background img

The New Stuff

مواقف ليست من الغيبة

مواقف ليست من الغيبة

الغيبة من أشد آفات النفس الخبيثة، فهي تسبب العداوة والبغضاء والتقاطع والتدابر بين الناس، وتشغل المرء بعيوب الخلق وتُنسيه الانشغال بعيوبه، كما أنها اعتراض ضمني على قدر الله تعالى في خلقه.

الغيبة من أشد آفات النفس الخبيثة، فهي تسبب العداوة والبغضاء والتقاطع والتدابر بين الناس، وتشغل المرء بعيوب الخلق وتُنسيه الانشغال بعيوبه، كما أنها اعتراض ضمني على قدر الله تعالى في خلقه.

وقد فشت آفة الغيبة في الناس فلا يكاد يخلو منها بر ولا فاجر ولا عالم ولا جاهل إلا من رحم الله تعالى، بل قد تمكنالشيطان في التدخل في هذه الجهة وأجلب بخليه ورجله من هذه الوجوه.

ولا يخفى على كل عاقل ما في كثرة مخالطة الناس من تفشي الغيبة، خاصة وأن وقعها على النفس سار، لاسيما إذا كان المغتاب مكروها أو عدواً، فإن سلم المخالط من القول بالغيبة لم يسلم من المشاركة فيها، وإن سلم من المشاركة فيها، لم يسلم من السكوت عليها وضرورة إنكارها لمن كان في مجلس غيبة، وإلا فيفارق ذلك المجلس إن لم يستطع الإنكار، وإن لم يقدر على مفارقة المجلس اشتغل بذكر أو غيره.

لقد تساهل الناس في الغيبة لأنها بطبيعتها سهلة لينة لا تكلف مشقة سوى تحريك اللسان في الفم لاسيما إذا كان المستغاب عدواً لمن في المجلس أو لبعضهم لأنهم يتشفون بذكر معايبه ويتلذذون بما يسمعون عنه من سوء ويذكر به من نقص، كما يتلذذ الظمآن بالماء البارد ليطفي به حرارة جوفه ويبل به صداه.
لكنها في الحقيقة انتقام عاجز وسلاح في يد جبان لأن المغتاب دائماً ينهزم عندما يعلم بحضور المستغاب أو أحد محبيه وربما أبدل هجاءه بمدح وذمه بثناء.

وحد الغيبة بينه ـ صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتدرون ما الغيبة؟" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "ذكرك أخاك بما يكره" قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته".
لكن ليس هذا على إطلاقه، بل ذكر العلماء من الأمور التي ليست بغيبة ست حالات، جمعها محمد بن عُوجان  في أبيات شهيرة:
القدح ليس بغيبة في ستة ... متظلمٍ ومعرف ومحذر
ومجاهر فسقا ومستفت ومن ... طلب الإعانة في إزالة منكر
- (الأول): التظلُّم، فيجوز للمظلوم أن يتظلَّم إلى السلطان والقاضي، وغيرهما ممَّن له ولاية، أو قدرة على إنصافه من ظالمه فيقول: "ظلمني فلان بكذا".
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْكُو جَارَهُ، فَقَالَ له: «اذْهَبْ فَاصْبِرْ» فَأَتَاهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ: «اذْهَبْ فَاطْرَحْ مَتَاعَكَ فِي الطَّرِيقِ» فَطَرَحَ مَتَاعَهُ فِي الطَّرِيقِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ فَيُخْبِرُهُمْ خَبَرَهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَلْعَنُونَهُ: فَعَلَ اللَّهُ بِهِ، وَفَعَلَ، وَفَعَلَ، فَجَاءَ إِلَيْهِ جَارُهُ فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ لَا تَرَى مِنِّي شَيْئًا تَكْرَهُهُ [أبو داود].

-(الثاني): التعريف، فإذا كان الإنسان معروفاً بلقب، كالأعمش (سليمان بن مهران أبو محمد) والأعرج (عبد الرحمن بن هرمز، وهو من أشهر الرواة عن أبي هريرة)، والأصم، والأعمى، والأعور (مسلم بن كيسان) والأحول (عاصم بن سليمان) .. وغيرهم، جاز تعريفهم بذلك، ويحرم إطلاقه على جهة التنقيص، ولو أمكن تعريفه بغير ذلك كان أولى.

بل وجد في المحدثين من نسب إلى أمه وهو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي المشهور بـ (إسماعيل بن عُليه)، وكان يقول من نسبني إلى أمي فقد اغتابني، ولكن علماء الحديث ذكروه بأمه لشرفه، لأن إسماعيل بن إبراهيم في الرواة كثير.

وكان ابن معين رحمه الله أحد الحراس الأشداء الأقوياء لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولَكَمْ أضرَّ بالكذابين والمغفلين وتوجعوا منه كثيراً! ومع ذلك كان لا يفتأ أن يقذف بالسهام إليهم، ولا يعبأ بنكيرهم ولا بكلامهم. .. قيل له يوماً: ألا تخشى أن يكون هؤلاء الذين تكلمت فيهم خصماءك عند الله يوم القيامة؟ فقال لهم: لأن يكون هؤلاء خصمائي أحبَّ إلي من أن يكون الرسول –صلى الله عليه وسلم- خصمي، يقول لي: «لِمَ لَمْ تَذُبَّ الكذِبَ عن سنتي؟»
وهذا بعكس حديث عائشة رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: قُلْتُ للنبيّ صلى الله عليه وسلم: حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كذَا وكَذَا. [قَالَ بعضُ الرواةِ: تَعْنِي قَصيرَةً]، فقالَ: "لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْهُ !" لأن الكلام هنا في معرض التنقيص.

-(الثالث): تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم، وذلك من وجوه: منها جرح المجروحين من الرواة والشهود، وذلك جائز بإجماع المسلمين، بل واجب للحاجة، ولذلك صح عن شعبة بن الحجاج أنه كان يأتي عمران بن حُدَيرٍ ويقول له: «تعال نغتاب في الله ساعة» أي نذكر مساوئ أصحاب الحديث، كقول علماء الجرح والتعديل عن الرواة: هذا مدلس، وهذا مختلط، وهذا وضاع أو كذاب.

ومنها المشاورة في مصاهرة إنسان، أو مشاركته، أو إيداعه، أو معاملته، أو غير ذلك، أو مجاورته ويجب على المشاوَر ألاَّ يخفي حاله، بل يذكر المساوئ التي فيه بنية النصيحة، ومنها إذا رأى متفقهاً يتردّد إلى مبتدع، أو فاسق يأخذ عنه العلم، وخاف أن يتضرر المتفقه بذلك، فعليه نصيحته ببيان حاله، بشرط أن يقصد النصيحة، وهذا ممّا يُغلط فيه، وقد يحمل المتكلم بذلك الحسد، ويُلبس الشيطان عليه ذلك، ويُخيل إليه أنه نصيحة فليفطن لذلك، ومنها أن يكون له ولاية، لا يقوم بها على وجهها: إما بأن لا يكون صالحاً لها، وإما بأن يكون فاسقاً، ونحو ذلك، فيجب ذكر ذلك، لمن له عليه ولاية عامة ليزيلها، ويولي من يصلح، أو يعلم ذلك منه ليعامله بمقتضى حاله، ولا يغتر به، وأن يسعى إلى أن يحثه على الاستقامة أو يستبدل به.

- (الرابع): أن يكون مجاهراً بفسقه أو بدعته كالمجاهر بشرب الخمر، وجباية الأموال ظلماً، وتولي الأمور الباطلة، فيجوز ذكره بما يُجاهر به، ويحرم ذكره بغيره من العيوب، إلا أن يكون لجوازه سبب آخر مما ذكرناه.

- (الخامس): الاستفتاء، فيقول للمفتي: ظلمني أبي، أو أخي، أو زوجي، أو فلان بكذا، فهل له ذلك؟ وما طريقي في الخلاص منه، وتحصيل حقي، ودفع الظُّلم؟ ونحو ذلك، فهذا جائز للحاجة، ولكن الأحوط والأفضل أن يقول: ما تقول في رجل أو شخص، أو زوج، كان من أمره كذا؟ فإنه يحصل به الغرض من غير تعيين، ومع ذلك فالتعيين جائز، كما في حديث هند أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي، إِلاَّ مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ فَقَالَ:"خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ".

لكن هناك فرق بين القضاء والاستفتاء، فالقضاء ملزم عكس الفتوى فهي غير ملزمة، والقاضي لابد أن يسمع من الطرفين، عكس المستفتي فإنه يفتي بناء على حكاية الواحد وظاهر الكلام.

فعن زينب بنت أبي سلمة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: "إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو مما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار".

- (السادس): الاستعانة على تغيير المنكر، وردّ العاصي إلى الصواب، فيقول لِمَن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فلان يعمل كذا، فازجره عنه، ونحو ذلك، ويكون مقصوده التوصل إلى إزالة المنكر، فإن لم يقصد ذلك كان حراما.
هذا وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين. 

المغبونون

المغبونون

إنه لا يخلو أحدٌ من البشر إلا وهو مغبون، فذاك مغبون في بيعه، وذاك في وقته، وآخر في ذكره وعبادته لله، وآخر، وآخر.. ولكن الموفق من استيقظ من رقاده، وانتبه لما هو واقع فيه من الغبن، وإن أعظم شيءٍ يغبن فيه الإنسان هو الصحة والفراغ.

الحمد لله على نعمائه والشكر له على توفيقه وامتنانه، والصلاة والسلام على عبده ورسوله، وعلى آله وأصحابه.
أما بعد:

أخي الكريم: إنه لا يخلو أحدٌ من البشر إلا وهو مغبون، فذاك مغبون في بيعه، وذاك في وقته، وآخر في ذكره وعبادته لله، وآخر، وآخر.. ولكن الموفق من استيقظ من رقاده، وانتبه لما هو واقع فيه من الغبن، وإن أعظم شيءٍ يغبن فيه الإنسان هو الصحة والفراغ.

فقد جاء في صحيح البخاري، عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ".
قال ابن بطال "معنى الحديث أن المرء لا يكون فارغاً حتى يكون مكْفّيِاً صحيح البدن، فمن حصل له ذلك فليحرص على أن لا يغبن بأن يترك شكر الله على ما أنعم به عليه، ومن شكره امتثال أوامره واجتناب نواهيه، فمن فرط في ذلك فهو المغبون". (فتح الباري:11/230).

عبد الله: تأمل في قوله- صلى الله عليه وسلم - حين قال:"كثير من الناس" فإنه يشير إلى أن الذي يوفق للعمل الصالح، و استغلال أوقات الصحة والفراغ إنما هم قليل، أما أكثر الناس فهم في غبن أي في خسارة وفي ضياع.

قال ابن الجوزي - رحمه الله تعالى ـ : "قد يكون الإنسان صحيحاً ولا يكون متفرغاً لشغله بالمعاش، وقد يكون مستغنياً ولا يكون صحيحاً، فإذا اجتمعا فغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون, وتمام ذلك أن الدنيا مزرعة الآخرة وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة، فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبوط، ومن استعملهما في معصية الله فهو المغبون، فالفراغ يعقبه الشغل، والصحة يعقبها السقم، ولو لم يكن إلا الهرم كما قيل:
 
يسر الفتى طول السلامة والبقا *** فكيف ترى طول السلامة يَفعَلُ
يُـرَدُّ الفتى بعـد اعـتدال وصحة *** ينــوء إذا رام الـقـيـــام ويحـمـل

أخي الكريم:قال المفسرون: "المغبون من غبن أهله ومنازله في الجنة, ويظهر يومئذ غبن كل كافر بترك الإيمان، وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان وتضييعه الأيام".

وقال الحسن وقتادة: "بلغنا أن التغابن في ثلاثة أصناف: رجل علم علماً فعلمه وضيعه هو ولم يعمل به فشقي به، وعمل به من تعلمه منه فنجا به، ورجل اكتسب مالاً من وجوه يسأل عنها وشح عليه، وفرط في طاعة ربه بسببه، ولم يعمل فيه خيراً وتركه لوارثه، فعمل ذلك الوارث فيه بطاعة ربه، ورجل كان له عبد فعمل العبد بطاعة ربه فسعد، وعمل السيد بمعصية ربه فشقي". (تفسير القرطبي :18/137).
قال معاذ الرازي: "المغبون من عطل أيامه بالبطالات وسلط جوارحه على الهلكات ومات قبل إفاقته من الجنايات" (كتاب الزهد الكبير (2/295) البيهقي).

أخي الكريم: "إنه من استرسل مع نفسه الأمارة بالسوء، الخالدة إلى الراحة فترك المحافظة على الحدود والمواظبة على الطاعة فقد غبن". (فتح الباري (11/231).

عبد الله : إنه "لا يعرف قدر هاتين النعمتين كثير من الناس، حيث لا يكسبون فيهما من الأعمال إلا كفاية ما يحتاجون إليه في معادهم، فيندمون على تضييع أعمارهم عند زوالها ولا ينفعهم الندم، قال تعالى: {ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ}" (9سورة التغابن). (تحفة الأحوذي: 6/485).

أخي الكريم: إنه من صاحب الصالحين، وجالسهم، واكتسب ودهم، فإنه الرابح، وإن الذي خسر ود أصحابه الصالحين وفاته حبهم له فذلك هو المغبون حق اليقين، ولله در من قال في معنى هذا الأدب:
"ما ذاقت النفس على شهوة ألذ من حب صديق أمين، ومن فاته ود أخ صالح فذلك المغبون حق اليقين" (فيض القدير:2/291).

عبد الله: إنه لا ينبغي لعاقل أن يضيع ساعات لليله ونهاره في ما لا ينفع عند الله – عز وجل- وإنه من ضيع هذه الساعات التي هي عمره فهو والله المغبون.

فعن عمارة بن عمر بن العلاء قال: سمعت عمر بن ذر يقول: "اعملوا لأنفسكم- رحمكم الله- في هذا الليل وسواده، فإن المغبون من غبن خير الليل والنهار، والمحروم من حرم خيرهما، وإنما جعلا سبيلاً للمؤمنين إلى طاعة ربهم، ووبالاً على الآخرين للغفلة عن أنفسهم, فأحيوا لله أنفسكم بذكره، فإنما تحيا القلوب بذكر الله، كم من قائم في هذا الليل قد اغتبط بقيامه في حفرته، وكم من نائم في هذا الليل قد ندم على طول نومه عندما يرى من كرامة الله-عز وجل-للعابدين غداً، فاغتنموا ممر الساعات والليالي والأيام رحمكم الله. (حلية الأولياء: 5/109).

وعن ثابت بن الضحاك قال عند قوله تعالى:{وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}(9 سورة المنافقون). يقول ومن يلهه ماله وأولاده عن ذكر الله فأولئك هم الخاسرون يقول: "هم المغبونون حظوظهم من كرامة الله ورحمته". (تفسير الطبري:18/117).

واعلم عبد الله أنه لن يضيع وقته إلا مغبون بل إنه محروم، وإن إضاعة الوقت هي أشد من الموت فقد قال ابن القيم -رحمه الله- عند كلامه على إضاعة الوقت وأنه أشد من الموت قال: "إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها".

أخي المسلم: كم من العمر يمضي في غير طاعة الله؟! وكم من الساعات تنقضي في اللهو والعبث؟! فعن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ".

عبد الله: كم من الأيام قد مضت في اللعب واللهو؟! ونحن نفرح بأنها تمضي ولم نتذكر أنها تقربنا إلى آجالنا، ولله در القائل:

إنـا لـنـفـــرح بالأيـام نـقـطـعـهـــا *** وكـل يوم مضى يدني من الأجل
فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهدا ً *** فإنما الربح والخسران في العمل

وانظر إلى هذا الشاعر اللبيب الفطن الذكي حينما دعاه الملك ليصف قصره، فعلم أنه في لهو ولعب، وأن عمره قد مضى في ضياع، ولم يستغل عمره كما أراد الله-جل جلاله-.فقال:

عـش مـا بـدا لك سـالـماً *** في ظل شاهقة الـقـصـور
يسـعى عليك بما اشتهيــ*** يت لدى الرواح مع البكـور
فإذا النـفــوس تـقـعـقعـت *** في ضيق حشرجة الصدور
فـهنــاك تـعــلـم مـوقــنـاً *** مـا كـنــت إلاّ فـي غـــرورِ

أسأل الله العلي القدير أن يوفقنا لطاعته والعمل في مرضاته، وأن يوفقنا لاستغلال أوقاتنا، وأعمارنا، وصحتنا، وفراغنا، إنه جواد كريم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين، والحمد لله رب العالمين.

من صفات المنافقين

من صفات المنافقين

من أخطر الأمراض التي تصيب بعض من ينتسب إلى هذه الأمة مرض النفاق ؛ لأن المنافق يظهر الإيمان والإسلام ويبطن الكفر، فلا ينتبه له ولا يأخذ المسلم حذره منه ولهذا كان ضرر المنافقين على الإسلام وأهله أعظم من ضرر الكافرين، فالمنافقون في حقيقة أمرهم يجمعون بين الكفر والكذب، فهم كافرون في الباطن، كاذبون في الظاهر، لذا كان كفرهم أشد من كفر الكافر المعلن لكفره، وكانوا يوم القيامة أشد عذابا من هؤلاء الكفار: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً }.(النساء:145).


من أخطر الأمراض التي تصيب بعض من ينتسب إلى هذه الأمة مرض النفاق ؛ لأن المنافق يظهر الإيمان والإسلام ويبطن الكفر، فلا ينتبه له ولا يأخذ المسلم حذره منه ولهذا كان ضرر المنافقين على الإسلام وأهله أعظم من ضرر الكافرين، فالمنافقون في حقيقة أمرهم يجمعون بين الكفر والكذب، فهم كافرون في الباطن، كاذبون في الظاهر، لذا كان كفرهم أشد من كفر الكافر المعلن لكفره، وكانوا يوم القيامة أشد عذابا من هؤلاء الكفار: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً }.(النساء:145).

ولقد قال عنهم الإمام ابن القيم - رحمه الله -: ( طبقة الزنادقة، وهم قوم أظهروا الإسلام ومتابعة الرسل، وأبطنوا الكفر ومعاداة الله ورسله، وهؤلاء المنافقون، وهم في الدرك الأسفل من النار، قال تعالى : {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً}.النساء: (145) ، فالكفار المجاهرون بكفرهم أخف، وهم فوقهم في دركات النار؛ لأن الطائفتين اشتركتا في الكفر ومعاداة الله ورسله، وزاد المنافقون عليهم بالكذب والنفاق، وبلية المسلمين بهم أعظم من بليتهم بالكفار المجاهرين، ولهذا قال تعالى :{هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون} (المنافقون: 4).
ولأن الله تعالى قد أمر بأخذ الحذر منهم وبين صفاتهم في كتابه الكريم فإننا نذكر ما تيسر من هذه الصفات الخبيثة للمنافقين كي نتجنبها ونحذر أهلها.

أولاً: إظهار الإيمان وإبطان الكفر:
قال تعالى :{إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ }.المنافقون(1).
فالمنافقون يعلنون الإسلام، ويُشهدون الرسول – صلى الله عليه وسلم- على إسلامهم، وهذا هو أصل المسألة، أنهم في الظاهر مظهرون للإسلام وبهذا دخلوا في عداد المسلمين وجرت عليهم أحكام أهل الإسلام ، لكنهم في الحقيقة كفار بل أشد كفرا من الكفار الأصليين ، وهم يتعاملون بوجهين ، وجه مع المؤمنين وآخر مع الكفار والمشركين.

فحين يلقون المؤمنين يعلنون أنهم مؤمنون لكنهم إذا التقوا برؤوس الكفر أعلنوا أنهم في الحقيقة من الكافرين ومعهم ، ولقد فضحهم القرآن وشنع عليهم فقال الله تعالى: { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)} (سورة البقرة).

فالله يستهزئ بهم حقيقة حين يشنع عليهم ويكشف مكنونات صدورهم ، أما في الآخرة فالاستهزاء بهم أشد ، كما قال الله تعالى:
{ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (15)} ( سورة الحديد).
المنافقون شرار الناس
وهؤلاء الذين يأتون المؤمنين بوجه ويأتون آخرين بوجه آخر هم شرار الناس ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" تجدون الناس مَعادِنَ، خيارُهم في الجاهليَّة خِيارُهم في الإسلام إذا فَقُهُوا، وتجدون خيرَ النَّاسِ في هذا الشأن أشَدَّهُم له كراهية، حتى يقع فيه، وتجدون شرَّ الناس ذَا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجْه وهؤلاء بوجْه ". (البخاري ومسلم).
لكن لماذا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر؟
أجاب القرآن عن أسباب هذه الآفة فبين أنهم إنما أرادوا خداع المؤمنين ، كما أرادوا تحقيق المكاسب الدنيوية العاجلة ، أما كونهم أرادوا خداع المؤمنين فذلك ما أخبر الله به حين قال عنهم: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) } (سورة البقرة).

وأما كونهم يريدون المكاسب الدنيوية فذلك ما أخبر الله به حين قال عنهم: {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141) } ( سورة النساء).

فهم يريدون الدنيا فقط وليس لهم هم ولا تفكير في الآخرة ولا في لقاء الله تعالى.

وسبب آخر مهم لهذه الآفة المتأصلة في نفوسهم وهي طمعهم في التأثير على المؤمنين بفتنتهم عن دينهم ، وشعارهم في ذلك ما ذكره الله تعالى: {آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } ( من الآية 72سورة آل عمران).

نسأل الله أن يكفي الأمة شرهم ، وأن يرد كيد المنافقين إلى نحورهم ، ونكمل حديثنا عن صفات المنافقين في مقالات أخرى قادمة إن شاء الله.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الخمر أم الخبائث

الخمر أم الخبائث

فشرب الخمر في ديننا كبيرة من كبائر الذنوب وإثم من أعظم الآثام و بالإضافة إلى أنه كبيرة من كبائر الذنوب فإنه ينحط بصاحبه إلى أسفل دركات مساوئ الأخلاق.


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه،، وبعد:

فقد قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث، إنه كان رجل ممن خلا قبلكم تعبَّد فعلقته امرأة غوية فأرسلت إليه جاريتها فقالت له: إنا ندعوك للشهادة فانطلق مع جاريتها فطفقت كلما دخل بابا أغلقته دونه حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر فقالت: إني والله ما دعوتك للشهادة ولكن دعوتك لتقع عليّ، أو تشرب كأسا من هذه الخمرة، أو تقتل هذا الغلام، قال: فاسقني كأسا فسقته كأسا، قال: زيديني، فلم يرم حتى وقع عليها، وقتلالنفس، فاجتنبوا الخمر؛ فإنها والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر إلا ليوشك أن يُخرج أحدهما صاحبه.

فشرب الخمر في ديننا كبيرة من كبائر الذنوب وإثم من أعظم الآثام و بالإضافة إلى أنه كبيرة من كبائر الذنوب فإنه ينحط بصاحبه إلى أسفل دركات مساوئ الأخلاق.
يقول الجاحظ :
أكثر ما يجب على المتطلع إلى السمو تجنب السكر، لأن السكر من الشراب يثير النفس الشهوانية ويقويها ويحملها على التهتك، وارتكاب الفواحش والمجاهرة بها، وذلك أن الإنسان إنما يرتدع عن القبائح بالعقل والتمييز، فإذا سكر عدم ذلك الذي كان يردعه عن الفعل القبيح، فلا يبالي أن يرتكب كل ما كان يتجنب في صحوه، فأولى الأشياء لمن طلب العفة هجر الشراب بالجملة، ويتجنب مجالس المجاهرين بالشراب والسكر والخلاعة، ولا يظنن أنه إذا حضر تلك المجالس واقتصر على اليسير من الشراب لم يستضر به، فإن هذا غلط وذلك أن من يحضر مجالس الشراب ليس تنقاد له نفسه إلى القناعة بيسير الشراب، بل إن حضر مجالس الشرب وكان في غاية العفة تاركاً للشرب متمتعاً بالورع حملته شهوته على التشبه بأهل المجلس وتاقت نفسه إلى التهتك. ا. هـ.

وانظر إلى هذا الصحابي الجليل العاقل الحازم حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه حين شرب الخمر حتى سكر – قبل أن تحرم الخمر – فقد قام إلى ناقتين لعلي بن أبي طالب فقطع أسنمتها وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما، وهذا في ذاته عدوان لا يحل له، وما كان له أن يفعل لولا أنه شرب حتى سكر، ثم إنه ارتكب أعظم من هذا حين جاءه الرسول صلى الله عليه وسلم يلومه فنظر حمزة إليه وإلى عليّ وقال: وهل أنتم إلا عبيد لأبي، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سكران. وما كان لحمزة أن يتكلم بمثل هذا لو لم يسكر.
وقد حرم الله سبحانه وتعالى الخمر فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)}.(المائدة).

وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يؤمئذ الفضيخ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي:"ألا وإن الخمر قد حرمت"، قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها فخرجت فهرقتها، فجرت في سكك المدينة، فقال بعض القوم قد قتل قوم وهي في بطونهم فأنزل الله: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93)}.(المائدة).

الترهيب من شرب الخمر في السنة:
ورد في سنة النبي صلى الله عليه وسلم الكثير من الأحاديث التي ينهى فيها عن الخمر بل وصل الأمر إلى لعن من شربها. فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه". (رواه البخاري).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن". (متفق عليه).
 
وقال صلى الله عليه وسلم: "من زنى وشرب الخمر نزع الله منه الإيمان كما يخلع القميص من رأسه". (أخرجه الحاكم على شرط مسلم).

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم: "لا تشرب الخمر، فإنها مفتاح كل شر". (رواه ابن ماجه).

العقلاء يجتنبون الخمر

قالت عائشة رضي الله عنها: حرم أبوبكر رضي الله عنه الخمر على نفسه فلم يشربها في الجاهلية ولا في الإسلام، وذلك أنه مر برجل سكران يضع يده في العذرة – البراز – ويدنيها من فيه فإذا وجد ريحها صرف عنها فقال: إن هذا لا يدري ما يصنع فحرمها.

وقال الأبشيهي رحمه الله:

ممن ترك الخمر في الجاهلية عبدالله بن جدعان، وكان جوادا من سادات قريش وذلك أنه شرب مع أمية بن أبي الصلت الثقفي فضربه على عينه فأصبحت عين أمية مخضرة يخاف عليها الذهاب فقال له عبدالله: ما بال عينك؟ فألح عليه فقال: أولست ضاربها بالأمس؟ فقال عبدالله: أو بلغ مني الشراب ما أبلغ معه هذا؟ لا أشربها بعد اليوم ثم دفع له عشرة آلاف درهم. وقال: الخمر عليّ حرام، لا أذوقها بعد اليوم أبداً.

وممن حرمها في الجاهلية أيضا قيس بن عاصم وحدث له مرة أنه سكر فجعل يتناول القمر ويقول: والله لا أبرح حتى أنزله ثم يثب الوثبة بعد الوثبة ويقع على وجهه فلما أصبح وأفاق قال: مالي هكذا؟ فأخبروه بالقصة، فقال: ولا أشربها أبداً، ومن هؤلاء أيضا العباس بن مرداس وقد قيل له: لم تركت الخمر وهي تزيد في سماحتك؟ فقال: أكره أن أصبح سيد قومي وأمسي سفيههم.

وقال الأبشيهي أيضاً:
استلقى سكران على الطريق فجاء كلب فلحس شفتيه فقال: خدمك بنوك ولا عدموك، فبال على وجهه فقال: وماء حار أيضا بارك الله فيك.

وهكذا أيها الحبيب فإن الخمر تذهب العقل وتجعل مدمنها في صفوف الفاسقين والسفهاء وتزري بهم وتحط من شأنهم، ولو رأى هذا السكران نفسه وأفعاله حين يسكر لدفعه احترامه لنفسه إلى نبذها والإقلاع عنها، فكيف وشربها كبيرة من الكبائر.
نسأل الله تعالى أن يهدينا والمسلمين سواء السبيل، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

الوسوسة

الوسوسة

تقال الوسوسة لما يقع في النّفس من الشّرّ، أما الإلهام فهو لما يقع فيها من الخير
الوسوسة لغة:
الوسوسة: مصدر قولهم: وسوس يوسوس مأخوذة من مادّة (وس س) الّتي تدلّ على صوت غير رفيع.
الوسوسة اصطلاحًا:
الوسوسة والوسواس: ما يلقيه الشّيطان في القلب.
وقال الرّاغب: الوسوسة: الخطرة الرّديئة.
وقال الكفويّ: الوسوسة القول الخفيّ لقصد الإضلال.
والوسواس: ما يقع في النّفس من عمل الشّرّ وما لا خير فيه.
وقيل: الوسواس مرض يحدث من غلبة السّوداء يختلط معه الذّهن.
وقال ابن القيّم رحمه اللّه: "الوسوسة: الإلقاء الخفيّ في النّفس إمّا بصوت خفيّ لا يسمعه إلّا من ألقي عليه، وإمّا بغير صوت كما يوسوس الشّيطان إلى العبد".

أنواع الوسوسة:
قال ابن القيّم رحمه اللّه في قوله تعالى: {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} [الناس:6]: "يعني أنّ الوسواس نوعان: إنس وجنّ، فإنّ الوسوسة الإلقاء الخفيّ، لكنّ الإلقاء الإنسيّ بواسطة الأذن، والجنّيّ لا يحتاج إليها".

الفرق بين الوسوسة والإلهام وما أشبههما مما يقع في النفس:
تقال الوسوسة لما يقع في النّفس من الشّرّ، أما الإلهام فهو لما يقع فيها من الخير، ولما يقع فيها من الخوف إيجاس، ولما يقع من تقدير نيل الخير أمل، ولما يقع من تقدير لا على الإنسان ولا له خاطر.

الآيات الواردة في (الوسوسة):
- {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى} [طه:120].
- {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق:16].
- {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ . مَلِكِ النَّاسِ . إِلهِ النَّاسِ . مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ . الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ . مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} [الناس:1-6].

الأحاديث الواردة في ذمّ (الوسوسة):
- عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النّبيّ صلى اللّه عليه وسلّم قال: «إنّ الشّيطان إذا سمع النّداء بالصّلاة أحال له ضراط، حتّى لا يسمع صوته فإذا سكت رجع فوسوس. فإذا سمع الإقامة ذهب حتّى لا يسمع صوته. فإذا سكت رجع فوسوس» (البخاري، ومسلم، واللفظ له).
- عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم: «إنّ اللّه تجاوز لأمّتي عمّا وسوست -أو حدّثت- به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلّم» (البخاري).
- عن عبد اللّه بن مغفّل رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم: «لا يبولنّ أحدكم في مستحمّه فإنّ عامّة الوسواس منه» (أبو داوود، وابن ماجه، والنسائي).
- عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قال: «إنّ أحدكم إذا قام يصلّي جاء الشّيطان فلبس عليه حتّى لا يدري كم صلّى، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس» (البخاري).
- عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم: «يأتي الشّيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا وكذا؟ حتّى يقول له: من خلق ربّك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ باللّه ولينته» (مسلم). ومعناه إذا عرض له هذا الوسواس، فليلجأ إلى اللّه تعالى في دفع شره، وليعرض عن الفكر في ذلك، وليعلم أن هذا الخاطر من وسوسة الشيطان، وهو إنما يسمى بالفساد والإغراء، فليعرض عن الإصغاء إلى وسوسته وليبادر إلى قطعها، بالاشتغال عنها.
- عن جابر رضي اللّه عنه قال: سمعت النّبيّ صلى اللّه عليه وسلّم يقول: «إنّ عرش إبليس على البحر، فيبعث سراياه فيفتنون النّاس. فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة» (مسلم).

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (الوسوسة):
- نقل ابن كثير عن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما في قوله تعالى: {الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ} [الناس:4] قال: "الشّيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر خنس".
- قال ابن كثير رحمه اللّه: "أمر اللّه المستعيذ أن يتعوّذ بالمتّصف بالرّبوبيّة والملك والألوهيّة من شرّ الوسواس الخنّاس وهو الشّيطان الموكّل بالإنسان. فإنّه ما من أحد من بني آدم إلّا وله قرين يزيّن له الفواحش. ولا يألوه جهدا في الخبال، والمعصوم من عصمه اللّه".

من مضار (الوسوسة):
(1) طريق إلى الشّكّ. والشّك في اللّه كفر.
(2) تفقد الإنسان ثقته بنفسه وبغيره.
(3) ينفر النّاس من صاحب الوسواس ويبتعدون عنه.
(4) الموسوس لا تكمل له عبادة ولا يستقرّ له فكر.
(5) يشدّد على نفسه حتّى يدخل في دائرة المحظور.
(6) قد يصل الأمر بالموسوس إلى الهلوسة ثمّ الجنون.

الزندقة

الزندقة


الزّندقة كفر، والزّنديق كافر، لأنّه مع وجود الاعتراف بنبوّة سيّدنا محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم يكون في عقائده كفر وهذا بالاتّفاق.

الزندقة لغة:
الزّندقة كلمة معرّبة من اللّغة الفارسيّة استعملها العرب منذ فترة مبكّرة في التّاريخ الإسلاميّ للتّعبير عن طائفة من الملاحدة، وقد شقّت طريقها إلى المعجم العربيّ منذ القرن الثّاني للهجرة فقال عنها الخليل في أقدم معجم عربيّ (هو كتاب العين): زندقة الزّنديق: ألّا يؤمن بالآخرة وبالرّبوبيّة، وقيل: هو الّذي لا يؤمن بالآخرة ووحدانيّة الخالق.

الزندقة اصطلاحًا:
قال التّهانويّ: الزّنديق: هو الثّنويّ القائل بإلهين منهما يكون النّور والظّلمة ويسمّيهما: يزدان، وأهريمن، الأوّل: خالق الخير، والثّاني: خالق الشّرّ يعني الشّيطان، (وقيل) هو الّذي لا يؤمن بالحقّ تعالى وبالآخرة، وقيل: هو الّذي يظهرالإيمان ويبطن الكفر.

حكم الزندقة:
الزّندقة كفر، والزّنديق كافر، لأنّه مع وجود الاعتراف بنبوّة سيّدنا محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم يكون في عقائده كفر وهذا بالاتّفاق.

حقيقة الزندقة:
قال الحافظ ابن حجر رحمه اللّه تعالى:
الزّنادقة جمع زنديق، وقال: قال أبو حاتم السّجستانيّ وغيره: الزّنديق: فارسيّ معرّب أصله (زنده كرداي) يقول بدوام الدّهر لأنّ (زنده) الحياة و(كرد) العمل، ويطلق على من يكون دقيق النّظر في الأمور. وقال ثعلب: ليس في كلام العرب زنديق وإنّما قالوا زندقيّ لمن يكون شديد التّحيّل، وإذا أرادوا ما تريد العامّة قالوا ملحد ودهريّ أي يقول بدوام الدّهر، وقال الجوهريّ: الزّنديق من الثّنويّة. وفسّره بعض الشّرّاح بأنّه الّذي يدّعي أنّ مع اللّه إلها آخر، وتعقّب بأنّه يلزم منه أن يطلق على كلّ مشرك. ثمّ قال: والتّحقيق أنّ أصل الزّنادقة أتباع ديصان ثمّ ماني ثمّ مزدك.
وحاصل مقالتهم أنّ النّور والظّلمة قديمان وأنّهما امتزجا فحدث العالم كلّه منهما، فمن كان من أهل الشّرّ فهو من الظّلمة ومن كان من أهل الخير فهو من النّور. وأنّه يجب السّعي في تخليص النّور من الظّلمة فيلزم إزهاق كلّ نفس. وكان بهرام جدّ كسرى تحيّل على ماني حتّى حضر عنده وأظهر له أنّه قبل مقالته ثمّ قتله وقتل أصحابه وبقيت منهم بقيّة اتّبعوا مزدك، وقام الإسلام والزّنديق يطلق على من يعتقد ذلك، وأظهر جماعة منهم الإسلام خشية القتل ومن ثمّ أطلق الاسم على كلّ من أسرّ الكفر وأظهر الإسلام حتّى قال مالك: الزّندقة ما كان عليه المنافقون وكذا أطلق جماعة من الفقهاء الشّافعيّة وغيرهم أنّ الزّنديق هو الّذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر.
ونقل ابن حجر عن النّوويّ قوله: الزّنديق الّذي لا ينتحل دينا.

الفرق بين الزنديق وغيره من أصناف الكفار:
وأمّا الفرق بين الزّنديق والمنافق مع اشتراكهما في إبطان الكفر: هو أنّ الزّنديق معترف بنبوّة نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم، دون المنافق وهذا الفرق بين الزّنديق من أهل الإسلام والمنافق الاصطلاحيّ. وأمّا الفرق بين الزّنديق والدّهريّ فيما ذكر فإنّ الدّهريّ ينكر استناد الحوادث إلى الصّانع المختار بخلاف الزّنديق. وأمّا الفرق بينه وبين الملحد الّذي يعتبر أيضا من زمرة الكفرة على ما دلّ قول حافظ الدّين الكرديّ في فتاواه: لو قال أنا ملحد يكفر فيما أنّ الاعتراف بنبوّته صلّى اللّه عليه وسلّم معتبر في الزّنديق دون الملحد وإن لم يكن عدم الاعتراف دون الملحد وإن لم يكن بالعدم أيضا معتبرا فيه. وبهذا أي بعدم اعتبار القول بعدم الصّانع المختار في الملحد يفارق الملحد الدّهريّ.

أحكام الزنادقة:
وقال الآمديّ في أبكار الأفكار: حكم أموال الزّنادقة حكم المرتدّين فلا تقبل منهم جزية ولا تنكح نساؤهم ولا دية على قاتل واحد منهم، فإن استرقّ لحق واحد منهم بدار الحرب وسبي، ولو تاب واحدٌ منهم فإن كان ذلك ابتداء منه غير خوف قبلت توبته، وإن كان ذلك خوفا من القتل بعد الظّهور على بدعته فقد اختلف في قبول توبته فقبلها الشّافعيّ وأبو حنيفة ومنع من ذلك مالك وبعض أصحاب الشّافعيّ وهو اختيار الأستاذ أبي إسحاق ولو قُتل واحد منهم أو مات فما له مخمّس عند الشّافعيّ وأبي حنيفة، وعند مالك ماله كلّه لا خمس فيه. قلت: لا بعد فيه فإنّ الزّنديق يموّه كفره ويروّجالعقيدة الفاسدة ويخرجها في الصّورة الصّحيحة وهذا معنى إبطانه الكفر فلا ينافي إظهاره الدّعوة إلى الملّة الضّالّة. فالملحد أوسع فرق الكفر جدّا، فافهم هذا الفرق.

أنواع الزندقة:
والزّنادقة على ثلاثة أوجه: إمّا أن يكون زنديقًا من الأصل على الشّرك أو يكون مسلمًا فتزندق أو يكون ذمّيًّا فتزندق. ففي الوجه الأوّل يترك على شركه، وفي الوجه الثّاني يعرض عليه الإسلام فإن أسلم وإلّا قتل لأنّه مرتّد، وفي الوجه الثّالث يترك على حاله لأنّ الكفر ملّة واحدة.

من الآثار الواردة في ذمّ (الزندقة):
- قال مالك بن أنس رحمه اللّه: توبة الزّنديق لا تقبل وهذا يحكى عن أحمد بن حنبل رحمه اللّه تعالى.
- قال ابن تيميّة رحمه اللّه تعالى: الزّنديق يجب قتله.

من مضار (الزندقة):
(1) شيوع الزّندقة يغري ضعاف الإيمان بالانزلاق إليها.
(2) انتشار المعصية، فليس بعد الكفر ذنب، ومن ثمّ يسهل على الزّنديق ارتكابها.
(3) اضطراب المجتمع، فإنّ الزّنادقة لا يحكمهم مبدأ، ومن ثمّ فإنّهم يفعلون ما تدعوهم إليه أهواؤهم بغير رعاية لحقوق الآخرين.
(4) انصراف النّاس إلى الشّهوات وتلبية دعوة الهوى يضعف المجتمع فيطمع فيه أعداؤه ويستولون عليه ويسلبون عزّته وكرامته.

من صفات المنافقين .. موالاة الكافرين

من صفات المنافقين .. موالاة الكافرين

وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم اللسان"، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أخطر المصائب في تاريخ الأمة الإسلامية قديمًا وحديثًا عن طريق المنافقين، ولا نكاد نرى عصرًا من عصور تاريخ المسلمين إلا ونجد للمنافقين فيه دورًا خطيرًا، فقد أفسدوا عقائد كثير من الناس.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..وبعد: فحديثنا في هذا المقال وما يليه إن شاء الله تعالى عن بعض صفات المنافقين كما تحدث عنها القرآن في سورة البقرة، لكن لماذا الحديث عن النفاق وصفات المنافقين؟

لأن أكبر خطر تهددت به الأمة الإسلامية على مر العصور هو النفاق ولهذا كان مصيرهم يوم القيامة أسوأ مصير في الدرك الأسفل من النار؛ لأنهم شر من الكفار الصُّرَح، فبلية المؤمنين بهم أعظم من بليتهم بالكفار المجاهرين؛ لأنهم لا يظهرون ما يعتقدون، يعملون في الخفاء، ويظهرون لباس الإخوان والأصدقاء، فهم مستأمنون لا يحسب لهم حساب ولا يراقبون ولا يحترز منهم إلا القليل من المؤمنين، والعدو المخالط المداخل المساكن أخطر وأشد كيدًا من العدو الظاهر البعيد، فهم أخطر من الجيوش العسكرية، والانحرافات الفكرية لأن أصحابها أعداء معروفون واضحون لا يقبل كثير من الناس أقوالهم. 
وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم اللسان".
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أخطر المصائب في تاريخ الأمة الإسلامية قديمًا وحديثًا عن طريق المنافقين، ولا نكاد نرى عصرًا من عصور تاريخ المسلمين إلا ونجد للمنافقين فيه دورًا خطيرًا، فقد أفسدوا عقائد كثير من الناس.
والمتتبع لجذور الانحراف العقدي في تاريخ المسلمين يجد المنافقين وراءه، ومن أبرز الأمثلة في ذلك فرقة السبئيّة التي وضع أسسها المنافق اليهودي عبد الله بن سبأ، الذي أظهر الإسلام في عهد عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وأخذ يطوف البلاد الإسلامية ينشر معتقده، وقد لبَّس على العامة في زمن كان فيه كثير من الصحابة، حتى إن بعض أتباعه هددهم علي - رضي الله عنه - بالموت حرقًا إن لم يرجعوا عن هذه العقيدة الضالة، فأصروا وفضلوا الموت على الرجوع عن ضلالهم، وقد كان من نتيجة فتنة عبد الله بن سبأ مقتل الخليفة الثالث الراشد عثمان بن عفان - رضي الله عنه.
وكان سقوط بغداد مركز الخلافة الإسلامية العباسية عام (656 هـ) على يد المنافق الخبيث ابن العلقمي الرافضي الذي تعاون مع التتار الذين قتلوا جميع من يقدرون عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والشبان حتى بلغوا مليون قتيل، وقد كان ابن العلقمي وزيرًا عند الخليفة المستعصم يظهر الولاء والنصرة، له فضل في الإنشاء والأدب لكنه كان منافقًا يضمر الحقد على الإسلام وأهله، كاتب التتار وزين لهم اجتياح بغداد، وكان ذلك بعد أن سرح الجند وصرف الجيوش عن بغداد حتى لم يبق منهم إلا عشرة آلاف ثم أرسل إلى التتار يسهل عليهم أمر اجتياح المدينة فقدموا وحدث ما حدث.

والأمثلة كثيرة جدًا ولهذا كان الواجب التحذير من النفاق، وبيان صفات أهله، وكشف جهودهم في هدم الإسلام وخدمة أعدائه وموالاتهم وتنفيذ مخططاتهم.
سبب ظهور النفاق في المدينة

عَرَّف الإمام ابن كثير ــ رحمه الله تعالى ــ النفاق، وذكر أنواعه وسبب ظهوره فقال: ( النفاق: هو إظهار الخير وإسرار الشر، وهو أنواع: اعتقادي: وهو الذي يخلد صاحبه في النار، وعملي: وهو من أكبر الذنوب.. وهذا كما قال ابن جريج: المنافق يخالف قوله فعله، وسره علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مغيبه.
وإنما نزلت صفات المنافقين في السور المدنية؛ لأن مكة لم يكن فيها نفاق، بل كان خلافه، من الناس من كان يظهر الكفر مستكرهاً وهو في الباطن مؤمن، فلما هاجر الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة. وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج، وكانوا في جاهليتهم يعبدون الأصنام على طريقة مشركي العرب، وبها اليهود من أهل الكتاب على طريقة أسلافهم، وكانوا ثلاث قبائل:
بنو قينقاع حلفاء الأوس والخزرج ..(وبنو النضير وبنو قريظة) وقَلَّ من أسلم من اليهود إلا عبد الله بن سلام -رضي الله عنه- ولم يكن إذ ذاك نفاق أيضاً؛ لأنه لم يكن للمسلمين بعد شوكة تخاف، بل قد كان -عليه الصلاة والسلام- وَادَعَ اليهود، وقبائل كثيرة من أحياء العرب حوالي المدينة، فلما كانت وقعة بدر العظمى، وأظهر الله كلمته، وأعز الإسلام وأهله، قال عبد الله بن أبي بن سلول – وكان رأساً في المدينة وهو من الخزرج، وكان سيد الطائفتين في الجاهلية، وكانوا قد عزموا على أن يملكوه عليهم، فجاءهم الخير وأسلموا واشتغلوا عنه، فبقي في نفسه من الإسلام وأهله، فلما كانت وقعة بدر – قال:
هذا أمر قد توجه(يعني انقضى)! فأظهر الدخول في الإسلام، ودخل معه طوائف ممن هو على طريقته ونحلته، وآخرون من أهل الكتاب، فمن ثم وُجد النفاق في أهل المدينة، ومن حولها من الأعراب، فأما المهاجرون فلم يكن فيهم أحد يهاجر مكرهاً، بل يهاجر فيترك ماله وولده وأرضه رغبة فيما عند الله في الدار الآخرة).

وسنتعرض بالتفصيل لبقية أسباب النفاق في مقال آخر لكننا ندخل الآن في صلب الموضوع وهو الحديث عن هذه الصفات كما وردت في أول سورة البقرة.

الصفة الأولى: يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام:
كما قال -تعالى-: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} فهم في معاملاتهم وحلاوة ألسنتهم في الكلام تحسبهم مؤمنين، والله يكشف حالهم ويفضحهم إلى الأبد ليقول: (وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) بل حقيقتهم الكفر وبغض الدين.
وفي هذه الآية تكذيب لدعواهم كما ذكر تكذيبه لهم في سورة المنافقين، فقال: {إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} (1) سورة المنافقون.

الصفة الثانية: المخادعة والمكر:

قال تعالى: {يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ} (9) سورة البقرة. فيحصل الخداع منهم لله ولرسوله وللمؤمنين.. ويكون ذلك بإظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر، فيعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك، وأن ذاك نافعهم عند الله، وأنه يروج على بعض المؤمنين، كما قال –سبحانه-: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ} (18) سورة المجادلة.
إن في قوله –تعالى-: {يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا...} حقيقة كبيرة وتفضلاً من الله كريماً تلك الحقيقة هي التي يؤكدها القرآن دائماً ويقررها، وهي حقيقة الصلة بين الله والمؤمنين.. إنه يجعل صفهم صفه، وأمرهم أمره، وشأنهم شأنه، يجعل عدوهم عدوه، وما يوجه إليهم من مكر موجهاً إليه – سبحانه- وهذا هو التفضل العلوي الكريم.. وفي هذا المقطع من الآية تهديد شديد للذين يحاولون خداع المؤمنين والمكر بهم، وإيصال الأذى إليهم... تهديد لهم بأن معركتهم ليست مع المؤمنين وحدهم، إنما هي مع الله القوي الجبار القهار) (في ظلال القرآن 1/43. سيد قطب رحمه الله- بتصرف).

ثم بين سبحانه أن هؤلاء بجهلهم وغرورهم ومخادعتهم إنما يخدعون أنفسهم الدنيئة والقاصرة في نفس الوقت... تلك الأنفس التي ما عرفت عظمة الله وسعة علمه، وبصره. فالشعور بحقيقة الأمر عندهم قاصر، ولكن الحقيقة أنهم يخدعون أنفسهم ليوبقوها في الهلاك. من هو الله حتى يُخدع-!! ومن هؤلاء حتى يخدعوا الله!! لقد أساؤوا الظن بالله غاية الإساءة ولو عظموه حق تعظيمه لما حصل منهم ذلك.

الصفة الثالثة: قلوبهم مريضة:

قال – تعالى-: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} المرض هو الشك في حقيقة هذا الدين وصلاحيته لحكم الأرض والدنيا بأجمعها، قال ابن عباس: في قلوبهم مرض: أي شك، وكذا قال جمع من علماء السلف.
وقال بعضهم: أي في قلوبهم رياء. ( إن في طبيعتهم آفة.. في قلوبهم علة.. وهذا ما يحيد بهم عن الطريق الواضح المستقيم.. ويجعلهم يستحقون من الله أن يزيدهم مما هم فيه: (فزادهم الله مرضاً) فالمرض يُنشئ المرض.. والانحراف يبدأ يسيراً.. ثم تنفرج الزاوية في كل خطوة وتزداد، سنة لا تتخلف..).
(ولهم عذاب أليم) أي مؤلم لأجسادهم وقلوبهم بسبب صنيعهم الذي سلكوه في حياتهم مع الناس، تلك الحياة النكدة، المكدرة بالكذب، والخداع، والتحايل على البشر.

ونكمل في مقال قادم إن شاء الله، ونعوذ بالله تعالى من النفاق والشقاق وسيء الأخلاق، ونسأله أن يحشرنا في زمرة المؤمنين المتقين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

صفات المنافقين

صفات المنافقين 

قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} قال أبو العالية: أي لا تعصوا في الأرض، وكان فسادهم ذلك معصية لله؛ لأنه من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصيته فقد أفسد في الأرض؛ لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة. وعن مجاهد قال: إذا ركبوا معصية الله فقيل لهم: لا تفعلوا كذا وكذا، قالوا: إنما نحن على الهدى مصلحون. ( ابن كثير (1/52).


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد: فقد تحدثنا في مقال سابق عن ثلاث صفات من صفات المنافقين، وفي مقالنا هذا نكمل الحديث عن بعض الصفات الأخرى فيهم وفقا لما ورد في سورة البقرة.

الصفة الرابعة: يفسدون ويزعمون الإصلاح!

قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} قال أبو العالية: أي لا تعصوا في الأرض، وكان فسادهم ذلك معصية لله؛ لأنه من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصيته فقد أفسد في الأرض؛ لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة. وعن مجاهد قال: إذا ركبوا معصية الله فقيل لهم: لا تفعلوا كذا وكذا، قالوا: إنما نحن على الهدى مصلحون. ( ابن كثير (1/52).

قال ابن جرير الطبري: فأهل النفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه، وشكهم في دينه الذي لا يقبل من أحد عمل إلا بالتصديق به، والإيقان بحقيقته، وكذبهم على المؤمنين بدعواهم غير ما هم عليه مقيمون من الشك والريب، ومظاهرتهم – أي معاونتهم- أهل التكذيب بالله وملائكته وكتبه ورسله على أولياء الله إذا وجدوا إلى ذلك سبيلاً، فذلك إفساد المنافقين في الأرض وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها...

قال ابن كثير بعد ما نقل كلام ابن جرير: وهذا الذي قاله حسن؛ فإن من الفساد في الأرض: اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء، كما في الآية: { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض...} ثم قال في تفسير الآية أيضاً: نريد أن نداري – نداهن- الفريقين من المؤمنين والكافرين ونصطلح مع هؤلاء وهؤلاء كما ذكر ذلك ابن عباس.

ثم قال تعالى: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} أي: ألا إن هذا الذي يعتمدونه ويزعمون أنه إصلاح هو عين الفساد، ولكن من جهلهم لا يشعرون بكونه فساداً.

الصفة الخامسة: الاستهزاء بالمؤمنين الصادقين:
قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ} أي إذا قيل للمنافقين: آمنوا كما آمن الناس، وذلك بأن يصدقوا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وشرعه، كما آمن الناس الصادقون من الصحابة والتابعين ومن تبعهم في الهداية، كان الرد منهم على هذا الجواب رداً قبيحاً يدل على تعالي نفوسهم التي هي دنيئة أصلاً، فما كان منهم إلا أن قالوا مباشرة (أنؤمن كما آمن السفهاء) ويقصدون بالسفهاء: كل من آمن بالله ورسوله وصدق وعلم بما شرعه الرسول - صلى الله عليه وسلم -.. والمنافقون كانوا يأنفون ويترفعون من هذا الاستسلام للرسول -صلى الله عليه وسلم-، ويرونه خاصاً بفقراء الناس غير لائق بالعلية ذوي المقام! ومن ثم قالوا قولتهم هذه.. ومن ثم جاءهم الرد الحاسم، والتقرير الجازم: (ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون). ومتى علم السفيه أنه سفيه؟ ومتى استشعر المنحرف أنه بعيد عن المسلك القويم؟!.

فالمنافق يرى أنه بفعله ذلك ذكيٌ عالمٌ، والكافر يظن أنه بكفره على الحق والجادة، والشيطان يزين ويزخرف الأهواء والباطل على أنها حقائق محضة، فيصدقه الطغام، ويتبعه الجهلاء وهم لا يعلمون أنهم بفعلهم ذلك قد انحرفوا عن جادة الحق وطريق الإيمان..

وهذا المعنى يتكرر في كل زمان ومكان.. وهذه الصفة الخبيثة من المنافقين لا يخلو منها عصر ولا مصر، وهي صفتهم في الاستهزاء بالمؤمنين.. فكلما أراد رجل أن يهتدي ويستقيم، وكلما أراد شاب أن يحافظ على دينه في زمنالفتن، كان أولئك له بالمرصاد: أتصدق هؤلاء... تعال معنا حتى نلعب ونلهو.. احذر أولئك فإنهم فارغون وليس لهم هم إلا مساجدهم أو مصالحهم.. ومنهم من يكرر تلك المقولة بألفاظ أخرى: هؤلاء المتدينون الذين يطلق عليهم اليوم – مطاوعة- ما دخلوا المساجد إلا لأنهم فارغون ليس لديهم أعمال وهم من رعاع الناس، ويزعمون أن من يستقيم على شرع الله تعالى مصاب بعقد نفسية...إلخ.

الصفة السادسة: موالاة الكافرين ومعاونتهم على المؤمنين:
قال تعالى: {وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}

وهذه صفة من أخبث الصفات؛ لأنها تخالف الفطرة جملة وتفصيلاً، وهي إلى جانب كونها تخالف الفطرة التي فطر الإنسان عليها لا تليق بالرجال، أما وجه مخالفتها للفطرة فالإنسان فطر على الحق والصدق والصراحة وعدم المراوغة أو الخداع أو الظهور بأكثر من وجه أمام الناس.

وأما كونها لا تليق بالرجال: فلأن لفظ الرجل يدل على العزة والقوة وليس كل ذكر رجلاً...ولهذا مدح الله المؤمنين بأنهم رجال: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ}.
والمقصود أن هذه الصفة صفة ذميمة وهي أن يكون الرجل ذا لسانين أو ذا وجهين.. فإذا ما لقي المؤمنين قال: نحن معكم وآمنا كما آمنتم بل وصلى معهم وصام وربما شاركهم في كثير من الأعمال.. وإذا ذهب إلى شياطينه – شياطين الإنس- وهم سادته وكبراؤه وأصحابه الذين هم في الأصل كفار ولا يقرون لله بالطاعة قالوا لهم:( إنا معكم) أي نحن على مثل ما أنتم عليه، ولا يمكن أن نفارقكم أو نفارق ما أنتم عليه (إنما نحن مستهزؤون) أي: إنما كان موافقتنا للمؤمنين وقولنا لهم (آمنا) إنما كان ذلك منا استهزاءً وسخرية بهم؛ لأنهم أدنى منكم منزلة – بزعمهم-.

( إن بعض الناس يحسب اللؤم قوة، والمكر السيء براعة.. وهو في حقيقته ضعف وخسة.. فالقوي ليس لئيماً ولا خبيثاً.. ولا خادعاً ولا متآمراً.. ولا غمازاً في الخفاء لمازاً.. وما يكاد القرآن يحكي فعلتهم هذه وقولتهم، حتى يصب عليهم من التهديد ما يهد الجبال الرواسي: ( الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون) وما أبأس من يستهزئ به جبار السماوات والأرض وما أشقاه!! وإن الخيال ليمتد إلى مشهد مفزع رعيب، وإلى مصير تقشعر من هوله القلوب، وهو يقرأ ( الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون) فيدعهم يخبطون على غير هدى في طريق لا يعرفون غايته،وهذا هو الاستهزاء الرهيب، لا كاستهزائهم الهزيل الصغير).

قال قتادة رحمه الله في قول الله: (( وإذا خلوا إلى شياطينهم)) أي: إلى رؤوسهم وقادتهم في الشرك والشر، وبنحو ذلك فسره أبو مالك وأبو العالية والسدي والربيع بن أنس. قال ابن جرير رحمه الله: وشياطين كل شيء مردته، ويكونالشيطان من الإنس والجن، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} (112) سورة الأنعام. وفي المسند عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (نعوذ بالله من شياطين الإنس والجن). فقلت: يا رسول الله وللإنس شياطين؟! قال: (نعم).

وقال ابن عباس في قوله تعالى: (( الله يستهزئ بهم)) أي: يسخر بهم للنقمة منهم... وقوله تعالى: ((ويمدهم في طغيانهم يعمهون)). أي يملي لهم ويزيدهم في ما هم عليه من الطغيان ثم يأخذهم كما قال: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ } (55/ 56) سورة المؤمنون وقال: {سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} (182) سورة الأعراف. قال بعضهم: كلما أحدثوا ذنباً أحدث لهم نعمة، وهي في الحقيقة نقمة. والطغيان: هو المجاوزة في الشيء كما قال تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ } (11) سورة الحاقة.

وقوله (يعمهون): أي في كفرهم وضلالهم الذي غمرهم دنسُه وعلاهم رجسُه يترددون حيارى ضلالاً لا يجدون إلى المخرج منه سبيلاً؛ لأن الله قد طبع على قلوبهم وختم عليها، وأعمى أبصارهم عن الهدى، وأغشاهم فلا يُبصرون رشداً، ولا يهتدون سبيلاً. قاله ابن جرير.

ثم بيَّن الله -تعالى- عاقبتهم وخِسة فعلهم ونتيجة مساوئهم السابقة، وأنهم قد خسروا بصنيعهم هذا خسراناً كبيراً، فقال: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} أولئك: إشارة إلى من تقدمت صفاتهم الدنيئة.. (الذين اشتروا الضلالة بالهدى): أي عدلوا عن الهدى إلى الضلال، واعتاضوا عن الهدى بالضلالة،( لقد كان الهدى مبذولاً لهم، وكان في أيديهم، ولكنهم اشتروا الضلالة بالهدى، كأغفل ما يكون المتجرون، (( فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين)). أي ما ربحت صفقتهم في هذه البيعة، وما كانوا مهتدين في صنيعهم ذلك، قال قتادة: قد – والله – رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة ومن الجماعة إلى الفرقة ومن الأمن إلى الخوف ومن السنة إلى البدعة.

هذه بعض صفات المنافقين التي ذُكرت في أول سورة البقرة، وهناك صفات أخرى ذكرت في كثير من سور القرآن، ومنها سورة التوبة التي فضحت خبايا نفوسهم ولهذا سميت بـ( الفاضحة)، وكذا سورة (المنافقون)، لعلنا نتعرض لها في مقالات أخرى قادمة إن شاء الله تعالى.

نسأل الله تعالى أن يجنبنا مساوئ الأخلاق والأفعال والأقوال، وأن يطهر قلوبنا من النفاق وأعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

من صفات المنافقين .. موالاة الكافرين

من صفات المنافقين .. موالاة الكافرين

إن موالاة الكفار صفة متأصلة في نفوس المنافقين لا تنفك عنهم لحظة، ولو لم يكن من صفات المنافقين إلا هي لكفت لمعرفتهم، وأصل الموالاة : إظهار المودة بالأقوال والأفعال.


إن موالاة الكفار صفة متأصلة في نفوس المنافقين لا تنفك عنهم لحظة، ولو لم يكن من صفات المنافقين إلا هي لكفت لمعرفتهم، وأصل الموالاة : إظهار المودة بالأقوال والأفعال. 
وهي عند العلماء : متابعة غير المسلمين، ومحبتهم، والميل إليهم، وما يتبع ذلك من نصرتهم ومصاحبتهم، ومصادقتهم، ومناصحتهم وإسرار المودة إليهم وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعاداة في الله والحب في الله والبغض في الله».

فالمؤمن الحق لا يمكن أن يوالي غير المؤمنين، أما المنافقون فإنهم يميلون لهؤلاء الكفار، وقد بين الله تعالى أن هذه صفة من صفات المنافقين وتوعدهم عليها: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141)} (النساء: 138-141).

رأس المنافقين ابن سلول وموالاة اليهود 

لئن كان المنافقون في كل زمان ومكان يوالون الكافرين ويحبونهم وينصرونهم على المؤمنين فإن قدوتهم في ذلك هو رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول عليه من الله ما يستحقه، فقد انحاز إلى أشد الناس عداوة للمؤمنين وهم اليهود في أكثر من موقف، فحين تمكن الغيظ من قلوب يهود بني النضير نتيجة ما من الله به على المؤمنين من نصر وعز وتمكين وكادوا للإسلام وأهله، وظهرت رغبة النبي صلى الله عليه وسلم في معاقبتهم على خيانتهم وكيدهم وإظهار العداوة للمسلمين،  أرسل إليهم بن سلول يقول:
اثبتوا وتمنعوا، ولا تخرجوا من دياركم، فإن معي ألفين يدخلون معكم حصنكم فيموتون دونكم، وفيهم أنزل الله -تعالى-: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ . لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ} (الحشر:11-12).

وكما تلحظ من الآيات الكريمة فإنها حوت نبوءة وبشارة، أما النبوءة فهي ما أخبر الله به من أمر غيبي من أن هؤلاء المنافقين لن يخرجوا مع هؤلاء اليهود ولن يقاتلوا معهم إن كان قتال، وقد وقع ما اخبر الله تعالى به، وأما البشارة فهي ما بشر الله به المؤمنين من هزيمة الكافرين والمنافقين.

ويوالي بني قينقاع
فحين غدر اليهود من بني قينقاع ونقضوا العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاصرهم وطال عليهم الحصار حتى نزلوا على حكمه وبمقتضاه يقتل المقاتلون من اليهود، فقام المنافق ابن سلول يجادل عنهم ويشفع فيهم ،روى ابن إسحاق: "فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَقَامَ إلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ، حِينَ أَمْكَنَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَحْسِنْ فِي مَوَالِيَّ، وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ، قَالَ: فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَحْسِنْ فِي مُوَالِيَّ، قَالَ: فَأَعْرَضَ عَنْهُ. فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَيْبِ دِرْعِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَرْسِلْنِي، وَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى رَأَوْا لِوَجْهِهِ ظُلَلاً، ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ! أَرْسِلْنِي، قَالَ: لا وَاَللَّهِ لا أُرْسِلْكَ حَتَّى تُحْسِنَ فِي مواليّ، أَربع مائَة حاسر، وَثَلاث مائَة دَارِعٍ قَدْ مَنَعُونِي مِنْ الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ، تَحْصُدُهُمْ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ، إنِّي وَاَللَّهِ امْرُؤٌ أَخْشَى الدَّوَائِرَ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: هُمْ لَكَ" (سيرة ابن هشام).

قال عبادة بن الصامت -رضي الله عنه-: فنزل قول الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ . فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ . وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ . إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ . وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) (المائدة:51-56).

فأهل النفاق يوالون الكفار طمعا فيما عندهم من دنيا

كما قال الله تعالى عنهم: {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}(النساء 141).

يقول ابن كثير - رحمه الله -: يُخبِر - تعالى - عنِ المنافقين أنهم يتَرَبَّصون بالمؤمنين دوائر السوء، بمعنى: ينتظرون زوال دولتهم، وظهور الكُفر عليهم، وذهاب ملتهم، {فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ}؛ أي: نَصْر وتأييد وظفر وغنيمة، {قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ}؛ أي: يتودَّدُون إلى المؤمنين بهذه المقالة، {وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ}؛ أي: إدالة على المؤمنين في بعض الأحيان كما وقع يوم أحد، فإنَّ الرسُل تبتلى ثم يكون لها العاقبة.

ويحسدون أهل الإيمان على ما آتاهم الله من فضله:

كما قال - سبحانه -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولاَءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}(آل عمران 118-120).

يقول ابن كثير - رحمه الله -: "يقول - تبارك وتعالى - ناهيًا عباده المؤمنين عن اتِّخاذ المنافقين بطانة؛ أي: يطلعونهم على سرائرهم، وما يضمرونه لأعدائهم، والمنافقون بجهدهم وطاقتهم لا يألون المؤمنين خبالاً؛ أي: يسعون في مخالفتهم وما يضرهم بكلِّ مُمكن، وبما يستطيعون من المكر والخديعة، ويودون ما يعنت المؤمنين ويحرجهم ويشق عليهم.

ثم قال تعالى: {قَدِ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَر}؛ أي: قد لاح على صفحات وجوههم، وفلتات ألسنتهم من العداوة، مع ما هم مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل، ولهذا قال تعالى: {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}.

قال تعالى: {وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ}، ذلك أشدُّ الغيظ والحنق، قال الله تعالى: {قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}، أي: مهما كنتم تحسدون عليه المؤمنين ويغيظكم ذلك منهم، فاعلموا أنَّ الله متِمٌّ نعمته على عبادِه المؤمنين، ومكملٌ دينه، ومعلنٌ كلمته، ومظهرٌ دينه، فموتوا أنتم بغيظكم؛ {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}؛ أي: هو عليم بما تنطوي عليه ضمائركم، وتكنُّه سرائركم من البغضاء والحسد والغلّ للمؤمنين، وهو مجازيكم عليه في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تؤمِّلون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها، لا محيد لكم عنها، ولا خروج لكم منها.

والمقصود أن المنافقين دائما يوادون الكفار ويوالونهم، والمنافقون في زماننا أفراد وربما دول وفضائيات وصحف.
نسأل الله أن يحفظ أمتنا من كل مكروه وسوء، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

Popular Posts

Blog Archive