وفشت الضلالات احتاج أهل العلم إلى تأليف الكتب وعقد الفصول، وكتابة الرسائل وجمع الأدلة في بيان فضل اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، والتحذير من الأهواء وأهلها، حتى تستبين الجادة وتتضح الطريق، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام:55]
ثم تأتي صلاة التراويح بعد فريضة العشاء وهي من العبادات التي تحمل الكثير من الذكريات الرمضانية الجميلة، حيث الاجتماع والوحدة وسماع القرآن بأصوات ندية، والدعاء والتضرع والقنوت، وكثير من العبادات الروحانية والإيمانية الرائعة.
وسميّ قيام الليل في رمضان بصلاة التراويح لأنّ السّلف رحمهم الله كانوا إذا صلّوها استراحوا بعد كلّ ركعتين أو أربع من اجتهادهم في تطويل الصلاة اغتناما لموسم الأجر العظيم وحرصًا على الأجر المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (رواه البخاري).
وعن عمرو بن مرة الجهني قال: "جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من قضاعة فقال: يا رسول الله! أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك محمد رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وصمت الشهر، وقمت رمضان، وآتيتالزكاة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «من مات على هذا كان من الصديقين والشهداء» (رواه البزار بإسناد حسن).
وقيام رَمضان شاملٌ للصلاة في أوَّله وآخِره، والتراويح من قيام رَمضان، ففي السنن وغيرها عن أبي ذر رضِي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «مَن قام مع الإمام حتى ينصَرِف كُتِبَ له قيامُ ليلة».
وفي ليالي رمضان تكون ليلة القدر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدّم من ذنبه» (رواه البخاري). قوله: «إيمانًا واحتسابًا» أي مصدقًا بالثواب على قيامه وصيامه، ومحتسبًا مريدًا بذلك وجه الله، بريئًا من الرياء والسمعة، راجيًا عليه ثوابه.
ولهذا كان من سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم الاعتِكافُ في العشر الأواخر من رمضان، بغية الاجتِهاد في العِبادة، وبذل الوسع في تحرِّي تلك الليلة المباركة، فينقَطِع في المسجد تلك المدَّة عن كلِّ الخلائق، مشتَغِلًا بطاعة الخالق، قد حبَس نفسَه على طاعته، وشغل لسانه بدعائه وذكره، وتخلَّى عن جميع ما يشغله، وعكف بقلبه على ربِّه وما يُقرِّبه منه، فما بقي له سوى الله، وما شغل نفسه إلا بما فيه رِضاه.
وليالي رمضان ليال عامرة بتلاوة القرآن، فقد كان جبريل عليه السلام يلقى النبي صلى الله عليه وسلم في كل ليلة من ليالي رمضان فيدارسه القرآن، لذا كان هم الصالحون تلاوة كتاب ربهم آناء الليل وأطراف النهار، ليكون شفيعًا لهم يومالقيامة، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ» (أحمد).
والسحور من خواتيم الليالي الرمضانية، وهو من السنن المستحبة، لقوله عليه الصلاة والسلام:
- «إن السحور بركة أعطاكموها الله فلا تدعوها» (أحمد والنسائي).
- «إن الله تعالى جعل البركة في السحور والكيل» (صحيح الجامع: 1735).
- «البركة في ثلاثة: في الجماعة، والثريد، والسحور» (الطبراني، صحيح الجامع).
- «عليكم بهذا السحور فإنه هو الغداء المبارك» (أحمد والنسائي).
- «تسحروا فإن في السحور بركة» (البخاري).
- «إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين» (ابن حبان والطبراني).
- «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر» (مسلم).
ويبدأ وقت السحور بعد منتصف الليل، لكن من السنة النبوية تعجيل الإفطار وتأخير السحور، وبذلك سمي السحور لأنه يقع في وقت السحر وهو آخر الليل، قال صلى الله عليه وسلم: «بكروا بالإفطار، وأخروا السحور» (صحيح الجامع:2835).
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من أخلاق النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة» (الطبراني، صحيح الجامع)، وفي التأخير ضمان لأداء صلاة الفجر، وإدارك ثلث الليل الآخر، وهو من الأوقات الشريفة التي تستجاب فيها الدعوات، فضلًا ارتباط السحور ببداية الصوم مما يؤخر الشعور بالجوع والعطش.

من أفضل الصدقة.. صدقة في رمضان

الصدقة على وجهها إنما يقصد بها ابتغاء مرضاة اللّه، والشياطين بصدد منع الإنسان من نيل هذه الدرجة العظمى، فلا يزالون يأبون في صده عن ذلك والنفس لهم على الإنسان ظهيرة، لأن المال شقيق الروح، فإذا بذله في سبيل اللّه فإنما يكون برغمهم جميعًا، ولهذا كان ذلك أقوى دليلًا على استقامته وصدق نيته ونصوح طويته..

بسم الله الرحمن الرحيم..
الصدقة في شهر رمضان شأنها أعظم وآكد، ولها مزية على غيرها، وذلك لشرف الزمان ومضاعفة أجر العامل فيه، ولأن فيها إعانة للصائمين المحتاجين على طاعاتهم، ولذلك استحق المعين لهم مثل أجرهم، فمن فطر صائمًا كان له مثل أجره، ولأن الله عز وجل يجود على عباده في هذا الشهر بالرحمة والمغفرة، فمن جاد على عباد الله جاد الله عليه بالعطاء والفضل، والجزاء من جنس العمل..
والصوم لا بد أن يقع فيه خلل أو نقص، والصدقة تجبر النقص والخلل، ولهذا أوجب الله في آخر شهر رمضان زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، ولأن هناك علاقة خاصة بين الصيام والصدقة فالجمع بينهما من موجبات الجنة، قال صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة غرفًا، يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها؛ أعدها الله لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام» (حسنه الألباني في صحيح الجامع:2123).
كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان..
ولقد كان إمام الأئمة صلوات ربي وسلامه عليه أولَ السابقين إلى أبواب الجود والبر والإحسان، بمعناها الشامل الذي لا يقتصر على بذل المال فقط، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة» (صحيح البخاري:3554)، فهديه أكمل الهدي وأزكاه في كل شيء.. 
يقول ابن القيم رحمه الله واصفًا هديه في الصدقة والإحسان، وواصفًا جوده وكرمه عليه الصلاة والسلام: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظمَ الناس صدقة بما ملكت يده، وكان لا يستكثر شيئًا أعطاه ولا يستقله، وكان عطاؤه عطاء من لا يخشى الفقر، وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظمَ من سرور الآخذ بما يأخذه، وكان أجود الناس بالخير، يمينه كالريح المرسلة، وكان إذا عرض له محتاج آثره على نفسه تارة بطعامه وتارة بلباسه، وكان ينوع في أصناف عطائه فتارة بالهبة وتارة بالصدقة وتارة بالهدية، وتارة بشراء الشيء ثم يعطي البائع الثمن والسلعة جميعًا، وكان يأمر بالصدقة ويحض عليها ويدعو إليها بفعله وقوله، فإذا رآه البخيل والشحيح دعاه حاله إلى البذل والعطاء.." 
إلى أن قال رحمه الله: "إذا فهمت ما تقدم من أخلاقه فينبغي على الأمة التأسي والاقتداء به في السخاء والكرم والجود، والإكثارُ من ذلك في شهر رمضان لحاجة الناس فيه إلى البر والإحسان ولشرف الزمان ومضاعفة أجر العامل فيه".
الصدقة في القرآن:
والصدقة في القرآن جاء ذكرها بما يدل على عظيم قدرها، قال تعالى:{قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ} [البقرة:263]، وقال تعالى: {إن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [البقرة:271]، وقال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:261]، وقال تعالى: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} [الحديد:18]، وقال تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:280]، وقال تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} [البقرة:276].
الصدقة من أعظم أسباب فكاك النفس من قيد الشيطان..
فالصدقة من أعظم أسباب فكاك النفس من قيد الشيطان وإخراجها من سلطانه، وهي من أعظم ما يصد عنه الشيطان والعياذ بالله تعالى، فقال صلى الله عليه وسلم: «ما يخرج رجل شيئًا من الصدقة حتى يفك عنها لحيي سبعين شيطانًا» (صححه الألباني في صحيح الجامع:5814، ثم ضعفه في السلسلة الضعيفة:6823). 
وذلك لأن الصدقة على وجهها إنما يقصد بها ابتغاء مرضاة اللّه، والشياطين بصدد منع الإنسان من نيل هذه الدرجة العظمى، فلا يزالون يأبون في صده عن ذلك والنفس لهم على الإنسان ظهيرة، لأن المال شقيق الروح، فإذا بذله في سبيل اللّه فإنما يكون برغمهم جميعًا، ولهذا كان ذلك أقوى دليلًا على استقامته وصدق نيته ونصوح طويته، والظاهر أن ذكر السبعين للتكثير لا للتحديد كنظائره.
الصدقة من أعظم أسباب التداوي..
والصدقة من أعظم أسباب التداوي من مختلف الأسقام، ففي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «داووا مرضاكم بالصدقة» والمراد: من نحو إطعام الجائع، واصطناع المعروف لذي القلب الملهوف، وجبر القلوب المنكسرة كالمرضى من الغرباء والفقراء، والأرمل والمساكين الذين لا يؤبه بهم.. 
وكان ذوو الفهم عن اللّه تعالى إذا كان لهم حاجة يريدون سرعة حصولها -كشفاء مريض- يأمرون باصطناع طعام حسن بلحم كبش كامل ثم يدعون له ذوي القلوب المنكسرة، قاصدين فداء رأس برأس، وكان بعضهم يرى أن يخرج من أعز ما يملكه، فإذا مرض له من يعز عليه تصدق بأعز ما يملكه من نحو جارية أو عبد أو فرس، يتصدق بثمنه على الفقراء من أهل العفاف.
قال الحليمي: "فإن قيل: أليس اللّه قدر الأعمال والآجال والصحة والسقم، فما فائدة التداوي بالصدقة أو غيرها؟ قلنا: يجوز أن يكون عند اللّه في بعض المرضى أنه إن تداوى بدواء سلم، وإن أهمل أمره أفسد أمره المرض فهلك".
وقال ابن القيم رحمه الله: "وللصدقة تأثير عجيب في دفع أنواع البلاء، ولو كانت من فاجر، أو ظالم، بل من كافر، وهذا أمر معلوم عند الناس، وأهل الأرض مُقِرُّون بذلك"، ثم الصدقة سهلة ميسورة، والكل يمكنه التصدق مهما كان حاله، فالتصدق نوعان: 
الأول: صدقة الاحتساب: ويدل عليها الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أطعمت زوجتك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة، وما أطعمت نفسك فهو لك صدقة».
والثاني: صدقة البذل: ويدل عليها ما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول» (صحيح ابن حبان:4243)، والمعنى: أي ما بقيت لك بعد إخراجها كفاية لك ولعيالك واستغناء، كقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة من الآية:219].
عظم الصدقة:
ومما يعظم به أجر الصدقة قوله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، ألا وقد كان لفلان» (صحيح البخاري:2748).
- وقال صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصدقة جهد المقل، وابدأ بمن تعول» (صحيح ابن حبان:3346).
- وقال صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصدقة الصدقة على ذي الرحم الكاشح» (صحيح الترغيب:894)، والكاشح: "العَدُوُّ الذي يُضْمِر عَداوَته ويَطْوي"، يعني: أفضل الصدقة على ذي الرحم المضمر العداوة في باطنه، فالصدقة عليه أفضل منها على ذي الرحم الغير كاشح، لما فيه من قهر النفس للإذعان لمعاديها، وعلى ذي الرحم المصافي أفضل أجرًا منها على الأجنبي لأنه أولى الناس بالمعروف.
- وقال صلى الله عليه وسلم: «الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنتان: صدقة، وصلة الرحم» (صحيح ابن حبان:3344)، فينبغي أن يحرص المريد للخير في أن يجعل من استقباله لرمضان نقطة انطلاق إلى رحابة البذل، خروجًا من قيد الشح والبخل، وأن يذكر قول الله تعالى: {ها أنتم هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد:38]
فلعل ذلك يكون سببًا في الانتصار على هوى النفس الأمارة بالسوء وإخراجها من ظلماتها، وذلك مع ورود أنوار رمضان فيكون نور على نور، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، وكان أجود بالخير من الريح المرسلة، وأبواب الصدقة في رمضان لها صور كثيرة منها:
أـ إطعام الطعام:
قال تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا . إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا . إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا . فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا . وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا} [الإنسان:8-12]، وقد كان السلف الصالح يحرصون على إطعام الطعام، ويقدمونه على كثير من العبادات، سواء كان ذلك بإشباع جائع أو إطعام أخ صالح، فلا يشترط في المطعم الفقر.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيُّما مؤمنٍ أطعم مؤمنًا على جوعٍ أطعمه اللهُ يومَ القيامةِ من ثمارِ الجنَّةِ وأيُّما مؤمنٍ سقَى مؤمنًا على ظمأٍ سقاه اللهُ يومَ القيامةِ من الرَّحيقِ المختومِ» (قال المنذري في الترغيب والترهيب: 92/2 إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب:555)، وقال بعض السلف: "لأن أدعو عشرة من أصحابي فأطعمهم طعامًا يشتهونه، أحب إلي من أن أعتق عشرة من ولد إسماعيل".
وكان كثير من السلف يؤثر بفطوره وهو صائم، منهم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وداود الطائي، ومالك بن دينار، وأحمد بن حنبل، وكان ابن عمر لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين، ومن السلف من كان يطعم إخوانه وهو صائم، ويجلس يخدمهم ويروحهم، منهم الحسن وابن مبارك، وقال أبو السوار العدوي: "كان رجال من بني عدي يصلون في هذا المسجد، ما أفطر أحد منهم على طعام قط وحده، إن وجد من يأكل معه أكل، وإلا أخرج طعامه إلى المسجد فأكله مع الناس وأكل الناس معه".
وعبادة إطعام الطعام ينشأ عنها عبادات كثيرة منها: التودد والتحبب إلى إخوانك الذين أطعمتهم، فيكون ذلك سببًا في دخول الجنة كما قال صلى الله عليه وسلم: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا» (حسنه الألباني في صحيح الترمذي:2510)، كما ينشأ عنها مجالسة الصالحين، واحتساب الأجر في معونتهم على الطاعات التي تقووا عليها بطعامك.
ب- تفطير الصائمين:
قال صلى الله عليه وسلم: «من فطّر صائمًا كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئًا» (صحيح الجامع:6415)، قال ابن رجب: "وذكر أبو بكر بن أبي مريم عن أشياخه أنهم كانوا يقولون: إذا حضر شهر رمضان فانبسطوا فيه بالنفقة، فإن النفقة فيه مضاعفة كالنفقة في سبيل الله، وتسبيحه فيه أفضل من ألف تسبيحه في غيره".

من أفضل الصدقة.. صدقة في رمضان

من أفضل الصدقة.. صدقة في رمضان

الصدقة على وجهها إنما يقصد بها ابتغاء مرضاة اللّه، والشياطين بصدد منع الإنسان من نيل هذه الدرجة العظمى، فلا يزالون يأبون في صده عن ذلك والنفس لهم على الإنسان ظهيرة، لأن المال شقيق الروح، فإذا بذله في سبيل اللّه فإنما يكون برغمهم جميعًا، ولهذا كان ذلك أقوى دليلًا على استقامته وصدق نيته ونصوح طويته..

بسم الله الرحمن الرحيم..
الصدقة في شهر رمضان شأنها أعظم وآكد، ولها مزية على غيرها، وذلك لشرف الزمان ومضاعفة أجر العامل فيه، ولأن فيها إعانة للصائمين المحتاجين على طاعاتهم، ولذلك استحق المعين لهم مثل أجرهم، فمن فطر صائمًا كان له مثل أجره، ولأن الله عز وجل يجود على عباده في هذا الشهر بالرحمة والمغفرة، فمن جاد على عباد الله جاد الله عليه بالعطاء والفضل، والجزاء من جنس العمل..
والصوم لا بد أن يقع فيه خلل أو نقص، والصدقة تجبر النقص والخلل، ولهذا أوجب الله في آخر شهر رمضان زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، ولأن هناك علاقة خاصة بين الصيام والصدقة فالجمع بينهما من موجبات الجنة، قال صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة غرفًا، يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها؛ أعدها الله لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام» (حسنه الألباني في صحيح الجامع:2123).
كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان..
ولقد كان إمام الأئمة صلوات ربي وسلامه عليه أولَ السابقين إلى أبواب الجود والبر والإحسان، بمعناها الشامل الذي لا يقتصر على بذل المال فقط، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة» (صحيح البخاري:3554)، فهديه أكمل الهدي وأزكاه في كل شيء.. 
يقول ابن القيم رحمه الله واصفًا هديه في الصدقة والإحسان، وواصفًا جوده وكرمه عليه الصلاة والسلام: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظمَ الناس صدقة بما ملكت يده، وكان لا يستكثر شيئًا أعطاه ولا يستقله، وكان عطاؤه عطاء من لا يخشى الفقر، وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظمَ من سرور الآخذ بما يأخذه، وكان أجود الناس بالخير، يمينه كالريح المرسلة، وكان إذا عرض له محتاج آثره على نفسه تارة بطعامه وتارة بلباسه، وكان ينوع في أصناف عطائه فتارة بالهبة وتارة بالصدقة وتارة بالهدية، وتارة بشراء الشيء ثم يعطي البائع الثمن والسلعة جميعًا، وكان يأمر بالصدقة ويحض عليها ويدعو إليها بفعله وقوله، فإذا رآه البخيل والشحيح دعاه حاله إلى البذل والعطاء.." 
إلى أن قال رحمه الله: "إذا فهمت ما تقدم من أخلاقه فينبغي على الأمة التأسي والاقتداء به في السخاء والكرم والجود، والإكثارُ من ذلك في شهر رمضان لحاجة الناس فيه إلى البر والإحسان ولشرف الزمان ومضاعفة أجر العامل فيه".
الصدقة في القرآن:
والصدقة في القرآن جاء ذكرها بما يدل على عظيم قدرها، قال تعالى:{قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ} [البقرة:263]، وقال تعالى: {إن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [البقرة:271]، وقال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:261]، وقال تعالى: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} [الحديد:18]، وقال تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:280]، وقال تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} [البقرة:276].
الصدقة من أعظم أسباب فكاك النفس من قيد الشيطان..
فالصدقة من أعظم أسباب فكاك النفس من قيد الشيطان وإخراجها من سلطانه، وهي من أعظم ما يصد عنه الشيطان والعياذ بالله تعالى، فقال صلى الله عليه وسلم: «ما يخرج رجل شيئًا من الصدقة حتى يفك عنها لحيي سبعين شيطانًا» (صححه الألباني في صحيح الجامع:5814، ثم ضعفه في السلسلة الضعيفة:6823). 
وذلك لأن الصدقة على وجهها إنما يقصد بها ابتغاء مرضاة اللّه، والشياطين بصدد منع الإنسان من نيل هذه الدرجة العظمى، فلا يزالون يأبون في صده عن ذلك والنفس لهم على الإنسان ظهيرة، لأن المال شقيق الروح، فإذا بذله في سبيل اللّه فإنما يكون برغمهم جميعًا، ولهذا كان ذلك أقوى دليلًا على استقامته وصدق نيته ونصوح طويته، والظاهر أن ذكر السبعين للتكثير لا للتحديد كنظائره.
الصدقة من أعظم أسباب التداوي..
والصدقة من أعظم أسباب التداوي من مختلف الأسقام، ففي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «داووا مرضاكم بالصدقة» والمراد: من نحو إطعام الجائع، واصطناع المعروف لذي القلب الملهوف، وجبر القلوب المنكسرة كالمرضى من الغرباء والفقراء، والأرمل والمساكين الذين لا يؤبه بهم.. 
وكان ذوو الفهم عن اللّه تعالى إذا كان لهم حاجة يريدون سرعة حصولها -كشفاء مريض- يأمرون باصطناع طعام حسن بلحم كبش كامل ثم يدعون له ذوي القلوب المنكسرة، قاصدين فداء رأس برأس، وكان بعضهم يرى أن يخرج من أعز ما يملكه، فإذا مرض له من يعز عليه تصدق بأعز ما يملكه من نحو جارية أو عبد أو فرس، يتصدق بثمنه على الفقراء من أهل العفاف.
قال الحليمي: "فإن قيل: أليس اللّه قدر الأعمال والآجال والصحة والسقم، فما فائدة التداوي بالصدقة أو غيرها؟ قلنا: يجوز أن يكون عند اللّه في بعض المرضى أنه إن تداوى بدواء سلم، وإن أهمل أمره أفسد أمره المرض فهلك".
وقال ابن القيم رحمه الله: "وللصدقة تأثير عجيب في دفع أنواع البلاء، ولو كانت من فاجر، أو ظالم، بل من كافر، وهذا أمر معلوم عند الناس، وأهل الأرض مُقِرُّون بذلك"، ثم الصدقة سهلة ميسورة، والكل يمكنه التصدق مهما كان حاله، فالتصدق نوعان: 
الأول: صدقة الاحتساب: ويدل عليها الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أطعمت زوجتك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة، وما أطعمت نفسك فهو لك صدقة».
والثاني: صدقة البذل: ويدل عليها ما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول» (صحيح ابن حبان:4243)، والمعنى: أي ما بقيت لك بعد إخراجها كفاية لك ولعيالك واستغناء، كقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة من الآية:219].
عظم الصدقة:
ومما يعظم به أجر الصدقة قوله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، ألا وقد كان لفلان» (صحيح البخاري:2748).
- وقال صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصدقة جهد المقل، وابدأ بمن تعول» (صحيح ابن حبان:3346).
- وقال صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصدقة الصدقة على ذي الرحم الكاشح» (صحيح الترغيب:894)، والكاشح: "العَدُوُّ الذي يُضْمِر عَداوَته ويَطْوي"، يعني: أفضل الصدقة على ذي الرحم المضمر العداوة في باطنه، فالصدقة عليه أفضل منها على ذي الرحم الغير كاشح، لما فيه من قهر النفس للإذعان لمعاديها، وعلى ذي الرحم المصافي أفضل أجرًا منها على الأجنبي لأنه أولى الناس بالمعروف.
- وقال صلى الله عليه وسلم: «الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنتان: صدقة، وصلة الرحم» (صحيح ابن حبان:3344)، فينبغي أن يحرص المريد للخير في أن يجعل من استقباله لرمضان نقطة انطلاق إلى رحابة البذل، خروجًا من قيد الشح والبخل، وأن يذكر قول الله تعالى: {ها أنتم هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد:38]
فلعل ذلك يكون سببًا في الانتصار على هوى النفس الأمارة بالسوء وإخراجها من ظلماتها، وذلك مع ورود أنوار رمضان فيكون نور على نور، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، وكان أجود بالخير من الريح المرسلة، وأبواب الصدقة في رمضان لها صور كثيرة منها:
أـ إطعام الطعام:
قال تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا . إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا . إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا . فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا . وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا} [الإنسان:8-12]، وقد كان السلف الصالح يحرصون على إطعام الطعام، ويقدمونه على كثير من العبادات، سواء كان ذلك بإشباع جائع أو إطعام أخ صالح، فلا يشترط في المطعم الفقر.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيُّما مؤمنٍ أطعم مؤمنًا على جوعٍ أطعمه اللهُ يومَ القيامةِ من ثمارِ الجنَّةِ وأيُّما مؤمنٍ سقَى مؤمنًا على ظمأٍ سقاه اللهُ يومَ القيامةِ من الرَّحيقِ المختومِ» (قال المنذري في الترغيب والترهيب: 92/2 إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب:555)، وقال بعض السلف: "لأن أدعو عشرة من أصحابي فأطعمهم طعامًا يشتهونه، أحب إلي من أن أعتق عشرة من ولد إسماعيل".
وكان كثير من السلف يؤثر بفطوره وهو صائم، منهم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وداود الطائي، ومالك بن دينار، وأحمد بن حنبل، وكان ابن عمر لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين، ومن السلف من كان يطعم إخوانه وهو صائم، ويجلس يخدمهم ويروحهم، منهم الحسن وابن مبارك، وقال أبو السوار العدوي: "كان رجال من بني عدي يصلون في هذا المسجد، ما أفطر أحد منهم على طعام قط وحده، إن وجد من يأكل معه أكل، وإلا أخرج طعامه إلى المسجد فأكله مع الناس وأكل الناس معه".
وعبادة إطعام الطعام ينشأ عنها عبادات كثيرة منها: التودد والتحبب إلى إخوانك الذين أطعمتهم، فيكون ذلك سببًا في دخول الجنة كما قال صلى الله عليه وسلم: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا» (حسنه الألباني في صحيح الترمذي:2510)، كما ينشأ عنها مجالسة الصالحين، واحتساب الأجر في معونتهم على الطاعات التي تقووا عليها بطعامك.
ب- تفطير الصائمين:
قال صلى الله عليه وسلم: «من فطّر صائمًا كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئًا» (صحيح الجامع:6415)، قال ابن رجب: "وذكر أبو بكر بن أبي مريم عن أشياخه أنهم كانوا يقولون: إذا حضر شهر رمضان فانبسطوا فيه بالنفقة، فإن النفقة فيه مضاعفة كالنفقة في سبيل الله، وتسبيحه فيه أفضل من ألف تسبيحه في غيره".

Popular Posts