background img

The New Stuff

مع القرآن - التغني بالقرآن

مع القرآن - التغني بالقرآن

فضائياتنا تعج بأصوات الشياطين، شاشاتنا امتلأت برقصات الغانيات وعري الساقطات.. شوارعنا تعج بأغاني هابطة بين أصوات منفرة أو معانٍ وتلميحات ساقطة! هذا هو حال الإعلام الذي يغزو بيوت المسلمين، والحقيقة أن تلك البيوت قد استسلمت لهذا الغزو في تلذذ مفزع.. ترى ما الفرق بيننا وبين الأصل الذي ينبغي أن نعيشه؟

فضائياتنا تعج بأصوات الشياطين، شاشاتنا امتلأت برقصات الغانيات وعري الساقطات..
شوارعنا تعج بأغاني هابطة بين أصوات منفرة أو معانٍ وتلميحات ساقطة!

هذا هو حال الإعلام الذي يغزو بيوت المسلمين، والحقيقة أن تلك البيوت قد استسلمت لهذا الغزو في تلذذ مفزع..
ترى ما الفرق بيننا وبين الأصل الذي ينبغي أن نعيشه؟

يخبرنا الإمام ابن كثير في مقدمة تفسيره عن هذا الفرق ويعرض علينا العلاج المأمول قائلاً:
"حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، حدثنا عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أنه كان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم يأذن الله لشيء، ما أذن لنبي أن يتغنى بالقرآن»، وقال صاحب له: يريد يجهر به فرد من هذا الوجه، ثم رواه عن علي بن عبد الله بن المديني، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري به (البخاري)، قال سفيان: تفسيره: يستغنى به، وقد أخرجه مسلم والنسائي من حديث سفيان بن عيينة (مسلم)

ومعناه: أن الله ما استمع لشيء كاستماعه لقراءة نبي يجهر بقراءته ويحسنها، وذلك أنه يجتمع في قراءة الأنبياء طيب الصوت لكمال خلقهم وتمام الخشية، وذلك هو الغاية في ذلك، وهو سبحانه وتعالى يسمع أصوات العباد كلهم برهم وفاجرهم، كما قالت عائشة رضي الله عنها: "سبحان الله الذي وسع سمعه الأصوات" (البخاري)، ولكن استماعه لقراءة عباده المؤمنين أعظم، كما قال تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} الآية [يونس:61].

ثم استماعه لقراءة أنبيائه أبلغ كما دل عليه هذا الحديث العظيم، ومنهم من فسر الأذن ها هنا بالأمر، والأول أولى لقوله: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي أن يتغنى بالقرآن»، أي: يجهر به، والأذن: الاستماع؛ لدلالة السياق عليه، وكما قال تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ . وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ . وَإِذَا الأرْضُ مُدَّتْ . وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ . وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} [الانشقاق:1-5]، أي: وحق لها أن تستمع أمره وتطيعه، فالأذن هو الاستماع؛ ولهذا جاء في حديث رواه ابن ماجة بسند جيد عن فضالة بن عبيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لله أشد أذنا إلى الرجل  الحسن الصوت بالقرآن -يجهر به- من صاحب القينة إلى قينته» (ابن ماجة).

وقال سفيان بن عيينة: إن المراد بالتغني: يستغنى به، فإن أراد: أنه يستغنى عن الدنيا، وهو الظاهر من كلامه الذي تابعه عليه أبو عبيد القاسم بن سلام وغيره، فخلاف الظاهر من مراد الحديث؛ لأنه قد فسره بعض رواته بالجهر، وهو تحسين القراءة والتحزين بها.

قال حرملة: سمعت ابن عيينة يقول: معناه: يستغنى به، فقال لي الشافعي: ليس هو هكذا، ولو كان هكذا لكان يتغانى به، وإنما هو يتحزن ويترنم به، ثم قال حرملة: وسمعت ابن وهب يقول: يترنم به، وهكذا نقل المزني والربيع عن الشافعي رحمه الله، وعلى هذا فتصدير البخاري الباب بقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت:51]، فيه نظر..

لأن هذه الآية الكريمة ذكرت ردًا على الذين سألوا عن آيات تدل على صدقه، حيث قال: {وَقَالُوا لَوْلا أُنزلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ . أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [العنكبوت من الآية:50،51]، ومعنى ذلك: أو لم يكفهم آية دالة على صدقك إنزالنا القرآن عليك وأنت رجل أمي {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت:48]، أي: وقد جئت فيه بخبر الأولين والآخرين، فأين هذا من التغني بالقرآن وهو تحسين الصوت به أو الاستغناء به عما عداه من أمور الدنيا (أهـ من تفسير القرآن العظيم، للحافظ ابن كثير).

والآن أخي القارئ الكريم عليك أن تعقد المقارنة بين واقعنا وبين ما ينبغي أن نكونه. 

مع القرآن - الوصية بكتاب الله

مع القرآن - الوصية بكتاب الله


الكثير منا يسعى ويكد في حياته آملاً أن يرحل عن الدنيا وقد ترك لأسرته ما يغنيها ويكفيها، ولا شك أن هذا مطلب حسن حض عليه الشرع، ولكن النفوس تختلف باختلاف مراتبها ودرجاتها ومكانتها عند الله عز وجل..

كلنا ينتابه القلق بين الحين والآخر، ماذا سيترك لأولاده من بعده؟
الكثير منا يسعى ويكد في حياته آملاً أن يرحل عن الدنيا وقد ترك لأسرته ما يغنيها ويكفيها، ولا شك أن هذا مطلب حسن حض عليه الشرع، ولكن النفوس تختلف باختلاف مراتبها ودرجاتها ومكانتها عند الله عز وجل..

والسؤال الآن: ترى بماذا أوصى سيد الخلق صلى الله عليه وسلم؟
يقول العلامة ابن كثير في مقدمة تفسيره:
حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا مالك بن مِغْول، حدثنا طلحة بن مُصَرِّف قال: "سألت عبد الله بن أبي أوفى: أوصى النبيصلى الله عليه وسلم؟ قال: لا. فقلت: كيف كتب على الناس الوصية، أمروا بها ولم يوص؟ قال: أوصى بكتاب الله، عز وجل" (البخاري).

وقد رواه في مواضع أخر مع بقية الجماعة، إلا أبا داود من طرق عن مالك بن مغول به (البخاري) وهذا نظير ما تقدم عن ابن عباس: "ما ترك إلا ما بين الدفتين"، وذلك أن الناس كتب عليهم الوصية في أموالهم كما قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ} [البقرة من الآية:180].

وأما هو صلى الله عليه وسلم فلم يترك شيئًا يورث عنه، وإنما ترك ماله صدقة جارية من بعده، فلم يحتج إلى وصية في ذلك، ولم يوصِ إلى خليفة يكون بعده على التنصيص؛ لأن الأمر كان ظاهرًا من إشارته وإيمائه إلى الصديق؛ ولهذا لما هم بالوصية إلى أبي بكر ثم عدل عن ذلك فقال: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» (البخاري،) وكان كذلك، وإنما أوصى الناس باتباع كتاب الله تعالى. 


مع القرآن - تركة النبي صلى الله عليه وسلم

مع القرآن - تركة النبي صلى الله عليه وسلم


عن عبد العزيز بن رفيع قال: "دخلت أنا وشداد بن معقل على ابن عباس، فقال له شداد بن معقل: أترك النبي صلى الله عليه وسلم من شيء؟ قال: ما ترك إلا ما بين الدفتين، قال: ودخلنا على محمد بن الحنفية فسألناه فقال: ما ترك إلا ما بين الدفتين".

ترى ماذا ترك النبي صلى الله عليه وسلم؟
هذا التساؤل أشار إليه الإمام ابن كثير في مقدمة تفسيره ثم أجاب عليه قائلاً:
حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا سفيان، عن عبد العزيز بن رفيع قال: "دخلت أنا وشداد بن معقل على ابن عباس، فقال له شداد بن معقل: أترك النبي صلى الله عليه وسلم من شيء؟ قال: ما ترك إلا ما بين الدفتين، قال: ودخلنا على محمد بن الحنفية فسألناه فقال: ما ترك إلا ما بين الدفتين" (تفرد به البخاري).

ومعناه: أنه عليه السلام ما ترك مالاً ولا شيئًا يورث عنه، كما قال عمرو بن الحارث أخو جويرية بنت الحارث: "ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارًا ولا درهمًا ولا عبدًا ولا أمة ولا شيئًا" (البخاري). وفي حديث أبي الدرداء: «إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر» (صحيح ابن حبان)، ولهذا قال ابن عباس: "وإنما ترك ما بين الدفتين" يعني: القرآن، والسنة مفسرة له ومبينة وموضحة له، فهي تابعة له، والمقصود الأعظم كتاب الله تعالى.

كما قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} [فاطر:32]، فالأنبياء عليهم السلام لم يخلقوا للدنيا يجمعونها ويورثونها، إنما خلقوا للآخرة يدعون إليها ويرغبون فيها؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نورث ما تركنا فهو صدقة» (متفق عليه).

وكان أول من أظهر هذه المحاسن من هذا الوجه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، لما سئل عن ميراث النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبر عنه بذلك ووافقه على نقله عنه عليه السلام، غير واحد من الصحابة منهم عمر، وعثمان، وعلي، والعباس وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو هريرة، وعائشة وغيرهم، وهذا ابن عباس يقول -أيضًا- عنه عليه السلام رضي الله عنهم أجمعين.

مع القرآن - أقبلوا على القرآن

مع القرآن - أقبلوا على القرآن


القرآن كتاب حياة، منهج متكامل، أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ليكون منهجاً متكاملاً للحياة، وليس مجرد آيات تسمع في سرادقات العزاء أو كتاب يعلوه التراب على أحد الأرفف وحسب، كثير من المسلمين لا ينتبه إلى أن القرآن منهج حياة فيرى فقط أنه بركة يقرأه متى يشاء، لا يجاوز ترقوته ولا يطبق منه إلا القليل، فتكاد الحنجرة التي تنطق بالقرآن تكون هي الجارحة الوحيدة في جسده التي استفادت من مرور القرآن عليه..

القرآن كتاب حياة، منهج متكامل.. أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ليكون منهجاً متكاملاً للحياة، وليس مجرد آيات تسمع في سرادقات العزاء أو كتاب يعلوه التراب على أحد الأرفف وحسب، كثير من المسلمين لا ينتبه إلى أن القرآن منهج حياة فيرى فقط أنه بركة يقرأه متى يشاء، لا يجاوز ترقوته ولا يطبق منه إلا القليل، فتكاد الحنجرة التي تنطق بالقرآن تكون هي الجارحة الوحيدة في جسده التي استفادت من مرور القرآن عليه..

كتاب عظيم يعلوه التراب على أحد الأرفف في البيت أو في السيارة، أما تعلمه وتعليمه وتطبيقه والتحاكم إليه فبعيد، والأعجب أن الكثير من المسلمين بسبب بعدهم عن تطبيقه يرون من يطبقه غريبًا، بل قد يرمونه بالتطرف والغلو..!

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في مقدمة تفسيره:
"فمن بلغه هذا القرآن من عرب وعَجَم، وأسودَ وأحمرَ، وإنس وجان، فهو نذير له؛ ولهذا قال تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ} [هود:17]، فمن كفر بالقرآن ممن ذكرنا فالنار موعده بنص الله تعالى، وكما قال تعالى: {فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ . وَأُمْلِي لَهُمْ..} [القلم:44-45].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بُعِثتُ إلى الأحمر والأسود».
قال مجاهد:يعني: الإنس والجن. فهو صلوات الله وسلامه عليه رسول الله إلى جميع الثقلين: الإنس والجن، مُبَلِّغًا لهم عن الله ما أوحاه إليه من هذا الكتاب العزيز الذي: {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت:42].

وقد أعلمهم فيه عن الله تعالى أنه نَدَبهم إلى تَفَهُّمه، فقال تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [ النساء:82]، وقال تعالى:{كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ} [ص:29]، وقال تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد:24].

فالواجب على العلماء الكشف عن معاني كلام الله، وتفسير ذلك، وطلبه من مظانه، وتَعلُّم ذلك وتعليمه، كما قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران:187]، وقال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران:77]، فذم الله تعالى أهل الكتاب قبلنا بإعراضهم عن كتاب الله إليهم، وإقبالهم على الدنيا وجمعها، واشتغالهم بغير ما أمروا به من اتباع كتاب الله.

فعلينا -أيها المسلمون- أن ننتهي عما ذمَّهم الله تعالى به، وأن نأتمر بما أمرنا به، من تَعَلُّم كتاب الله المنزل إلينا وتعليمه، وتفهمه وتفهيمه، قال الله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نزلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ . اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الحديد:16-17]، ففي ذكره تعالى لهذه الآية بعد التي قبلها تنبيه على أنه تعالى كما يحيي الأرض بعد موتها، كذلك يلين القلوب بالإيمان بعد قسوتها من الذنوب والمعاصي، والله المؤمل المسؤول أن يفعل بنا ذلك. 

متى تشكر ربَّك؟

متى تشكر ربَّك؟

قال ابن الجوزي رحمه الله:"كلما نظرتُ في تواصل النِّعم عليَّ تَحيرتُ في شُكرها، وأعلم أن الشكر من النعم، فكيف أشكر؟! لكني مُعترف بالتقصير، وأرجو أن يكون اعترافي قائمًا ببعض الحقوق".


قال ابن الجوزي رحمه الله:
"كلما نظرتُ في تواصل النِّعم عليَّ تَحيرتُ في شُكرها، وأعلم أن الشكر من النعم، فكيف أشكر؟!
لكني مُعترف بالتقصير، وأرجو أن يكون اعترافي قائمًا ببعض الحقوق" (انظر: صيد الخاطر).
قلتُ:
وصدق والله! فحتَّى مجرّد تذكير الله إيّانا بشكر النعمة؛ نعمة أخرى مُستجِدة!
فمتَى نشكر؟ بل كيف نشكر، ولا طاقة لنا بعَدّ النِّعم وإحصائها؟
{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [النحل من الآية:18].
ولمَّا كان عدّ النِّعم غير مُستطاع، وإحصاؤها غير مقدور: سبقَت توبتُه علينا، ووسِعَت رحمتُه عجزَنا!
{عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ} [المزمل من الآية:20].
{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل:18].
فاللهمَّ إنَّا لا نملك إلَّا القليل -قولًا وعملًا- لشُكر نعمائك، وحتى هذا فمِنك، ولا حول لنا ولا قوة بنا لذلك إلا بِك
لكنَّا مُقرّون بعجزنا، مُعترفون بفقرنا، فاغْفر اللهم لنا.

بين يدي رمضان احذر التوبة المعلولة

بين يدي رمضان احذر التوبة المعلولة

الامتناع عن المعاصي إلى أجَل، والنيَّة مُبيَّتة للعَود إليه متى انتهى هذا الأجَل فإنه يكون مُصرًّا على ذَنبه، لا تائبًا ولا صادقًا، والله قد وعد بالمغفرة والتوبة مَن لم يُصرّ، فقال: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ . أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ...}.

قال ابن تيمية رحمه الله:
"قال ابن المبارك رحمه الله: (المُصِرّ: هو الذي يشرب الخمر اليوم ثم لا يشربها إلى شهر -وفي رواية: إلى ثلاثين سنة-؛ ومن نيّته أنه إذا قدر على شُربها شَربها). 
وقد يكون مصرًا إذا عزم على الفعل في وقت دون وقت؛ كمن يعزم على ترك المعاصي في شهر رمضان دون غيره، فليس هذا بتائب مطلقًا، ولكنه تارك للفعل في شهر رمضان، ويثاب إذا كان ذلك الترك لله، وتعظيم شعائر الله، واجتناب محارمه في ذلك الوقت، ولكنه ليس من التائبين الذين يُغفر لهم بالتوبة مغفرةً مطلقة ولا هو مُصرّ مطلقًا" (انظر: مجموع الفتاوى).
قلتُ:
ومَدار كلام الإمامين رحمهما الله:
على أن الامتناع عن المعاصي إلى أجَل، والنيَّة مُبيَّتة للعَود إليه متى انتهى هذا الأجَل فإنه يكون مُصرًّا على ذَنبه، لا تائبًا ولا صادقًا، والله قد وعد بالمغفرة والتوبة مَن لم يُصرّ، فقال: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ . أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ...} [آل عمران:135-136].
فكذلك كلُّ من يُرجىء توبتَه إلى رمضان فيمتنع عن بعض ذُنوبه أو معاصيه، وفي نفسه يُبيّت العَود إليها بعد رمضان: فتوبَته مَعلولة، وأوبته مدخولة، ولا يستحقّ وعد الله بالغُفران التامّ. 
وأسوأ ممَّن هذه حاله: من يمتنع عن معاصيه في نهار رمضان، ويَعزم على إتيانها بعد إفطاره! فاللهَ اللهَ في توبةٍ صادقةٍ من الآن، لا تنتظر بها رمضان ولا غيره، ولا تُؤجّل لها أجلًا، ولا تَفرض لها زمنًا فالتوبةُ رزقٌ والأرزاقُ بيَد من في السماء. 




عَدوُّك وإن قهرَك لكنه ليس إلهًا

عَدوُّك وإن قهرَك لكنه ليس إلهًا


ابدأ أنت فقط في الطريق الصحيح لجهاد هؤلاء، ولا تُغفِل قوتَهم، وأيضًا لا تَظنّ بالله ظَنّ السوء؛ فتُعجزُك سَطوتُهم، فاسْتَعن بالله ولا تَعجز: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ}.

لا حرج أبدًا في استحضار القوة الهائلة، والهيمنة المُسلحة، لأعدائنا، وأنهم في الداخل والخارج أشدّ منّا قوة، وأكثر جَمعًا
ولا حرج كذلك في الاعتراف بسيطرة منظومتهم العالمية، على كلّ ثَغرٍ وثُقب، وكونهم قد أحكموا قَبضتهم على مفاتح البلاد، واسترقّوا الجيوش والحُكام، ولكن لا تنسَ أبدًا: أنهم ليسوا آلهة متفردين، ولا أربابًا قاهرين، فيُعجِزون اللهَ ربَّ العالمين.
{فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً}؟ [فصلت من الآية:15]، {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر:45]. 
فابدأ أنت فقط في الطريق الصحيح لجهاد هؤلاء، ولا تُغفِل قوتَهم، وأيضًا لا تَظنّ بالله ظَنّ السوء؛ فتُعجزُك سَطوتُهم، فاسْتَعن بالله ولا تَعجز: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد:35].
نَصر الله آتٍ لا مَحالة، وكلّ آتٍ قريب، فإمّا أن تَلحق برَكب أهل نصره وولايتِه، وإلَّا خسرتَ وكنت من النادمين..
{وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا . فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [آل عمران:73-74].


بين يدي رمضان احذر التوبة المعلولة

بين يدي رمضان احذر التوبة المعلولة


الامتناع عن المعاصي إلى أجَل، والنيَّة مُبيَّتة للعَود إليه متى انتهى هذا الأجَل فإنه يكون مُصرًّا على ذَنبه، لا تائبًا ولا صادقًا، والله قد وعد بالمغفرة والتوبة مَن لم يُصرّ، فقال: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ . أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ...}.

قال ابن تيمية رحمه الله:
"قال ابن المبارك رحمه الله: (المُصِرّ: هو الذي يشرب الخمر اليوم ثم لا يشربها إلى شهر -وفي رواية: إلى ثلاثين سنة-؛ ومن نيّته أنه إذا قدر على شُربها شَربها). 
وقد يكون مصرًا إذا عزم على الفعل في وقت دون وقت؛ كمن يعزم على ترك المعاصي في شهر رمضان دون غيره، فليس هذا بتائب مطلقًا، ولكنه تارك للفعل في شهر رمضان، ويثاب إذا كان ذلك الترك لله، وتعظيم شعائر الله، واجتناب محارمه في ذلك الوقت، ولكنه ليس من التائبين الذين يُغفر لهم بالتوبة مغفرةً مطلقة ولا هو مُصرّ مطلقًا" (انظر: مجموع الفتاوى).
قلتُ:
ومَدار كلام الإمامين رحمهما الله:
على أن الامتناع عن المعاصي إلى أجَل، والنيَّة مُبيَّتة للعَود إليه متى انتهى هذا الأجَل فإنه يكون مُصرًّا على ذَنبه، لا تائبًا ولا صادقًا، والله قد وعد بالمغفرة والتوبة مَن لم يُصرّ، فقال: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ . أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ...} [آل عمران:135-136].
فكذلك كلُّ من يُرجىء توبتَه إلى رمضان فيمتنع عن بعض ذُنوبه أو معاصيه، وفي نفسه يُبيّت العَود إليها بعد رمضان: فتوبَته مَعلولة، وأوبته مدخولة، ولا يستحقّ وعد الله بالغُفران التامّ. 
وأسوأ ممَّن هذه حاله: من يمتنع عن معاصيه في نهار رمضان، ويَعزم على إتيانها بعد إفطاره! فاللهَ اللهَ في توبةٍ صادقةٍ من الآن، لا تنتظر بها رمضان ولا غيره، ولا تُؤجّل لها أجلًا، ولا تَفرض لها زمنًا فالتوبةُ رزقٌ والأرزاقُ بيَد من في السماء. 

الكيفية التي هيأ الله تعالى بها سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتلقي الوحي

الكيفية التي هيأ الله تعالى بها سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتلقي الوحي


كان صلى الله عليه وآله وسلم قد مر بالعديد من التجارب الإنسانية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، هيئته بتقدير الله تعالى لتحمل أعباء الدعوة، وقد تعرضنا لذلك تفصيلاً في الأسبوع الماضي، ويأتي الآن الدور لعرض التهيئة الروحية والأخلاقية التي قدر الله تعالى لنبيه أن يمر بها قبل البعثة وأثر ذلك بعد البعثة.

لم ينزل الوحي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا بعد تهيئة من قدر الله تعالى، فعلى المستوى العام كان العالم محتاجًا للنبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، كي ينقذه من الهاوية التي سقط فيها، وعلى مستوى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم قد مر بالعديد من التجارب الإنسانية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، هيئته بتقدير الله تعالى لتحمل أعباء الدعوة، وقد تعرضنا لذلك تفصيلاً في الأسبوع الماضي، ويأتي الآن الدور لعرض التهيئة الروحية والأخلاقية التي قدر الله تعالى لنبيه أن يمر بها قبل البعثة وأثر ذلك بعد البعثة.
ولا شك أن البعد الأخلاقي في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبرز واضحًا نقيًا في انسلاخه الحاسم عن كل ممارسات الجاهليين غير الأخلاقية، التي كانت تعج بها الحياة العربية في المدن والصحراء، شربًا للخمر واستمراءً للزنا، ولعبا للميسر، وتصعيدًا للربا وتهافتًا على مال اليتيم ووأدًا للبنات وظلمًا للذين لا يقدرون على رد الظلم واستعبادًا محزنًا للذين لا يعرفون طعم الحرية.. 
ممارسات شتى لا يحصيها العد، كانت تجري على مسرح الجزيرة العربية ومدينتها الكبرى (مكة) ليل نهار، ونظرًا لتعاقبها وتكرراها فقد صارت كل هذه الأخلاق الذميمة عادات راسخة وتقاليد مستقرة، ثم تجاوزت هذا لكي تصبح مفاخر ومكرمات يتبارى العرب في الإتيان بالمزيد منها، ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم بعيدٌ عن هذا كله منسلخ منه.. 
ولقد منحه موقفه النبيل هذا نظافة وطهرًا لم يعرفهما إنسان قط، وعلمه في الوقت نفسه كيف يكون الرفض والتمرد على الوضع الديني، الوضع غير الإنساني مهما حمل هذا الوضع من تبريرات انتقلت به من كونه فسقًا وإثمًا وفجورًا إلى مرتبة العادات والقيم والمفاخر والمعتقدات الراسخة.
ويري عماد الدين خليل محقا أن البعد الروحي هو أشد الأبعاد ثقلاً وخطرًا في حياة الإنسان، والروايات القليلة التي تحدثنا عن عزلة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعيدًا عن صخب مكة وضجيجها حينًا بعد حين، وعن انقطاعه إلى الصحراء وحيدًا متأملاً باحثًا منقبًا مقلبًا وجهه في آفاق السموات والأرض، هذه الروايات تكفي لالتقاط الإشارة الأخيرة الحاسمة المتممة للصورة التي علينا أن نعرفها عن حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قبل مبعثه.. 
فكما علمه الانشقاق الأخلاقي عن الوضع المكي القدرة على الرفض والتمرد، فقد جاء تغربه وعزلته وانقطاعه امتدادًا نفسيًا باتجاه آخر لكنه متمم، وبدونه لا يمكن لإنسان ما أن يلعب دوره الحاسم الكبير.. غنه امتداد باتجاه التهيؤ للاندماج والاتصال بالوحي، ومواجهة رفض الجاهلية والتمرد على قيادتها واعرافها وسلطانها مع اندماج بالكون على انفساحه داعيًا البشرية لهجرة مواضعها المنحرفة الخاطئة، التي ساقتها إليها زعامات ظالمة وسلطات مستبدة والوهيات زائفة، وأعراف وبيئات مليئة بالدنس والوحل والخطيئة، إنه تمهيد للاتصال بالسلطة الواحدة التي تشرف على الكون وتحرك الإنسان والخلائق في ساحاته.. سلطة السماء. 
وفي نفس الإطار -وإن بأسلوب مختلف- تأتي حادثة شق الصدر، فقد بقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند مرضعته حليمة في بني سعد حتى بلغ الرابعة أو الخامسة من عمره، وعندئذ حدثت واقعة شق الصدر، إذ «أتاهُ جبريلُ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ وَهوَ يلعَبُ معَ الغلمانِ، فأخذَهُ فصرعَهُ فشقَّ عن قلبِهِ، فاستَخرجَ القلبَ، فاستَخرجَ منهُ علَقةً، فقالَ: هذا حظُّ الشَّيطانِ منكَ، ثمَّ غسلَهُ في طَستٍ من ذَهَبٍ بماءِ زمزمَ، ثمَّ لأَمَهُ، ثمَّ أعادَهُ في مَكانِهِ» (صحيح مسلم:162)، بينما كان الغلمان قد سعوا إلى حليمة فقالوا إن محمدًا قد قتل، فلما جاءته وجدته صلى الله عليه وآله وسلم ممتقع اللون.. 
وهذه الحادثة هي بلا ريب من المعجزات التي تعجز عقولنا وعلمنا البشري عن إدراك حقيقتها في ميداني النفسوالتشريح لأنها -كأي تجربة أو حدث روحي- لا تخضع لمقاييس العقل والحس المحدود، يكفينا أن نلتقط منها رمزًا أو دلالة تغطي مساحة ما في صورة الأربعين سنة من حياة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. 
يقول محمد الغزالي: "شيء واحد هو الذي نستطيع استنتاجه من هذه الأثار، أن بشرًا ممتازًا كمحمد صلى الله عليه وآله وسلم لا تدعه العناية عرضًا للوساوس الصغيرة التي تتناوش غيره من سائر الناس، فإذا كانت هناك موجات تملأ الأفاق، وكانت هناك قلوب تسرع إلى التقاطها والتأثر بها، فقلوب النبين بتولي الله لها لا تستقبل هذه التيارات الخبيثة ولا تهتز لها، وبذلك يكون جهد المرسلين في متابعة الترقي لا في مقاومة التدني، وفي تطهير العامة من المنكر لا في التطهر منه، فقد عافاهم الله من لوثاته".
وما دمنا بصدد تحليل المؤثرات البيئية والوراثية والغيبية في تكوين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتهيئته للرسالة، فإن حادثة شق الصدر تقف في القمة من المؤثرات جميعًا، صياغة روحية مادية لشخصية النبي الإنسان، وتهيئته من لدن العليم بأسرار النفوس الخبير بتعقيدات الشخصية البشرية، لكي يكون محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالذات ووفق تكوينه الموجه قادرًا على التقاط إشارة السماء ومقابلة الوحي وتحمل المسؤولية رسولاً للناس جميعًا؛ ليصعد بهم إلى القمم الشامخة التي تنقطع دونها أنفاس الرجال.
ومن هنا أجمع جميع المؤرخين على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان متميزًا بحسن الخلق كصدق الحديث والأمانة حتى سموه بالصادق الأمين، وكانوا يودعون عنده ودائعهم وأماناتهم، كما كان صلى الله عليه وآله وسلم لا يشرب الخمر ولا يأكل ما مما ذبح على النصب، ولا يحضر للأوثان عيدًا ولا احتفالاً بل كان من بداية نشأته نافرًا من هذه المعبودات الباطلة.
كما كان صلى الله عليه وآله وسلم يأكل من نتيجة عمله لأن أباه لم يترك له ثروة، وكانت التجارة هي عمله حين شب، ولما تزوج خديجة كان يعمل بمالها ويشاركها في الربح، وكان يشارك غيرها أحيانًا، ورغم ذلك كله فعندما بعث الله تعالى نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمره أن ينذر قومه ويدعوهم للإسلام ونزل قوله تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء:214]، خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى صعد الصفا، فهتف بهم فاجتمعوا له، فقال: «أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلاً تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟»، قالوا: ما جربنا عليك كذبًا، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»، فقال أبو لهب: تبًا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ ثم انصرف وتبعه القوم، فنزلت سورة {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد:1]" (صحيح البخاري:4971). 
وهكذا نجد أن الكفار لم تجد معهم أخلاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي اشتهر بها بينهم من الصدق والأمانة وحسن الخلق، بل كذبوه وعاندوه إلا قليلاً ممن كتب الله لهم نعمة الإسلام، واشتدت قريش في عدائها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، أما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد لاقى من إيذائهم أنواعًا كثيرة، من ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: "بينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله".
كما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "بينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ساجد وحوله ناس من قريش جاء عقبة بن أبي معيط بسلا جزور فقذفه على ظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يرفع رأسه فجاءت فاطمة رضي الله عنها فأخذته من على ظهره ودعت على من صنع ذلك"، ومنه ما كانوا يواجهونه به من فنون الاستهزاء والسخرية والغمز واللمز كلما مشي بينهم أو مر بهم في طرقاتهم أو نواديهم، ومن ذلك ماورد من أن بعضهم عمد إلى قبضة من تراب فنثرها على رأسه وهو يسير في بعض طرق مكة، وعاد إلى بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته تغسل عنه التراب وهي تبكي ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لها: «يا بني لا تبكي، فإن الله مانع أباك» (قالالألباني مرسل في دفاع عن الحديث:19). 
وأما أصحابه رضوان الله عليهم فقد تجرع كل منهم ألوانا من العذاب حتى مات منهم من مات تحت العذاب وعمي من عمي، ولم يثنهم ذلك عن دين الله شيئا ولا تتسع المساحة لسرد الوان العذاب التي لاقاها كل منهم وما قصص تعذيب بلال بن رباح وآل ياسر وغيرهم عنا ببعيد.
وقد يكفينا ما ذكره الخباب بن الأرت رضي الله عنه قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو متوسد ببردة وهو في ظل الكعبة، ولقد لقينا من المشركين شدة فقلت: يا رسول الله ألا تدعو الله لنا؟ فقعد وهو محمر الوجه، فقال: «كان الرجلُ فيمن قبلكم يُحْفَرُ لهُ في الأرضِ، فيُجْعَلُ فيهِ، فيُجاءُ بالمنشارِ فيُوضَعُ على رأسِهِ فيُشَقُّ باثنتيْنِ، وما يصدُّهُ ذلك عن دِينِهِ . ويُمْشَطُ بأمشاطِ الحديدِ ما دونَ لحمِهِ من عظمٍ أو عصبٍ، وما يصدُّهُ ذلك عن دِينِهِ، واللهِ ليُتِمَّنَ هذا الأمرُ، حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إلى حضرموت، لا يخافُ إلا اللهَ، أو الذئبَ على غنمِهِ، ولكنكم تستعجلونَ»" (صحيح البخاري:3612).
وبالإضافة لحسن خلقه صلى الله عليه وآله وسلم فقد كان حليمًا صبورًا فصبر على أذى قومه له في سبيل دعوته، ولم يتعجل بالدعاء بهلاك قومه مثلاً، ومن ذلك ما ذكرته عائشة رضي الله عنها من أنها قالت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: "هل أتي عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: «لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيته منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي وإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام فناداني فقال: إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمد إن قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربي إليك لتأمرني فيما شئت، وإن شئت أطبقت عليهم الأخشبين -أي الجبلين المحيطين بمكة-، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا»" (صحيح مسلم:1795).
وعائشة رضي الله عنها هي نفسها التي قالت: "ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئًا قط بيده ولا امرأة ولا خادمًا إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نِيلَ منه شيئًا قط فينتقم من صاحبه إلا أن يُنْتَهَكَ شيء من محارم الله تعالى، فينتقم لله تعالى".
كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذا حلم وصبر واسع، بل لا نهاية له في تعامله مع جهلة المسلمين، ومن أمثلة ذلك ما ذكره أنس رضي الله عنه عندما قال: "كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه بردائه جذبة شديدة فنظرت إلى صفحة عنق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد أثرت فيها حاشية البردة من شدة الجذبة ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء".
ولعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقصد نفسه في ما ذكره ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: "كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحكي نبيًا من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه ضربه قومه فأدموه، ويمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".
ومع ذلك فقد ظل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتمتع بالعديد من الصفات والسمات السلوكية المتميزة بعد البعثة، وظل يسير بها بين الناس، فمنها حسن خلقه صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4]، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "لقد خدمت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر سنين فما قال لي قط: أف، ولا قال لشيء فعلته لِمَ فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله ألا فعلت كذا".
وعن الصعب بن جثامة رضي الله عنه قال: "أهديت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حمارًا وحشيًا فرده علي، فلما رأى ما في وجهي قال: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حُرُمْ» (صحيح البخاري:2573)، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: "لم يكن رسول الله فاحشًا ومتفحشًا، وكان يقول: «إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا»" (صحيح البخاري:3559).

هل كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم مصلحًا اجتماعيا أم قائدًا سياسيًا أم أنه خاتم المرسلين من رب العالمين؟

هل كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم مصلحًا اجتماعيا أم قائدًا سياسيًا أم أنه خاتم المرسلين من رب العالمين؟


في ليلة الاثنين من أواخر الشهر الكريم جاءه جبريل بأمر الله تعالى، وحينئذ بدأ الوحي وبدأت نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف كان العالم وقتها؟ وكيف تهيأ النبي الكريم لتغيير هذا العالم؟

- المسجد النبوي في المدينة المنورة:
عندما بلغ سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم الأربعين من عمره خرج في رمضان كعادته إلى غار حراء متأملاً مفكرًا مقلبًا وجهه في السماء، وفي ليلة الاثنين من أواخر الشهر الكريم جاءه جبريل بأمر الله تعالى، وحينئذ بدأ الوحي وبدأت نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف كان العالم وقتها؟ وكيف تهيأ النبي الكريم لتغيير هذا العالم؟
كانت الوثنيات بأشكالها المختلفة تسيطر على العالم من الهند والصين وفارس شرقًا إلى أوروبا وأفريقيا غربًا، فمن عبادة النيران في بلاد فارس إلى عبادة الأحجار والأشجار في أفريقيا، إلى الجدل الذي وصل حد الاضطهاد الديني والتقاتل بالسلاح حول حقائق العقيدة المسيحية في بيزنطة، بل والإغراق في الجدل الفلسفي العقيم حتى صار اسم بيزنظة علمًا على كل جدل عقيم، الوثنية والجدل العقيم حتى في الألوهيات سيطرا على العالم شرقًا وغربًا، وتدهورت القوى العسكرية لكل من إمبراطوريتي فارس والروم حتى صارتا تعتمدان على حراس من عرب الجزيرة العربية ليحرسوا حدودهما الجنوبية وتمثل ذلك في مملكتي المناذرة والغساسنة.. 
العالم تعمق في الوثنية والضلال والشهوات حتى انغمست الكعبة بيت الله الحرام في الأوثان، ذلك البيت الذي كان قد أعاد بناءه إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل عليهما السلام على أسس التوحيد الخالص {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [البقرة:127-129].
وكانت جزيرة العرب منغمسة في هذه الوثنية من عبادة الحجر والشجر، مع وجود بقايا قليلة من أهل الكتاب اعتراهم ما اعترى أهل الكتاب في ذلك العصر من خلاف وجدل حول حقائق العقيدة، وزاد العرب على وثنيتهم تفككهم السياسي ولم يختلفوا كثيرًا في تحللهم الاجتماعي عمن حولهم من أمم فارس والروم والحبشة، إلا أن مظاهر هذا التحلل ربما اختلفت بشكل أو آخر من وأد البنات وكثرة الحروب والسلب والنهب والعصبية القبلية البغيضة، التي طالما أشعلت الحروب وقطعت الأواصر فضلًا عن الطمع والخمر والقمار والمتعة المحرمة وتسخير الأقوياء للضعفاء.
- مكة قلب الجزيرة:
كانت مكة قلب الجزبرة العربية معنويًا واقتصاديًا ومن ثم سياسيًا، ففي مكة بيت الله الحرام الذي يقدسه كل العرب بجميع قبائلهم وعقائدهم، وعبر مكة كانت تجارة الشرق والغرب تمر من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب وبالعكس عبر رحلة الشتاء والصيف، حيث كان تجار مكة يتجهون في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام لتناقل التجارة من هنا لهنا وبالعكس، فضلاً عن تسويقهم جزءًا كبيرًا من هذه السلع في موسم الحج ببيعه لسائر قبائل الجزيرة العربية من حجاج البيت الحرام، ومن هنا تمتع أهل مكة وهم قبيلة قريش بفروعها العديدة بمكانة سياسية ومعنوية واقتصادية كبيرة بين سائر العرب..
وكانت قريش تنقسم اجتماعيًا إلى شعبتين -كما يقول العقاد- واحدة من أصحاب الترف والطمع وهذه كانت تحرص على استبقاء الأمر الواقع على ما هو عليه لأنه يوافق هواها، أما الشعبة الثانية فكانت من أصحاب السماحة وكانوا أناسًا وسطًا بين مقام الطغاة الظالمين من رؤوس الشعبة الأولى وبين الضعفاء الذين لا يملكون إلا الإذعان للسادة الكبار الطغاة، ومن هذه الشعبة الوسط ذات النسب الكريم كان بيت عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن هنا جاء نسب النبوة العريق الذي خرج منه الصادق الأمين لينقذ العالم من تيه الضلال، في هذا الجو العالمي والإقليمي البائس أوحى الله تعالى إلى سيد الخلق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم ليغير الدنيا من حال إلى حال.
وكما قال العقاد: "قالت حوادث الكون: لقد كانت الدنيا في حاجة إلى رسالة، وقالت حقائق التاريخ: لقد كان محمد هو صاحب تلك الرسالة"، وهكذا كان العالم على موعد مع إمام الأنبياء وخاتم المرسلين، ولكن كيف صلح أن يكفي رسول واحد لهداية البشرية جميعًا، وكيف استمرت هذه الهداية في مرحلة ما بعد موته صلى الله عليه وآله وسلم؟
يقول الشيخ محمد الغزالي: "في المزالق المتلفة قد يقول لك ناصح أمين: أغمض عينيك واتبعني، أو لا تسلني عن شيء يستثيرك! وربما تكون السلامة في طاعته، فأنت تمشي وراءه حتى تبلغ مأمنك، إنه في هذه الحال رائدك المعين، الذي يفكر لك، وينظر لك، ويأخذ بيدك، فلو هلك هلكت معه، أما لو جاءك من أول الأمر رجل رشيد فرسم لك خط السير، وحذرك مواطن الخطر، وشرح لك في إفاضة ما يطوي لك المراحل ويهون المتاعب، وسار معك قليلًا ليدربك على العمل بما علمت، فأنت في هذه الحال رائد نفسك، تستطيع الاستغناء بتفكيرك وبصرك عن غيرك".
إن الوضع الأول أليق بالأطفال والسذج، أما الوضع الأخير فهو المفروض عند معاملة الرجال وأولي الرأي من الناس، والله عز وجل عندما بعث محمدًا عليه الصلاة والسلام لهداية العالم، جعل في رسالته الأصول التي تفتح للعقول منافذ المعرفة بما كان ويكون، والقرآن الذي أنزله على قلبه هو كتاب من رب العالمين إلى كل حي، ليوجهه إلى الخير ويلهمه الرشد.
- قوة من قوى الخير:
لم يكن محمد عليه الصلاة والسلام إمامًا لقبيل من الناس صلحوا بصلاحه، فلما انتهى ذهبوا معه في خبر كان، بل كان قوة من قوى الخير، لها في عالم المعاني ما لاكتشاف البخار والكهرباء في عالم المادة، وإن بعثته لتمثل مرحلة من مراحل التطور في الوجود الإنساني، كان البشر قبلها في وصاية رعاتهم أشبه بطفل محجور عليه، ثم شب الطفل عن الطوق ورشح لاحتمال الأعباء وحده، وجاء الخطاب الإلهي إليه -عن طريق محمد صلى الله عليه وسلم- يشرح له كيف يعيش في الأرض، وكيف يعود إلى السماء، فإذا بقي محمد صلى الله عليه وسلم أو ذهب فلن ينقص ذلك من جوهر رسالته، إن رسالته تفتيح للأعين والآذان وتجلية للبصائر والأذهان، وذلك مودع في تراثه الضخم من كتاب وسنة {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا . فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ في رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} [النساء:174-175].
ومن هنا فنبينا الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم إن كان جاء لإصلاح العالم في فترة دقيقة من الزمن فإنه لم يقدم نفسه كمصلح اجتماعي ولا كقائد سياسي يسعى للتغيير والتطوير، إنما قدم نفسه كنبي وخاتم للمرسلين، فأي عبقرية تمتع بها في مجالات السياسة أو الاجتماع أو الاقتصاد إنما هي عبقرية الدعوة المنزلة من عند الله عز وجل، ولا بد من ملاحظة هذه الحقيقة بشكل موضوعي ودقيق، لأن الموضة التي جرى عليها الكثيرون من المستشرقين ومن لف لفهم في عصرنا الحديث هي مدح النبي الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم باعتباره قائدًا سياسيًا أو عسكريًا عظيمًا أو مصلحًا اجتماعيًا نابغًا، وذلك كله بعيد عن حقيقة أن الله بعثه نبيًا ورسولًا للعالمين كافة.. 
وفي ذلك ما فيه من عدم الصدق والموضوعية فحقائق القرآن ثم حقائق التاريخ تفصح بجلاء عن أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يقدم نفسه بأي صفة للناس سوى صفة الرسالة والنبوة، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سبأ:28]، وقال سبحانه: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف:158].
وبالتالي فرغم ما في ظاهر دعاوى عظمته صلى الله عليه وآله وسلم وعبقريته في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع والحرب من مدح، فإنها تعتبر طعنًا في الرسالة المحمدية إن اعتبر ذلك هو حقيقة النبي الوحيدة دون إرجاع ذلك لطبيعة الرسالة الإسلامية التي بعث الله بها نبينا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم.
صحيح أن محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم عظيم في كل ميزان، عظيم في ميزان الدين، وعظيم في ميزان العلم، وعظيم في ميزان الشعور، وعظيم في ميزان من يختلفون في العقائد ولا يسعهم أن يختلفوا في الطبائع الآدمية -حسب تعبير العقاد- لكنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يقدم نفسه إلا بصفة واحدة هي أنه محمد رسول الله خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم.
ومع ذلك فإنه صلى الله عليه وآله وسلم كان له صفات خيرات حباه الله بها قبل النبوة، مهدت لتصديق الناس له وإيمانهم بما جاء به من دعوة التوحيد وشريعة الإسلام، كما جهزته صلى الله عليه وآله وسلم لتلقي الوحي الإلهي والقيام بواجباته، فالله تعالى قد هيأ الظروف البيئية والوراثية التي تسهم معًا في تكوين الإنسان وتمنحه صفاته الخَلْقية الخُلُقية، وتصوغ بنيانه الجسدي والنفسي، وتحدد قدراته العقلية واستجاباته العاطفية، لتجتمع بشكل يجعل من نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإنسان المهيأ لتحمل المسؤولية التي أنيطت به بعد أربعين سنة من ميلاده، -وحسب عماد الدين خليل فإن أربعة عقود في حياة الإنسان المحدودة تمثل امتدادًا زمنيًا طويلًا أريد به أن يستكمل محمد الإنسان كل مساحات تكوينه الذاتي، ونضجه البشري قبل أن يتاح له أول لقاء مع الوحي الأمين، وما أصعب اللقاء الأول بين ممثلي السماء والأرض وما أشق الحوار..
- العقود الأربعة:
طيلة هذه العقود الأربعة ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم يأخذ ويتلقى ويجابه ويهضم، ويتمثل شتى المؤثرات الوراثية والبيئية لكي يحولها إلى خلايا تبني كيانه، وسمات مادية وروحية تهيئه لليوم العظيم، فعن أصالة أبيه وأمه أخذ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أصالة الشخصية ووضوحها ونقاءها، وكسب على المستوى الاجتماعي احترامًا وتقديرًا في بيئة كانت تستهجن مجهولي الأنساب، وتحتقر الخلطاء، ومن مرارة اليتم ووحشة العزلة وانقطاع معين العطف والحنان قبس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الصلابة والاستقلال، والقدرة على التحمل والإرادة النافذة والتحدي الذي لا تنكسر له قناة، وبالفقر والحرمان تربى ونما بعيدًا عن ترف الغنى وميوعة الدلال واتكالية الواجدين.. 
وعبر رحلته الأولى إلى الشام في رعاية عمه فتح محمد صلى الله عليه وآله وسلم عينيه ووعيه تجاه العالم الذي يتجاوز حدود الصحراء وسكونها، إلى حيث المجتمعات المدنية التي تضطرب نشاطًا وقلقًا، والجماعات العربية التي فصلتها عن شقيقتها في الصحراء الأم سلطات أجنبية أحكمت قبضتها على الأعناق، وساقت الشيوخ والأمراء العرب إلى ما تريد هي وتهوى لا ما يريدون ويهوون.. 
وفي رحلته الثانية إلى الشام مسؤولًا عن تجارة السيدة خديجة تعلم الرسول الكثير والكثير، عمق في حسه معطيات الرحلة الأولى وزاد عليها إدراكًا أكثر بما يحدث في أطراف عالمه العربي من علاقات بين الغالب والمغلوب والسيد والمسود، وإفادة أغنى من كل ما يتعلمه الذين يرحلون من مكان إلى مكان فيتعلمون من رحيلهم طبائع الجماعات والشعوب وكنه العلاقات بينها، واختلاف البيئات والأوضاع، ويزدادون مرونة وقدرة على التعامل المنفتح الذي لا ينقطع له خيط مع شتى الطبائع وفهمًا لما يتطلبه الإنسان في عصر من العصور، بعد اطلاع مباشر على عينات من هذا الإنسان في سعادته وهنائه أو تعاسته وشقائه.. 
وفوق هذا وذاك فقد أتيح للرسول صلى الله عليه وآله وسلم في رحلته هذه تنمية وامتحان قدراته الخاصة التي تعلمها أيام الرعي صبيًا، وها هو الآن يدير تجارة لسيدة تملك الكثير، فيعرف كيف يحيل القليل كثيرًا، ويصمد إزاء إغراء الذهب والفضة، أمينًا لا تلحق أمانته ذرة من غبار، قديرًا على الارتفاع فوق مستويات الإغراء إلى آخر لحظة، ثم يجىء إسهامه في القضايا الكبرى التي عاشتها مكة آنذاك متنوعًا شاملًا مغطيًا شتى مساحات العمل البشري الجماعي، وكأنه أريد له أن يجرب كل شيء، أن يسهم عاملًا في كل اتجاه وأن يبني عبر أنشطته المتنوعة جميعًا شخصية قادرة على التصدي لكل مشكلة، والإسهام الإيجابي الفعال في كل ما من شأنه أن يعيد حقًا أو يقيم عدلًا.. 
في حرب الفجار مارس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم شؤون القتال، وفي حلف الفضول شارك في تجربة السياسة والحكم، وفي بناء الكعبة أعرب عن بداهته المثيرة للإعجاب في حل المشاكل التي تلعب فيها المعتقدات والقيم والمقدسات دورًا كبيرًا، وخلال هذا وذاك يتزوج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويمارس في أعقاب زواجه ذاك كبرى التجارب الاجتماعية في حياة الإنسان وينجح في التجربة.
هكذا بدت حياة النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم قبل مبعثه، سلسلة مترابطة الحلقات منطقية التعاقب من التجارب والخبرات في شتى المجالات لتهيئه لتلقي الوحي والقيام بأعباء الرسالة.
ولكن ماذا عن خبراته الروحية والدينية والأخلاقية؟
هذا له حديث آخر إن شاء الله.


Popular Posts