background img

The New Stuff

التخطيط للاستفادة من رمضان

التخطيط للاستفادة من رمضان


بسم الله الرحمن الرحيم

التخطيط هو عملية منظمة واعية لاختيار أحسن الحلول الممكنة للوصول إلى أهداف معينة ، ورمضان هو أفضل الشهور وأعظمها ، قال فيه الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم : (من صام رمضان إيمانا واحتسابا ، غفر له ما تقدم من ذنبه . ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) متفق عليه .

ومن هذا المنطلق فإن المسلم ينبغي عليه أن يحرص أشد الحرص على اغتنام أيام وليالي هذا الشهر العظيم ، وأن يبذل الجهد بالتخطيط المتقن لذلك ، وذلك بأن يضع نصب عينيه أهدافاً للوصول إليها ومن ذلك :

1. السعي لتحقيق التقوى فهي من أعظم مقاصد الصيام ، قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].

فالمسلم الذي ترك الأكل والشرب مرضاة لله وهو صائم ، قادر بإذن الله على ضبط نفسه بتقوى الله أمام جميع المحرمات في سائر الأوقات .

فالصيام يربي في المسلم تقوى الله ومراقبته ، ولهذا جاء في الحديث القدسي : ( كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف . قال الله عز وجل : إلا الصوم . فإنه لي وأنا أجزي به . يدع شهوته وطعامه من أجلي . للصائم فرحتان : فرحة عند فطره ، وفرحة عند لقاء ربه . ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك ) رواه البخاري ومسلم .

قال الامام ابن القيم رحمه الله : (والعباد قد يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة ، وأما كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده فهو أمر لا يطلع عليه بشر ، وذلك حقيقة الصوم)

2. زيادة التقرب إلى الله تعالى بالإكثار من الحسنات والابتعاد عن السيئات :

فشهر رمضان مجال رحب لزيادة الحسنات ، والمسارعة إلى الله في الخيرات ، وذلك لأن النفوس مقبلة على الطاعة ، ومستعدة للعبادة ، ومن هنا فحري بالمسلم إلا يضيع هذه الفرصة لمضاعفة حسناته .

عزيمة من حديد ..

عزيمة من حديد ..

بسم الله الرحمن الرحيم

ومع قرب هذا الحدث الرائع .. الذى هو من أروع الأحداث .. يكثر الحديث عن الصفحة الجديدة مع الله .. وعن الحال مع الله .. وعن الإستعداد لهذا الشهر المبارك رمضان الخير .. وعن فرصة التغيير .. التوبة .. رباه ما أروعها من حدث .. الجميع يردها ولكن ما أضعف الإرادة فى ذلك .. كلما سألت مدخناً عن خطورة التدخين وكونه حرام قال :- ربنا يتوب علينا .. وكلما سألت صاحب معصية عن معصيته قال كلمات تعبر عن مدى شوقه للتوبة وإلى أن يكون فى صفوف التائبين .. ترى شوق الجميع للتوبة ، والتخلص من السيئات ومن كل ما يضعف الإيمان ويسقطه ..

تبت إلى الله تعالى

رائع هذه الكلمة .. رائعة روحها .. رائعة نقلتها .. رائعة بكل ما فيها .. ويكتب حولها المجاهد الكبير الأستاذ :- رائد صلاح قائلاً :- ( هي جملة مباركة تبت إلى الله تعالى ، وهي ثقيلة في ميزان الله تعالى ، وقد قالها أقوام بعد أن كادوا أن يهلكوا ، فنقلتهم من حال إلى حال ، نقلتهم من الظلمات إلى النور ، ومن الضلال إلى الهدى ، ومن الشقاء إلى السعادة ، فهذا الفضيل بن عياض رحمه الله كان في أول أمره لصاً يقتحم البيوت ، فقال صادقاً تبت إلى الله تعالى ، فنقلته هذه الجملة من سارق الليل الفضيل إلى قائم الليل الفضيل ، وهذه رابعة العدوية رحمها الله تعالى كانت في أول أمرها مطربة القصور ، فقالت صادقة تبت إلى الله تعالى ، فنقلتها هذه الجملة من مطربة القصور رابعة إلى عابدة الرب الغفور رابعة ، وهذا إبراهيم بن الأدهم كان في أول أمره صائد غزلان وطويل الغفلة والعصيان ، فقال صادقاً تبت إلى الله تعالى ، فنقلته هذه الجملة من صائد غزلان وعصيان إلى عابد للرحمن ومحارب للشيطان ، وهناك الكثير الكثير الذين نقلتهم هذه الجملة لما صدقوا بقولها من حال إلى حال ، وهذا يعني أنك أنت أيها المسلم وأنتِ أيتها المسلمة ما زلتم تملكون فرصة التوبة إلى الله تعالى والنطق بصدق تبت إلى الله تعالى ولو وقعتم بما وقعتم به من صغائر وكبائر ، والأمر يحتاج إلى تفصيل ، والتفصيل فيه يطول ، ولكن سأكتفي ببعض الملاحظات الهامة المفيدة ، التي أطمع من خلاها ان انبه نفسي وان انبه أهلنا من غفلاتنا .)

قوة التائب ..

لاشك أن للتائب شخصية قوية .. شخصية إستطاعت أن تنتصر على نقطعة ضعفها .. وصارت تتعامل معها وكأنها أمر عادى .. لقد تم التغيير .. وانقلب الحال وصار قوياً بقوة الله وبالقرب من الله .. رأيت هذا فى رجل تعاملت معه كان يزنى لا بل يدمن الزنا والعياذ بالله .. رأيته عبداً لشهوته يقطع الأميال ليقابل أو يحادث فتاة .. اى فتاة المهم شهوته .. كان عبداً لشهوته بكل ما تحملها الكلمة – نسأل الله أن يعافينا - .. كان يقطع الساعات فى تصفح هذه المواقع العفنة .. حاولت مساعدته بما استطيع .. ولكن .. سبحان الهادى .. انقطع عنى لسنة أو أكثر .. قابلته بعدها .. وجه أضيىء بنور الإيمان .. صار جل كلامه عن حب الله .. سألته عما كان وما صار .. قالها كلمة شعرت بها جبل من القوة :- ( إنه حب الله ) .. لم يذكر لى تفاصيل ولكنها التوبة سيدى الكريم ..

يارب

يارب ارزقنا توبة صادقة ..
يارب حبب إلينا الإيمان وزينه فى قلوبنا ، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين
يارب ارزقنا حبك وحب من يحبك وكل حب يقربنا إلى حبك ..
يارب ........

أيها المسلمون اغتنموا رمضان قبل فوات الأوان

أيها المسلمون اغتنموا رمضان قبل فوات الأوان

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا الترغيب والترهيب ورد صريحا في الحديث الذي أخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وغيرهما من رواية أبي هريرة وجابر وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي ، ورغم أنف رجل دخل عليه رمصان فانسلخ قبل أن يغفر له وفي رواية رغم أنف امرئ أدرك شهر رمضان فلم يغفر له ، ورغم أنف رجل أدرك أبواه عند الكبر فلم يدخلاه الجنة "
رمضان واحد من مواطن ثلاثة لغفران الذنوب وتكفير المعاصي ذكرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدفعنا لاغتنامها يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم :" الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر " .
ما دمنا قد سلمنا بأن رمضان موسم للرضا والغفران فواجب على كل مسلم ومسلمة ألا يفوته هذا الموسم لأن فواته دون حصول المغفرة خيبة وخسران وذل وهوان وهو ما عبر عنه صلى الله عليه وسلم بقوله : "رغم أنف" أي التصق بالتراب وهو كناية عن الذلة والهوان .

كيف نغتنم رمضان ؟

الإجابة عن هذا السؤال تستدعي أربعة عناصر :
العنصر الأول : بيان مكانة الصوم ومنزلتها في الإسلام .
العنصر الثاني : بيان فضائل شهر رمضان .
العنصر الثالث : سبل اغتنام شهر رمضان .
العنصر الرابع : شروط قبول الصيام .

ونوجز القول في كل عنصر منها فيما يلي :

• العنصر الأول - بيان مكانة صوم رمضان ومنزلتها في الإسلام.

أوجب الله تعالى الصيام على كل مسلم ومسلمة بشروط حددها الفقهاء فقال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " ( سورة البقرة الاية 183 )
وقال تعالى : " شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ " ( سورة البقرة الآية 185 ) .
هذا الواجب بين النبي صلى الله عليه وسلم منزلته في الدين الإسلامي فيما أخرجه الشيخان من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وان محمد رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا "
ولذا كان صوم رمضان أحد أركان الإسلام التي لا يتم إلا بها .

• العنصر الثاني - فضائل شهر رمضان .

فضائل شهر رمضان عديدة وكثيرة ونذكر منها :
1- باب من أبواب المغفرة .
قال تعالى : " وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً " ( سورة الأحزاب من الآية 35 )
وقال صلى الله عليه وسلم " من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه " . متفق عليه
2- أن الصوم نصف الصبر .
قال صلى الله عليه وسلم : " الصوم نصف الصبر " ( ابن ماجة والترمذي وحسنه ) ، وحيث إن الصبر نصف الإيمان لما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم : " الصبر نصف الإيمان " ( البيهقي والمنذري وقال حديث حسن ) .لذا كان الصوم ربع الإيمان .
وإذا كان الصوم قد احتوى أنواع الصبر الثلاثة الصبر على الطاعة والصبر على المعصية والصبر على الابتلاء فإن الصائم داخل في زمرة من يوفون أجرهم بغير حساب قال تعالى : " إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ " . (سورة الزمر من الآية 10)
3- اختصاص رب العزة جل وعلا بمجازاة الصائم .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قال الله عز وجل : كل عمل ابن آدم له إلا الصوم ، فإنه لي وأنا أجزي به ، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " ( رواه البخاري )
4- . فتح أبواب الجنة وغلق أبواب النار وتصفيد الشياطين .
قال صلى الله عليه وسلم : " إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة ، وغلقت أبواب النار ، وصفدت الشياطين " . ( رواه مسلم )
وفي هذا الحديث ترغيب للإقبال على الطاعات والاستزادة منها حينما تتحقق هذه المقدمات التي تدفع المسلم إلى اغتنام رمضان .
5- فيه ليلة القدر .
قال تعالى : " إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5) .( سورة القدر)
وقال صلى الله عليه وسلم : " من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ، من صام رمضان إيمان واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه " ( رواه البخاري )
وقال صلى الله عليه وسلم : "آتاكم شهر رمضان ، شهر مبارك ، فرض الله عليكم صيامه ، تفتح فيه أبواب الجنة ، و تغلق فيه أبواب الجحيم ، و تغل فيه مرده الشياطين ، و فيه ليلة هي خير من ألف شهر ، من حرم خيرها فقد حرم " ( أحمد والنسائي وصححه الألباني ) .
6- شفاعة الصيام يوم القيامة .
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام : أي رب منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه ، ويقول القرآن منعته النوم بالليل فشفعني فيه ، قال : فيشفعان " ( رواه أحمد وإسناده صحيح وحسنه الألباني ) .
7- الوقاية من النار والمعاصي .
قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه " والصيام جنة " .
وقال صلى الله عليه وسلم : يا كعب بن عجرة : الصلاة برهان والصوم جنة حصينة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار " ( رواه الترمذي وصححه الألباني ) .
وقال صلى الله عليه وسلم مبينا محل الجنة : " الصيام جنة يستجن بها العبد من النار " ( رواه أحمد وحسنه الألباني ) .
8- دخول الجنة من باب الريان .
قال صلى الله عليه وسلم : إن في الجنة بابا يقال له الريان ، يدخل منه الصائمون يوم القيامة ، لا يدخل منه أحد غيرهم ، يقال أين الصائمون ، فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم ، فإذا دخلوا أغلق ، فلن يدخل منه أحد .( رواه البخاري ومسلم ).
9- الجود ومدارسة القرآن .
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن ، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة .( رواه البخاري ومسلم ).
وقال صلى الله عليه وسلم : " من فطر صائما كان له مثل أجره ، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئا" ( رواه الترمذي وحسنه ).
10 – العمرة .
قال صلى الله عليه وسلم لأم سنان الأنصارية : ما منعك من الحج . قالت : أبو فلان ، تعني زوجها ، كان له ناضحان حج على أحدهما ، والآخر يسقي أرضا لنا . قال : فإن عمرة في رمضان تقضي حجة معي .( رواه البخاري ) .

• العنصر الثالث - سبل اغتنام بركات رمضان .

1- إمساك الجوارح عن المعاصي واستعمالها في الطاعة .
2- صيام يومه .
3- قيام ليله وأقلها صلاة التراويح .
4- مدارسة القرآن وكثرة تلاوته والاستماع إليه .
5- الجود والكرم وإطعام الطعام خاصة الفقرآء والمساكين .
6- إفطار الصائم ولو كان غنيا .
7- الإكثار من النوافل والقربات .
8- الاعتكاف في العشر الأواخر .
9- الصبر على سب الآخرين وآذاهم .
10- تحري ليلة القدر .
11- كثرة الذكر والدعاء والاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .
12- أداء العمرة لمن قدرعلى ذلك .
13- التمسك بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان وآداب الصيام نحو تعجيل الفطور على رطبات أو تمرات أو ماء والدعاء عند فطرة والسحور ولو على جرعة ماء .

• العنصر الرابع - شروط قبول الصيام .

الشرط الأول : الإخلاص .
وهو أن يبتغي بصومه وجه الله تعالى خالصا لوجههه الكريم .
الشرط الثاني : أن يستوفي أركان الصيام وآدابه .
الشرط الثالث : أن يمسك جوارحه عن المعاصي وهو ما يسميه حجة الإسلام الغزالي رحمه الله : صوم الخواص لأن صوم العموم هو من صام عن الطعام والشراب والشهوة فقط وترك لجوارحه عنان المعصية من غيبة ونميمة وكذب ونظر للحرام وهؤلاء لا فائدة من صيامهم ، بقوله صلى الله عليه وسلم " رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع ، و رب قائم ليس له من قيامه إلا السهر" ( رواه ابن ماجة وأحمد والحاكم ) .
وقوله صلى الله عليه وسلم : " من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل ، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه " ( رواه البخاري ) .
وفي هذين الحديثين تحذير لمن يضيع صيامه سواء في نهاره أو ليله بالاستماع إلى الحرام أو النظر إليه كما يحدث من مشاهدة بعض الأفلام والبرامج الإعلامية والأعاني التي تعرض لمفاتن المرأة وعورتها ومن هذا القبيل ما يحدث على شبكة الإنترنت من المحادثات الغير مشروعة بين الرجال والنساء .
الشرط الرابع : الصبر على أذى الآخرين وجهلهم .
ففي الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا أصبح أحدكم يوما صائما ، فلا يرفث ولا يجهل . فإن امرؤ شاتمه أو قاتله ، فليقل : إني صائم . إني صائم " .
نسأل الله تعالى أن يجعل صومنا مقبولا وذنبنا مغفورا وعملنا متقبلا وتجارتنا لن تبور .

خطوة للأمام

خطوة للأمام

بسم الله الرحمن الرحيم

هبت ريح شهر رمضان المعظم .. شهر الإصلاح .. شهر عنوانة الأول هو التغيير .. هبت ريحه وقد خطونا بفضل الرحمن خطوة للأمام .. خطوة هى التى يأخذها الكثير مع ظهور هلال هذا الشهر الكريم .. خطوة رائعة نراها بأعيننا .. فنرى السارق يمتنع عن سرقته والمرتشى عن رشوته والكذاب عن كذبه والآكل للحرام عن أكله .. خطوة رائعة هى .. لكن وللأسف لا تعقبها خطوات في نفس الاتجاه .. بل خطوات للخلف .. فنرى المساجد خاوية بعد عمرانها مثل ما نريد قوله .. ونفوت فرصة عظيمة للتغيير والإصلاح .. أليس رمضان فكرته الأساسية التغيير والتطوير .. أن نصلح ما فسد .. ونصل ما قطع .. وننير ما أطفىء ..
ولكن للأسف ينسى البعض المقصد الأساسى للصيام :- ( لعلكم تتقون ) .. لعل المدخن بصيامه أن يقلع عن تدخينه .. والقاطع لرحمه أن يعود له .. ولعل .. ولعل .. لعلكم تتقون .. لعلكم تتخذون خطوة للأمام .. يعقبها خطوات وخطوات وخطوات فى نفس الاتجاه ..

ومن العجيب أننا نرى الكثير من الناس يبحثون عن التغيير إلى الأفضل .. حتى إنهم ينفقون الكثير من أموالهم والعظيم من أوقاتهم على دورات ودراسات فى التغيير والتطوير وتنمية وتربية الذات ..ومع هذا تمر عليهم أعظم فرصة للتغيير ويتجاوزونها دونما أن يشعروا بها .. ويستفيدوا منها ..

ولو نظرنا لسنة الله فى كونه لرأينا أنه – جل فى علاه – وضع بداية التغيير من داخلنا من أنفسنا .. ثم يأتى تغيير السماء بعدها :- ( إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمْ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم ) .. وها هو شهر رمضان ببركاته ونفحاته بأيامه الثلاثين أو أقل بقليل فترة مكثفة طويلة عميقة نغير فيها .. نقف أمام أنفسنا وقفة طويلة .. نصلح ونغيير حتى إذا ما رفعنا أيدينا للسماء كان حق لها وإيفاء منها أن تهبنا التغيير من عندها ..

فرصة عظيمة :- والإنسان يعتاد أن ينام في وقت ويستيقظ في وقت ، ويذهب للعمل في وقت ويعود وهكذا، ويأكل ويتسوق إلى غير ذلك من أمور دنياه في وقت محدود، وفي الغالب عندما يأتي شهر رمضان المبارك تتغير الأمور وتخرج عن الروتين والمألوف المستمر، وتتجدد حياته، ويكاد يجمع الباحثون في موضوع الإبداع على أن الإبداع هو الخروج عن المألوف، وما أحوج الإنسان في كل زمان- وخاصة في هذا الزمان- إلى الإبداع والتجديد !! كما أن كسر الروتين والخروج عن المألوف أحد الأعمال الضرورية للتغلب على القلق وضغوط الحياة، فالتجديد لا بد أن يكون في جدولك اليومي والأسبوعي والشهري والسنوي .. وهذا هو رمضان .. شهر التغيير والتطوير .. يأتى ليغير لنا كل مألوف .. ويعيننا على كل أمر راتب ..

أذكر هنا الرجل الفقير شديد الفقر المريض أشد المرض .. صاحب رائحة منتنة وجلد كريه .. أصلح الله حاله وأبدل أمره فصار صاحب صحة بدل مرضه وعافية مكان بلاءه .. وغنى بدل فقر .. ورائحة جميلة مكان رائحته المنتنة .. فأبى كل هذا .. وطلب العودة إلى ما كان, فقير مريض كريه .. للأسف هذا حال البعض مع شهر البركات والنفحات .. قبل رمضان يكون حاله من بُعد عن ربه وهجران لصلاته ومعصية لخالقة فيأتيه رمضان فينير الوجه بنور القلب ويهجر ظلام الدنيا إلى نور المساجد ولكنه لا يستمر ولا يكمل مشواره ..بل يعود من حيث أتى .. يأبى إلا حياة الظلام والظلمة .. تعافى نفسه الطيب فقد استمرأ حياة الظلام ..

عد أيها الأخ الكريم إلى رب كريم .. وأتبع الخطوة الطيبة خطوات وخطوات وخطوات .. واثبت ولا تتبع الحسنة بسيئة بل حسنة وحسنات .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

رمضان ... فرصتك للسعادة في الدنيا والآخرة

رمضان ... فرصتك للسعادة في الدنيا والآخرة


بسم الله الرحمن الرحيم

مَن منا لا يبحث عن السعادة ؟!
وهل هناك إنسان لا يريد أن يكون سعيدا ؟!
كلنا نتفق أن السعادة مطلب كل إنسان في هذا الوجود ...بل إن شئت قلت : هي مطلب كل كائن حي .
وأعظم أنواع السعادة هي السعاده الروحية ... المتمثلة في أعماق النفس البشرية .
وفي رمضان ننعم بتلك السعادة .. لكنها ليست سعادة زائلة ومنقطعة .. بل هي سعادة دائمة وممتدة .
فعَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : "...لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ ، وَإِذَا لقي رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ " رواه البخاري .
أي سعادة تلك التي تجدها عند فطرك ؟
إنها سعادتك بالطاعة ، و تنفيذك لأمر الله تعالى .
كما أنها فرحتك بما أنعم الله عليك به من القيام بعبادة الصيام الذي هو من أفضل الأعمال الصالحة , وكم من أناس حرمهم الله منه فلم يصوموا !
إنها فرحتك بما أباح الله لك من الطعام والشراب والنكاح الذي كان مُحَرَّما عليك حال الصوم .
وأما سعادتك العظيمة حينما تقدم على ربك جل في علاه ، وتجد جزاء صيامك الذي أعده الله تعالى لك .
تخيل نفسك وأنت مقدم على ربك يوم القيامة ، فرحا بطاعتك بين يديه .
قال العلامة ابن رجب: " أما فرحة الصائم عند فطره فإن النفوس مجبولة على الميل إلى ما يلائمها من مطعم ومشرب ومنكح ، فإذا منعت من ذلك في وقت من الأوقات ثم أبيح لها في وقت آخر فرحت بإباحة ما مُنعت منه خصوصاً عند اشتداد الحاجة إليه ، فإن النفوس تفرح بذلك طبعاً فإن كان ذلك محبوباً لله كان محبوباً شرعاً ، والصائم عند فطره كذلك ، فكما أن الله تعالى حرم على الصائم في نهار الصيام تناول هذه الشهوات فقد أذن له فيها في ليل الصيام بل أحب منه المبادرة إلى تناولها في أول الليل وآخره فأحب عباده إليه أعجلهم فطراً ، والله وملائكته يصلون على المتسحرين ، فالصائم ترك شهواته لله بالنهار تقرباً إلى الله وطاعة له ويبادر إليها في الليل تقرباً إلى مولاه ، وأكل وشرب وحمد الله فإنه يرجى له المغفرة أو بلوغ الرضوان بذلك، وفي الحديث : "إن الله ليرضى عن عبده أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها " ، وربما استجيب دعاؤه عند ذلك، وإن نوى بأكله وشربه تقوية بدنه على القيام والصيام كان مثاباً على ذلك.
قال أبو العالية: الصائم في عبادة وإن كان نائماً على فراشه فكانت حفصة تقول: يا حبذا عبادة وأنا نائمة على فراشي فالصائم في ليله ونهاره في عبادة ويستجاب دعاؤه في صيامه وعند فطره فهو في نهاره صائم صابر وفي ليله طاعم شاكر.
وفي الحديث الذي خرجه الترمذي وغيره: " الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر " ، ومن فهم هذا الذي أشرنا إليه لم يتوقف في معنى فرح الصائم عند فطره ، فإنّ فطره على الوجه المشار إليه من فضله ورحمته فيدخل في قول الله تعالى: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون).
وأما فرحه عند لقاء ربه: فبما يجده عند الله من ثواب الصيام مدّخراً فيجده أحوج ما كان إليه كما قال تعالى: (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجرا) . هذا هو حال من أراد الله له الخير .

أصناف الناس في استقبال رمضان

ويمكن لنا أن نقسم الناس – كما يرى الشيخ عبد الرزاق السيد - في استقبال شهر رمضان ، وتعاملهم معه ومع قدومه إلى أصناف ثلاثة:
صنفان: يفرحان بقدوم هذا الشهر.
وصنف: يغتم بقدوم هذا الشهر.

فالصنف الأول : وهم طائفة المؤمنين ، يفرحون بقدوم رمضان ، ويسرون لمجيئه ، وكأنما هو العيد حل بين أظهرهم بل أعظم من العيد ، ويعتبرونه فرصة تجارة مع الله، وذلك لأسباب عدة :
1. أن الصيام عندهم أمر يسير، وأنفسهم تشتاق بلهف شديد إليه، فهم متعودون أصلاً على الصيام، فطوال العام وهم حلفاء الصيام ، هذا يوم الاثنين والخميس ، وهذه أيام البيض ، وهذا يوم عرفة ويوم عاشوراء ، وهم مع ذلك يحتسبون الأجر العظيم عند الله تعالى.
وقد ذكر أن بعض السلف باع جارية له من أحد الناس ، فلما أقبل رمضان أخذ سيدها الجديد يتهيأ بألوان المطعومات والمشروبات ؛ لاستقبال رمضان –كما يصنع كثير من المسلمين اليوم- فلما رأت الجارية ذلك منهم، قالت: لماذا تصنعون ذلك ؟ قالوا: لاستقبال شهر رمضان !
فقالت: وأنتم لا تصومون إلا في رمضان ؟! والله لقد جئت من عند قوم السَّنة عندهم كأنها كلها رمضان ، لا حاجة لي فيكم ردوني إليهم . ورجعت إلى سيدها الأول.
2. لمعرفتهم أن امتناعهم عن الملذات في الدنيا بالصوم سبب للحصول عليها في الآخرة، ونيلها في جنات النعيم حيث ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
3. لعظمة العبادة في قلوبهم، وإدراكهم قيمة الثواب المترتب على الصيام ، مما يجعلهم يتنافسون فيه ويتسابقون عليه، فهم يدركون ويوقنون أن رمضان فيه تُضاعف الأجور، وتزيد الحسنات ، وعلى هذا فلا عجب في فرحهم بقدوم هذا الشهر المبارك، فلقد صار عندهم كالحبيب المفارق حين يعود.
ولذلك قال بعض السلف: صم الدنيا واجعل فطرك الموت. الدنيا كلها شهر صيام، المتقون يصومون فيه عن الشهوات والمحرَّمات، فإذا جاءهم الموت فقد انقضى شهر صيامهم واستهلوا عيد فطرهم .
وقد صُمت عن لذات دهري كلها --- ويوم لِقاكُم ذاك فِطرُ صيامي
فهذا هو الصنف الأول من الناس في استقبال رمضان المبارك .

وأما الصنف الثاني : من يفرح بقدوم رمضان ، ليس بدافع الحرص على العبادة ، والتقرب إلى الله تبارك وتعالى ، بل بدافع تناول الأطعمة والأشربة التي لا يجدها إلا في رمضان !!
فيجعل من رمضان شهرا للعلف والتزود من الطعام ، بدلا من أن يجعله شهرا للزهد والتزود بالتقوى !
ويجعل من شهر رمضان المبارك شهر نوم طويل ، و ثبات عميق !!

- وأما الصنف الثالث : فهم أناس يغتمون بقدوم هذا الشهر المبارك، وكأنما نزلت عليهم فيه كرب أيوب، وفاجعة أم موسى، حتى حزنوا حزن يعقوب! فهذا الصنف :
- يحزن إذا جاء رمضان ويغتم .
- يفرح إذا ذهب رمضان ويبتهج .
- لا يصوم إلا في رمضان .
- و لا يقوم الليل إلا في رمضان .
ولقد سمعت أحدهم ذات مرة ، عندما كانوا يوقظونه في أول ليلة من رمضان لتناول وجبة السحور – وليس لقيام الليل – إذ به يقول لهم : جاءت أيام القلق والتعب !!
ولو علم هذا المسكين ما في شهر رمضان من الخير والبركات ، لتمنى أن يكون العام كله رمضان .
ففي حديث مرفوع رواه ابن أبي الدنيا أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: " لو تعلم أمتي ما في رمضان لتمنت أن تكون السنة كلها رمضان " .

و مما يروى في ذلك أنه كان للرشيد ابنٌ سفيه، رأى هلال رمضان ذات مرة فقال :
دعاني شهر الصوم لا كان من شهر --- ولا صمت شهراً بعده آخر الدهر
فلو كان يعديني الإمام بقدره --- على الشهر لاستعديت جهدي على الشهر
فأصابه عقيب هذا القول صرع ، فكان يصرع في اليوم مرات إلى أن مات ، ولم يبلغ شهراً مثله " [ المنتظم لابن الجوزي ] .

بين الحجاج وأعرابي صائم

خرج الحجاج ذات يوم قائظ فأحضر له الغداء فقال: اطلبوا من يتغدى معنا ، فطلبوا ، فلم يجدوا إلا أعرابيًّا ، فأتوا به فدار بين الحجاج والأعرابي هذا الحوار:
الحجاج: هلم أيها الأعرابي لنتناول طعام الغداء .
الأعرابي: قد دعاني من هو أكرم منك فأجبته .
الحجاج: من هو ؟
الأعرابي: الله تبارك وتعالى دعاني إلى الصيام فأنا صائم .
الحجاج: تصومُ في مثل هذا اليوم على حره ؟!
الأعرابي: صمت ليوم أشد منه حرًا .
الحجاج: أفطر اليوم وصم غدًا .
الأعرابي: أوَ يضمن الأمير أن أعيش إلى الغد ؟!
الحجاج: ليس ذلك إليَّ ، فعلم ذلك عند الله .
الأعرابي: فكيف تسألني عاجلاً بآجل ليس إليه من سبيل ؟!
الحجاج: إنه طعام طيب .
الأعرابي: والله ما طيبه خبازك وطباخك ولكن طيبته العافية .
الحجاج: بالله ما رأيت مثل هذا .. جزاك الله خيرًا أيها الأعرابي، وأمر له بجائزة.

الأبعاد العمليـــة لمدرسة الصيام

الأبعاد العمليـــة لمدرسة الصيام

بسم الله الرحمن الرحيم

الأبعـــاد العمليــــة لمدرســــة الصيـــام (01 من 02)
الكاتب: جمال زواري أحمد

إن شهر الصيام مدرسة عملية ، ينخرط في صفوفها المؤمنون ، ليتعلّموا من خلالها ما يؤهّلهم إلى المراتب العالية عند بارئهم ، ويتشرّبوا في أحضانها لذّة العبودية ، ويتذوّقوا في رحابها حلاوة القرب والمناجاة ، ويتفيئوا في ظلالها مقامات الاستعلاء الإيماني والترقّي الروحي ، ويثأرون فيها من عدوهم المتربص بهم في كل وقت وينتقمون منه شرّ انتقام ، مستثمرين تصفيده وتكبيله في هذا الشهر الكريم ، ويعملون بجدّ على تقوية رصيدهم وتكثيره من الأعمال الصالحة والقربات الفاضلة ، تجاوبا مع كرم الكريم عز وجل وتتالي عطاياه وتنوّعها فيه.
ليبشّروا في نهاية المطاف بالوصول ، ويلجوا من باب الريان الذي فضّل الله به الصائمين دون غيرهم ، قال صلى الله عليه وسلم:( إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم يقال أين الصائمون فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد) (رواه البخاري).
ويزفّوا إلى :( جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ )(آل عمران133).
هذه التقوى التي اكتسبوها وكالوا منها الكيل الأوفى في رحاب هذا الشهر، والتي هي غايته العظمى ، كما بيّن رب العزّة :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )(البقرة183).
وقد قهروا نفوسهم وروّضوها وقدّموها مهرا مستحقّا إلى تلكم الجنّة التي قيل أنها عروس ومهرها قهر النفوس .
ولقد أراد المولى عز وجل لشهر الصيام أن يكون محطة تزوّد وفرصة تحوّل ومناسبة تغيير نحو الأفضل والأحسن والأنجى لجموع المؤمنين.
ولا يتم كل ذلك ، إلا إذا أدركنا الأبعاد العملية للصيام وحققناها بنسب مقبولة في مدرسته على أرض الواقع ، وأن نزن مدى قبولنا في هذه المدرسة أو رسوبنا فيها ، من خلال تحقيقنا لهذه الأبعاد وممارستها والعمل على ترسيخها وتثبيتها على المستوى الفردي والجماعي ، والانتقال بذلك من صيام العادة والتقليد والمحاكاة ــ الذي يمارسه عدد كبير من المسلمين للأسف الشديد ــ إلى صيام العبادة بمفهومها الشامل والإيجابي كما أراده مشرّعه سبحانه .
ولعل أهم هذه الأبعاد العملية لمدرسة الصيام هي:

1) ــ البعد الروحي : 


ففي مدرسة الصيام يصقل المؤمنون أرواحهم ، ويضاعفوا من شفافيتها ورقتها وخشوعها وإقبالها على مولاها بصدق ورغبة وخشية وحب ، كما أنهم يعمقون صفاءها ويجلّون غبشها وصدأها الناتج عن الأكدار والأقذار الدنيوية التي تراكمت عليها خلال السنة كلها ، وكذا الغوص بهذه الأرواح في الأجواء الإيمانية لشهر الصيام وتذوق طعم العبادات بمختلف أنواعها واستشعار لذتها فيه ، وذلك للانتقال بها في درجات العبودية والترقي بها في مدارج السالكين الراغبين في الوصول ، والصعود بها في معارج القبول.
وتكتسب بفيوضات الصيام التي تتدفق عليها تترى ، مناعة وحصانة ويقظة ، بحيث يرهف حسها بعد ذلك لكل ما يكدّر صفوها ويهدد جلاءها ويفسد ذوقها ويطفئ نورها وإشراقها ويثني من عزمها وينزل من سقف إرادتها وإقبالها.
ومن فقد هذا البعد للصيام ولم يذق طعمه ويعيشه عمليا ويخرج به في نهاية السباق واكتمال العدد ، ولم يجد أثاره الطيبة على روحه وقلبه ، فقد حرم خيرات الشهر ومنع بركاته وضيّع فرصه ، وإن أراد وأدّعى.
ولعل ما يشير إلى هذا البعد في الصيام الآية الكريمة سالفة الذكر ، وحديث:( إذا كان أول ليلة من رمضان صفّدت الشياطين ومردة الجان ، وغلّقت أبواب النار فلم يفتح منها باب ، وفتّحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب ، ونادى مناد: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة )( رواه الحاكم).
وحديث: (من صام رمضان إيمانا ً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)(متفق عليه).
وحديث :(رَغِمَ أنف رجل ذكرتُ عنده فلم يصلِ عليَّ، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان فانسلخ قبل أن يُغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يُدخلاه الجنة)(رواه أحمد وابن حبان والترمذي).

2) ــ البعد التربوي والأخلاقي:


كذلك فمدرسة الصيام تعتبر معهدا تربويا بامتياز ودورة تربوية مركّزة ، يتناول من خلالها الصائمون الكثير من المواد التربوية والأخلاقية ويطبّقونها ميدانيا وعمليا .
ففي ظلال هذه المدرسة يتربّى المؤمن على سلامة الصدر وطهارة القلب من كل الأمراض التي رانت عليه وتسببت في ظلمته ووحشته وكثفت من حجبه ، والتي عجز أن يتخلص منها بقية الأيام ، فيأتي شهر الصيام ببركاته وآثاره وروحانياته وأجوائه ، فينسف هذه الأمراض من قلوب المؤمنين نسفا ويزيل حجبها ويغسلها من كل ذلك ، فيخرجها في نهايته بيضاء نقية سليمة.
وفي هذه المدرسة كذلك يتربى المؤمن الصائم ويتمرّن على إمساك لسانه ولجمه عن كل ما من شأنه أن يؤدي به إلى الإفلاس في الدنيا والآخرة ، والتخلص بذلك من حبائله وحصائده المهلكة والمكبّة في النار على الوجوه ، فيمتلك بتربية الصيام هذه بحق لسانه وما يسببه له من المصائب ، حساسية مفرطة منه على طول العام تكون سببا للنجاة .
وفي هذه المدرسة أيضا يتربى المؤمن الصائم على مكارم الأخلاق ويخرج في تمامه بكنوز معتبرة منها ، تكون له خير زاد فيما عداه من الشهور.
فالصيام تربية عملية على الإخلاص والإحسان والصدق والصبر والحلم والتواضع والحياء والزهد والقناعة والتسامح والأمانة وحسن المعاملة وغيرها من أمهات الأخلاق التي جاء بها الإسلام وحث عليها ورغّب فيها وجعلها ميزان التفاضل عند الله عز وجل في الدنيا والآخرة ، كما أنه بالمقابل يطهر النفوس المؤمنة من رذائل الأخلاق كالشح والبخل والكبر والحسد والرياء وغيرها .
فمن لم يستشعر بأثر الصيام الإيجابي في أخلاقه وتربيته ، ولم يحس بأنه قد زاد في إخلاصه وحلمه وصبره وتواضعه وحيائه على ما كانت عليه قبل شهر الصيام ، وبأن هناك تغيرا ملحوظا وتطورا محسوسا في مستواه التربوي والأخلاقي نحو الأفضل ، وبأنه قد خرج بزاد تربوي كبير على مستوى أخلاقه ومعاملاته في نهاية الشهر ، فليعلم بأنه حرم بعدا مهما من الأبعاد التي فرض من أجلها الصيام .
ويشير إلى هذا البعد للصيام الحديث القدسي:( كل عمل بن آدم له إلا الصيام ؛ فإنه لي وأنا أجزي به ، والصيام جنّة ، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ، فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل : إني امرؤ صائم ، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ، للصائم فرحتان يفرحهما : إذا أفطر فرح ، وإذا لقي ربه فرح بصومه ) (رواه البخاري و مسلم).
وحديث(من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه)( رواه البخاري) .
وقول ابن مسعود رضي الله عنه:( من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدًا)( رواه عنه الإمام أحمد في الزهد).
فكذلك صومه وحجه وزكاته وسائر عباداته.

3) ــ البعد الاجتماعي:


كذلك من الأبعاد المهمة للصيام والدروس العملية لمدرسته البعد الاجتماعي ، بحيث يغرس الروح الجماعية والاجتماعية لدى المؤمن ، فيعمق لديه الشعور بآلام الآخرين وحاجاتهم ومعاناتهم ، عندما يعرف عمليا معنى الجوع وفقدان الطعام والشراب ، الأمر الذي يدفعه إلى السعي الحثيث ليساهم في سد حاجات الفقراء والمساكين وأهل الحاجة من المؤمنين والعمل على تحسس معاناتهم والمشاركة في دفعها ما استطاع.
كما أن أجواء الصيام الروحية والإيمانية تساعد على إصلاح ذات البين والتغلب على الخصومات والمشاحنات والتصارم والشنآن الحاصل بين أهل الإيمان فيما قبل رمضان ، فيأتي الصيام ليكون فرصة سانحة وعملية لتجاوز كل ذلك وتنقية القلوب وطي الصفحة والانطلاق من جديد وبنفس جديد وأجواء جديدة يسودها الصفاء والتآلف والود.
كما يعتبر شهر الصيام فرصة كذلك لمضاعفة بر الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الجيران تعميق الإخاء بين الإخوان وإجبار النقص والكسر الحادث في هذه العلاقات الاجتماعية قبل رمضان ، والخروج منه بعلاقات أكثر متانة وصلات أكثر وثوقا ، أعطاها الصيام من روحه وبركانه وخيراته وفضائله لتستمر بسقف مرتفع ومستوى متميز ، لتعم إيجابياتها وثمارها الطيبة المجتمع ككل والأمة جمعاء.
فالصيام دواء فعال لمرض الأنا المتضخم لدى البعض ، فيضيق دوائره في نفس المؤمن الصائم ، لتحل محلها الروح الجماعية وحب الخير للناس ، وتتسع لديه لتشمل الجميع الصغير والكبير والقريب والبعيد والمحسن والمسيء .
ويشير إلى هذا البعد في الصيام حديث:( مَنْ فَطَّرَ صَائِماً كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيء)(رواه الترمذي).
حديث:(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن ، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة )(رواه البخاري).

يتبــــع ...
 


الأبعاد العمليـــة لمدرسة الصيام(2 من 2)
الكاتب: جمال زواري أحمد
 
لقد أشرنا في الجزء السابق من المقال إلى ثلاثة أبعاد مهمة لمدرسة الصيام هي : البعد الروحي والبعد التربوي والأخلاقي والبعد الاجتماعي ، ونكمل في الجزء الثاني بقية الأبعاد التي ينبغي أن تكون حاضرة عمليا لدى المؤمنين الصائمين ليكونوا قد فقهوا دروس مدرسة الثلاثين يوما ونالوا فيها الدرجات العالية التي تؤهلهم للفوز والنجاح والقبول في النهاية وهي:

4) ــ البعد الصحي والوقائي:

كذلك تعتبر مدرسة الصيام فرصة وقائية وعلاجية ، يتخلص فيها جسم الصائم من الكثير من السموم المسببة للعديد من الأمراض ، كما أن الصيام يساهم مساهمة فعالة في عملية الهدم التي يلفظ فيها الجسم الخلايا القديمة والزائدة عن حاجته ، بحيث يقوم الصيام مقام مبضع الجراح في إزالة الخلايا التالفة والضعيفة والزيادات الضارة ، ليسترد جسم الصائم من خلال ذلك سلامته وحيويته ونشاطه.
كما يعتبر الصيام طبيب تخسيس بامتياز ، بحيث يؤدي إلى إنقاص الوزن والتخلص من الشحوم وتحفيز حرق السعرات الحرارية والوقاية بذلك من مضاعفات السمنة والبدانة وكوارثها على الجسم .
كما أن الصيام يساعد الجسم على التخلص من الكلسترول الضار وتخفيضه والرفع من الكلسترول الحميد وكذا السيطرة على ارتفاع ضغط الدم وداء النقرس وضبط مستوى السكر في الدم بالنسبة لمرضى السكري المسموح لهم بالصيام.
أيضا للصيام تأثير إيجابي على الذهن وتنمية الذاكرة وتنشيطها لدى الصائم ليمتلك بذلك القدرة على التفكير السليم.
كما أن الصيام يزيد من عناصر المناعة ويقويها لدى جسم الصائم ، وكم من أناس في هذا العالم ــ ومنهم الكثير من المسلمين للأسف الشديد ــ جرّت عليهم شهواتهم الزائدة وشراهتهم النهمة لأنواع الأطعمة الكوارث الصحية على أجسادهم جرّاء ذلك ، ولو أنهم التزموا بمدرسة الصيام ووعوا أبعادها وأدركوا فوائدها وذاقوا لذائذها وأعطوها من الاهتمام والعناية الروحية والصحية والأخلاقية والاجتماعية ، لكان ذلك خير لهم وأسلم لأجسامهم وأرواحهم ونفوسهم ومجتمعاتهم على كل الأصعدة مصداقا لقوله تعالى :(وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ )(البقرة184 ).
ولأهمية البعد الصحي والوقائي للصيام وفعاليته العلاجية والوقائية ، جعلت غير المسلمين يعترفون بتأثيره الإيجابي وقدرته العلاجية للكثير من الأمراض ، الأمر الذي دفع بعض الدول الأوربية ــ كألمانيا ــ أن تفتح أقسام طبية تستخدم الصيام على الطريقة الإسلامية في علاجها لبعض الأمراض .
يشير إلى هذا البعد للصيام حديث :(صوموا تصحوا)(رواه الطبراني ). الحديث وإن كان ضعيفا إلا أن معناه صحيح.

5) ــ البعد الدعوي:

كذلك فإن لشهر الصيام بعدا دعويا ، بحيث تكون أجواؤه الإيمانية والروحية وعطايا المولى عز وجل المضاعفة فيه وتصفيد الشياطين وتكبيلها خلال أيامه ، وكذا ترطيبها وتعطيرها بالقران الكريم تلاوة وسماعا في التراويح والتهجد والقيام وغير ذلك في كل الأنحاء والربوع والنجوع ، كل ذلك يضفي على نفوس المؤمنين الصائمين وأرواحهم رقة وخشية ورغبة في الخير وإقبالا عليه ، يجعلها مهيأة لتلقي كل توجيه ونصيحة وموعظة وتصويب وترغيب ، كما يجعل قلوبهم إلى الخير أقرب ومفتوحة لتقبل كل ما يلقى إليها من تذكير ووعظ ، لذا ينبغي على الدعاة والأئمة والموجهين استثمار هذه الأجواء التي يضفيها الصيام على القلوب والنفوس ، ليكثفوا حملاتهم الدعوية وتخول الناس بالموعظة وترغيبهم في التوبة والرجوع إلى الله ، وتشريع الأبواب على مصراعيها ، لتلج من خلالها قوافل التائبين والراجعين إلى الحق والراغبين في طي صفحة الغفلة والانغماس في بحور الرذائل والآثام وترك طرق الغواية والشهوات ، والانطلاق بنفوس جديدة وقلوب طاهرة يحدوها حب الله ورسوله ودينه والطمع في عفوه ومغفرته وقبوله ، والتجاوز عن سيئاتهم وذنوبهم ، لينضموا إلى بقية إخوانهم الذين أدركوا نعمة الهداية قبلهم وذاقوا لذتها وتمتعوا بنعمها وخيراتها ، ليشملهم كل ذلك هم أيضا ويستدركوا ما فاتهم منها في سالف الأيام.
على الدعاة أن يفعلوا كل ذلك ويضاعفوا جهودهم مقتنصين فرصة جاهزية أجهزة الاستقبال لدى الغالبية من الصائمين ، ليكون الرصيد زاخرا وتتضاعف أعداد التائبين الراغبين في سلوك طريق الله بشوق وحب وندم وحسرة على ما ضاع منهم فيما مضى من أعمارهم ، بحيث يتركون الشيطان وجنده يسفون الملّ غيظا وكمدا وحزنا على خسارتهم لهذه الأعداد الهائلة من رصيدهم.
لكن هذا البعد المهم لشهر الصيام ينبغي على الدعاة أن يستمروا في تفعيله وتشغيله بعد رمضان ، للحفاظ على هذه الجموع التائبة وتحصينها حتى لا تنتكس بعد فقدانها للجرعات الإيمانية والروحية الهائلة التي تلقوها في مدرسة الصيام ، فلا بد من مواصلة العلاقة بهؤلاء ومداومة إمدادهم بشيء من هذه الجرعات بما يثبتهم ويقطع صلتهم نهائيا بوضعهم الذي كانوا عليه قبل التوبة ، وتزويدهم بالزاد الروحي والإيماني والتربوي والأخلاقي والعلمي بشكل مستمر ، كي يخسرهم معسكر الشيطان إلى الأبد ومن غير رجعة إن شاء الله.
لعله يشير إلى هذا البعد للصيام حديث :( أتاكم رمضان، شهر بركة، يغشاكم الله فيه، فيُنزل الرحمة، ويحطُّ الخطايا، ويستجيب الدعاء، ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه، ويباهى بكم ملائكته، فأَرُوا الله من أنفسكم خيرًا، فإن الشقي مَن حُرم فيه رحمة الله عز وجل)(رواه الطبراني).

6) ــ البعد السياسي: 

كذلك فإن لمدرسة الصيام بعدا سياسيا ، بحيث يكون هذا الشهر الكريم مظهرا من مظاهر وحدة الأمة ونموذجا عمليا لذلك في إتحاد مشاعرها وشعائرها وشرائعها في كل البقاع ، حكامها ومحكوميها أسودها وأبيضها وأصفرها أغنيائها وفقرائها عربها وعجمها ، الأمر الذي يحرك أشواق أبناء الأمة وتطلعهم إلى إمكانية عودة الكيان الدولي الموحد لأمة التوحيد ، وتوحي إليهم الوحدة العملية التي مارسوها وعاشوها بمشاعرهم وأحاسيسهم خلال شهر الصيام ، أن بعث كيان الأمة الموحد من جديد ممكن التحقيق وليس أضغاث أحلام كما يريد أن يصور أعداؤها وبعض اليائسين المنهزمين المستلبين حضاريا من أبنائها.
كذلك فإن قائمة الانتصارات التي حققتها الأمة على مدار تاريخها في شهر رمضان من بدر إلى فتح مكة إلى عين جالوت إلى غيرها من الانتصارات القديمة والمعاصرة ، كلها تسترجع الأمة من خلال تذكرها ثقتها في قدراتها وتدفعها إلى اليقين في إمكانية تكرار ذلك في معاركها مع أعدائها في الكثير من الميادين المفتوحة في العصر الحديث ، وتغريها هذه الانتصارات باستنساخها من جديد ، إذا وفرت شروطها التي وفرها أسلافها ، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
كذلك فإن من الثمار المهمة لشهر الصيام لدى المؤمنين ، هو تعميق الشعور والاهتمام لديهم بقضايا الأمة وجراحها النازفة في العديد من الساحات وقي مقدمتها فلسطين ، مع منحه لدافعية أكبر من أجل تحرير الأراضي المغتصبة وترسيخ خيار مقاومة المحتلين ، تيمّنا بالانتصارات العظيمة التي أنجزها أبناء الأمة في شهر رمضان ، وقد أشار بعض الأفاضل ــ لتأكيد هذا المعنى ــ أن آيات فرض الصيام :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(البقرة183) ، قد توسطت آيات فرض القصاص:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى)( البقرة178) ، وآيات فرض القتال:( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ)( البقرة216) لإثبات العلاقة الوثيقة بين شهر الصيام وجهاد المحتلين والقصاص منهم ومقاومتهم وإمكانية تحقيق الانتصار عليهم.
ومن مظاهر البعد السياسي للصيام كذلك هو أن أجواءه الروحية تضيق هوامش الجرائم إلى حد كبير ، الأمر الذي يساهم في استقرار المجتمعات والأوطان .

7) ــ البعد الاقتصادي:

كذلك فإن لمدرسة الصيام بعدا اقتصاديا أيضا ، يضاف إلى بقية الأبعاد ، بحيث تتمثل الجوانب الاقتصادية لشهر الصيام في كونه وسيلة مهمة في ترشيد الاستهلاك وتربية الصائمين على ذلك ، كما أنه يحدّ من ظواهر الإسراف والتبذير وليس العكس كما نرى في واقع الكثير من الصائمين ، الذين يصورون شهر رمضان وكأنه لهث زائد وراء أنواع الأطعمة وتنويعها ، ليكون مصير الكثير منها أكياس القمامة بعد ذلك ، وتغييب كل الأبعاد التي يراد للأمة أن تتعلمها وتدركها وتمارسها من مدرسة الصيام ومنها البعد الاقتصادي.
كذلك فإن الترغيب في الصدقة تحديدا في شهر رمضان ، وكذا وجوب دفع زكاة الفطر فيه التي هي:(طهرة للصائم وطعمة للمساكين) ، والفدية التي أمر بها غير المستطيع للصيام ليدفعها عوض ذلك للفقراء والمساكين ، كلها وسائل عملية ذات بعد اقتصادي في هذا الشهر الفضيل ، لتحسين الواقع المعيشي لمستحقيها والتوسعة على المحتاجين وسد حاجاتهم ، لتكون مقدمات ــ لو تم تفعيل هذا البعد المهم بعد ذلك ــ في معالجة مشكل الفقر الذي يجتاح الكثير من المسلمين ، ويضيق هوامش الفوارق الاجتماعية والطبقية بين أبناء الأمة الواحدة وحتى القطر الواحد والبلد الواحد ، بين من يصل إلى حد التخمة والبذخ وبين من يصل إلى حد الموت من الجوع ، دون أن يشعر الأول بواجبه ومسؤوليته نحو أخيه الثاني ، ويفيض عليه مما أنعمه الله عليه ويسد رمقه ويساعده على العيش بكرامة بل وينقذه من حافة الهلاك جوعا وحرمانا .
كما أن الصيام لم يفرض ليكون وسيلة خمول وكسل ونوم كما يفعل البعض ، بل المفروض أن يكون وسيلة لمضاعفة الجهد ونزول البركة لزيادة الإنتاج وإتقان العمل ، فالصيام هو اختبار لقدرة المؤمن الصائم على الصبر وتربيته على قوة التحمل وأن يخشوشن ، لأن التنعم لا يدوم ، فيكون مهيئا للتكيف والتأقلم مع كل الحالات والوضعيات والطوارئ.
كذلك فإن البعد الروحي للصيام يخدم البعد الاقتصادي له ، بحيث أن أجواء الصيام الروحية والتعبدية تدفع بعض أصحاب الأموال من المسلمين إلى التوبة عن الحرام والتخلص من مظاهره كالربا والغش والتدليس وأكل أموال الناس بالباطل ، والحرص على تحرّي الحلال ، الأمر الذي يكون له تأثير إيجابي على الحركية الاقتصادية الصحية والسليمة للمجتمع والأمة.

هذه جملة من الأبعاد العملية لشهر الصيام ، أحرى بالمؤمنين الصائمين أن يفقهوها ويدركوها بوضوح ، ويمارسونها ميدانيا ويفعّلونها في واقعهم ، ليكون لهذا الركن الركين من أركان الإسلام تأثيره الإيجابي على مختلف جوانب حياتهم ، وتحقيق عنصر الشمول التربوي والتغييري لمدرسة الثلاثين يوما ، وعدم حصرها في خانة التعبّد الفردي ، البعيد عن الأبعاد التي ذكرناها في صلب هذا الموضوع ، فإن ذلك يتنافى والتصور الصحيح والسليم والدور المطلوب لفريضة الصيام .

رمضان ... فرصتك للحياة بدون معاصٍ

رمضان ... فرصتك للحياة بدون معاصٍ

بسم الله الرحمن الرحيم

يتمنى الكثير منا أن يبدأ صفحة جديدة مع الله تعالى ، يكون قوامها الطاعة ، و الامتثال لأوامر الله تعالى ، وأن تكون تلك الصفحة فارغة من كل ما يغضب الرب تعالى .
هذه أمنية للكثير من الناس ... أحلام يسعون لتحقيقها ... وهدف يطمح المؤمنون الصادقون لنيله .
وفي رمضان .. تأتينا العطايا الإلهية .. والمنح الربانية .. والنفحات الإيمانية .. نتزود فيه من دنيانا لآخرتنا .. نسمو بنفوسنا .. ونرتقي بإيماننا .. ونقبل على ربنا عز وجل .. ونتلقى العرض الرباني .. والفرصة المتكررة في كل رمضان ... فرصة لأن نحيا حياة لا مجال فيها للمعاصي .

عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجِنَانِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ وَ نَادَى مُنَادٍ : يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ " رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين .

قال أبو الوليد الباجي: «يحتمل أن يكون هذا اللفظ على ظاهره ، فيكون ذلك علامة على بركة الشهـر وما يرجى للعامل فيه من الخير» .

وقال ابن العربي: «وإنما تفتح أبواب الجنة ليعظم الرجاء، ويكثر العمل ، وتتعلق به الهمم ، ويتشوق إليها الصابر، وتغلـق أبواب النار لتجزى الشياطين، وتقل المعاصي ، ويصد بالحسنات في وجوه السيئات فتذهب سبيل النار».

و قال بدر الدين الحنفي « صفدت الشياطين عبارة عن تعجيزهم عن الإغواء وتزيين الشهوات وصفدت بمعنى سلسلت فإن قلت قد تقع الشرور والمعاصي في رمضان كثيرا فلو سلسلت لم يقع شيء من ذلك قلت هذا في حق الصائمين الذين حافظوا على شروط الصوم وراعوا آدابه وقيل المسلسل بعض الشياطين وهم المردة لا كلهم كما تقدم في بعض الروايات والمقصود تقليل الشرور فيه وهذا أمر محسوس فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره وقيل لا يلزم من تسلسلهم وتصفيدهم كلهم أن لا تقع شرور ولا معصية لأن لذلك أسبابا غير الشياطين كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة والشياطين الإنسية » .

وقال الحليمي : يحتمل أن يكون المراد من الشياطين مسترقو السمع منهم ، وأن تسلسلهم يقع في ليالي رمضان دون أيامه ، لأنهم كانوا منعوا في زمن نزول القرآن من استراق السمع فزيدوا التسلسل مبالغة في الحفظ ، ويحتمل أن يكون المراد أن الشياطين لا يخلصون من افتتان المسلمين إلى ما يخلصون إليه في غيره لاشتغالهم بالصيام الذي فيه قمع الشهوات وبقراءة القرآن والذكر ، وقال غيره : المراد بالشياطين بعضهم وهم المردة منهم .

وقال عياض : يحتمل أنه على ظاهره وحقيقته وأن ذلك كله علامة للملائكة لدخول الشر وتعظيم حرمته ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين ، ويحتمل أن يكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو ، وأن الشياطين يقل إغواؤهم فيصيرون كالمصفدين .

فإن قيل كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرا فلو صفدت الشياطين لم يقع ذلك ؟
يجيبك القرطبي عن ذلك فيقول : إنما تقل عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه وروعيت آدابه ، أو المصفد بعض الشياطين وهم المردة لا كلهم كما تقدم في بعض الروايات ، أو المقصود تقليل الشرور فيه وهذا أمر محسوس فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره ، إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع شر ولا معصية لأن لذلك أسبابا غير الشياطين كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة والشياطين الإنسية . [ فتح الباري بشرح صحيح البخاري ]

الفرصة أمامك

فماذا يمنعك الآن من ترك المعاصي ؟!
أما آن الأوان لتفتح صفحة جديدة مع ربك ؟!
صفحة بيضاء لا يكتب فيها إلا الطاعة ، و لا تطوى إلا على خير !
قَال الحَافِظُ ابنُ رَجَبٍ رحمه اللهُ: "وَكَيفَ لا يُبَشَّرُ المُؤمِنُ بِفَتحِ أَبوَابِ الجِنَانِ؟! وَكَيفَ لا يُبَشَّرُ المُذنِبُ بِغَلقِ أَبوَابِ النِّيرَانِ؟! وَكَيفَ لا يُبَشَّرُ العَاقِلُ بِوَقتٍ يُغَلُّ فِيهِ الشَّيطَانُ؟! وَمِن أَينَ يُشبِهُ هَذَا الزَّمَانَ زَمَانٌ؟!".
والأمر كما أوْصَى أحَدُ السَّلَفِ ابنَهُ فقالَ: "يابُنَيَّ، جَدِّدِ السفينةَ فإنَّ البحرَ عميقٌ، وأكْثرِ الزَّادَ فإنَّ السَّفَرَ بعيدٌ، وأحْسِنِ العَمَلَ فإنَّ الناقِدَ بصيرٌ". إننا في حاجة في شأننا مع رمضان إلى عزمة بداية، وإلى عزمة نهاية، يوضح هذه العزمات ابن رجب -رحمه الله- فيقول: "العزم نوعان:
أحدهما: عزم المريد على الدخول في الطريق، وهو من البدايات.
والثاني: العزم على الاستمرار على الطاعات بعد الدخول فيها، وعلى الانتقال من حال كامل، إلى حال أكمل منه، وهو من النهايات " .
هي فعلا فرصة جديدة لك ، بأن تفتح صفحة جديدة مع المولى تبارك وتعالى ، فرصة لو اغتمنتها لغنمت الكثير ، و لزاد رصيدك عند المولى جلا وعلا .
كم من أصحاب القبور الآن يندم على أنه لم يستفد من تلك الفرص الإيمانية ؟!
وكم منهم من يتمنى أن يعود إلى الدنيا فيغتنمها ؟ !
أما قرأت قول الله تبارك وتعالى : " حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ " [ سورة المؤمنون من الآيتين 99 ، 100 ] .

يقول قتادة : والله ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا إلى عشيرة، ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله، فانظروا أمنية الكافر المفرط فاعملوا بها.

وقال محمد بن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن يوسف، حدثنا فضيل -يعني: ابن عياض-عن لَيْث، عن طلحة بن مُصَرِّف، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: إذا وضع -يعني: الكافر-في قبره، فيرى مقعده من النار. قال: فيقول: رب ارجعون أتوب وأعمل صالحا. قال: فيقال: قد عُمِّرت ما كنت مُعَمَّرا. قال: فيضيق عليه قبره، قال: فهو كالمنهوش، ينام ويفزع، تهوي إليه هَوَامّ الأرض وحياتها وعقاربها. [ تفسير ابن كثير ج5 ص 494 ] .

حتى تنعم بالسعادة

فهنيئا لك أخي القارئ – إذا اغتنمت تلك الفرصة – أن تحيا حياتك بدون معاص ، و أن تكون صحيفتك يوم أن تلقى الله تعالى بلا ذنب يذكر ، و أن تكون ممن وجبت لهم الجنة ، و أعتق الله رقبته من النار .
ولكن احذر أن تعود بعد ذلك إلى المعاصي والذنوب ، و أن تهتك محارم علام الغيوب .
داوم على طاعتك .. و حافظ على صلتك بالله تعالى ، حتى تبلغ المقام الذي تأمله ، والمنزل الذي تريده في جنة عرضها السماوات والأرض . ولتظهر تذللك لله .. ولتبكي بين يديه ..
يا ربّ إن عظمت ذنوبي كثرة --- فلقد علمت بأنّ عفوك أعظم
إن كان لا يدعوك إلاّ محسن --- فمن الذي يرجو ويدعو المجرم
أدعوك ربّي كما أمرت تضرّعاً --- فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
مالي إليك وسيلة إلاّ الرجا --- وجميل عفوك ثمّ إنّي مسلم
" كان بعض النجارين يبيع الخشب وكان عنده قطعة آبنوس ملقاة تحت الخشب فاشتريت منه فدخل دار الملك بعد مدة فإذا بها قد جعلت سريراً للملك فوقف متعجباً وقال: لقد كنت لا أعبأ بهذه فكيف وصلت إلى هذا المقام ?! فهتف به لسان المفهم نائباً عنها: كم صبرت على ضرب الفوس ونشر المناشير? حتى بلغت هذا المقام !! " المدهش لابن الجوزي ص 521 " .

السفر بعيد ويحتاج إلى زاد

إذا أراد الإنسان منا أن يسافر من مكان إلى آخر ، حتى ولو مدة قصيرة ، فإنه يعد زاده ، ويحضر حاله ، و يهيئ نفسه ، فما بالنا إذا كان السفر بعيد ، أليس من الواجب على صاحب كل عقل أن يعد له زادا يتناسب مع مشقة الطريق ، وطول الرحلة ؟!
هكذا أخي القارئ هو سفرنا من الدنيا إلى الآخرة ، يحتاج منا إلى كل عمل صالح ، وخالص لوجه الله تعالى ، ليكون لنا زاد في رحلتنا وسفرنا إلى المولى تبارك وتعالى .
كانت امرأة حبيب أبي محمد تقول له بالليل: قد ذهب الليل وبين أيدينا طريق طويل بعيد وزاد قليل ، وقوافل الصالحين قد سارت ونحن قد بقينا :
يا نائــم الليل كــم ترقد --- قم ياحبيبي قد دنا الموعد
وخذ من اللـيل وأوقــاته --- وِرداً إذا ما هجـع الرُّقَّدُ
من نـام حتى ينقـضي ليله --- لـم يبلغ المنزل أو يَجْهد
قل لذوي الألباب أهل التقى ---- قنطر العرضِ لكم مَوعِدُ

الواجب العملي :

خذ ورقة وقلماً، اكتب ما تريد تحقيقه في رمضان، تعوَّد التخطيط لأعمالك، ولتكن أهدافك واضحة، وواقعية، ومرتبطة بزمن، فإن القاعدة تقول: "إذا فشلت في التخطيط فقد خططت للفشل"، لابد أن يكون لك أثر، لا يكفي أن تفيد نفسك، بل لابد أن يكون لك أثر فيمن حولك أيضاً، يقول الرافعي -رحمه الله- في وحي القلم: "إذا لم تزد شيئاً على الدنيا، كنت أنت زائداً على الدنيا " .

جاء رمضان شهر التغيير

جاء رمضان شهر التغيير


التغيير في النفوس والأمم والشعوب قضية بالغة الأهمية ،سنة من سنن الله في الكون وضع الملك جل وعلا أساسها ومحورها الرئيس لكي لا نذهب بعيدا باحثين عن حلول ،فقال جل شأنه
: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11]، ومعنى هذه الآية -كما قال ابن سعدي رحمه الله-: «أن الله لا يغير ما بقومٍ من النعمة والإحسان، ورغد العيش، حتى يغيروا ما بأنفسهم؛ بأن ينتقلوا من الإيمان إلى الكفر، ومن الطاعة إلى المعصية، أو من شكر نعم الله -تعالى- إلى البطر بها، فيسلبهم الله إياها عند ذلك».

فتغيير الحال لا يكون بالتمني والأماني، ولكن بالعمل الجاد والنية الخالصة والسلوك القويم، فمن أراد أن يصل إلى بر الأمان وشاطئ السلامة فعليه أن يعد الزاد من التقوى والعمل الصالح، وأن يحكم السفينة ويتعهد الراحلة، وإلا كان كما قال القائل:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها --- إن السفينة لا تمشي على اليبس
هل هلال رمضان والأمة مثخنة بالجراح والآلام ،من غزة المحاصرة إلى القدس الأسير ،مرورا بالعراق الباكية ،وأفغانستان المحطمة والشيشان الدامية .
أنى اتجهت إلى الإسلام في بلدٍ --- تجده كالطير مقصوصا جناحاه
والكل يصرخ وينادي ما الحل لأزماتنا والضر الذي حل بنا .
فنقول لكل مسلم غيور هذا رمضان فرصةٌ مواتية للتغيير،وإصلاح النفوس والقلوب.
وليعلم كل منا أنه يساهم بقسط وافر في تردي الحال وتأخر النصر إذا لم ينتهز فرصة رمضان لزيادة رصيده من الصالحات ، وتصفية ما عليه من الآثام ،حيث هو لبنة في بناء الأمة التي وعد الله بتغيير واقعها إلى أحسن وحالها إلى أفضل إن هم غيروا ما بأنفسهم.
لا تقل : من أين أبدأ => طاعه الله البداية
لا تقل : أين طريقي => شرعة الله الهداية
لا تقل : أين نعيمي => جنة الله كفاية
لا تقل : في الغد أبدأ => ربما تأتي النهاية

رمضان شهر التغيير لذا نجد فيه كُلَّ شيء قد تغيرَ ، ولكن السؤال الأهم: هل رياحُ التغيير التي أحدثها هذا الضيفُ الكريم في حياتنا اكتسحت ما بدواخلنا لإحداث نقلةٍ رُوحية وجسدية تُصلح أوضاعنا وتُغيّر ما بنا من سوء؟
إذا كان شهرُ رمضان أحدثَ بإذن الله في هذا الكون الشامخ تغييراً ملموساً لا ينكره أحد، إذ فتّحت أبوابُ الجنة، وغلّقت أبواب النار، وصفِّد الأعداء الألداء الشياطين، وينزل الملائكة الكرام مشاركين في سيدة الليالي ليلةِ القدر يملؤون الأرض، حصلت هذه التغييرات الكونية في سيد الشهور، أفلا تتغيرُ حياتُنا المريرة وأوضاعنا المأسوية في شهر ٍمُنح من الخصائص ما يعجز عن تدوينه المدادُ؟
والتغيير الإيجابي ليس بالأمر السهل إنما يحتاج منا جميعاً إلى إرادة فولاذية، وعزيمة قوية، وقرار شجاع وسعي للتغير.
انظروا إلى قصة من قتل مئة نفس، كيف وفقه الله تعالى إلى طريق التوبة، حينما بدأ يسأل، ويُلح في السؤال، ويبحث عن مخرج مما هو فيه، حينها هيأ الله له الخلاص ورزقه توبةً في آخر حياته. إن الله -جلّ وعلا- لم يكتب القرب من أحد إلا بسعيٍ منه وإقبال.

فهيا لنغتنم شهر التغيير
 ولنصلِح أنفسنا، ولنهذِّبْها، ونغيِّر من عاداتها القبيحة إلى عاداتٍ حسنة؛ فإن غاية الصيام معالجةُ النفس وإصلاحها لتكتسب بعدها الإرادةَ الصارمة، والعزيمة الجادة على طريق الإصلاح؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].
هيا لنغتنم شهر التغيير
 ولنصلِح قلوبَنا، ونطلِّق ما بها من أمراض إلى الأبد خلال هذا الشهر، ففي رمضان تسلم القلوبُ من وَحَرها وحسدها وحقدها وغشها وخيانتها، وتسلم من الشحناء والبغضاء، ومن التهاجر والتقاطع، لتعود إلى فطرتها الحقيقة؛ قال عليه الصلاة والسلام: (صومُ شهر الصبر وثلاثةِ أيام من كل شهر يُذهبن وَحَرَ الصدر) [أخرجه البزار وصححه الألباني].
هيا لنغتنم شهر التغيير 
ولنصلِح ألسنتا، ونطهّرها، فهي أخطر جوارح الإنسان، صغيرة الحجم ، عظيمٌة الجُرْم ، فبالصيام يسلم اللسانُ من قول الزور، ويسلم من العمل به، ويسلم من اللغو، ويسلم من اللعن، ومن الباطل، ومن الكذب، ومن الغيبة والنميمة وغيرها، قال رسول الهدى -عليه الصلاة والسلام-: (من لم يدَعْ قولَ الزور والعملَ به، فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه) [أخرجه البخاري]، ويقول: (ليس الصيامُ من الأكل والشراب، إنما الصيامُ من اللغو والرفث؛ فإن سابك أحد أو جهل عليك فقُل: إني صائم إني صائم) [أخرجه الحاكم وصححه الألباني]، وهكذا بقية الجوارح، وبقية الأعمال، تصلُح وتتغير نحو الأفضل لمن صدق مع خالقه، فيصدقه فيما يعمل.
هيا لنغتنم شهر التغيير
 ونستمر على الحق ونعض عليه بالنواجذ ، ونعود إلى رحاب الله ،ونترك ما ألفته النفس من لهو وهوى قد يكون الفكاك منه صعباً كما قال الشاعر :
النفس كالطفل إن تهمله شب على ... حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
هيا لنغتنم شهر التغيير ونلجأ إلى الله لجوء المضطرين المستغيثين المنيبين ،فهو وحده المغيث المجيب لمن دعاه . 

رمضان وبرنامج الإنتصار

رمضان وبرنامج الإنتصار

بسم الله الرحمن الرحيم
عندما يذكر الإنتصار في رمضان ، يصرف الذهن مباشرة إلى الإنتصارات العسكرية التي حققها المسلمون على أعدائهم في هذا الشهر، من بدر إلى فتح مكة إلى عين جالوت إلى حرب العاشر من رمضان وغيرها من الملاحم الإيمانية التي كتب الله فيها النصر المؤزر لعباده المؤمنين وهذا حق ، ولكن مجالات الإنتصار في رمضان بالنسبة للمؤمن غير مقتصرة على هذا الجانب فقط، بل إن الإنتصارات التي تحققت وتتحقق على أعداء الأمة والمتآمرين عليها خلال شهر رمضان منذ بدء الرسالة إلى يوم الناس هذا ، بقدر ماكانت نتيجة للأجواء الروحانية التي يصنعها رمضان بفيوضاته ورحماته وجوائزه ومآثره التي يغدقها المولى عز وجل فيه على عباده المؤمنين الصائمين ، مما يهيء لهم أسباب النصر لينتصروا ،فإنها محصلة كذلك لكم الإنتصارات التي يحدثها وينجزها العبد المؤمن على مستواه الفردي والجماعي في شهر الصيام كما قال سبحانه:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ )(محمد7).
ومدى نجاحه في مجاهدته وجديته وإيجابيته للوصول إلى ذلك.
ويبدو أن الإنتصارات بشتى أنواعها وإختلاف مجالاتها في شهر رمضان ، مرتبطة إرتباطا وثيقا ببعضها البعض ، فكلما إرتفع مؤشر هذه إرتفع منسوب تلك وإقترب موعدها وتوفرت أسبابها ، وكلما حدث فشل وتقصير في هذه ، أصبحت الأخرى بعيدة المنال وهكذا، وقد قيل : من لم ينتصر في حي على الفلاح ، لاينتصر في حي على الكفاح ، كمثال على هذا الإرتباط.

لذلك فإن مدرسة الصيام محطة مهمة ليجعل العبد المؤمن لنفسه فيها برنامجا عمليا لتحقيق الإنتصارات بمفهومها الشامل ، وقد أحصيت عددا معتبرا من الإنتصارات التي يجب على المؤمن الصائم أن يحققها وينجح في إمتحانها ، ليتاكد ويطمئن أنه فعلا إستطاع أن يستثمر أجواء الإنتصارات الإيمانية الرمضانية وخرج منها بحظ وافر :


1) ــ الإنتصار على الرياء:

رمضان شهر الإخلاص بلا منازع ، وقد توفرت كل عوامل النجاح للمؤمن فيه على كل دواعي الرياء وأسبابه، وتنمية عنصر المراقبة والتجرد لله عز وجل لديه ، فإمتناع الصائم عن الطعام والشراب والشهوات المادية والمعنوية طيلة يومه، إستجابة لأمر ربه هو عين الإخلاص ، وإن تحقيق هذا النوع من الإنتصار هو الأساس الذي تنبني عليه كل الإنتصارات الأخرى ، فإن تربى العبد على الإستحضار الدائم لعامل المراقبة هذا، وذلك بعدم جعل الله أهون الناظرين إليه ، وتجنب مالايرضيه من فعل أو قول أو خلق أو سلوك سرا أو علانية ، فيكن بذلك قد تجاوز عتبة الإنتصار الأول والمهم في مدرسة الصيام ليصحبه صحبة دائمة لازمة طيلة العام.

2) ــ الإنتصار على الشيطان:

وقد هيأ المولى سبحانه وتعالى ذلك للصائم ، فصفده له ليسهل له وعليه هذا النوع من الإنتصار ،ولكي يقوي عناصر المناعة الإيمانية لديه ، ويستحضر كل مسببات القوة اللازمة لينتصر في معركته مع شيطانه بشكل دائم أو غالب على الأقل، ورمضان فرصة مواتية لتنتقم من شيطانك وتغلبه وتصرعه بسهولة ويسر، لأنك إن فشلت في معركتك معه في شهر الصيام ، فأنت فيما سواه من الشهور أفشل ، تصور نفسك في حلبة تصارع خصما مكبل اليدين والرجلين وأنت حر طليق في كامل قوتك ولياقتك وعافيتك ونشاطك، يكن من العيب والقصور والحرمان أن لاتنتصر عند ذلك.
فأعمل جاهدا وأستغل الفرصة لتذق طعم الإنتصار على الشيطان ، كي يغريك ذلك في الإستمرار في صرعه فيما سوى ذلك من الأوقات.

3) ــ الإنتصار على الشهوات:

رمضان تمرين عملي للصائم على التغلب على شهواته المختلفة من شهوة البطن والفرج والنظر والسمع والكلام والقلب والنفس وغيرها، بحيث يتحرر من أسرها له ، ويتعالى على جواذبها التي تجذبه إلى مستنقعها الآسن ، ويخلص نفسه من كل دواعي الإستجابة لإغراءاتها .
والإنتصار في معركة الشهوات قضية مصيرية بالنسبة للمؤمن ، لأنه إن انهزم فيها وفشل في مقاومتها وسلم العنان والخطام لها ،أدى به ذلك ـ دون شك ـ إلى الإنهزام في كل معاركه الأخرى، فالشهوات حواجز تحجز عنه موارد التوفيق ، وصوارف تصرفه عن النجاح في أمر آخرته الذي هو رأس الأمر له.
وماانتصر أسلافنا على أعدائهم إلا بعد ما انتصروا في معركة الشهوات هذه، وماانهزموا وإنكسرت شوكتهم إلا لما إستسلموا لشهواتهم وانهزموا أمامها ، وما خسارتنا للأندلس السليب إلا خير دليل على ماأقول.

4) ــ الإنتصار على الشح والبخل:

إن التخلص من داء الشح والبخل، وتطهير النفس منهما ، والذي عده رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهلكات، والمتسبب في كثير من الموبقات ، لما قال:( إياكم والشح؛ فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا)(أبوداود من حديث عبد الله بن عمرو)، من مقاصد الصيام المهمة ، لذلك كان صلى الله عليه وسلم أجود مايكون في رمضان ، حتى كان كالريح المرسلة ، فليتأسى المؤمن به ، ويعلنها حربا لاهوادة فيها على كل ماله علاقة بالشح والبخل ، فالفلاح الذي هو غايته ومبتغاه في الدنيا والآخرة ، لايمكن أن يحوزه إلا إذا نجح في معركته مع الشح ، كما قال تعالى:( وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )(التغابن16).
فالصيام مدرسة يتعود فيها العبد على السخاء ، وإطلاق اليد بالعطاء، ويتعمق لديه فيها الشعور بمعاناة المحرومين ، ويدوس فيها على أنانيته وحبه لذاته ، لأن الروح السخية المعطاءة التي تستلذ رفع العنت والقهر عن المحتاجين ، وتأخذ بأيديهم وتسد حاجتهم ، هي معيار القرب من الله عز وجل، كما جاء في الحديث:( السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار ، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار ، ولجاهل سخي أحب إلى الله تعالى من عابد بخيل)(الترمذي عن أبي هريرة).
فتحقيق الإنتصار في هذا الجانب هو ديدن العبد الصائم في شهر السخاء، والهزيمة في المعركة مع الشح والبخل أدعى لتوالي الهزائم فيما عداها.

5) ــ الإنتصار على اللسان وآفاته:

عندما نسمع حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم:( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه)( رواه البخاري والترمذي وأبو داود وابن ماجه وأحمد).
ندرك أهمية هذا النوع من الإنتصار في شهر رمضان ، فمن لم يستطع أن ينتصر في معركته مع لسانه ــ خاصة وهو صائم ـ لايمكنه أن ينتصر في معركته مع شيطانه وشهواته ، بل إن الإنهزام أمام اللسان وآفاته يؤدي بصاحبه إلى الإفلاس الذي عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:( أتدرون من المفلس ؟ قالوا:المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع , قال صلى الله عليه وسلم : إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة , ويأتي وقد شتم هذا ,وقذف هذا , وأكل مال هذا , وسفك دم هذا , وضرب هذا , فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته من قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار ) (رواه مسلم).
لذلك كان الصيام تدريبا عمليا للعبد على ممارسة عبادة:(أمسك عليك لسانك)، وإمتلاك القدرة على التحكم فيه وكبح جماحه ، وتوظيفه في الخير والطيب من القول ، وقد ربط القرآن الكريم بين الهداية إلى صراط الله المستقيم ، وبين الهداية إلى الكلام الطيب ، وكأنه يريد أن يؤكد لنا أنهما متلازمان ، لايمكن أن يتحقق الثاني ، حتى يتم الإلتزام بالأول، فقال سبحانه:( وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ )(الحج24).
فالإنتصار على اللسان وآفاته من عدمه ، معيار مهم يعرف من خلاله المؤمن الصائم مدى توفيقه ونجاحه في مدرسة رمضان، وحصوله على كنوزه ومنحه ونفحاته وجوائزه التي لاتعد ولاتحصى.

6) ــ الإنتصار على السلبية واللامبالاة:

الصيام ميدان رحب لتحقيق كل مظاهر الجدية والإيجابية لدى المؤمن ، من خلال مضاعفة أجر الطاعات ، وفتح أبوابها على مصراعيها ، وترغيبه فيها من طرف مولاه ، بأن صفد له الشياطين ، وأكرمه بجملة من التكريمات ، رحمة ومغفرة وعتق من النار وفرحتان وباب الريان وخلوف فمه كريح المسك وغيرها .
فالصيام ينمي روح الإيجابية والفعالية والشعور بالمسؤولية ، فيتعلم فيه الفرد فن الإنتصار على السلبية واللا مبالاة وتبلد الشعور بالتبعة والتفريط في القيام بالواجب، ويحدث ببركات الصيام وفضله وأجوائه ، نقلات نوعية في الإنتقال بنفسه إلى مراتب العاملين العابدين المتحركين النشطين ، فيستشعر طعم الإيجابية ويتعود ويتدرب عليها ، فيصاحبه ذلك حتى بعد رمضان ، فيتخلص إلى غير رجعة ،، إن شاء الله ــ من كل صفات القعود والإنعزالية والإنسحابية وإنسداد شهية العمل والحركة ، فيغرس فيه الصوم كل عوامل الجدية، ليصبح عنصرا فعالا نافعا مؤثرا صانعا للحياة من حوله.

7) ــ الإنتصار على أمراض القلوب:

بما أن القلب السليم هو العملة الرابحة التي تنفع صاحبها يوم القيامة وتنقذه من عذاب الله ، كما قال تعالى:( يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ،إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)( الشعراء88، 89).
وبما أن القلب الأسود المظلم بأمراض الأحقاد والبغضاء والكراهية والحسد والكبر والإستعلاء على الناس وغيرها حاجز لرحمة الله حائل دون توفيقه مانع لمعيته الخاصة للعبد، وبما أن هذه الأمراض حالقة للدين كما جاء في الحديث:( دب إليكم داء الأمم من قبلكم: الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين)(رَواهُ البزار).
فإن شهر الصيام فرصة ذهبية للتخلص منها والإنتصار عليها ، لأن وسائل التنظيف والتطهير للقلب متوفرة بكثرة ، والمحفزات المساعدة على ذلك ميسرة إلا من أبى.
ومعركة أمراض القلوب ، معركة فاصلة في تحديد قيمة العبد ومقامه عند مولاه، وماتفاضل من تفاضل من الصالحين إلا بها ، ومابشر من بشر بالجنة وهو حي إلا بها ، لذا أحرى بالعبد المؤمن أن لايتهاون في الفوز بها ، مهما كانت التضحيات ، لأن لها مابعدها ــ كما قلنا ــ في ضمان موقعه الريادي في الدنيا والآخرة ، فسيد القوم من لايحمل الحقد هذا في الدنيا، فمابالك في الآخرة التي قال الله عز وجل في حق أهل جنته:( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ )(الحجر47).


8) ــ الإنتصار على اليأس والإحباط:

فمن لم يستطع أن يتجاوز روح اليأس والإحباط ، وينتصر عليها في رمضان ، فهو فيما سواه أعجز ، لأن ما يوفره الشهر من أجواء إيمانية وفرص ربانية وشفافية روحية ، تساعد المؤمن الصائم وتدفعه دفعا إلى الأمل والتفاؤل ، وتكون سندا قويا له على التعافي من كل مظاهر اليأس والإحباط ، التي تكون قد لازمته قبل رمضان.
وبما أن من صفات شهر الصيام أنه شهر الإنتصارات ، فإنه يتنافى وكل عوامل اليأس والإحباط ، وماتحققت هذه الإنتصارات للأمة على مدار تاريخها كله ، إلا لما تخلصت من الروح اليائسة المحبطة المستسلمة للواقع ، وتجاوزت حالتها المنكمشة المكتفة الأيدي ، المنتظرة مصيرها على أيدي أعدائها دون أن تنتفض وتنهض ، بل إنها لما كسرت طوق اليأس هذا ، ونزعت عن نفسها قيود الإحباط والذل والهوان ، إنطلقت تحقق النصر تلو النصر ، وتكسب الجولة بعد الجولة، والمؤمن كذلك على مستواه الفردي ، إذا أراد أن يحقق الإنتصارات التي ذكرناها ، فماعليه إلا أن يتحرر من شرانق الإحباط ، التي حبس نفسه فيها ، ليرى أنوار الأمل المشرقة البراقة من حوله تملأ الدنيا ببركات ونفحات هذا الشهر الفضيل.

9) ــ الإنتصار على سوء الخلق:

فرمضان مدرسة الأخلاق الفاضلة كذلك، فيه يتعلم الصائم ويتدرب ويمارس كل أنواع الخلق الحسن ، التي رغب فيها الإسلام وحث عليها ، وقد يجد بعض الممارسات والأفعال من الناس لتختبر فيه مدى تمسكه بحسن الخلق ، سواء مع جيرانه أو أهل بيته أو زملائه في العمل أو معامليه في الأسواق ، لذلك كان الحديث :( الصيام جُنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب -وفي رواية: ولا يجهل- فإن امرؤ سابه أو قاتله فليقل: إني صائم، مرتين)(متفق عليه عن أبي هريرة)،كدلالة على أن سوء الخلق يمحق بركات الصيام ، وأنه ـ أي الصيام ـ مافرض إلا ليتدرب فيه الصائم عمليا على حسن الخلق ، وذلك لما له من عاقبة حميدة ، تقربه من مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ، وهو والله العز والشرف ، كما أنه يثقل ميزانه عند الحساب وهو عين النجاة ، كما جاء في الحديث:( إن أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحسنكم أخلاقاً )( رواه أحمد والترمذي وابن حبان).
وقال أيضا:( ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله يبغض الفاحش البذيء)( رواه الترمذي).
لذلك فإن الإنتصار على السيء من الأخلاق ، وعلى العادات السيئة كذلك التي يكون العبد قد تعودها قبل رمضان من الغايات العظمى التي ينبغي أن يجعلها المؤمن على سلم أولوياته في هذا الشهر.

10) ــ الإنتصار على التآكل والهزال الروحي:

إن هموم الحياة ومشاغلها وضغوطها ، تنحت من الجانب الروحي والإيماني للمؤمن، فإن لم يتعهدها دائما بالتجديد والتزود فإنه الهلاك بعينه ، فتأتي نفحات رمضان وفيوضاته الروحية ، ليستدرك بها وفيها مانقص من إيمانه ،وماتآكل وهزل وجف من روحه، فيجدد التوبة والأوبة والرجوع إلى مولاه، ويكثر من الإستغفار والتذلل والإنكسار والإنابة إليه، ويتصالح مع الصلاة والقرآن والأذكار ، ويكثر من الصدقة والإنفاق في سبيل الله، فما يمر عليه الشهر إلا وهو ممتليء روحيا يقظ إيمانيا ، ويجد نفسه وقد ردت إليه روحه التي كاد أن يفقدها في زحمة المغريات والشهوات والجواذب والصوارف ، وتخلص من تآكلها وهزالها وجفافها ، بعد أن كانت قاحطة جدباء، وأنها قد أشرقت بنور ربها ، بعد أن أظلمت وأدلهمت بكثرة الذنوب والمعاصي والآثام والتقصير في جنب الله عز وجل، فيخرج من محطة الصيام وهو أقوى إيمانا وأرق فؤادا وأنور قلبا وأهنأ بالا وأكثر إطمئنانا وأشف روحا وأشد عزما وأصلب عودا وأوفر سكينة وأعظم زادا ، فما عليه إلا أن يواصل الترقي الروحي ويحافظ على كل ذلك لينتفع بها بعد رمضان.
فالحذر كل الحذر أن يخرج عليك رمضان ـ أخي المؤمن ـ وأنت تراوح مكانك روحيا، فلا أنت تخلصت من جفافها وتآكلها ، ولاأنت إستطعت أن تتفوق في عمليتي التخلية والتحلية ، فإن كان ــ وهو مالانتمناه لك ــ فأعلم بأنك قد إنهزمت في معركة الروح ، وأنك حرمت بركات الشهر وفضائله .

فهذه عشارية من الإنتصارات ينبغي على العبد المؤمن الصائم أن يحققها ، وأن تكون برنامجه العملي في رمضان ، حتى يحكم له بأنه قد كتب في عداد الفائزين والناجحين والحاصلين على الجوائز ، وأنه قد قدم الدلائل العملية البينة والقوية للقبول في مدرسة الثلاثين يوما ، ووضع لبنة صالحة لتقريب موعد النصر وزيادة فرصه للأمة ودينها ، وبأن لايكون حجر عثر في طريق تحقيق ذلك بتكاسله وهزائمه المتكررة أمام شيطانه وشهواته ونفسه وهواه ولسانه .
جعلنا الله وإياكم من المنتصرين ومن المقبولين.

رمضان وصناعة المستقبل

رمضان وصناعة المستقبل
(صناعة المستقبل في رمضان)

بسم الله الرحمن الرحيم
رمضان شهر الإعداد لصناعة المستقبل، مدرسة سنوية للأمة تتجدد في كل عام ، ونتاجها طاقات إيمانية ، وإشراقات نورانية ، ومحطات تربوية للنفس البشرية، وإنجازات تاريخية، ومواقف عزة وفخار .
مدرسة يتربى فيها الفرد على الترقي في درجات الإيمان ، وتربية النفس على معاني الصبر ، ومعالي الأمور.
مدرسة تغرس في النفس روح التعاون والمودة والتقارب والتضحية والعطاء .
رمضان مدرسة للأمة تعلمها كيف تصنع المستقبل ، مدرسة تعلمها كيف ترتقي بين الأمم لتكون رائدة لهم وموجهة ومخرجة لهم من الظلمات إلى النور .
رمضان مدرسة للأمة تتفجر فيه الطاقات ، طاقات الصبر والعزيمة ، والثقة بالله ، والالتجاء إلى الله عز وجل .
رمضان مدرسة للتضحية والفداء ، والشوق إلى جنات الرحمن ، رمضان مدرسة للأمة لتجديد الخضوع لعلام الغيوب ملك الملوك.
رمضان مدرسة لصناعة الرجال ، مدرسة لصناعة الأمهات المؤمنات القانتات ، مدرسة لصناعة الشبيبة وإعدادهم لقيادة المستقبل .
في رمضان تصوم الأمة خضوعًا وطاعة لربها وخالقها (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: 183]
في رمضان نزل القرآن ، ونزوله في رمضان لحكم عديدة ، علمها من علمها وجهلها من جهلها (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) [البقرة: 185].
في رمضان انتصرت الأمة أولى انتصاراتها ، يوم بدر.
في رمضان تسموا النفوس وتحلق في آفاق السماء، وتترفع القلوب عن مخالطة الشهوات الطينية الأرضية ، وتحلق طلبًا لمرضاة علام الغيوب .
فشهر رمضان هو فرصة وموسم للتخطيط والإعداد لصناعة المستقبل الباهر الموعود .
يرتقي فيه الفرد بروحه وخلقه وعمله وآماله ، تصوغ فيه الأمة مقومات عزتها ، ودعائم سؤددها ، فمعالم صناعة المستقبل في رمضان يمكن صياغة بعضها في نقاط:
-تلاوة القرآن وتدبره ، وتدارس معانيه وأحكامه حتى تخالط بشاشة القلوب ، وتصوغ النفوس وفق الأحكام والتعاليم الربانية .
-تَرَسم الهَدي النبوي وتتبع دقائق السنن حتى تتعلق النفوس وتفتش عن الهدي المحمدي في كل صغيرة وكبيرة.
-حمل النفس على مكارم الأخلاق ومعالي الأمور حتى يرتقي مجمل المجتمع الإسلامي إلى مستوى أمة الشهادة (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [البقرة : 143].
-تربية النفس من خلال معاني الصيام، من صبر عن الشهوات ، وبعد عن المحرمات، ومداومة على الطاعات.
-تلمس المعاني التربوية من صبر ، ومداومة ، وتعاون ، واجتماع على الخير، ومتابعة، وترتيب ، وخشوع ، وإنصات ، كل ذلك من خلال قيام رمضان.
-مدارسة التاريخ الإسلامي والاستفادة من المواقف، ودراسة البطولات، واستخلاص الدروس والعبر .
-الالتفاف حول الشخصيات الإسلامية التي أثرت في مستقبل الأمة ، وشاركت في صياغة تاريخها المشرق.
-غرس روح العزة والتضحية والفداء ، من خلال المواقف الإيمانية الرمضانية وغير الرمضانية .
-النفوس في رمضان تكون أقرب إلى مرضاة علام الغيوب ، وأطوع للصياغة والتوجيه والإعداد ، فليكن رمضان فرصة لصهر النفوس ، وسبكها ، وإعادة تشكيلها.
-تأصيل مبدأ المداومة وإن قل ، حتى يدوم الأثر ، وتجنى الثمار في رمضان وبعد رمضان، فقد كان أحب العمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أدومه وإن قل .
-تربية النفوس على التعلق ببارئها ، واللجوء إليه ، والخضوع لشرعه، وجعل ذلك كله هو ((منهج حياة)) ، (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام : 162].
هذه بعض معالم صناعة المستقبل في رمضان ، فإلى أصحاب النفوس السامية ، وأصحاب الأهداف الراقية، وأصحاب التوجيه والإرشاد ، وأصحاب الأقلام، وأصحاب الرأي والمشورة ، بل إلى الأمة جمعاء، لا تفوتنكم المدرسة الرمضانية ، استثمروها واستغلوا الفرص، واجعلوه شهر إعداد وتهيئة ، وإحياء لصناعة المستقبل، وتوجيه القلوب والنفوس إلى استعادة مجد الأمة التليد ، وعزها الزاهر، وليس على الله بعزيز ، بل إن وعد الله الصادق هو الذي يبعث فينا روح صناعة المستقبل واستعادة الأمجاد .
(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) [النور : 55]، وقال صلى الله عليه وسلم : ((ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مَدَرٍ ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزًّا يعز الله به الإسلام وذلاً يذل به الكفر)) رواه الإمام أحمد

رمضان خطوة نحو التغيير

رمضان خطوة نحو التغيير

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وآله وصحبه ومن والاه ، وبعد ..
فمن فضل الله تعالى على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن جعل لها مواسم للخيرات ، تتهيأ فيها النفوس إلى عمل الصالحات ، وتُقبل فيها القلوب على الله راجية أن تنال عفوه ورضاه .
ومن أعظم هذه المواسم شهر رمضان المبارك ، وقد شرع الله تعالى لنا صيام رمضان حتى نغير فيه من أنفسنا فنحبسها عن الشهوات، ونفطمها عن المألوفات.

- فرمضان خطوة نحو التغيير
 لمن كان مفرطاً في صلاته ، فلا يصليها مطلقاً ، أو يؤخرها عن وقتها , أو يتخلف عن أدائها جماعة في المسجد بأن يواظب على أداء الصلوات في أوقاتها مع جماعة المسجد ، فأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة ، فإذا صلحت صلح سائر عمله ، وإذا فسدت فسد سائر عمله .

- رمضان خطوة نحو التغيير
 لمن اعتاد الإسفاف في الكلام أن يغير من نفسه فلا يتكلم إلا بخير ، ولا يقول إلا خيراً فالكلمة الطيبة صدقة ، وحفظ اللسان طريق لدخول الجنة والنجاة من النار ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم » [ صحيح البخاري كتاب الرقاق حديث 5997 ]
- رمضان خطوة نحو التغيير لمن خاصم أحداً من الناس أن يعفو ويصفح ، قال تعالى : { فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ سورة البقرة : 109 ]

- رمضان خطوة نحو التغيير للغارقين في بحور الذنوب والمعاصي أن يسارعوا بالتوبة والرجوع والإنابة لله سبحانه وتعالى فهو سبحانه {غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [ غافر : 3 ]

- رمضان خطوة نحو التغيير
 لمن هجر قراءة وحفظ القرآن الكريم وتدبره والعمل بما فيه ، بأن ينتهز شهر القرآن فيحدد لنفسه ورداً معيناً يحافظ عليه في كل يوم .

- رمضان خطوة نحو التغيير
 لمن اعتاد الشح والبخل أن يكثر من الصدقات فالله سبحانه وتعالى يربي الصدقة لصاحبها حتى تصير مثل الجبل ، قال تعالى : {يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ } [ سورة البقرة : 276 ]

- رمضان خطوة نحو التغيير
 للغافلين عن ذكر الله تعالى أن يكثروا من الذكر آناء الليل وأطراف النهار ، قال تعالى : {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا} [الأحزاب :41 ، 42]
وقد وصى النبي صلى الله عليه وسلم بالإكثار من الذكر فقال : « لاَ يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ » [ رواه الترمذي 3702 ]

- رمضان خطوة نحو التغيير
 لمن اعتاد الكذب أن يترك هذه العادة السيئة ويتحلى بالصدق ، وقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم :أيكون المؤمن كذاباً ؟ قال : لا ، وقال : « ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا » [ مسند أحمد 3896 ] .

- رمضان خطوة نحو التغيير
 لمن قطع رحمه أن يصلها ، فصلة الرحم تزيد في الرزق وتطيل العمر ومن وصلها وصله الله تعالى .
أخي الكريم : حتى تقوم بالتغيير يجب عليك أن تواجه نفسك بأخطائها ومعاصيها ، ولا تتنصل من تلك الأخطاء بأن تجد لها المبررات ، واعلم أنك لن تُصلح من شأنك إلا إذا كنت عازماً ومصراً على التغيير ، فلتكن جاداً في تغيير نفسك من الآن ، ولا تؤجل ولا تسوف .
لا تقل : من أين أبدأ => طاعه الله البداية
لا تقل : أين طريقي => شرعة الله الهداية
لا تقل : أين نعيمي => جنة الله كفاية
لا تقل : في الغد أبدأ => ربما تأتي النهاية
واعلم أن البداية عليك وعلى الله التمام ، يقول الله تعالى : « ابن آدم ، قم إلي أمشي إليك ، امش إلي أهرول أليك » [ أحمد ( 3 / 478 ) ، صححه الألباني في السلسلة الصحيحة 2287 ]
فاستعن بالله أولاً وأخيراً ، ولتكن لك إرادة وعزيمة قوية في أن تغير نفسك إلى الأفضل ، واعلم أن التغيير لا بد أن يبدأ من أعماق نفسك ، واعلم أن الله تعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، فدرب نفسك وعودها على الطاعة ، واستعن بالله عز وجل واطلب منه أن يوفقك لما يحب ويرضى ، وليكن شعارك :
لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى -- فما انقادت الآمال إلا لصابر
وإذا تهت عن الطريق فعُد من جديد ، وتُب إلى الله ، افتح صفحة جديدة في حياتك ، وجدد نيتك ، واعلم أنك إذا لم تنجح في تغيير نفسك في رمضان فإنك لن تقدر على التغيير، بل أظنك لا تريد التغيير، فأنت من المحرومين والخاسرين ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أَتَانِي جِبْرِيلُ ، فَقَالَ : رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ ، قُلْ : آمِينَ ، فَقُلْتُ : آمِينَ » [ مسند البزار 1405 ].

وأخيراً :
 لا بد من أن يكون لك هدف واضح تريد الوصول إليه ، تعيش من أجله ، وتجعله دائماً نُصب عينيك ، ولا شك أن أعظم وأسمى هدف يسعى إليه المؤمن في هذا الشهر الكريم أن يعتق الله رقبته من النار .
فاللهم اجعلنا من عتقائك من النار ومن المقبولين في هذا الشهر الكريم.


رمضان... فرصة للتغيير

رمضان... فرصة للتغيير
 
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم اهدني وسددني
رمضان... فرصة للتغيير

الحمد لله رب العالمين وفق من شاء من عبادة لطاعته، وهدى بتوفيقه الطائعين لعبادته، وحبب الإيمان لأوليائه فاستجابوا لأمره، وانتهوا عن نهيه، والصلاة على معلم البشرية، ومخرجهم بإذن ربه من الظلمات إلى النور، فشرح الله به الصدور، وأنار به العقول، ففتح به قلوباً غلفاً، وآذاناً صماً، وأعيننا عميا فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فإن الله خلق كل شيءٍ فقدره تقديرًا، واختص بحكمته الباهرة وعلمه الذي وسع كل شيء أزماناً وأمكنةً بمزيد من الفضل والشرف، ومنها ما بينه لنا رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - من الأزمان والأوقات، وكل ذلك لنبادر ونسارع للخيرات.
ومن ذلك هذا الشهر العظيم، والموسم الكريم، الذي هو فرصة للمتسابقين، ومنحة للراغبين في نيل الدرجات العليا عند رب العالمين.
إن شهر رمضان من أعظم القرب، والأركان، وله من المزايا والهبات ما يعجز البيان عن ذكره، ويَكَلُ القلم عن عده، وفي هذه العجالة لن يكون حديثي عن فضله وشرفه، ففضله معلوم، وشرفه مشهور، ولن يكون عن أحكامه وفقهه، ولا عن سننه وآدابه، بل عن درس عظيم من حِكَمِهِ وهو بعنوان:( رمضان... فرصة للتغيير ).
كثير من الناس يبحث عن التغيير إلى الأفضل، وقد ينفق المال للحصول على دورات في التغيير، وتربية الذات، فنسمع عن دورة: فن التغيير، وأخرى: فن التعامل مع الناس، وثالثة: فلنبدأ التغيير، ورابعة بعنوان: أيقض العملاق... الخ، وهذا ليس عندنا فيه إشكال فكل ما يعين على الفائدة والإفادة فالمسلم أحق به، والحكمة ضالة المؤمن أنَّا وجدها فهو أحق بها.
وإن الإنسان المتميز، والجاد في حياته يحرص على التطوير والتغيير، ولا يقف عند حد، بل يسعى لتحصيل التقدم والرقي في حياته، وتحسين مستواه الديني والدنيوي، وهؤلاء ليس الحديث عنهم لأنهم قد عرفوا الطريق، وسبروا أغواره، وفهموا كيف المضي والسير فيه.
لكن الحديث عن أناس قد أثقلتهم الآثام، وكبلتهم الغفلة، وقيدتهم النفس اللقسة – الخبيثة -، وتفنن الشيطان في إغوائهم، فلازالوا للهوى متبعين، وللذة طالبين، وعن الصواب معرضين، وفي الحق ناكصين.
ومع ذلك فهم يتمنون اللحوق بالسابقين، وإدراك الجادين، لكن بُعْدُ الشُّقَةِ جعلهم يكسلون، ويتقاعسون، وما علم الذكي الألمعي منهم، والحريص على التغيير أن في شهر الصيام والقيام فرصة للتغيير.
وإن أصناف الناس الطالبين للتغيير كثير:
فمنهم من يتمنى أن يحافظ على الصلاة فرضاً، ونفلاً، لكن ما يزال شيطانه يوسوس له، ونفسه تتثاقل عن الطاعة...
ومنهم من يتمنى حفظ القرآن الكريم وتلاوته آناء الليل وأطراف النهار، لكن قلة الحرص وضعف الهمة، وبرود العزيمة كان حاجزاً له من نيل هذه المنة الربانية، والمنحة الزكية.
ومنهم من يبحث عن التوبة والإنابة، ويحدث نفسه بترك الحرام من النظر والوقوع في الآثام، ويبحث دهره عن المعين والمعاون.
ومنهم من يشكو من سوء الخلق، وبذاءة واللسان، ويتمنى لو استقام لسانه، وحسن بين الناس قوله وطبعه.
ومنهم من أبتلي بالبخل والشح، والتقطيب للمال، ويتمنى لو تحررت نفسه من هذه الصفة الرذيلة، فيقول: هل من سبيل للخلاص من هذه الصفة الذميمة.
ومنهم من يبحث عن سلامة الصدر وصفاء النفس، والعيش مع الناس بنفس رضية، وقلب نقي على المسلمين.
ومنهم من أشغلته الدنيا عن وصل قريب، وصلة رحم واجبة، فطول أيامه يتحسر، وفي دهره يتألم.
ومنهم من يبحث عن علاج قضايا أخلاقية تعب في علاجها أشد التعب، وعانى منها أشد المعاناة، وهو يردد يا ربي متى الخلاص؟
فهنا أقول لكل هؤلاء إن علاج كل ما مضى في هذا الشهر الكريم، فكل ما تريده قد هيئه الله لك في هذا الشهر الكريم، صلاةً وقياماً، وبراً وإحساناً وصلة للأرحام، وذكراً وقراءة للقرآن، وصبراً عن الحرام، وبذلاً للمال في الإحسان، وحفظ للجوارح واللسان كل هذا في شهر رمضان، مع جزيل من الأجر من الرحيم الرحمن لمن أراد الزلفى والتقرب لله الواحد الديان.
إن من أدرك رمضان وكان فيه من الجادين للإفادة منه، والتقرب إلى الله بالطاعات وسائر القربات، كان ذلك هو التغيير، وبداية الانطلاقة، فيكون رمضان بمثابة الدورة التدريبية، المكثفة للنجاح، وتحقيق الرغبات، ونيل المراد.
فرمضان يحث على المحافظة على الصلاة ورتب عليها عظيم الأجر، ورغب في كثرة الذكر وقراءة القرآن، وصلة الأرحام، وهذب النفس، وحثها على الإنفاق، وعودها على الصبر والبذل، والتسامح والتعاطف، وحرم عليها فعل المحرمات، ورتب على من وقع في بعضها فساد الصيام، ووقوع الإثم.
وفي الختام أقول: هذا رمضان فرصة للتغيير... فهل ستستشعر هذه الفرصة؟ وهل ستستغلها أحسن استغلال؟ وهل ستغير فيه ما كنت تعاني منه في أيامك الخوالي؟
إن كنت من الجادين في رغبتهم، والصادقين في إرادتهم فهذه الفرصة بين يديك، وهذا الشهر مقبل عليك؛ وإلا فستعض أصابع الندم، وتبكي الدم على خير فوته، وأجر ضيعته، ونعمة فقدتها، قد لا تعود عليك، فاغتنم أيامك، وسارع في تغيير ذاتك، فإن العمر أنفاس ما ذهب منه فلن يعود...

أنت تتدرب مجانا في رمضان


أنت تتدرب مجانا في رمضان

لقد بات واضحا لدى أغلبية المتخصصين في علم النفس و خبراء السلوك أن الذكاء العاطفي أهم بكثير من الذكاء الأكاديمي ، أي أن الأشخاص المتمكنين من إدارة انفعالاتهم و كبت اندفاعاتهم بشكل جيد يتميزون في كل ميادين الحياة و تكون لديهم فرصا أكبر للنجاح ، أما الذين لا يتحكمون في حياتهم الانفعالية فيواجهون معارك داخلية تدمر قدرتهم على التفكير السليم و التركيز في العمل ،و لهذا تتكاثر الدورات التدريبية في أنحاء العالم التي تسعى لتقديم استراتيجيات متنوعة في كيفية تطوير الذكاء العاطفي ، و قد نكون محظوظين كمسلمين في جميع أنحاء العالم الإسلامي بأننا نمارس تدريبا إلزاميا سنويا بالمجان يؤهلنا لشحذ ذكائنا العاطفي بأقوى الأساليب ، إذ أن التدريب على ممارسة تأجيل الإشباع الحيوي لأقوى دافع بيولوجي في التركيبة البشرية ( الجوع و العطش ) يعد أثرى مساهمة في تنمية الذكاء العاطفي ، و تكمن أهمية هذا التدريب في استعداد الشخصية لتأجيل أقوى شهواتها و هذا وحده كاف بأن ينسحب على سائر ممارساتها التي تطلب تأجيلا متواصلا مادام الإحباط هو السمة التي تطبع معظم أحداث الحياة ، حيث تجري الرياح كثيرا بما لا تشتهي السفن بحيث لا يمكننا أن نتصور إمكانية أن تحقق الشخصية أيا كانت كل ما تتطلع إليه ، و هو أمر يضطرها إلى أن تتقبل الإحباط الذي قد يتم أحيانا على حساب الصحة النفسية ، و لهذا فإن التدريب على مواجهة الإحباط هو الذي يدع الشخصية متوازنة و محتفظة بتماسكها ، بحيث يجيء الصوم على نحو الإلزام و الندب أحيانا كعنصر مساهم في تكييف الشخصية على التعامل برحابة و مرونة مع ضغوط و إحباطات الحياة ، أما التدريب الآخر للصوم فهو في اكتساب سمة التعاطف مع الآخر و تنمية المشاركة الوجدانية و التي تعد واحدا من أهم المعايير التي تفرز الشخصية السوية عن الشخصية الشاذة ، فالإحساس بالجوع و العطش يدع الشخصية متحسسة بشدائد الآخرين و من ثم يدفعها إلى مد يد المساعدة إليهم ، و هذا الإحساس كاف لأن يدرب الشخصية على تحجيم الأنا و التوجه بالتفكير نحو الغير مما يقوي بلا شك صحتها النفسية و ينمي لديها أدوات الذكاء العاطفي ، و لا يفوتنا ملاحظة أمور أخرى من التأجيل تتم ممارستها من خلال الصوم كتنظيم الدافع الجنسي و ترشيد الانفعالات الغاضبة بأن يستجيب الصائم لذلك بقول : اللهم إني صائم ، و لعله لا توجد مهارة نفسية أهم من مقاومة الاندفاع فهو أصل التحكم الانفعالي و إن تكليف الذات بتأجيل الإشباع و رفض الإندفاع من أجل تحقيق هدف ما هو جوهر التنظيم الذاتي للانفعال ، و من أجل كل ماسبق فهل يوجد من يمكنه منافسة المدرسة الرمضانية في التدريب على الذكاء العاطفي ؟ .

رمضان: بوابةُ التحسينِ والتغيير

رمضان: بوابةُ التحسينِ والتغيير
 
مِنْ فضلِ اللهِ على عبادهِ أنْ جعلَ لهم مواسمَ يحيونَ فيها بطريقةٍ مختلفةٍ عمَّا اعتادوه؛ ففي تغييرِ النِّظامِ الحياتي فوائدُ كثيرةٌ على الفردِ والمجتمع، وما شهرُ رمضانَ الأجلِّ إلاَّ مثالٌ صريحٌ على هذهِ الهباتِ الرَّبانية؛ حيثُ تعتدلُ طبائعُ النَّاسِ وعاداتُهم ويرتقي السلوكُ البشريُ وتزولُ الضغائنُ ويتقاربُ البعداءُ وتزيدُ حركةُ الإحسانِ وينشطُ أهلُ الخيرِ في أعمالِ البرِ على كلِّ صعيد.

ومَعْ ما لهذا الشهرِ الكريمِ مِنْ آثارٍ حميدةٍ إلاَّ أنَّ النُّفوسَ البشريةَ بدأتْ تضعفُ في الاستجابةِ لنداءِ الإصلاحِ والتعرضِ لنفحاتِ البركةِ الرمضانية؛ وهذا أمرٌ غيرُ مستغربٍ لجريانِه ضمنَ الضعفِ العامِّ للواحدِ والجماعةِ إضافةً إلى سطوةِ الإعلامِ المرئي وأثرهِ على خلخلةِ القيمِ وإعادةِ ترتيبِ الأولوياتِ حسبما يراها الفسّاقُ مِنْ مُلاكِها والقائمينَ عليها.

لقدْ كانَ الإعلامُ الرمضانيُ قبلَ عشرينَ عاماً محافظاً- معْ ما فيهِ من مخازي- إذا قسناهُ إلى أيامنا هذه؛ ولا ندري كيفَ سيكونُ وجهُ الإعلامِ الرمضاني في السنواتِ القادمةِ إنْ لمْ يتداركنا اللهُ برحمتِه مِنْ خلالِ إستراتيجياتٍ محكمةٍ نرسمُها لمواجهةِ هذا البلاءِ والظفرِ بالنَّصيبِ الأكبرِ مِنْ سوقِ الإعلامِ الرمضاني. وإنَّ توجهَ بعضِ قنواتِ الإعلامِ النَّقي للترفيهِ في رمضانَ ومجاراةِ القنواتِ الأخرى قدْ يزيدُ مِنْ المشكلةِ ولا يساعدُ في حلِّها، حيثُ يرسخُ لدى النَّاشئةِ أنَّ رمضانَ شهرٌ للموادِ الإعلاميةِ الترفيهيةِ هابطةً كانتْ أمْ غيرَ هادفة، كما أنَّ الاعتمادَ على الحكوماتِ كالخطِّ على الماءِ لا ينفعُ إلاَّ لإبراءِ الذِّمة؛ ولذا فلا بدَّ مِنْ منافسةٍ إعلاميةٍ مهنيةٍ هادفةٍ في شهرِ رمضانَ على وجهِ الخصوصِ لإقبالِ القلوبِ واستعدادها؛ إذ أنَّ الارتقاءَ بالوعي ونشرِ أدواتهِ في المجتمعِ أولُّ طرقِ التغييرِ المنهجي.

إنَّ رمضانَ شهرُ عطاءٍ وإقبالٍ وبذلٍ وأوبةٍ؛ إنَّه شهرُ القرآنِ والصدقاتِ والصفاءِ والصدق، وقمينٌ بنا تعزيزُ هذهِ المظاهرِ الرمضانيةِ الإيجابيةِ في المجتمعِ مِنْ خلالِ المسجدِ والحلْقةِ والمنزلِ واجتماعاتِ العائلةِ والجيرانِ وزملاءِ العمل، وحريٌ بحَمَلةِ الهمِّ توسيعُ نطاقِ الدَّعوةِ والتوجيهِ لتشملَ كافةَ مؤسساتِ المجتمعِ بواسطةِ وسائلِ الإعلامِ ومواقعِ الانترنت حتى يعمَّ نفعُها فئامٌ كثيرٌ مِنْ الأمَّةِ المحمَّديةِ التي يتوقُ شُبَّانُها وشابَّاتُها لنُصرَةِ دينِهم وكتابِ ربِّهم وسنَّةِ نبيهم- عليه الصلاةُ والسلام- عِلمَاً وعملاً ودعوة؛ فما أجملَ أنْ يكونَ شهرُ رمضانَ موسمُ استقطابٍ وتحسينٍ وتغييرٍ للأفضلِ وبثٍّ للروحِ الإيجابيةِ في ناشئةِ العربِ والمسلمينَ ورجالِهم ونسائِهم؛ حتى يعلمَ كلُّ واحدٍ منهم أنَّهُ على ثغرٍ في عمله القلبي والظاهرِ وفي سلوكهِ ولباسِه وحديثِه وفي واجبهِ تجاهَ مجتمعهِ الصغيرِ والكبير، وحينها سترتفعُ عن أمتنا الذلةُ وتؤولُ المسكنةُ إلى أهلِها ونكونُ خيرَ أمَّةٍ أُخرجتْ للنَّاس.

وفي هذا السياقِ المباركِ يسعى مركزُ حلول للاستشاراتِ والتدريبِ لإنتاجِ برنامجٍ مرئيٍ بعنوان "رمضان غيرني"؛ ويشرفُ على هذا العملِ الإبداعي فضيلةُ الشيخِ الدكتور عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله الأحمد، وسوفَ يُبثُ عبرَ بعضِ القنواتِ الفضائيةِ النَّقيةِ إضافةً إلى موقعِ المركزِ على الشبكةِ العنكبوتية، وهوَ برنامجٌ جديدٌ في فكرتهِ جادٌ في طرحهِ؛ ونسألُ اللهَ لهُ النجاحَ والتأثيرَ الميمونَ وللقائمينَ عليهِ والمشاركينَ فيهِ التوفيقَ والأجر.

رمضان بين التجريد والتجديد

رمضان بين التجريد والتجديد

يشتكي كثير منا في شهر رمضان المبارك ببعض الجفاف الروحي ، والفتور النفسي ، وقلة الروحانيات ؛ برغم محاولة الاجتهاد في التقرب إلى الله ، وجعل رمضان محطة إيمانية عالية للتزود ؛ لأن رمضان قد وردت فيه الكثير من النصوص المشجعة على ذلك ، بل النصوص المغرية بالإقبال على التقرب أكثر ؛ فالجنة مفتحة الأبواب ، والنار موصدة ، والشياطين مصفدة ، والأجور تضاعف ، وباغي الخير يزيد وينشط مع إشراقة فجر كل يوم في الشهر الفضيل .

والناس في حالة الجفاف الروحي هذه التي تصيب البعض منا ـ إخوة وأخوات ـ على مذهبين ، مذهب عدم الاكتراث بالحالة والتعود عليها خلال العام كله ، فما الجديد فيها ؟ ، ومذهب الخوف من الحالة والشعور بعدم التوفيق في اغتنام كنوز هذا الشهر الرباني المميز .

وكل المذهبين نخاطب في هذه المقالة ..
تعبٌ .. وتربية
فلو أننا نظرنا في تأثير الصوم على الجسم وما يتركه فيه من تعب وشعور ببعض كسل ربما ، لفهمنا أن الحال طبيعي ، وأن الصوم هو خروج عن مألوف دام أحد عشر شهرا كاملة ، وإن هو إلا تغيير للتعود الذي أعتاده الجسم والروح معا ، والكثير من الناس يصابون في أول رمضان بنوع من الربكة في المأكل والمشرب والنوم والعمل ونحو ذلك ، ومن هنا نرى الحكمة في صيام النبي عليه الصلاة والسلام في شهر شعبان الأيام الكثيرة ، كي يكون ذلك الصوم مقدمة وتمهيدا لصوم الشهر المبارك .

ومن يرى بأن حالة الجفاف الروحي التي تحدث في رمضان إن هي إلا حالة عادية مثل بقية السنة ، فهذا خلل في فهم فلسفة الصوم ، وفهم بركات هذا الشهر وما خصه الله تعالى به من مزايا ، ويجب تصحيح هذه النظرة أولا ، ليكون العلاج ثم .

ومن يخاف من حاله هذا ـ الجفاف الروحي في رمضان ـ فإن هذا الخوف يجب أن يبنى على علم ، وأن يتولد منه عملا ، لا أن يقبل المرء منا بالمرض ولا يبادر لعلاجه ، وتخليص نفسه من آثار المرض وتوابعه !

ولو تأملنا فيما يصيب الجسم من الصيام ـ كما ذكرت ـ لكنا قد فهمنا الأرضية التي يبنى عليها الصوم ، لنأخذ مثلا الصوم والرغبة في الزواج ، والذي يمثل نوعا من تحقيق شهوة مشروعة ، لوجدنا أن النبي عليه الصلاة والسلام قد وجه الشباب بأن يتزوج فإن لم يجد ؟ فعليه بالصوم ، فإنه له وجاء ، أي معينا على ما يجده في نفسه ! فالصوم هنا يكبح الشهوة لمن لا يجد مصرفا شرعيا لها : " "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء" . رواه البخاري .
بل ثورة إرادة .. وجهاد
إن التأمل في حالة ردود الأفعال في المعاملات مع الناس ، لنجد أن النبي عليه الصلاة والسلام يحث على تجاهل ردود الأفعال في حال الصيام حين يتعرض المسلم لمن يسبه أو يشتمه بل حتى في طريقة صوته ! : " الصيام جنة ، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب وفي رواية: ولا يجهل فإن سابه أحد أو قاتله ، فليقل: إني امرؤ صائم" متفق عليه ، ونجده في المقابل يقول : "رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع " رواه النسائي وابن ماجه والحاكم . لأنه لم يتحكم في نفسه وأطلق لها العنان ، سواء في شهواتها ، أو في لسانها . . . فالصوم مانع من هذا الإطلاق غير الموزون للشهوات التي قد تكون في غيره لها مسوغ ـ كمثل رفع الصوت مثلا ـ ، ومن هنا فإن إدراك حكم الصوم من هذا التبيان هو الأصل ، وفي نظري بأن من أكبر حكم الصوم هي ( تقوية الإرادة ) .

يقول الشيخ القرضاوي في كتابه فقه الصوم : ( الصوم تربية للإرادة وجهاد للنفس، وتعويد على الصبر، والثورة على المألوف، وهل الإنسان إلا إرادة؟ وهل الخير إلا إرادة؟ وهل الدين إلا صبر على الطاعة، أو صبر عن المعصية؟ والصيام يتمثل فيه الصبران. ولا غَرْو أن سَمَّى النبي صلى الله عليه وسلم شهر رمضان: (شهر الصبر)، وجاء في الحديث: "صوم شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر، يذهبن وحَر الصدر" (رواه البزار عن علي وابن عباس، والطبراني والبغوي عن النمر بن تولب، كما في صحيح الجامع الصغير -3804. ومعنى "وَحَر الصدر": أي غِشَّه ووساوسه، وقيل: الحقد والغيظ وقيل غيره).

فإذا أدركنا بعمق أن الصوم جهاد ، وصبر ، بل ثورة على كل مألوف ، فهل نتوقع أن ننسجم مع هذا التغير بشكل سريع ، بل ويريد بعضنا أن تبدأ الروحانيات مباشرة من أول إعلان بدء الصيام ! .

إن هذه الثورة تحتاج إلى صبر وصبر مضاعف ، على ألم تعود النفس الطويل خلال عام كامل على كثير من الكسل والفتور والشهوات الباطنة والظاهرة ، ولجمها في هذا الشهر على ما تعودت عليه ، ومن ثم لابد من صراع داخلي ومجاهدة وحسن سير بهذه النفس ، حتى يتحقق مراد الشاعر من الصوم ، وتقوية الإرادة الذاتية لا يأتي بين يوم وليلة من ليالي رمضان ، وإنما بالسير المنهجي الإيماني ، تصل في النهاية إلى المبتغى بحول الله تعالى .

وكما قال الإمام الرافعي رحمه الله في ديوانه :
بني الإسلام هذا خير ضيف ** إذ غشي الكريم ذرا الكرام
يلمكم على خير السجايا ** ويجمعكم على الهمم العظام
فشدوا فيه بأيدكم بعزم ** كما شد الكمي على الحسام
ومن حكمة الشارع الحكيم أن جعل ليلة القدر في العشر الأواخر من الشهر ، ولم يجعلها في أوله مثلا ، كي تتعود النفس خلال عشرين يوما على الصبر والمجاهدة وتقوية إرادتها ، فتأتي ليلة القدر وقد تعودت النفس على ألوان كثيرة من الطاعات ، وترك الشهوات ، فيكون الإقبال أكثر ، والرحمات أوفر .
روحانيات فقه الصيام
" الصوم لله " هذه العبادة لها ميزة فريدة ، عبّر عنها النبي عليه الصلاة والسلام بقوله عن رب العزة : " الصيام لي وأنا أجزي به " كما في البخاري . ونقل ابن حجر في الفتح أراء أهل العلم في هذه العبارة نختصرها هنا للفائدة :
• أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره . ويؤيد هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم " ليس في الصيام رياء " .
• أن المراد بقوله " وأنا أجزي به " أني أنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته . وأما غيره من العبادات فقد اطلع عليها بعض الناس . قال القرطبي : معناه أن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس وأنها تضاعف من عشرة إلى سبعمائة إلى ما شاء الله , إلا الصيام فإن الله يثيب عليه بغير تقدير .. وهذا كقوله تعالى ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) .
• ثالثها معنى قوله " الصوم لي " أي أنه أحب العبادات إلي والمقدم عندي , وقد تقدم قول ابن عبد البر : كفى بقوله " الصوم لي " فضلا للصيام على سائر العبادات .
• رابعها : الإضافة إضافة تشريف وتعظيم كما يقال بيت الله وإن كانت البيوت كلها لله .
• خامسها : أن الاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات من صفات الرب جل جلاله , فلما تقرب الصائم إليه بما يوافق صفاته أضافه إليه .
• سادسها : أن المعنى كذلك , لكن بالنسبة إلى الملائكة لأن ذلك من صفاتهم .
• سابعها : أنه خالص لله وليس للعبد فيه حظ .
• ثامنها : سبب الإضافة إلى الله أن الصيام لم يعبد به غير الله .

ومما نقله الحافظ أنفا من آراء أهل العلم نجد أن الصيام مدرسة للإخلاص والتربية عليه ، وأن ثوابه كبير جدا لا يعلمه إلا الله ، وأنه من أحب العبادات إلى الله ، وأن الله نسبه لنفسه تشريفا للصوم والصائمين ، وفيه قرب من الله أكثر لصفة من صفاته سبحانه ، وصفة من صفات ملائكته ، وأن الصائم لا حظ له من الصوم وإنما لله كله ، وأن الصائم يتقرب إلى الله بعبادة لم يعبد بها غير الله .
معاني .. وأماني
ولو تأمل المسلم الذي يريد أن يستشعر الروحانيات ـ بسرعة ـ هذه الصفات وتأمل فيها ، لكان لذلك أثره الكبير على نفسه وعلى صعودها الإيماني ، فكل واحدة منها كافية أن يتأملها المسلم بعمق ويستشعر معانيها ، وتترك أثرها الكبير في نفسه ، وتقوي إرادته وعزمه .

فهو في ساحة تدريب على الإخلاص ؛ ذلك السر الذي به قوام الأعمال كلها على مدار حياة الإنسان ، وهو مستشعر للأجر الكبير غير المحدود ؛ ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرهمْ بِغَيْرِ حِسَاب ) ، والمؤمن في رمضان في أفضل العبادات ، وهو ينتسب إلى الله بهذا الصوم تشريفا ورفعة له ، وفيه تشبه بالملائكة الكرام الأطهار ، وأن الصائم لا حظ له في نفسه إنما كله لله ، والمسلم يتقرب بصومه بعبادة يفرد الله بها عن سائر ما عبد من دون الله .. ألا تكفي هذه المعاني كي تزرع في النفس أرقى قيم الارتقاء الإيماني ؟

وليس المراد بالجانب الإيماني أن يجد المرء حلاوته في نفسه فقط ، وإن لم يجدها يكون ذلك خللا في نفسه ، كلا ، فالجهاد قمة العمل الإيماني ، وهو مكروه للنفس ؛ ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) ( كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ ) ومع ذلك وصفهم القرآن بالمؤمنين ، وما يلبث المجاهد أن يرى بركات الجهاد في نفسه وماله ووقته وفي كل سكنه من نبضات روحه العطرة ، لو ثبت واستمر ! .

ومن هنا جاء التعبير في الأحاديث الصحيحة " من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا . من صام رمضان إيمانا واحتسابا . ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا " . لما في الاحتساب من أجر وصبر وتعب ، تأتي بعده البركات والأماني الجميلة في النفس والروح معا ، ولكنه فقه الصيام وصبره . فلنتأمل !

قال بن رجب " والصبر ثلاثة أنواع : صبرٌ على طاعة الله ، وصبرٌ عن محارم الله ، وصبرٌ على أقدار الله المؤلمة . وتجتمع الثلاثة كلها في الصوم ؛ فإن فيه صبراً على طاعة الله ، وصبراً عمّا حرم الله على الصائم من الشهوات ، وصبراً على ما يحصل للصائم فيه من ألم الجوع والعطش ، وضعف النفس والبدن . " لطائف المعارف/284 .
انتصار بدر .. وتجريد النوايا
وذكرني ما نقله الحافظ بن حجر في مسألة أن ليس للعبد شي من الصيام وأنه كله لله ، ذكرني ذلك بما حدث للصحابة الكرام في غزوة بدر ـ في شهر رمضان ـ حين اختلفوا في النفل فجردهم الله تعالى من كل شي ، في أربعين آية في أول سورة الأنفال ، كأن النصر كله ، كله من الله ، ولم يفعل الصحابة أي شيء !

ففي أول السورة : " يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " هذه الأنفال ليست لكم وإنما لله وللرسول ! .

ثم في الآية 17 : " فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " حتى قتل الكفار ليس منكم ، بل لستم أنتم من رمى ! ، كله لله تعالى .

وفي موطن النصر هذا ذكرهم بقوله : " وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ " .

كل ذلك لتجريد النصر لله وحده ، برغم ما لاقاه الصحابة في بدر ، لكنها التربية على التجرد لله تعالى وحده ، وكذا الحال في الصوم ، فالصوم جهاد ، والقتال جهاد ، ويراد منهما تنمية الإرادة النفسية ، والإرادة العملية .

ومن هنا إخواني أخواتي علينا أن نعي فقه الصوم وحكمه وبركاته ، وأن نجدد النوايا ونمحصها ، و ندرك مراد الشارع من ذلك ، ولا يكن همنا فقط سرعة طلب الروحانيات ، فإنها آتية بحول الله ، لا نستعجل بل نعي الأمور بعمق ، وندرك أننا في عبادة عظيمة وجهاد وتربية للنفس ، وما أصعبها من تربية .

ولا يعني هذا التجريد وهذا الفقه أن نترك الأعمال المباركة ، كلا ، ولكن هذه هي الأرضية الفقهية والنفسية التي يجب أن ندخل بها هذا الشهر العظيم المبارك ، وسوف نتكلم عن الإبداع الإيماني في رمضان ..

Popular Posts

Blog Archive