background img

The New Stuff

رأس المال.. والأرباح

الفرائض رأس الإسلام وعموده وذروة سنامه، والنوافل مدارج يرتقي بها العبد ليبلغ الكمال، الفرائض رأس المال والنوافل ربح، وأولى بالعبد أن يحافظ على رأس ماله من أن يسعى للربح، وأن تحافظ على صلاة الفريضة لا تزيد عليها خير من أن تقوم الليل كله وأنت مهمل للفرائض!

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
تخيل معي هذا الأمر: رجل مسلم أدرك شهر رمضان، فكان يَطعم في نهاره ما شاء من غير عذر ولا تأول، ثم يقضيه بعد خروج الشهر.. وهذا الرجل نفسه حريص أشد الحرص على صيام عرفة وعاشوراء، أو أيام البيض، أو ما شئت من نوافل الصيام.

خيال غريب وشاذ، لكنه ويا للأسف يقع في ما هو أعظم شأنا في الإسلام من صيام رمضان، وفي ركنه الركين وعموده المتين، بل ومن بعض من يزعم أنه صائم، فهو يصلي الفجر، ثم ينام إلى قبيل المغرب، فيجمع الظهر إلى العصر "جمع تقصير"؛ بلا خشوع ولا روح، ثم يصلي التراويح كأشد ما يكون حرصا واهتماما، فهو يحفظ حديث أبي ذر مرفوعا "من قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب له قيام ليلة".. فواعجبا!

الفرائض رأس الإسلام وعموده وذروة سنامه، والنوافل مدارج يرتقي بها العبد ليبلغ الكمال، الفرائض رأس المال والنوافل ربح، وأولى بالعبد أن يحافظ على رأس ماله من أن يسعى للربح، وأن تحافظ على صلاة الفريضة لا تزيد عليها خير من أن تقوم الليل كله وأنت مهمل للفرائض!

والله المستعان على ما نقول ونعمل.
 

تفقد قلبك قبل رمضان

تفقد قلبك قبل رمضان

إننا مقبلون على أيام مباركات، وساعات فاضلات، يقول نبينا عليه الصلاة والسلام عنها: «رمضان شهر مبارك، تُفتَّحُ فيه أبواب الجنة، وتُغلَّقُ أبواب السعير، وتُصفَّدُ فيه الشياطين، وينادي منادٍ كلَّ ليلة: يا باغي الخير، هَلُمَّ، ويا باغي الشر، أقصر» (صحيح الجامع).

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
ها هي نسائم الخير والبركة تهب علينا من جديد، أقبلتَ يا شهر الخيرات، أقبلتَ يا شهر الطاعة والبركات، ها هي الأيام تمرُّ مسرعةً ليعود لنا خير الشهور بما فيه من عظيم الأجر والثواب!

إننا مقبلون على أيام مباركات، وساعات فاضلات، يقول نبينا عليه الصلاة والسلام عنها: «رمضان شهر مبارك، تُفتَّحُ فيه أبواب الجنة، وتُغلَّقُ أبواب السعير، وتُصفَّدُ فيه الشياطين، وينادي منادٍ كلَّ ليلة: يا باغي الخير، هَلُمَّ، ويا باغي الشر، أقصر» (صحيح الجامع).

رمضان شهرٌ مبارك، فيه بركة الوقت، وبركة العمل، وبركة الجزاء والأجر والثواب، وبركة في المآلات، فكم لله تبارك وتعالى في هذا الشهر المبارك من عتقاء من النار! ففي الحديث الصحيح يقول عليه الصلاة والسلام: «إن لله تعالى عند كلِّ فطر عتقاءَ من النار، وذلك في كل ليلة»، فكم من أناس دخلوا الشهر بنفس صافية مقبلة على الله، فكان مآلهم إلى خيرَيِ الدنيا والآخرة!

فماذا أعددنا لاستقبال هذا الضيف المبارك؟

إن أولى ما ينبغي علينا تفقُّده استعدادًا لهذا الشهر المبارك هو "قلوبُنا"، قال الله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألاَ وإن في الجسد مضغة، إذا صَلَحت صَلَح الجسدُ كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلُّه، ألا وهي القلب» (متفق عليه).

قال ابن رجب: "ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كلمةً جامعة لصلاح حركات ابن آدم وفسادها؛ وأن ذلك كله بحسب صلاح القلب وفساده، فإذا صلَح القلبُ صلَحت إرادته، وصلَحت جميعُ الجوارح؛ فلم تنبعثْ إلا إلى طاعة الله واجتناب سخطه؛ فقنعت بالحلال عن الحرام.

وإذا فسد القلب فسدت إرادته، ففسدت الجوارح كلها، وانبعثت في معاصي الله عز وجل وما فيه سخطه".

وقال أبو هريرة رضي الله عنه: القلب مَلِكٌ، والأعضاء جنودُه، فإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا خبُث الملك خبثت جنوده.

فالقلب هو الملك، وبقية الجوارح تَبَعٌ له، فإذا تفقدنا قلوبَنا وأصلحناها، انقادت بقية الجوارح له، وأصبحت الطاعة سهلةً يسيرة علينا بتوفيق الله عز وجل ثم بصلاح قلوبنا، وصدق عزيمتنا.

فالجدير بكل مسلم أن يَغْتَنِمَ بركةَ هذا الشهر، وأن يتحيَّن هذه الفرصة الثمينة لمحاسبة نفسه، وتطهير قلبه، والتوبة النصوح إلى الله عز وجل، وكثرة الإنابة والاستغفار.

تعالوا نحاسب أنفسَنا قبل أن يحاسبنا ربُّنا، تعالوا في هذه الساعات المتبقية على بدء هذا الموسم المبارك نعاهد ربَّنا جل وعلا على إصلاح أحوالنا، وتزيين أعمالنا والجدِّ والاجتهاد فيما يقرِّبُنا من ربنا.

فهيا بنا نتفقد هذا القلب؛ لنطهِّره من الشوائب والآفات التي عَلِقتْ به، ونُزكِّيه ليكون أرضًا خصبة تنتظر ما سنزرعُه فيها خلال هذا الشهر المبارك؛ لننعم بثمار غرسنا بقية أعمارنا.

وتزكية النفس وتطهيرها تنقسم إلى:

التخلية، والتحلية.

فالتخلية: يُقصَدُ بها تطهيرُ النفس من أمراضها وأخلاقها الرذيلة.

وأما التحليةُ: فهي ملؤها بالأخلاق الفاضلة، وإحلالها محلَّ الأخلاق الرذيلة بعد أن خليت منها.

من أمثلة الآفات التي تكون في القلب فتُمرِضُه، وتضعفه، وعليه تطهير قلبه منها:

1- العُجب: قال الشافعي: إذا خفتَ على عملك العُجبَ، فاذكر رضا مَن تطلب، وفي أي نعيم ترغب، ومن أي عقاب ترهب؛ فمن فكر في ذلك صَغُر عنده عملُه.

فليست العبرة بكثرة الطاعات؛ فإن أكبر طاعة إذا أصابتها آفةُ العُجب صارت لا قيمة لها، مصداقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رُبَّ قائم حظُّه من قيامه السهر، ورُبَّ صائم حظُّه من صيامه الجوعُ والعطش».

فإذا أتيتَ بطاعة، فلا تعجب بنفسك، بل اعلم أنها بتوفيق الله، وكن كما قال الحسن البصري وهو يصف حالَ المؤمنين: "عملوا واللهِ بالطاعات، واجتهدوا فيها، وخافوا أن تُردَّ عليهم، إن المؤمن جمع إحسانًا وخشيةً، والمنافق جمع إساءةً وأمْنًا".

2- الحسد: الحسد خلقٌ ذميمٌ مع إضراره للبدن، وإفساده للدين، حتى لقد أمَر الله تعالى بالاستعاذة من شرِّه: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} [الفلق: 5].

الحسد يضرُّ صاحبه؛ لأنه ساخط على قدر الله بقصد، أو بدون قصد؛ لأنه تسخَّط على قضاء الله وقدره، وهذا عمًى في بصر الإيمان، ويكفيه جُرمًا أنه شارك إبليسَ في الحسد.

والعلاج يكون بعدمِ الاشتغال بالنظر إلى النعم التي أنعم الله بها على غيرك، والنظر فيما أنعم الله عليك من خير؛ فإنَّ تذكُّرَ نعم الله على النفس يُعينُ على الشكر، وفي كثرة تطلُّعك إلى ما عند غيرك ضررٌ عليك؛ لأنك ربما يَقَعُ لك الحسد، أو على الأقل عدمُ شكر نعمة الله عليك، وازدراءُ نعمه؛ ولذلك قال تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 131].

3- الرياء: قال ابن تيمية رحمه الله: إن الإخلاص أهمُّ أعمال القلوب المندرجة في تعريف الإيمان وأعظمها قدرًا وشأنًا، بل إن أعمال القلوب عمومًا أكبرُ وأهمُّ من أعمال الجوارح، ولا يَغترَّ المسلم؛ فإن أداء الطاعة بدون إخلاص وصدق مع الله لا قيمة له ولا ثواب، بل صاحبُها مُتعرِّضٌ للوعيد الشديد.

يقول ابن الجوزي: "ما أقلَّ مَن يعمل لله تعالى خالصًا! لأن أكثر الناس يُحبُّون ظهور عباداتهم، فاعلم أن ترك النظر إلى الخلق، ومحو الجاه من قلوبهم بالعمل وإخلاص القصد، وستر الحال- هو الذي رفع مَن رفع".

هذه بعض الأمثلة والآفات التي تصيب القلبَ وغيرها كثير، وكلُّ إنسان أعلَمُ بنفسه وبما ينطوي عليه قلبه، بصيرٌ بنفسه، عالم بآفاتها، فليغتنم هذا الشهر المبارك، وما يكون فيه من انبعاث للقلب نحو الطاعة؛ ليقف مع نفسه وقفةً صادقة يُطهِّرُ قلبه من آفاته؛ ليصبح صافيًا نقيًّا قابلاً للخير.

ومما يُعين على تصفية القلب من شوائبه:

• التوبة وكثرة الاستغفار.

• محاسبة النفس ومجاهدتها؛ قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].

• المحافظة والمسارعة في أداء العبادات والفرائض.

• الإكثار من ذكر الله عز وجل.

• البعد عن مواطن الفتن والشبهات.

فهل لك أن تُحقِّق لنفسك السعادة في لحظةِ صدق ومحاسبة تجلسها مع نفسك استعدادًا لهذا الشهر المبارك؟ فلعل يكون فيها سعادتك وفلاحك في الدنيا والآخرة.

نسأل الله عز وجل أن يبلِّغنا رمضان، وأن يبارك لنا فيه، ويرزقنا فيه قلبًا سليمًا خاليًا من كل آفة وشبهة، وأن يوفِّقَنا فيه إلى عبادته على الوجه الذي يرضيه عنا.

ما أحلى الأيام إذا كان فيها رمضان

ما أحلى الأيام إذا كان فيها رمضان

من رحمة الله عز وجل بعباده، أن جعل لهم مواسم للخير والطاعات، يكثر أجرها ويعظم فضلها، حتى تتحفز الهمم للعبادة فيها، فتنال رضا الله وفضله، ونعيم قربه ومدده .. ورمضان من أعظم هذه المواسم السنوية التي تهل علينا كل عام حيث تستقبله النفوس بوجدان متوهج بالحب ولهفة الانتظار، لما له أجواء نورانية خاصة، شكلا كانت أو مضمونا، فهي خليط من هذا وذاك.


بسم الله الرحمن الرحيم
من رحمة الله عز وجل بعباده، أن جعل لهم مواسم للخير والطاعات، يكثر أجرها ويعظم فضلها، حتى تتحفز الهمم للعبادة فيها، فتنال رضا الله وفضله، ونعيم قربه ومدده .. ورمضان من أعظم هذه المواسم السنوية التي تهل علينا كل عام حيث تستقبله النفوس بوجدان متوهج بالحب ولهفة الانتظار، لما له أجواء نورانية خاصة، شكلا كانت أو مضمونا، فهي خليط من هذا وذاك.
إن أهل الله تعالى وخاصته ينتظرون هذا الشهر بفارغ الصبر .. قد اشتاقَتْ إليهم المصاحف، وحنَّت إلى أصواتهم المساجد .. يَطربُون فيها بِسَماع كلام الله الَّذي يغْسِل بالرَّحْمة قلوبَهم، ويطهِّر بالإيمان سَريرتَهم، فيُقبِلون على الله تعالى؛ رجاءَ رحْمتِه، وخوفًا من عذابه، ويقْبِل عليهم ربُّهم بِفَيضه وفتوحه، فيُذِيقهم من لَوعات الحُبِّ والشوق، ويَفتح عليهم من أنوار المناجاة، ويَكْشف لهم من أسْرار السُّمُو إلى مِعراج رضوانه، فيَقِفون أمام مَلِيكهم وهو يُفِيض عليهم من عطاياه وبره وكرمه وجوده، ويَسِمُهم بالنور في وجوههم، في منظر مَهِيب، ومَحْفَل عجيب، لا يَناله إلا المُقرَّبون والسابقون، جعَلَنا الله منهم.

أهلا بك يا رمضان
أهلا بك يا رمضان .. فأنت الحبيب الذي طال انتظاره، فأطل علينا بطلعته البهية وخيراته الجلية. وأنت النعمة المسداة لنا والرحمة المهداة من رب البرية .. روى ابن ماجه بسند صحيح عن طلحة بن عبيد الله أن رجلين قَدِما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إسلامهما جميعاً، فكان أحدهما أشد اجتهاداً من الآخر، فغزا المجتهد منهما فاستشهد، ثم مكث الآخر بعده سنة ثم توفي، قال طلحة: فرأيت في المنام بينا أنا عند باب الجنة إذا أنا بهما، فخرج خارج من الجنة، فأذن للذي توفي الآخِر منهما، ثم خرج فأذن للذي استشهد، ثم رجع إلي فقال: ارجع فإنك لم يأْنِ لك بعد، فأصبح طلحة يحدث به الناس، فعجبوا لذلك، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدثوه الحديث، فقال: «من أي ذلك تعجبون؟» فقالوا: يا رسول الله، هذا كان أشد الرجلين اجتهاداً ثم استشهد، ودخل هذا الآخر الجنة قبله!، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أليس قد مكث هذا بعده سنة؟» قالوا: بلى، قال: «وأدرك رمضان، فصام، وصلى كذا وكذا من سجدة في السنة؟» قالوا: بلى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض».
أهلا بك يا رمضان .. فما أعظمك من جليل قدرٍ تزدهي به السماوات العلا، والجنان، والملائكة .. ويقيم رب العزة على شرفك مظاهر الاحتفال .. فإذا بالجنان أبوابها تفتح، وإذا بالجحيم أبوابها توصد، وإذا الربُّ يزين في كل يومٍ جنَّته، ويقول لها: «يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المئونة والأذى ثم يصيروا إليك».
أهلا بك يا رمضان .. فرصة عظيمة، ومناسبة كريمة، تصفو فيها النفوس، وتهفو إليها الأرواح، وتكثر فيها دواعي الخير .. يجزل الله فيها العطايا والمواهب، ويفتح أبواب الخير لكل راغب، ويعظم أسباب التوفيق لكل طالب .. تتنزل فيك الرحمات، وترفع الدرجات، وتغفر الزلات، وتحط الأوزار والخطيئات. قال سفيان بن عيينة: «إذا كان يوم القيامةيحاسب الله عز وجل عبده، ويؤدي ما عليه من المظالم من سائر عمله، حتى لا يبقى إلا الصوم، فيتحمل الله ما بقي عليه من المظالم، ويدخل بالصوم الجنة» [الترغيب والترهيب 1/82]
أهلا بك يا رمضان .. فقد اشتدَّ إليك شوقُنا، ننتظرك بعد عام من فراقك وقد اختلفتْ بعدَك أشياءُ كثيرة، كنَّا فيما مضى نتشوف لك؛ للاستزادة من الخير وتربية النَّفس المؤمنة المطمئنَّة، ونحن اليومَ نتلقَّاك لأجل البناء ولأجل الهدم أيضًا؛ لتبني فينا يا رمضان ما نرومه من خير وفضيلة، ولتهدم ما شاده المُبطِلون من مباني الفساد وصوره في مجتمعنا ونفوسنا، فاللهم باركْ لنا في شهرنا أفرادًا ومجتمعات وحكومات، واجعله جسرًا للعابرين بخير، وسدًّا في وجه دعاة الشَّر.

المغبون والمحروم
إن رمضان فرصة لا يُفوتُها إلا متهاون مغبون، ولا يزهد فيها إلاّ جاهل محروم، فالمؤمن الرشيد يقدّم بين يدي رمضان توبة تحجزه عن الملاهي والمنكرات، التي تكتظ بها وسائل الإعلام والإجرام، ويتزوّد بالتقوى والإنابة، قبل تزوده بالطعام والشراب والثمار المستطابة.
قال تعالى في صفة عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً}[الفرقان:72] أي: لا يحضرون الباطل في أيّ لون من ألوانه قولاً أو فعلا ً أو إقراراً ، وكل ما خالف الحق، وإذا مروا بأهل اللغو والمشتغلين به مروا معرضين عنهم كرامًا مكرّمين أنفسهم عن الخوض معهم في لغوهم، وهو كل كلام لا خير فيه. وهذا المعنى الذي دلّت عليه هذه الآية الكريمة، أوضحه جلَّ وعلا بقوله: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ}[القصص:55]
ومن أفحش الخطأ ما يعتقده كثير من الناس أن الصيام جملة من التروك فقط، متناسين أن الله تعالى شرع الصيام وشرع معه جملة من الأعمال التي تتظافر لتحقيق غايات الصوم وآثاره المرجوة منه، ولعل من أبرز تلك الأعمال التي دلت عليها النصوص: قراءة القرآن، قيام الليل «صلاة التراويح»، العمرة، الاعتكاف، الصدقة وإفطار الصائمين ...

تنمية الذات
الصيام يدرب النفس، وينمي قدرتها على التحكم في الذات، فمن الأهمية بمكان أن يستوعب المسلم حقيقة رسالته في الحياة، وأهمية مواسم الخيرات بالنسبة إليه؛ ليكون ذلك دافعاً له للجدية في حياته، والموازنة بين ما يمكن أن يقوم به من أفعال، ولكي يستفيد من هذه النفحات بشكل أفضل، بعيداً عن الإغراق في المباحات والمستحبات على حساب الفرائض والواجبات، كما عليه أن يقوم بترويض نفسه في مثل هذه المواسم على القيام بالأعمال الصالحة، كالتبكير للصلاة، والجلوس بعد الفجر في المسجد إلى طلوع الفجر .. ونحوها، حتى تعتاد النفس على ممارستها والاستمرار عليها بعد رمضان.
هكذا المسلم دوماً؛ لا ينسى غايته وهدفه العظيم؛ وهو النجاة من النار، والفوز بفردوس الجنة. ويسير خلال رحلته الحياتية نحو هذا الهدف؛ على محورين رئيسين عمليين:
«الأول»: محور التغيير النفسي والتنمية الذاتية؛ فيرقى بنفسه، نحو الأفضل والأسمى والأقوم.
«الثاني»: محور التأثير في الآخرين حوله؛ فيدعوهم للخير والنمو والتطوير، نحو الأصلح لهم. ولا شك أن من أولويات الآخرين العشيرة الأقربين، خاصة من أقرب الأقربين؛ الأهل والأبناء.

أيها الأحباب
إن الملك العليُّ الكبير ينثر على العباد بُدَرُ الهبات في أيام هذا الشهر الكريم، فينزل فيه الرحمة، ويحط الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء، وينظر إلى تنافسكم فيه ويباهي به الملائكة، فأروا الله من أنفسكم خيرًا، فإن الشقي من حرم فيه الرحمة.
لنفرغ قلوبنا من الشهوات والشبهات، ولنبكي على خطايانا في شهر النفحات، ونغتنم أوقات الخيرات ونزول الرحمات، ونبدل الانحراف بالاستقامة قبل الممات.
ولنحرص على استقبال هذا الوافد الكريم، واستغلال أيامه ولياليه فيما يقربنا من مولانا، ونتعرض لنفحات رب السماوات، ولا يكن ممن همه في استقباله تنويع المأكولات والمشروبات، وإضاعة الأوقات والصلوات، فسرعان ما تنقضي الأيام والساعات، وما هي إلا لحظات حتى يقال انتهى رمضان، بعد أن فاز فيه أقوام وخسر آخرون.
ولنتخذ من رمضان (معسكرًا) إيمانيًّا؛ لتجنيد الطاقات، وتعبئة الإرادات، وتقوية العزائم، وشحذ الهمم، وإذكاء البواعث؛ للسعي الدؤوب لتحقيق الآمال الكبار، وتحويل الأحلام إلى حقائق، والمثاليات المرتجاة إلى واقع معايش.

الْمَرْحَلَةُ الْذَّهب

الْمَرْحَلَةُ الْذَّهب

أعظم ما ينبغي على العبد استثماره في هذه المرحلة هو ما يعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة.


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين وقائد الغر المحجلين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فإن الإنسان في هذه الحياة يمر بمراحل عمرية وهذه سنة كونية، فمن صغر وطفولة، إلى شبيبة وفتوة، ثم إلى شيبة وهرم، فمن ضعف الطفولة إلى قوة الشبيبة ثم عودة إلى الضعف وهو الشيبة، وهذا مصداق قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ}[الروم:54].
فإذا كانت مراحل العمر هذا حالها، ضعف فقوة فضعف، فعند جميع العقلاء أن أعظم مرحلة يجب استثمارها واستغلالها والإفادة منها هي مرحلة القوة والفتوة، وهي مرحلة الشباب، فإذا علمت نعمة الله عليك في هذه المرحلة فما هو الواجب عليك استثماره في مثل هذه المرحلة.
لعل أعظم ما ينبغي على العبد استثماره في هذه المرحلة هو ما يعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة، فأي عمل مشروع ينبغي أن يبادر فيه، ومن المشاريع الناجحة في هذه المرحلة هو: البناء العلمي، والعبادي، ومن أراد تحصيل هذه البرامج فعليه أن يسلك أسبابها، ويطرق أبوابها، ويستشير أهل الخبرة في ذلك، مع جد واجتهاد حتى يبلغ تلك المنزلة العُلْيَا، ويرتقي أعلى الرُّتب.
إن استغلال هذه المرحلة الذهب مما يعود على العبد نفعه في شبيبته قبل شيبته، بل ذلك من أعظم أسباب الثبات على الحق، والاستمرار عليه، وصدق من قال: "من شب على شيء شاب عليه"، وإن كان هذا القول ليس قاعدة مطردة لكنه أغلبي.
وتأمل معي هذا الموقف لرجل من المسلمين عُرِفَ بالعلم والعبادة، وربى نفسه عليها في شبيبته، فلما كبر سنه، ورق عظمه، وبقي معه من عمله الشيء القليل بالنسبة له، والكثير بالنسبة لنا، وكان يتحسر على أيام شبابه أنه لم يزدد فيها من العمل، وهو من عرف بالعلم والعمل، فماذا نقول نحن الذين ضيعنا وفرطنا والله المستعان؟.
هذا الموقف لأبي إسحاق السبيعي رحمه الله تعالى: قال أبو بكر بن عياش: "رأيت أبا إسحاق السبيعي يبكي"، فقلت: "يا أبا إسحاق ما يبكيك؟" قال: "ذهبت قوتي، وذهبت الصلاة مني ما أستطيع أن أصلي قائمًا إلا بالبقرة وآل عمران" (الثقات لابن حبان [8/67]).
ختامًا: يا شباب الإسلام هبة للعمل، وعزمة من عزمات الرجال للبذل والتضحية، فكم نحن بحاجة لكم في زمن أصبح همُّ كثيرٍ من الشباب الأشكال والمناظر، والملذات والشهوات، فهبوا يا شباب الإسلام للعمل، فتعلَّموا وعلِّموا، واجتهدوا وابْذُلوا وفقكم الله لكل خير، وأعانكم على أمور دينكم ودنياكم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين.


القواعد الأربع للتغيير الإيجابي والخلوص من المشاكل

القواعد الأربع للتغيير الإيجابي والخلوص من المشاكل

العبد معرض لصنوف من البلاء والآفات، ومعرضٌ للمشاكل والعوائق، وعندما نريد أن نستعرض المشاكل والآفات هنا فإن المقام يطول، والحصر يَصْعُب.


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فإن العبد معرض لصنوف من البلاء والآفات، ومعرضٌ للمشاكل والعوائق، وعندما نريد أن نستعرض المشاكل والآفات هنا فإن المقام يطول، والحصر يَصْعُب، وقد نتعرض لمشاكل ونُغْفِل أخرى، وقد نُوَفَّق في علاج البعض ونُخفق في الأخرى، وعند التأمل في الآفات والمشاكل، والعوارض والعوائق، تلخص لدي أن هناك قواعد أربع من سار عليها بالتدرج بين الثلاث الأولى، مع ملازمة الرابعة دومًا وفق بإذن الله تعالى للخلاص من هذه المشاكل، وكان سليمًا من هذه العوارض والآفات، وتغير تغيرًا إيجابي.

وهذه القواعد كالتالي:
القاعدة الأولى: تحديد المشكلة ومعرفة خطورتها، وهذه أول خطوة صحيحة لحل المشاكل، فبعض الناس تجد أنه من رأسه إلى أخمص قدميه مليءٌ بالمشاكل وعندما تطالبه بحل مشاكله، يجيبك: بأنه ليس لديه مشكلة أصلًا؛ فهذا لن تُحَلَّ له مشكلة؛ لأنه إلى لحظته تلك لم يحدد مشكلته، ولم يستشعر خطرها، وأنه بحاجة إلى علاج؛ فهذا نوصيه بأن يحاسب نفسه، ولو أخذ قلمًا وورقة واستعرض شريط حياته فإنه سيقع على بعض أخطائه ومشاكله، فإذا استشعر الشخص مشاكله وعرف خطورتها؛ فهذه أول خطوة على الطريق الصحيح، والتغيير الإيجابي.
مثال: إنسان لديه مشكلة (الكذب)، وهو يشكو منها، فهنا حَدَدَ المشكلة وعرفها، ثم عرف خطرها عليه، فعندها ننتقل به للقاعدة الثانية.

القاعدة الثانية: الرغبة الصادقة في حل تلك المشكلة، فإذا حدد الإنسانُ مشكلته ثم كان لديه رغبة جادة، ونية صادقة في حل تلك المشكلة كان ذلك سبيل صحيح لحل مشكلته، وتكون تلك الرغبة داخلية فلا يمكن للعبد أن يغير مابه حتى يغير ما بنفسه، يقول الله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد:11]؛ لكن بعض الناس يَعْرِف أن لديه مشكلة ومحددٌ لها، لكنه ليس لديه رغبة جادة للتغيير الإيجابي؛ فهذا لن تحل مشكلته أبدًا، إلا أن يتداركه الله برحمته؛ فمثل هذا نوصيه بأن يتعرف على خطورة ما يقع فيه، وشؤمِهِ عليه في الدنيا والآخرة، فإذا حدد الإنسان مشكلته، ثم كانت لديه الرغبة الصادقة في حل تلك المشكلة؛ فهو في الطريق الصحيح نحو التغيير الإيجابي.
تابع المثال: الشخص الذي لديه مشكلة (الكذب)، وحددها وعرف خطورتها، وكانت لديه الرغبة الصادقة في حلها، وهو جاد في التخلص منها، فهنا ننتقل به إلى القاعدة الثالثة.

القاعدة الثالثة:اتخاذ الطرق العملية المناسبة لحل تلك المشكلة، والطرق كثيرة جدًا، فإذا حدد الشخص المشكلة، وكان لديه الرغبة الصادقة في التغيير، فعليه أن يسلك الطريقة المناسبة لحل تلك المشكلة -فكل مشكلة على وجه الأرض لها حل أو حلول- والحلول تختلف باختلاف الأشخاص والأوقات، فمن الحلول: حلولٌ جذرية، وأخرى بعيدة المدى.
فإذا حدد الشخص مشكلته، ثم كانت لديه الرغبة الصادقة في التغيير، ثم وضع لنفسه الطرق العملية المناسبة لحل مشكلته فإنه سيتخلص بإذن الله تعالى من تلك المشكلة التي نغصت عليه معيشته، وضيقت عليه نفسه، وأما من لا يعرف الطرق العملية لحل مشكلته فعليه أن يستعين ببعض المصلحين، أو بعض المربين من أهل الخبرة في حلِّ مثل تلك المشاكل.
تابع المثال: الشخص الذي لديه تلك الخصلة الذميمة (الكذب)، وقد حددها، وكانت لديه الرغبة الصادقة في التغيير، فعليه سلوك الطرق العملية المناسبة لحل تلك المشكلة، ومنها على سبيل المثال فقط:
[1]- أن يعلم أن هذه الصفة الذميمة محرمة بالكتاب، والسنّة، فكيف يتعدى على حد من حدود الله تعالى؟!
[2]- التعرف على خطورة الكذب في الدنيا والآخرة، وعقوبة الكذابين، وأن مرتكبها مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، كما ذكر ذلك الذهبي في كتابه (الكبائر) في الكبيرة الرابعة عشر.
[3]- أن الكذب هو الطريق لفقد مصداقيته بين الناس، وأن الناس سيتعاملون معه على أنه شخص متلاعب، ومكَّار، ومراوغ.
[4]- أن الكذب يجعله دائمًا في مواقف محرجة مع الناس.
[5]- معرفة سبب الكذب، فقد يكون لحب الظهور، أو للتخلص من عقاب أو غير ذلك، فيتعرف على السبب ليسهل عليه بعد ذلك التخلص من تلك البلية بمعالجة السبب الموصل إليها.
[6]- تذكر الموت دائمًا، فإنه مما يهون الدنيا، ويجعل العبد من الصادقين...الخ.

القاعدة الرابعة: كثرة الدعاء، واللجوء إلى الله تعالى بأن يهديك ويسددك، ويعينك ويوفقك، وينجيك ويخلصك مما أنت فيه، فانطرح بين يدي الكريم في كل أمرٍ، صغر أم كبر، عظم عندك أم حقر، فإذا لم يكن توفيق من الله لك، فأيقن أنه لا فلاح لك ولا نجاح ولا نجاة، والله المستعان.
وختامًا: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجنبنا المعاصي والآثام، وأن يُرِيَنَا الحق حقًا ويرزقنا إتباعه، وأن يُرِيَنا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، وأسأله الهداية والثبات إنه، ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.

شمولية الدين

شمولية الدين

كم أقلقل الغرب الكافر هذا الصنف من المسلمين، ذلك الصنف الذي يسير على خطى ثابتة، ومبادئ راسخة.


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فكم يزعج الغرب الكافر ذلك المسلم اللطيف، اللين في تعامله، الواضح في قوله، الصادق في فعله، القوي في عزمه، البصير في أمره، الذي يطبق الدين بشموليته، عقد على قلبه دين ربه، فصدَّق بذلك قوله وفعله، وعمل بذلك قلبه وجوارحه، متمثلًا قول الله عز وجل: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة:85]، فلم يفرق بين آي القرآن، وكلام الرحمن، ولم يجعله عضين كما قال الله العظيم: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} [الحجر:91]. أي:أجزاء متفرقة، فيؤمنون ببعض، ويكفرون ببعض؛ بل أخذه بشموليته، وفهمه بكامله، لا يفرق بين آيه، ولا يجادل في معانيه، بل يتبع أمر الله ورسوله ولو خالف هواه، وينتهي عن نهي الله ورسوله ولو صادم نزواته، ولقسات نفسه.

هذا الصنف العزيز من أهل الإسلام حار فيه الشيطان، فاحتار فيه العدو من بني الإنسان، لأنه يسير إلى الله وهو مستشعر قول ربنا الرحمن: {وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء:141]، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج:38]. هذا الصنف معتز بربه وبدينه، فلم يهن ولم يحزن لأنه يعلم أنه هو الأعلى قال تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران:139].
هذا الصنف يعلم علم اليقين أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون:8]، ويعلم كذلك أن الذلة والصغار للمحادين لله ورسوله من الكافرين والمنافقين قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ}[المجادلة:20].
كم أقلقل الغرب الكافر هذا الصنف من المسلمين، ذلك الصنف الذي يسير على خطى ثابتة، ومبادئ راسخة، لا يتلون ولا يتبدل، ثابت في قوله، وفعله، ليس له كل حين ثوبًا، بل ثوبه أبيض ناصع، وقلبه كالمروة البيضاء، وعقله لم تشبه شائبة المادية العفنة، ولا المناصب المُنْسِيَة، ولا اللذائذ المشغلة، ثبته الله فثبت، وأعانه الله فصبر قال الله تعالى: {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ}[إبراهيم:27].
وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الصنف مثلًا بشجرة ثابتة، صامدة، قوية، باسقة، خضراء، نافعة، باقية على هيئتها ما كان فيها حياة، لا تتساقط ولا تتهاوى أمام العواصف، والرياح، بل حتى بعد موتها فهي نافعة للناس، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ». فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ ثُمَّ قَالُوا حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «هِيَ النَّخْلَةُ» (أخرجه البخاري ومسلم).
عندما يتمسك المسلم بدينه، تمسكًا ليس فيه تفريق بين شرائع الإسلام، يكون ذلك غصة في نحور أعداء الله من الكافرين والمنافقين، لأن سعيهم الحثيث ورغبتهم الأكيدة في أن نكون مثلهم كما قال الله تعالى: {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء} [النساء:89]. نحن بحاجة في هذا الزمن إلى أقوام يفهمون الدين فهمًا شموليًا، ويتعاملون مع الشريعةتعاملًا كليًا، فلا يكونوا ممن لا يأخذ من الشريعة إلا ما وافق هواه، وثبَّت له دنيها.
نحن بحاجة إلى ناصحين صابرين مخلصين لا يريدون إلا ما عند الله عز وجل، وإن ضاع مع هذا الصدق شيئًا من دنياهم، فلم يهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا، وما استكانوا، بل يعلمون أن ما عند الله خير للأبرار، قال الله تعالى: {مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء:134].
ليست المسألة أن نفهم بعض قضايا الدين، ونغفل البعض الآخر، ونطبق أجزاء، ونغفل عن أجزاء أخرى، بل الله عز وجل قد أرسل رسله بالهدى ودين الحق، ليكون مهيمنًا وظاهرًا على الأديان بشموليته قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [الصف:9]، فيكون ظاهرًا ولو كره ذلك المشركون، وتأمل قوله تعالى: {وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}، فالمشركون لن يرضوا بهذا الدين بشموليته، بل يريدون منه ما يوافقهم، ولا يصادم معتقداتهم.
فلا يمكن للدين أن يظهر إلا إذا فهم هذا الدين بشموليته علمًا وعملًا، فالهدى الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كما في الآية السابقة هو كمال العلم، ودين الحق هو كمال العمل. (كما قال شيخ الإسلام في مجموع فتاويه [2/59]). لعل ماله رميت بلغ، وما إليه قصدت وصل، فالدين كله لب، والشريعة كلها كل، ولكن أين الحاملون للواء العز، الباذلون في سبيله الغالي والرخيص.

أسأل الله أن يبرم لهذه الأمة أمرًا رشدًا يعز فيه أهل الطاعة، ويذل فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، والله أعلم وصلى الله وسلم على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.


عِنْدَ الْصَبَاح يَحْمَدُ الْقُوْمُ الْسُّرَى

عِنْدَ الْصَبَاح يَحْمَدُ الْقُوْمُ الْسُّرَى

هذه العبارة أصبحت مثلًا يقال، وحكمة تروى لأصحاب الهمم العلية، والنفوس العظيمة الأبية...

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

فقد استهلت سنة ثلاث عشرة للهجرة النبوية والصديق عازم على جمع الجنود ليبعثهم إلى الشام وذلك بعد مرجعه منالحج عملًا بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:123]، وبقوله تعالى: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29].
واقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه جمع المسلمين لغزو الشام وذلك عام تبوك حتى وصلها في حر شديد وجهد فرجع عامه ذلك ثم بعث قبل موته أسامة بن زيد مولاه ليغزو تخوم الشام كما تقدم ولما فرغ الصديق من أمر جزيرة العرب بسط يمينه إلى العراق فبعث إليها خالد بن الوليد ثم أراد أن يبعث إلى الشام كما بعث إلى العراق فشرع في جمع الأمراء في أماكن متفرقة من جزيرة العرب وكان قد استعمل عمرو بن العاص على صدقات قضاعة معه الوليد بن عقبة...
وفي تلك السنة تجهز الروم لحرب المسلمين، فأتوا بخيلهم ورجالهم، وحدهم وحديدهم، وقام هرقل وأمر بخروج الجيوش الرومية بصحبة الأمراء في مقابلة كل أمير من المسلمين بجيش كثيف فبعث إلى عمرو بن العاص رضي الله عنه أخًا له -أي لهرقل- لأبويه اسمه (تذارق) في تسعين ألفًا من المقاتلة، وبعث (جرجه بن بوذيها) إلى ناحية يزيد بن أبي سفيان فعسكر بآرائه في خمسين ألفًا أو ستين ألفًا، وبعث (الدارقص) إلى شرحبيل بن حسنة، وبعث (اللقيقار) ويقال (القيقلان) في ستين ألفًا إلى أبي عبيدة بن الجراح، وقالت الروم: والله لنشغلن أبا بكر عن أن يورد الخيول إلى أرضنا.
أما عسكر أهل الإسلام فكان عددهم إحدى وعشرين ألفًا سوى الجيش الذي مع عكرمة بن أبي جهل وكان واقفًا في طرف الشام ردءًا للناس في ستة آلاف. وعندها كتب الأمراء إلى أبي بكر وعمر يعلمانهما بما وقع من الأمر العظيم، فكتب إليهم أن اجتمعوا وكونوا جندًا واحدًا وألقوا جنود المشركين فأنتم أنصار الله، والله ينصر من نصره، وخاذل من كفره، ولن يؤتى مثلكم عن قلة، ولكن من تلقاء الذنوب فاحترسوا منها، وليصل كل رجل منكم بأصحابه.
وقال الصديق رضي الله عنه: "والله لأشغلن النصارى عن وساوس الشيطان بخالد بن الوليد"، وبعث إليه وهو بالعراق ليقدم إلى الشام فيكون الأمير على من به، فإذا فرغ عاد إلى عمله بالعراق. ولما بلغ هرقل ما أمر به الصديق أمراءه من الاجتماع بعث إلى أمرائه أن يجتمعوا أيضًا، وأن ينزلوا بالجيش منزلًا واسع العطن، واسع المطرد، ضيق المهرب، وجعل على الناس أخوه بندارق، وعلى المقدمة جرجه، وعلى المجنبتين ماهان، والدارقص، وعلى البحر القيقلان.
وعندما بلغ الكتاب خالد بن الوليد رضي الله عنه استناب المثنى بن الحارثة على العراق وسار خالد مسرعًا في تسعة آلاف وخمسمائة، ودليله رافع بن عميرة الطائي، فأخذ به على السماق حتى انتهى إلى قراقر، وسلك به أراضي لم يسلكها قبله أحد فاجتاب البراري والقفار، وقطع الأودية، وتصعد على الجبال وسار في غير مهيع، وجعل رافع يدلهم في مسيرهم على الطريق وهو في مفاوز معطشة، وعطش النوق وسقاها الماء عدلًا بعد نهل، وقطع مشافرها، وكعمها حتى لا تحتز رحل أدبارها، ويقال بل سقاه الخيل وشربوا ما كانت تحمله من الماء، وأكلوا لحومها، واستاقها معه فلما فقدوا الماء نحرها فشربوا ما في أجوافها من الماء، ووصل ولله الحمد والمنة في خمسة أيام فخرج على الروم من ناحية تدمر فصالح أهل تدمر وأركه، ولما مر بعذراء أباحها، وغنم لغسان أموالًا عظيمة، وخرج من شرقي دمشق، ثم سار حتى وصل إلى قناة بصـرى فوجد الصحابة تحاربها، فصالحه صاحبها وسلمها إليه فكانت أول مدينة فتحت من الشام ولله الحمد والمنة.

وبعث خالد بأخماس ما غنم من غسان مع بلال بن الحرث المزني إلى الصديق ثم سار خالد وأبو عبيدة ومرثد وشرحبيل إلى عمرو بن العاص وقد قصده الروم بأرض العربا من المعور، فكانت واقعة أجنادين. وقد كان بعض العرب قال له في هذا المسير إن أنت أصبحت عن الشجرة الفلانية نجوت أنت ومن معك، وان لم تدركها هلكت أنت ومن معك، فسار خالد بمن معه وسروا سروة عظيمة، فأصبحوا عندها فقال خالد: "عِنْدَ الْصَبَاح يَحْمَدُ الْقُوْمُ الْسُّرَى" فأرسلها مثلًا وهو أول من قالها رضي الله عنه [1].
فبعد هذه الرحلة العظيمة من العراق إلى الشام وهذه الرحلة يقطعها الناس في الطريق المعروف في شهر، وخالد قطعها في ثلاثة أيام مع طريق مفازة، وعلى قلة من الماء بل معه جيش جرار فيه الإبل والخيول، وقد سار بهم سيرًا عظيمًا في طريق هو عند العرب مهلكة، وشد بهم المسير حتى سار بهم الليل الطويل، فلما أصبحوا ورأوا إخوانهم قال كلمته المشهورة: "عِنْدَ الْصَبَاح يَحْمَدُ الْقُوْمُ الْسُّرَى".
فهذه العبارة أصبحت مثلًا يقال، وحكمة تروى لأصحاب الهمم العلية، والنفوس العظيمة الأبية...
عند الصَّباح يحمدُ القومُ الْسُّرَى *** وتنجلي عنهم غياياتُ الكرى

عِنْدَ الْصَبَاح يَحْمَدُ الْقُوْمُ الْسُّرَى... للجادين الحازمين، والصابرين المحتسبين، والباذلين الناصحين، جمعوا بين العلموالعمل وآثروهما على ما سواهما، وهجروا الجهل والبطالة...
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "العلم والعمل توأمان، أمهما علو الهمة؛ والجهل والبطالة توأمان، وأمهما إيثار الكسل" [2].
عِنْدَ الْصَبَاح يَحْمَدُ الْقُوْمُ الْسُّـرَى... للقائمين الراكعين، وللساجدين المنيبين في ظلمة الليل، من يراوحون بين أقدامهم من طول القيام، ويستعينون بالركب من طول السجود...
قال الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى: "خرجت حاجًا فدخلت مدينة النبي صلى الله عليه وسلم بليل فأتيت مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فإذا بشاب بين القبر والمنبر يتهجد، فلما طلع الفجر استلقى على ظهره، ثم قال: "عِنْدَ الْصَبَاح يَحْمَدُ الْقُوْمُ الْسُّـرَى" [3]. وصدق ورب الكعبة، فيامن يستعظم أحوال القوم! تنقل في المراقي تصل.
عِنْدَ الْصَبَاح يَحْمَدُ الْقُوْمُ الْسُّرَى... يتلذذ بهذه الكلمات من لله عمل، وله ضحى وبذل، فجلد ذاته على عتبة العبودية، وكسر نفسه في محراب الألوهية، واتعب نفسه لله رب البرية؛ قال القاسم بن راشد الشيباني: "كان زمعة نازلًا عندنا بالحصيب، وكان له أهل وبنات، وكان يقوم فيصلي ليلًا طويلًا، فإذا كان السحر نادى بأعلى صوته يا أيها الركب المعرسون، كل هذا الليل ترقدون؟! ألا تقوم فترحلون، قال: فيتواثبون فتسمع من هاهنا باكيًا، ومن هاهنا داعيًا، ومن هاهنا قارئًا، ومن هاهنا متوضئًا، فإذا طلع الفجر نادى بأعلى صوته: عِنْدَ الْصَبَاح يَحْمَدُ الْقُوْمُ الْسُّرَى" [4].
عِنْدَ الْصَبَاح يَحْمَدُ الْقُوْمُ الْسُّرَى...للمستغلين لأوقاتهم، المحافظين على أعمارهم، الطالبين لرضا ربهم، الساهرين لتحصيل العلم، فهجروا الفراش الوثير، والأرائك والنمارق... قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "من نام على فراش الكسل ، أصبح ملقي بوادي الأسف" [5].
عِنْدَ الْصَبَاح يَحْمَدُ الْقُوْمُ الْسُّرَى... لمن عرف قدر الدنيا وحقارتها، واستعد للآخرة وجنتها، حث داعي الفلاح طائفة التقى والصلاح على أن تؤدي فرضها ونفلها، وترتقي بخضوعها بين يدي ربها درجات السعادة التي كانت أحق بها وأهلها... قال أبو كريمة الكلبي وكان من عباد أهل الشام: "ابن آدم ليس لما بقي في الدنيا من عمرك ثمن، وعند الصباح يحمد القوم السرى، وعند الممات يحمد القوم التقى" [6].
عِنْدَ الْصَبَاح يَحْمَدُ الْقُوْمُ الْسُّرَى... للحاملين أرواحهم فوق أكفهم، والباذلين نفوسهم لربهم، باعوا الدنيا، واشتروا الآخرة، أرخصوا لها كل شيء، الأولاد والذرية، والأموال والحرية، والزوجة والدور العلية.
عِنْدَ الْصَبَاح يَحْمَدُ الْقُوْمُ الْسُّرَى... يعرف المجاهدون مقعدهم من ربهم ومولاهم، فيرضون بربهم ويرضى بهم.
وصدق القائل:
لقد يحمد القوم الْسُّرَى في صباحهم *** زمان تلاق عنده الشمل يجمع
وهـــا أنا أسـري في ظلامي وإنني *** أذم صبـــاحي والخلائـق هجع
أقول لصبري أنت ذخري لدى النوى *** وذخر الفتى حقاً شفيع مشفع

وفي الختام أقول لمن يلوم الباذلين والناصحين، والقائمين العابدين، والمجاهدين الصادقين، أقول لهم بكل صوت مسموع ... عِنْدَ الْصَبَاح يَحْمَدُ الْقُوْمُ الْسُّرَى... نعم ... عِنْدَ الْصَبَاح يَحْمَدُ الْقُوْمُ الْسُّرَى...

عبادة الاستغفار

عبادة الاستغفار

إن الاستغفار ينبغي أن يكون بتذلل وتضرع وانكسار، وخضوع وافتقار، وبعيون دامعة، وقلوب خاشعة، ونفوس إلى رحمة ربها وصفحه وفضله طامعة، وينبغي أن يكون معه حرارة الابتهال، والصدق في السؤال، والتضرع في الحال، والشعور بالفقر إلى المغفرة في الاستقبال.


بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم اهدني وسددني وثبتني

عبادة الاستغفار
الحمد لله الذي جعل الاستغفار للتائبين بابًا، وللمنيبين اعتذاراً، وللعابدين ذكرًا، والصلاة والسلام على خير المرسلين، وإمام المستغفرين، وقدوة الخلائق أجمعين، أعظم من دل على الله، وأرشد إليه، فصلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،
فالاستغفار هو: طلب المغفرة بالمقال والفِعَال؛ وهو لا يَصْلُح إلا لمن آلمته حرقة الذنب، وتاقت نفسه لأعمال البر، وعَلَت هِمْتُهُ لِبُلُوغ مراتب الذكر، فشمر عن ساعدي الجد، وألقى بمفاتيح الغفلة في غيابات الجب.
الاستغفار عبادة ميسورة، يُطيقها الصغيرُ والكبير، والذكرُ والأنثى، ولا يُعيق فاعلها عائق، فيَصْلُح أن يُؤتى بها في الليل والنهار، والسر والإجهار، فلا الجنابة تمنعها، ولا عذر المرأة يحجبها، من أراد فِعْلَها فهي سهلة ميسورة، ومن أراد الإتيان بها فما عليه إلا أن يحرك بها شفتيه ولسانه، وليس إمرارًا على الذهن، أو العقل، أو القلب، وإنما هي ذكرٌ لسانيٌ يطابق القلب.

فعلى المسلم وهو يستغفر بلسانه أن يحرص على حضور قلبه، فأفضل الذكر والاستغفار ما طابق فيه القلب اللسان. إن الاستغفار ينبغي أن يكون بتذلل وتضرع وانكسار، وخضوع وافتقار، وبعيون دامعة، وقلوب خاشعة، ونفوس إلى رحمة ربها وصفحه وفضله طامعة، وينبغي أن يكون معه حرارة الابتهال، والصدق في السؤال، والتضرع في الحال، والشعور بالفقر إلى المغفرة في الاستقبال.

هذه العبادة يُستحب للعبد أن يكون مُتَّصِلاً بها في الليل والنهار، وأفضل أوقاتها الأسحار، حينما ينـزل الكريم الجبار بعظمته وعزته ورحمته إلى السماء الدنيا، وينادي عباده بنداء لطيف: لنيل مصالحهم، وغفران زلاتهم، وقضاء حاجاتهم، فعَنْ أَبِي هريرةَ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:يَ «نْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» (أخرجه البخاري[1145]) .
ومن أفضل أوقاتها أيضًا عند اقتراف العبد للسيئات والأوزار، فهي دواء الذنوب، وعلاج الأوزار والسيئات، فما جُعل من داءٍ إلا له دواء عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَه، وجهله من جهله ، يقول صلى الله عليه وسلم:أ «لا أدلكم على دائكم ودوائكم، ألا إن داءكم الذنوب، ودواءكم الاستغفار». (أخرجه البيهقي في شعب الإيمان[15/180]) عن أنس رضي الله عنه.

فالاستغفار دواء ناجع، وعلاج نافع، يقشع سحب الهموم، ويزيل غيم الغموم، فهو البلسم الشافي، والدواء الكافي، وهو مكفر من مكفرات الذنوب، قال الربيع بن خثيم مرة لأصحابه: ما الداء؟ وما الدواء؟ وما الشفاء؟ قال: "الداء الذنوب، والدواء الاستغفار، والشفاء أن تتوب فلا تعود" (الزهد لأحمد بن حنبل: [ص:70]) .
إن المداومة على الاستغفار له تأثير عجيب بإذن الله تعالى في دفعِ الكروب، ومحوِ الذنوب، ونيلِ المطلوب، وإخراجِ الغل من القلوب، وتفريجِ الهموم، وإزالةِ الغموم، وشفاءِ الأسقام، وذهابِ الآلام، وحلولِ البركة، والقناعةِ بالرزق، والعاقبةِ الحميدة، وصلاحِ النفس والأهلِ والذرية، وإنزالِ الغيث، وكثرةِ المال والولد، وكسبِ الحسنات، وغيرِ ذلك من الفوائد.

جاء رجلُ إلى الحسن البصري رحمه الله تعالى يشكو إليه الجدب والقحط، فأجابه قائلاً: "استغفر الله"، ثم جاءه رجلُ آخر يشكو الحاجة والفقر، فقال له: "استغفر الله "، ثم جاءه ثالث يشكو قلة الولد، فقال له: "استغفر الله"، فعجب القوم من إجابته، حاجات مختلفة ودواء واحد، فأرشدهم بفقهه إلى الفقه الإيماني، والفهم القرآني، والهدي النبوي، وتلا قول الحق تبارك وتعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح:10-12]، (تفسير القرطبي[18/302]).
قال سفيان: دخلت على جعفر بن محمد، فقال: "إذا كثرت همومك فأكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا استبطأتالرزق فأكثر من الاستغفار، وإذا تداركت عليك النعم فأكثر حمدًا لله" (الترغيب في فضائل الأعمال وثواب ذلك لابن شاهين[1/381]).

إن للاستغفار أثر عظيم في محو الذنوب، فمهما بلغت كثرتها، وَعَظُمَ عَدُهَا فإن الاستغفار هو لها، قال صلى الله عليه وسلم: وَ «الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَمْلأَ خَطَايَاكُمْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتُمُ اللَّهَ لَغَفَرَ لَكُمْ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ لَمْ تُخْطِئُوا لَجَاءَ اللَّهُ عز وجل بِقَوْمٍ يُخْطِئُونَ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ» (أخرجه الإمام أحمد[3/238]، والحاكم في المستدرك[4/274]، والطبراني في الدعاء[1805] عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة[1951]).
وعنه أيضًا قال: سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم يقول: «قَالَ اللَّهُ: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ: لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ: إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً » (أخرجه الترمذي[3540]، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة[127]).
وقال علي رضي الله عنه: حدثني أبو بكر رضي الله عنه، وصدق أبو بكر أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلاَّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ. ثم قرأ هذه الآية: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135]» (أخرجه أحمد[1/223]، وأبو داود[1521] الترمذي[406]، وابن ماجه[1395]،وصححه الألباني [2/125]).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فمن أحس بتقصير في قوله، أو عمله، أو حاله، أو رزقه، أو تَقَلُّبِ قَلْبٍ: فعليه بالتوحيد والاستغفار، ففيهما الشِّفَاء إذا كانا بصدق وإخلاص" ( مجموع الفتاوى [11/698]).

الاستغفار يجلب السرور في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا يذهب الله به الهم، ويشرح به الصدر، يقول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَكْثَرَ مِنَ الاِسْتِغْفَارِ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ» (أخرجه الإمام أحمد[1/248]، عن ابن عباس رضي الله عنهما وفيه ضعف).
وفي الآخرة فإنه يجعل العبد في سرور وحبورٍ دائم، يقول صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن تسره صحيفته فليكثر فيها من الاستغفار» (أخرجه الطبراني في الأوسط[939]، والبيهقي في الشعب[1/440] من حديث ابن الزبير، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة[2299]).

قال عبدالعزيز بن عمر بن عبدالعزيز: "رأيت أبي في النوم بعد موته كأنه في حديقة فرفع إلي تفاحات فأولتُهن بالولد فقلت: أي الأعمال وجدت أفضل قال: الاستغفار يا بني" (المنامات لابن أبي الدنيا[ص:29]).
لقد كان الاستغفار ديدنه عليه الصلاة والسلام في كل أحيانه وأوقاته، وكان يحافظ عليه في كل أحيانه، ومجالسه، فما كان يتركه صلى الله عليه وسلم، بل كان لا يفتر لسانه منه ومن ذكر لربه عز وجل، وكان يعلم أصحابه صيغه وأوقاته، ويبين أحواله وأزمانه.
وفيما يلي سنبين صيغه وأحواله، وأماكنه وأزمانه؛ فصيغ الاستغفار الواردة في الكتاب والسنة تأتي على أنواع ثلاثة:
النوع الأول: صيغ مقيدة بحالٍ، أو زمانٍ، أو مكانٍ معينٍ.
النوع الثاني: غير مقيد بصيغة، لكنه مقيد بحالٍ، أو زمانٍ، أو مكانٍ معين، أو عددٍ.
النوع الثالث: صيغ مطلقة غير مقيدة بحالٍ، أو زمانٍ، أو مكانٍ معين.
وبيان هذه الأنواع فيما يلي:
النوع الأول: صيغ مقيدة بحالٍ، أو زمانٍ، أو مكانٍ معينٍ، فيكون ذكرها في هذا الحال، أو الزمان، أو المكان، الذي جاء النص بتقييده مستحب على التأكيد، ومن هذا النوع ما يلي:
1- سيد الاستغفار، فقد كان يقوله صلى الله عليه وسلم حين يصبح، وحين يمسي، فعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّى، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، فاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ» ثم قَالَ: «مَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهْوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهْوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» (أخرجه البخاري[5947]).

2- عند وقوع العبد في الذنب فيقول: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي" ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فِيمَا يَحْكِي عن رَبِّهِ عز وجل قَالَ: «أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ» (أخرجه مسلم[7162]).

3- وكذلك  أيضًا يقول بعد الوقوع في الذنب: "أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ"، فعن أبي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِلِصٍّ اعْتَرَفَ اعْتِرَافًا وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ». قَالَ: "بَلَى". قَالَ: «اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوهُ ثُمَّ جِيئُوا بِهِ». فَقَطَعُوهُ ثُمَّ جَاءُوا بِهِ فَقَالَ لَهُ: « قُلْ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ». فَقَالَ: "أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ". قَالَ: «اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ» ( أخرجه أحمد[5/293]، وأبو داود[4382]، والنسائي[4877]، وابن ماجه[2597]، والحديث صحيح).

4- عند الدخول والخروج من المسجد، فعن فَاطِمَةَ الْكُبْرَى قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ، وقال: «رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ». وَإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ وَقَالَ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ» (أخرجه الترمذي[314]، والحديث صحيح).

5- عند ركوب الدابة، فعن علي بن ربيعة قال: شهدتُ عَلِيًّا أُتِيَ بدابَّةٍ لِيَرْكَبَهَا، فلمَّا وَضعَ رجلَهُ في الرِّكَابِ قَالَ: "بِسْمِ اللَّهِ" ثَلاَثًا فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ" ثُمَّ قَالَ: {سُبْحَانَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ. وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} [الزخرف:من الآية13-14] ثُمَّ قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ" ثَلاَثًا، "وَاللَّهُ أَكْبَرُ" ثَلاَثًا، "سُبْحَانَكَ إِنِّي قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ". ثُمَّ ضَحِكَ. فَقُلْتُ: "مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟!" قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَنَعَ كَمَا صَنَعْتُ ثُمَّ ضَحِكَ، فَقُلْتُ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: «إِنَّ رَبَّكَ لَيَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرُكَ»" (أخرجه أحمد[1/97]، وأبو داود[2604]، والترمذي[3446]، والحديث صحيح).

6- في دعاء الاستفتاح، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ قَالَ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ؛ أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، وَاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ لاَ يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لاَ يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ» (أخرجه مسلم[1848]).

7- عند ختم سورة الفاتحة، فعن وَائِلِ بن حُجْرٍ رضي الله عنه أَنَّهُ سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حِينَ قَالَ:  {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [الفاتحة:من الآية7] ، قَالَ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي آمِينَ» (أخرجه البيهقي[2/58]، والطبراني في الكبير[15/419])، والحديث ضعيف ولا يصح العمل به، وإنما أوردته لبيان ضعفه.

8- عند الركوع، فعن عائشة رضي الله عنها أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» . يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ. (متفق عليه).

9- بين السجدتين، فعن حذيفة رضي الله عنه أَنَّهُ صَلَّى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ فَسَمِعَهُ يقول بين السجدتين: «رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي» (أخرجه أحمد[5/398]، وأبو داود[874]، والنسائي[1069]، وابن ماجه[897]، والحديث صحيح).

10- بين السجدتين في صلاة الليل، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم  يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فِي صَلاَةِ اللَّيْلِ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، وَاجْبُرْنِي، وَارْزُقْنِي، وَارْفَعْنِي» (أخرجه أحمد[1/371]، وابن ماجه [898]، والحديث صحيح).

11- في حال السجود، فعن عائشة  رضي الله عنها قَالَت: "فقدتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  فَظَنَنْتُ أَنَّهُ أَتَى بَعْضَ جَوَارِيهِ فَطَلَبْتُهُ، فَإِذَا هُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ: « رَبِّ اغْفِرْ لِي مَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ»" (صحيح النسائي[1124]).

12- في التشهد الأخير من الصلاة، فعن علي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال في آخره: ثُمَّ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ، مِنِّي أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ» (أخرجه مسلم[1848]).

13- في الصلاة، فعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم علِّمني دُعَاءً أَدْعُو به في صلاتي، قَالَ: «قُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي إِنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (أخرجه البخاري[834])؛ فيقوله في مواضع الدعاء من الصلاة.

14- وفي الصلاة  أيضًا، فعن عَجُوزٍ من بني نُمَيْرٍ أَنَّها سمعت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَوَجْهُهُ إِلَى الْبَيْتِ قالت فَحَفِظَتْ مِنْهُ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ وَجَهْلِي» (أخرجه أحمد[5/270]، والحديث صحيح لغيره).

15- إذا انصرف من صلاته، فعن ثوبان رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاَتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاَثًا، قال الوليد أحد رواة الحديث  فَقُلْتُ: لِلأَوْزَاعِيِّ: "كَيْفَ الاِسْتِغْفَارُ؟" قَالَ تَقُولُ: "أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ". (أخرجه مسلم[1362]).

16- أن يقول في الصلاة مئة مرة: "رَبِّ اغْفِرْ لِي -أو اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي- وَتُبْ عَلَىَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ"، فعن زَاذَانَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الأَنْصَارِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فى صلاة وهو يقول: «رَبِّ اغْفِرْ لِي -أَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي- وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ». مِائَةَ مَرَّةٍ. (أخرجه أحمد[5/371]، وابن أبي شيبة[10/234]، والحديث إسناده صحيح).

17- عندما يأوي المسلم إلى فراشه، فعَن أَبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «منْ قَالَ حِينَ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ. ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، غَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْر،ِ وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ وَرَقِ الشَّجَرِ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ رَمْلِ عَالِجٍ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ أَيَّامِ الدُّنْيَا» (أخرجه البيهقي[3397])، والحديث ضعيف، فلا يصح العمل به في هذا الموضع، وإنما أوردته لبيان ضعفه، وإمكانية العمل به عند الاستغفار المطلق.

18- عندما يستيقظ من الليل، فعن عائشة رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ، اللَّهُمَّ أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي، وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ، اللَّهُمَّ زِدْنِي عِلْمًا، وَلاَ تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي، وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» (أخرجه أبو داود[5063])، والحديث ضعيف، فلا يصح العمل به في هذا الموضع، وإنما أوردته لبيان ضعفه، وإمكانية العمل به عند الاستغفار المطلق.

19- عندما يَتَعَارَّ الإنسان من الليل، أي ينتبه من نومه فجأة، فيسن له أن يدعو بهذا الدعاء، فعن عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، ثُمَّ دَعَا: رَبِّ اغْفِرْ لِي، غُفِرَ لَهُ». قَالَ الْوَلِيدُ أَوْ قَال: «دَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ فَإِنْ قَامَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى قُبِلَتْ صَلاَتُهُ» (أخرجه البخاري [5947]، وأبو داود[5062] واللفظ له).

20- الاستغفار مئة مرة عند الجلوس في المجلس، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال إنْ كنَّا لَنَعُدُّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المَجْلِسِ الوَاحد مِائَةَ مَرَّةٍ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ»، وفي رواية: «إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ». مِائَةَ مَرَّةٍ. (أخرجه أحمد[2/67]، وأبو داود[1518]، والحديث صحيح).

21- في ختام المجلس عامة، فعن أبي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ بِأَخَرَةٍ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ مِنَ الْمَجْلِسِ:  «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ». فَقَالَ رَجُلٌ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ لَتَقُولُ قَوْلاً مَا كُنْتَ تَقُولُهُ فِيمَا مَضَى". قَالَ: « كَفَّارَةٌ لِمَا يَكُونُ فِي الْمَجْلِسِ» (أخرجه أحمد[4/420]، وأبو داود[4859]، والحديث صحيح).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  «مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» ( أخرجه الترمذي[3433]، والحديث صحيح).

22- عند الخروج من الخلاء، فعن عائشة رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ الْغَائِطِ قَالَ: «غُفْرَانَكَ». (أخرجه أحمد[6/155]، وأبو داود[30]، والترمذي[7]، وابن ماجه[300]، والحديث صحيح).
النوع الثاني: غير مقيد بصيغة، لكنه مقيد بحال، أو زمنٍ، أو مكانٍ معين، أو عدد، فالمشروع فيه الاستغفار بأيِّ صيغة من صيغ الاستغفار، ومنه ما يلي:
1- الاستغفار في اليوم أكثر من سبعين مرة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «وَاللَّهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِى الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» (أخرجه البخاري[6307]).

2- الاستغفار مئة عندما يشعر العبد بالغفلة، فعن أَبِي بُرْدَةَ عن الأَغَرِّ أَغَرِّ مُزَيْنَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُول: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي حَتَّى أَسْتَغْفِرَ اللَّهَ مِائَةَ مَرَّةٍ» (أخرجه مسلم[7033]).

3- الاستغفار ثلاثًا، فعن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ يَدْعُوَ ثَلاَثًا وَيَسْتَغْفِرَ ثَلاَثًا، (أخرجه أحمد [1/394]، وأبو داود[1526])، والحديث ضعيف.

4- عند السَّحَر، يقول الله تعالى: {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات:18]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» (متفق عليه).

5- عند إرادة الثبات على دين الله عز وجل، يقول الله تعالى: {فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ} [فصلت:من الآية6]، فلازمالاستقامة على أمر الله ملازمة الاستغفار لله، فإن الاستغفار سبب من أسباب الثبات على الاستقامة.

6- بعد إفاضة الحاج من عرفات، يقول الله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة:199].

7- عند طلب نزول الغيث، يقول الله تعالى على لسان هود عليه السلام: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ} [هود:52]؛ وقال تعالى على لسان نوح عليه السلام: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [نوح:10-11].

8- عند طلب الولد، وقضاء الديون، وسعة الرزق من مال وجنان، يقول الله تعالى على لسان نوح عليه السلام: فَ {قُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح:10-12]، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ أَكْثَرَ مِنَ الاِسْتِغْفَارِ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ» (أخرجه الإمام أحمد[1/248]، عن ابن عباس رضي الله عنهما وفيه ضعف).

9- عند إرادة التمتع في هذه الحياة الدنيا بالمتاع الحسن، فيتمتع بالمنافع، وسعة الرزق، والسلامة من الاستئصال بالعذاب، يقول الله تعالى: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا} [هود:من الآية3]، وقال تعالى على لسان نوح عليه السلام لما أمر قومه بالاستغفار: {وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح:من الآية12].

10- عند التوبة من الذنب، يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران:135]؛ وقال تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء:110]، وقال تعالى على لسان نوح عليه السلام:{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} [نوح:10]، ويقول صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» (أخرجه مسلم[7141]) عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ وعن علي رضي الله عنه قال: حدثني أبو بكر رضي الله عنه، وصدق أبو بكرأنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلاَّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، ثم قرأ هذه الآية: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135]» (أخرجه أحمد[1/223]، وأبو داود[1521] الترمذي[406]، وابن ماجه[1395]،وصححه الألباني [2/125]).

11- عند إرادة الأمن من العذاب، يقول الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال:33].

12- من كان به حدة في الطبع، وغلظ في القول، أو تقصير في حق الأهل والقرابة، فعن حذيفة رضي الله عنه قال: كانَ فِي لِسَانِي ذَرَبٌ عَلَى أَهْلِي أي حدة وشدة وَلَمْ يَكُنْ يَعْدُوهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «أَيْنَ أَنْتَ عَنْ الاِسْتِغْفَارِ؟ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ» (أخرجه الدارمي في مسنده[2765]، والبيهقي في الدعوات[166،146]). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "إذا وجد العبد تقصيرًا في حقوق القرابة، والأهل، والأولاد، والجيران والإخوان، فعليه بالدعاء لهم، والاستغفار" (مجموع الفتاوى[11/698]).

13- الاستغفار المطلق في كل زمان ومكان، وعلى كل حال يناسب الاستغفار، يقول الله تعالى: {وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} [هود:90]؛ وقال تعالى: {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المزمل:20].

النوع الثالث: صيغ مطلقة غير مقيدة بحالٍ، أو زمانٍ، أو مكانٍ معين؛ ومن هذه الصيغ ما يلي:
1- عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي كُلِّهِ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ وَعَمْدِي وَجَهْلِي وَهَزْلِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»، (متفق عليه).

2- عن زيد مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:  «مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ» (أخرجه أبو داود[1519]، وأخرجه الترمذي[3577]، والحديث صحيح).

3- عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ من قَول: «سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ» ؛ قالت: فقلت: "يا رسول الله أراك تُكثر من قول: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ"، فَقَالَ: «خَبَّرَنِي رَبِّي أَنِّي سَأَرَى عَلاَمَةً فِي أُمَّتِي فَإِذَا رَأَيْتُهَا أَكْثَرْتُ مِنْ قَوْلِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ. فَقَدْ رَأَيْتُهَا: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} فتح مكة  {وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر1-3] » (أخرجه مسلم[1116]).

4- عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَاهْدِنِي لِلطَّرِيقِ الأَقْوَمِ»، وفي رواية عنها بلفظ: «رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَاهْدِنِي السَّبِيلَ الأَقْوَمَ» (أخرجه أحمد[6/303]،[6/315]، والحديث ضعيف).
ومما سبق يتبين صيغ الاستغفار الواردة في الكتاب والسنة، وبيان أوقاتها وأحوالها وأزمانها؛ وبعد هذا البيان فللمكلف أن يستغفر ربه بما ورد تقييده بوقت أو مكان أو حال على أنه ذكر مطلق، أو استغفار عام فهذا لا حرج فيه، شريطة أن يقصد به الاستغفار المطلق لا المقيد.

مسألة:
انتشر بين الناس في هذه الأيام أن بعضهم يستغفر بنية معينة، لتحقيق أمر ما، كمن يريد الرزق مثلاً فإنه يستغفر الله بنية الرزق، وكذا من يريد الذرية فإنه يُكثر من الاستغفار بنية الذرية، فهل يجوز له ذلك؟
فالقول في ذلك والله تعالى أعلم أن هذا الأمر لا بأس به، فقد جاء في قول الله تعالى في سورة نبي الله نوح: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح:10-12].
فالآية فيها دلالة على أن الاستغفار بنية الرزق سواءً مطرًا، أو ولدًا، أو حصول الخيرات ونحوه واقع وموعود به، وبهذا أجاب الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى ذلك الرجل الذي جاءه يشكو الجدب والقحط، فأجابه قائلاً: "استغفر الله"، ثم جاءه رجلُ آخر يشكو الحاجة والفقر، فقال له:"استغفر الله"، ثم جاءه ثالث يشكو قلة الولد، فقال له: "استغفر الله"، فعجب القوم من إجابته، حاجات مختلفة ودواء واحد، فأرشدهم بفقهه إلى الفقه الإيماني، والفهم القرآني، والهدي النبوي، وتلا قول الحق تبارك وتعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح:10-12]، (تفسير القرطبي[18/302] بتصرف). وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ أَكْثَرَ مِنَ الاِسْتِغْفَارِ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ» (أخرجه الإمام أحمد[1/248] عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه ضعف).

والمفهوم من هذه النصوص وأمثالها أن الاستغفار وسيلة من الوسائل التي يمكن للعبد أن يستعملها لتحقيق مطلوبه من إنزال المطر، واستجلاب الرزق، والذرية، والقوة، وحصول مغفرة الذنوب، وتفريج الكروب، والخروج من الهموم.
وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يُكثر من الاستغفار إذا أشكلتْ عليه مسألة، يقول رحمه الله تعالى: "إنه ليقف خاطري في المسألة والشيء، أو الحالة التي تُشْكِل عليّ فأستغفر الله تعالى ألف مرة أو أكثر أو أقل حتى ينشرح الصدر، ويَنْحَلّ إشْكال ما أشْكَل" (ابن تيمية بطل الإصلاح الديني[ص:17] بتصرف) .
لكن: هل لمن استغفر بقصد دنيوي أجر عند الله تعالى، أم هو ممن استعجل الدنيا كما قال تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ . أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}  [هود:15-16]؟
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "من عمل صالحاً التماس الدنيا لا يعمله إلا لالتماس الدنيا فلا يوفى إلا في الدنيا، والذي التمس في الدنيا من المثوبة فهو في الآخرة من الخاسرين" أ.هـ (تفسير ابن كثير[2/577] بتصرف).
فهذا يدل على أن الإنسان إذا عمل عملاً صالحاً أراد به الدنيا فقط، ولم يقصد به ثواب الآخرة أنه لا ثواب له في الآخرة، وأما إن قصد به ثواب الآخرة فقط، أو ثواب الآخرة وحصول المقصود في الدنيا فإنه يثاب على ذلك. والله تعالى أعلم.
أسأل الله أن يجعلنا له من المستغفرين المنيبين، ومن الذاكرين الشاكرين، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم


Popular Posts

Blog Archive