background img

The New Stuff

الصيام بين اليهودية والمسيحية والإسلام

الصيام بين اليهودية والمسيحية والإسلام

إنّ الصيام في الإسلام يُعْرف برؤية الهلال، وهو كفّ النفس عن اللّذات الثلاثة: (الطعام، والشراب، والجماع) في أوقات الإمساك، والترخيص بها في الإفطار. وقد راعى الإسلام ذوي الأعذار فأباح لهم الفطر. وجعل الإسلام القيام في لياليه والاعتكاف بالمساجد في أواخره حملاً للنفس على التزكية وترغيبًا لها في الخير. ثُمّ يعقبه ما يدلُّ على البهجة، ونباهة حال المِلًّة، وهو عيد الفطر، وليس للأديان الأخرى مثل هذه المزيّة


إنّ الصيام في الإسلام يُعْرف برؤية الهلال، وهو كفّ النفس عن اللّذات الثلاثة: (الطعام، والشراب، والجماع) في أوقات الإمساك، والترخيص بها في الإفطار. وقد راعى الإسلام ذوي الأعذار فأباح لهم الفطر. وجعل الإسلام القيام في لياليه والاعتكاف بالمساجد في أواخره حملاً للنفس على التزكية وترغيبًا لها في الخير. ثُمّ يعقبه ما يدلُّ على البهجة، ونباهة حال المِلًّة، وهو عيد الفطر، وليس للأديان الأخرى مثل هذه المزيّة (انظر: الإعلام بمناقب الإسلام. ص 144).

وقد عبَّرالغزالي عن فلسفة الصيام في الإسلام قائلاً: "اعلم أن الصّوْم ثلاث درجات: صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص. أما صَوْم العموم: فهو كفّ البطن والفرج عن قضاء الشهوة كما سبق تفصيله. وأما صوم الخصوص: فهو كفّ السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام. وأما صوم خصوص الخصوص: فصوم القلب عن الهمم الدنِيَّة والأفكار الدنيوية، وكفّه عما سوى الله عزّ وجل بالكلية" (أبو حامد الغزالي: أسرار الصوم، [ص:40]، تحقيق ماهر المنجد، ط 1، 1417هـ / 1996م، دار الفكر – دمشق).

"وتعدّ فريضة الصيام من أقدم التشريعات اليهودية بعد شعيرة تقديم القرابين في الهيكل التي اختفت وحلت محلها الصلاة اليهودية. ويتسع مفهوم الصيام كثيرًا لدى اليهود؛ وسبب ذلك راجع إلى اجتهاداتهم في إيجاد أنواع منه، جُلّها مرتبط بالحدث التاريخي، وما أفرزته طبيعتهم العدائية للأمم التي عايشوها، أو عاصروها، والتي غلب عليها طابع الحزن؛ نتيجة تعرضهم للمحن" (أ. ناصر الدين الكاملي: الصوم في القديم والحديث، [ص:21]، د. ت. مطبعة الكونكورد).

والصوم لدى اليهود نوعان:

1- فردي (شخص) ويُسَمى صوم الأسر، ويقع في حالات الحزن الفردي، أو عند التكفير عن خطيئة.

2- جماعي، وهو غير ثابت، وغالبًا ما يفعلونه عند حدوث حزن عام يقلقهم، كالصوم عند رداءة المحصول، أو غارات الجراد، أو الهزائم في الحروب (أ. عبد الرزاق رحيم صلال: العبادات في الأديان السماويّة، [ص:102]، وقارن: د. حسن ظاظا: الفكر الديني الإسرائيلي أطواره ومذاهبه، [ص:68]، ط 1971م، معهد البحوث والدراسات العربية – الإسكندرية).

"وقد ظهر عند اليهود ما يُسمّى بصيام الصمت، وهو استغراق الصامت في صمته، ضاربًا على نفسه ثوب التوبةمن الخطايا والندم على ما اقترفه اللسان من بذيء الكلام وفاحشه. وهذا النوع من الصيام معروف في الديانات القديمة، وليس وقت محدد" (أ. عبد الرزاق رحيم صلال: العبادات في الأديان السماويّة، [ص:110]).

وقد أشار القرآن إلى صيام الصمت في قوله تعالى على لسان مريم: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} [مريم:26]. وقد وردت الإشارة إلى هذا الصيام في نصوص التوراة، من ذلك: "شقَّ ثيابه وجعل مسحًا على جسده وصام واضطجع بالمسح ومشى بسكوت" (الملوك الأول 21: 27). وأيضًا: "ارتعِدوا ولا تُخطِئوا، تكلموا في قلوبكم على مضاجعكم واسكتوا" (مزمور 4: 4).

وفي الأسر البابلي صام اليهود أربعة أيام هي:

1- صوم الشهر الرابع من تموز: في ذكرى تدمير أورشليم والهيكل 587 ق. م، لكنهم تركوا هذا الصوم بعد إعادة بناء الهيكل.

2- صوم الشهر الخامس من آب.

3- صوم الشهر السابع من شهر تشرى.

4- صوم الشهر الثامن من شهر تبيتو.

وكان بعض الربانيين يعدُّون صوم هذه الأيام واجبًا عند الأزمات، وهناك أيام أخرى للصوم وضعوها لإحياء ذكرى بعض الأيام، خاصّة أيام النكبات، ولم يتقبلها عامة الناس (قاموس الكتاب المقدس (أنا الألف والياء) لمجموعة من علماء اللاهوت، [ص:17-20]، ط 1989م، دار المشرق – بيروت).

والصيام الوارد عند اليهود في التوراة: هو الصيام الأربعيني، ورد في التوراة: "وكان -أي: موسى عليه السلام- هناك عند الرّبّ أربعين نهارًا وأربعين ليلة لم يأكل خبزًا، ولم يشرب ماءً" (الخروج 34:28).

والمُلاحظ من النص التوراتي، ما يلي:

أ- الصّوْم الموسوي كان للتقرب إلى الله واستقبال وحيه.

ب- لم يُصرِّح النّصُّ بفرض هذا الصيام الأربعيني على العامة، ورغم ذلك فقد استند النصارى إلى هذا النَّصّ لفرض الصيام بوجه عام.

ج- امتناع موسى عليه السلام عن الطعام والشراب جميعًا، وهذا لم يلتزم به اليهود والنصارى؛ بل لم ترد إليه إشارة في صيامهم على الإطلاق.

د- هذه الأربعون يومًا لم يرد في النصوص تحديدها بين أيام السنة (د. أحمد غنيم: فلسفة الصيام في الديانة اليهودية، والنصرانية، وفي الإسلام. [ص:12]، طـ 1، 1405هـ / 1985م، مطبعة حسَّان – القاهرة).

غير أنّ دائرة المعارف اليهودية ترى أن الصيام الوحيد الذي لم يرد غيره في التشريع الموسوي هو صيام يوم الغفران (يوم كبور): "ويكون لكم فريضة دهرية أنكم في الشهر السابع في عاشر الشهر تذلّلون نفوسكم، وكل عمل لا تعملون الوطني، والغريب النازل في وسطكم" (اللاويين 16:29).

"ويبدأ اليهود صيامه قبل غروب الشمس بنحو ربع ساعة إلى ما بعد غروب الشمس في اليوم التالي بنحو ربع ساعة، فهو لا يزيد بحال عن خمس وعشرين ساعة متتالية، وهو عاشوراء اليهود، وما زال فيهم حتى اليوم" (موسوعة الكتاب المقدس لمجموعة من الباحثين، [ص:33]، ط 1993م. دار منهل الحياة – لبنان).

وقيل: "إن مدة يوم الغفران هوسبع وعشرون ساعة من قبل مغيب الشمس لليوم الأول إلى ما بعد غياب الشمس لليوم الثاني" (أ. عبد الرزاق رحيم صلال: العبادات في الأديان السماويّة، [ص:103]).

"فكأنَّها اعتبرت ما ورد عن صيام موسى عليه السلام أربعين يومًا كان خِصيصة له وحده، رغم أن الكنيسة النصرانية قد ألزمت أتباعها بالصيام الأربعيني" (د. أحمد غنيم : فلسفة الصيام في الديانة اليهودية، والنصرانية، وفي الإسلام. [ص:14]).

"والشيء المثير للعجب أنهم -أي اليهود- اختلفوا في توقيت الصيام بعد موسى عليه السلام. وقد اهتم شُرّاح العهد الجديد بالصيام رغم اعترافهم بعدم وجوب فرضه فيه، ويعتبرونه إلى جنب الصلاة والصلاة والصدقة أحد الأركان الأساسية لدينهم" (أ. عبد الرزاق رحيم صلال: العبادات في الأديان السماويّة، [ص:181]).

وما جاءت به النصرانية عبر مراحل تأثرها وتطورها يصعب تسميته بشرع سماوي، فالكثير الغالب فيه تشريع كنسي وضعه القساوسة والرهبان وصادقت عليه مجامعهم الكنسية التي عدت قراراتها ذات قدسية ملزمة على كل نصراني. وليس في العهد الجديد وصية تطلب الصوم، إنما يُفْهم أنه أمر اختياري يلجأ إليه النصراني عند الحاجة، ويقترن بالصلاة والتذلل، وليس في الكتاب المقدس -عند أهله- ما يحظر التنادي إلى يوم صوم وصلاة في كنيسة من الكنائس ولأجل حاجة ما" (انظر: [اللاويين 16: 29]، [صموئيل الثاني 12: 16، 20]، [إشعياء 58: 3 – 5]، [يونان 3: 5]).

والمتصفح لسيرة المسيح عليه السلام من خلال الأناجيل يبدو له أنه أراد للصائمين عدم إظهار صومهم للآخرين؛ حتى لا يصبحوا مرائين به، كما كان يفعل اليهود آنذاك، وبما أن الصوم عبادة نسكية وتوجه إلى الله تعالى نجد أن المسيح عليه السلام يحثُّ أتباعه على الصوم، ويمدحه (انظر: [متى 6: 16 - 18]، وأيضًا: [معجم اللاهوت الكتابي [ص:488]).

ويرى فريق من النصارى "أنّ المسيح عليه السلام لم يفرض عليهم صيامًا إلا الصوم الكبير (صوم يوم الكفارة)" السابق لعيد الفصح (أ. عبد الرزاق رحيم صلال: العبادات في الأديان السماويّة، [ص:182]).

"ومع ظهور البواكير الأولى للتشريع الكنسي تحددت بعض معالم الصيام، وما يجب تناوله من طعام، وما لا يجب عندما عرف الصيام بأنه "شريعة كنسية تكيفها الكنيسة حسب مقتضيات الزمان والمكان" (د. علي الخطيب: الصيام من البداية حتى الإسلام، [ص:151]، ط 1، 1980م. المكتبة العصرية – بيروت).

ويمكن تقسيم الصيام حسب الطوائف النصرانية إلى ثلاثة أقسام هي:

1- الصيام في الكنيسة الكاثوليكية:
"ويبدأ عندهم في منتصف الليل إلى نصف النهار، ويلتزم به مَنْ بلغ السابعة من العمر، وينتهي بالستين للرجال، والخمسين للنساء. والصيام اللازم في الكاثوليكية: هو الصيام الكبير، ويمتنعون عن أكل اللحم والألبان والبياض (البيض، والجبن، والحليب، والزبد) يومي الأربعاء والجمعة، لكنهم يلتزمون -اليوم- صيام يوم واحد" (د. علي الخطيب: الصيام من البداية حتى الإسلام، [ص:151]، ط 1، 1980م، المكتبة العصرية – بيروت).


"وقد أعطت الكنيسة الكاثوليكية السلطة لرجال كنيستها بإعفاء من رغب من أتباعها من الواجبات الدينية ومنها الصيام، مما مكنها من فرض أصوام متفاوتة بجانب فرائض أخرى على المتهمين بجرائم متفاوتة، يمارسونها عدة سنوات لا شهورًا وأيامًّا، وهكذا بقي في قانون الكنيسة العالمي (الكاثوليكي) الصيام في جميع أيام الأحد ويوم القديس (مرقس) وأسبوع الفصح وأيام الطلبات (البركات) وجميع أيام السبت والجمعة" (د. علي الخطيب: الصيام من البداية حتى الإسلام، [ص:152]، وأيضًا: أغناطيوس فرزلي: التعليم المسيحي الأرثوذكسي، [ص:84]، د. ت. مطبعة أناتوليى – الإسكندرية).

2- الصيام في الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية:
تتفق الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية مع نظيرتها الكاثوليكية في الصوم الكبير باعتباره أهم وأعمّ أنواع الصيام ومدته خمسون يومًا أو خمسة وخمسون يومًا ولديهم طريقة فلكية لضبط وقته من عام إلى عام، حيث إن النسيء يحول دون وضع تاريخ ثابت له، وينبغي أن يبدأ بيوم الإثنين.


ولها أصوام أخرى أهمها:

أ- صوم الأربعين يومًا؛ ويصومون قبلها أسبوعًا سموه أسبوع الاستعداد وبعده أسبوعًا آخر سموه أسبوع الآلام.

ب- صوم الميلاد؛ ومدته أربعون يومًا من 25 من نوفمبر إلى 6 من يناير.

ج- صوم العنصرة (الرسل)؛ وتمارسه الكنيسة منذ عصر الرسل ليس عدد محدد من الأيام، ويترك أمره بيوم "أحد العنصرة". فإذا زادت أيام الصوم، وإذا تأخر انقضت وتنتهي تقريبًا في 11 أيلول.

د- صوم العذراء؛ ومدته خمسون يومًا.

هـ - صوم نينوى؛ ومدته ثلاثة أيام، ويعتقدون أن يونس عليه السلام قد بدأ هذا الصيام ببطن الحوت (يونان 1: 17).

و- وللكنيسة صيام آخر متفاوت بين اليوم والثلاثة: ويُسمّى صيام البراموت (الاستعداد) (القس شنودة يوحنا: الصوم في كنيستنا القبطية الأرثوذوكسية، [ص:25]، ط 1963م، مطبعة الإسكندرية).

3- الصيام في الكنيسة البروتستانتية:
وتترك الكنيسة البروتستانتية مسألة الصوم الشخصي الذي يقرر فيه الصائم لنفسه الصوم، وكيفيته، وَفْقَ رغبته الشخصية النابعة عن إحساسه الذاتي، فإذا ما صام وأفطر يحلّ له أكل ما يشتهيه من المأكولات، فهو عندهم مستحب وليس بواجب. وتختلف الكنيسة البروتستانتية عن الأرثوذكسية القبطية؛ بأن الأولى تنكر الصيام والثانية تتمسك به" (د. علي الخطيب: الصيام من البداية حتى الإسلام، [ص:161-162]).


4- صيام طائفتي الأرمن والقبط:
إنّ أشدّ أنواع الصيام عند النصارى هو عند الأرمن والقبط: إذ يصومون الأربعاء والجمعة من كل أسبوع إلا ما وقع منها بين الفصح والصعود، ويصومون عشرة أسابيع من كل سنة، وهي:


- بعد الأحد الأول من عيد الثالوث.
- بعد عيد التجلي.
- بعد عيد الصليب في أيلول.
- بعد الأحد الثالث عشر من عيد الثالوث.
- بعد الواحد والعشرين من عيد الثالوث.
- الصوم السابق لعيد الميلاد.
- صوم الميلاد.
- صوم المر.
- صوم الفصح (بطرس البستانى: دائرة المعارف، جـ 11، [ص:70]).

وفي نهاية بحثنا عن الصيام عند النصارى أذكر ما اتفقت عليه الفرق النصرانية بخصوص الصيام، فهي قد رفعت الأناجيل من طريق التشريع وأبعدتها عن التوجه له، وأعطت الكنيسة وحدها هذا الحق، كما أنها لم تر بأسًا بالاتصال الجنسي بين الزوجين فهذا لا شأن له بالصيام ولا يفسده من قريب أو بعيد.


واختلفت في نقاط عدة منها:

- لون التكليف بالصيام، فلا اتفاق بينها على أن يكون فرضًا.

- لا اتفاق بينهما في بداية أو نهاية مدة الصيام، وأمر ذلك متروك للصائم ينهيه متى شاء ما دام لا يطيق الاستمرار على ذلك.

- الصمت يقبل عليه الكاثوليك أكثر من غيرهم، وله شأن في برامجهم الدينية.

- أقرت الكنيسة الكاثوليكية صيام السبت، ومنعه الأرثوذكس إلا في سبت واحد يقع قبل عيد القيامة مباشرة (د. علي الخطيب: الصيام من البداية حتى الإسلام، [ص:162-163]. وقارن: د. سعود عبد العزيز الخلف: دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية، [ص:268-269]، ط 1، 1418هـ / 1997م، مكتبة أضواء السلف – الرياض).

وفيما ذكرته يتضح لنا أن المسيح عليه السلام لم يصم أو يدعو إلى صيام ما صاموه آنفًا، فهو صام أربعين يومًا في البرية فقط. وجميع صيام النصارى متأثر بما توارثوه من الأمم الوثنية، خاصة الهنود والفرس واليونان والبابليين (بطرس البستاني: دائرة المعارف، ج 14، [ص:397]).


وفي المانوية فرض ماني عليهم صيام سبعة أيام أبد الدهر من كل شهر (ابن النديم: الفهرست، [ص:396]، وأيضًا: أرثر كريستنسن: إيران في عهد الساسانيين، [ص:183]).

ولم يكن الصيام موجودًا فقط في اليهودية والمسيحية والإسلام؛ بل كان موجودًا في سائر الأمم السابقة، عبر الزمان والمكان. بل إنّ كلمة الصيّام قد استقرّت في التيوتونية العتيقة (اللغة القديمة للشعوب الألمانية، والإسكندنافية، والإنجليزية)، وفي اللاتينية، واليونانية، كما احتل الصيام مكانة بارزة عند فارس، والهند، حتى قيل: "إن الصيام عُرْف دينيّ عالميّ (د. أحمد غنيم: فلسفة الصيام "في الديانة اليهودية، والنصرانية، وفي الإسلام"، [ص:6]).

وفي نهاية بحثنا أذكر أنّ الله تعالى بَيّن الغاية والهدف من الصيام بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183].

والصوم عبادة روحية تربوية تهذيبيّة ليس المراد منها صيام البطون عن الطعام، وإن كان للجسد نصيبه من فوائد الصوم، وإنما المطلوب أيضًا صيام الجوارح عن الحرام.

بشر المشائين في الظلم بالنور التام يوم القيامة

بشر المشائين في الظلم بالنور التام يوم القيامة

قال عليه الصلاة والسلام : « بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة » [رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني].


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..
أما بعد: 
فلقد اصطفى الله جل وعلا ولد إسماعيل من ذرية آدم، واختار كنانة من ولد إسماعيل، واختار قريشا من كنانة، واختار بني هاشم من قريش، واصطفى محمدا صلى الله عليه وسلم من بني هاشم ليكون خير البرية وأزكى البشرية..
وخاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد الأولين والآخرين..
واصطفى الله جل وعلا جبريل عليه السلام ليكون الروح الأمين، والمبلغ عن رب العالمين، قال تعالى : { الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير } [الحج:75]

واصطفى الله سبحانه وتعالى دين الإسلام ليكون الدين عنده، ولن يقبل من أحد دينا سواه..{ إن الدين عند الله الإسلام}[آل عمران: 19].. 
{ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} [آل عمران:85].
واصطفى الله تعالى القرآن ليكون أفضل كتبه وأكملها، والمهيمن عليها: { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه } [المائدة:48]

وهكذا.. يصطفي الله تعالى ما يشاء لحكم يعلمها سبحانه.. وأما في دين الإسلام فقد فضلت الصلاة على سائر العبادات خلا التوحيد.. واصطفاها الله تعالى لتكون الفيصل بين الإيمان والكفر.. « العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر » [رواه الترمذي وغيره].. و « بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة » [رواه مسلم]. 

ولذا فلم تكن الكيفية التي فرضت بها الصلاة كسائر العبادات، بل عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء وفرضت عليه بلا واسطة، لتعلم الأمة منزلتها ولتقدر هذه العبادة قدرها. 
وخصت صلاة الفجر بمزيد من الفضل، وحفت بجزيل الثواب والأجر.. فهي محك الإيمان، وعلامة التسليم والإذعان..
يتمايز فيها المؤمن من المنافق، قال ابن عمر رضي الله عنهما : « كنا إذا فقدنا الرجل في الفجر والعشاء أسأنا الظن به» [رواه الطبراني وابن خزيمة]. 

رتب الشارع الحكيم على المحافظة عليها أجورا لم ينلها غيرها..
فصاحب صلاة الفجر محاط بالفضائل، ومبشر بعظيم البشائر..
فمنذ خروجه من بيته لأداء الصلاة والبشائر تنهال عليه من كل جانب.. 

قال عليه الصلاة والسلام : « بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة » [رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني]. 
وإذا أدى سنة الفجر فهي خير من الدنيا وما فيها. فعن عائشة- رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها » [رواه مسلم].. يعني سنة الفجر. 

وحين يجلس ينتظر الصلاة فهو في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه ، « ومن جلس ينتظر الصلاة صلت عليه الملائكة، وصلاتهم اللهم اغفر له اللهم ارحمه » [رواه احمد]. 
حتى إذا ما أقيمت الصلاة وشرع في أدائها فيا للفوز والأجر، ويا لعظيم الفضل وجليل البشر..

هاهو يقف بين يدي الله وتشهد له ملائكة الله، قال تعالى: { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا } [الإسراء: 78]. 

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر » قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم { إن قرآن الفجر كان مشهودا} [متفق عليه]
وقال صلى الله عليه وسلم « لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها » [رواه مسلم]..
يعني الفجر والعصر. 

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من صلى البردين دخل الجنة »[متفق عليه]..
والبردان هما الفجر العصر. 

ويرجى لمن حافظ عليها وعلى صلاة العصر الفوز برؤية الجبار جلا وعلا، فعن جرير بن عبد الله- رضي الله عنه قال: كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا نظر إلى القمر ليلة البدر ، فقال : « أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر ، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها » [متفق عليه]. 
يعني العصر والفجر. 

قال الحافظ ابن حجر: قال العلماء: ووجه مناسبة ذكر هاتين الصلاتين عند الرؤية، أن الصلاة أفضل الطاعات، وقد ثبت لهاتين الصلاتين من الفضل على غيرهما ما ذكر من اجتماع الملائكة فيهما، ورفع الأعمال، وغير ذلك، فهما أفضل الصلوات، فناسب أن يجازي المحافظ علهما بأفضل العطايا، وهو النظر إلى الله تعالى..

وعن عثمان بن عفان- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله » [رواه مسلم]. 
ولا ينقطع الفضل بانقضاء الصلاة، ولا ينتهي بانتهاءها..

لكنه ما يزال في أجر عظيم وفضل كبير، تحيطه عناية الله، وتستغفر له ملائكة الله.. فعن علي- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « من صلى الفجر ثم جلس في مصلاه صلت عليه الملائكة، وصلاتهم عليه اللهم اغفر له اللهم ارحمه » [رواه أحمد]. 

فإذا ما قويت عزيمته، وغلب نفسه، وجلس حتى تشرق الشمس فقد فاز بأجر حجة وعمرة.. فعن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة » [رواه الترمذي وصححه الألباني].. 

ولا تزال البشائر تتوالى عليه، ولا يزال حفظ الله تعالى مبذولا إليه..
فعن جندب بن عبد الله- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه على وجهه في نار جهنم » [رواه مسلم]. 

الله أكبر..أرأيتم كم للمحافظ على هذه الصلاة من خير وفضل..
وكم يضيع المتخلف عن صلاة الفجر من عظيم الأجر..
نعم..إنه لا يحرم من هذا الفضل إلا محروم..

ويا ليت الأمر ينتهي عند التفريط في الفضل، والحرمان من الأجر، ولكن يترتب على التهاون في الصلاة مزالق عظيمة، وعواقب وخيمة..
فعن سمرة بن جندب- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رؤياه التي رآها فقال: "إنه أتاني الليلة آتيان وإنهما قالا لي انطلق وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه فيتهدهد الحجر هاهنا فيتبع الحجر ويأخذه فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان ثم يعود عليه يفعل به مثل ما فعل المرة الأولى، قال: قلت لهما: سبحان الله! ما هذا؟ قال: قالا لي انطلق، قال: فانطلقنا.. وفي آخر الحديث قال صلى الله عليه وسلم : « قالا لي: أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة » [رواه البخاري]. 
وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم : « يفعل به ما رأيت إلى يوم القيامة » [رواه أحمد]. 
نعوذ بالله من شديد غضبه، وأليم عقابه..

ثم إن التهاون في أداء الصلاة مع الجماعة من علامات النفاق.. 
صلى النبي صلى الله عليه وسلم الفجر يوما ثم قال : « أشهد فلان الصلاة؟، قالوا: لا، قال: وفلان؟، قالوا: لا، قال: إن هاتين الصلاتين من أثقل الصلاة على المنافقين ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا » لحديث [رواه النسائي]. 

وفي الصحيحين عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، لقد هممت أن آمر المؤذن فيقيم ثم آمر رجلا يؤم الناس ثم آخذ شعل من نار فأحرق من لا يخرج إلى الصلاة بعد" وفي حديث آخر: "والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء » [متفق عليه]. 

وذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم رجل نام حتى الصبح ولم يصل فقال : « ذاك رجل بال الشيطان في أذنه » [متفق عليه]. 
والأخطر من ذلك أن من أهل العلم من يرى أن من تخلف عن صلاة الفجر حتى يخرج وقتها متعمدا فقد كفر- استنادا على ما ورد من الأحاديث..
وبغض النظر عن رجحان هذا القول من عدمه، ولكن يكفينا شدة أن نعلم أن العلماء قد اختلفوا في ذات إسلام من فرط في صلاة الفجر عامدا حتى يخرج وقتها. 
نسأل الله تعالى العفو والعافية..

أخي الكريم: 
أين أنت من هؤلاء؟

• عن برد مولى سعيد بن المسيب قال: ما نودي بالصلاة منذ أربعين سنة إلا وسعيد في المسجد. 

• وقال وكيع بن الجراح عن الأعمش سليمان بن مهران: كان الأعمش قريبا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى. 

• وقال محمد بن المبارك الصوري: كان سعيد بن عبد العزيز التنوخي إذا فاتته صلاة الجماعة بكى. 

• وروي عن محمد بن خفيف أنه كان به وجع الخاصرة فكان إذا أصابه أقعده عن الحركة فكان إذا نودي بالصلاة يحمل على ظهر رجل، فقيل له: لو خففت على نفسك؟ قال: إذا سمعتم حي على الصلاة ولم تروني في الصف فأطلبوني في المقبرة. 

• وسمع عامر بن عبد الله بن الزبير المؤذن وهو يجود بنفسه فقال: خذوا بيدي، فقيل إنك عليل، قال: أسمع داعي الله فلا أجيبه؟!فأخذوا بيده فدخل مع الإمام في المغرب فركع ركعة ثم مات. 


أخي الكريم: 
إن من تأمل حال الناس اليوم ليحزن من تهافتهم وراء الدنيا، وزهدهم في مرضاة الله وجنته..فتجد المنادي ينادي (الصلاة خير من النوم) فلا تسمع إلا الهدوء والسكون، ولا تكد ترى أحدا..ولكن بعد ساعات قلائل،حين تأتي مشاغل الدنيا ويحين وقت العمل ينقلب الهدوء إلى ضجة لا تنقطع، والسكون إلى حركة لا تنتهي، فسبحان الله! وصدق سبحانه حين قال : { بل تؤثرون الحياة الدنيا ، والآخرة خير وأبقى } [الأعلى:16-17].

أخي الكريم: 
ها قد بانت لك الأمور، وقامت عليك الحجة..
وعلمت أن المحافظة على هذه الشعيرة العظيمة سبيل لرفعة الدرجات وتكفير السيئات، والتفريط فيها من أسباب التردي والإنزلاق في الدركات..
وهي - ولا شك- تحتاج إلى جهد ومجاهدة.. فاحذر أن تغلبك نفسك، ويقوى عليك شيطانك..فقد حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات..
وحاسب نفسك قبل أن تحاسب، وتنبه قبل أن تأتي ساعة تندم فيها ولآت ساعة مندم..

وتفقد أهل بيتك وأرحامك، وجيرانك وأحبابك، فقد كان قدوتك صلى الله عليه وسلم يمر بباب ابنته فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر ويقول صلى الله عليه وسلم : « الصلاة يا أهل البيت { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} » [رواه مسلم]. 

وتذكر أن الراحة الحقة حين نضع قدميك في دار الكرامة وتنجو من دار العقاب والمهانة، وليست في إيثار نومة زائلة أو لذة عابرة..

نسأل الله تعالى أن يوفقنا لمرضاته، وأن يكتب لنا الحسنى وزيادة. 
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه. 

Popular Posts

Blog Archive