background img

The New Stuff

«فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه»

«فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه»


روى البخاري: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه».

من أشد الأحاديث على الصائم هذا الحديث: وهو حديثٌ يُوضح الفرق بين من صام عن الطعام والشراب وأفطر على غيرها.. مثل: الوقوع في الأعراض، أو فعل المحرَّمات، أو قول الزور، أو فعل الزور.. وبين من صام صيامًا حقيقيًا مزودًا بالتقوى مرصعًا بالطاعة..

قال الإمام ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري):
"قوله: «فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه» قال ابن بطال: ليس معناه أن يؤمر بأن يدع صيامه، وإنما معناه التحذير من قول الزور وما ذكر معه، وهو مثل قوله: «من باع الخمرَ فليشْقَصِ الخنازيرَ» أي: يذبحها، ولم يأمره بذبحها ولكنه على التحذير والتعظيم لإثم بائع الخمر. وأما قوله: «فليس لله حاجةً فلا مفهوم له»، فإن الله لا يحتاج إلى شيء، وإنما معناه فليس لله إرادة في صيامه فوضع الحاجة موضع الإرادة، وقد سبق أبو عمر بن عبد البر إلى شيء من ذلك".

قال ابن المنير في (الحاشية): "بل هو كناية عن عدم القبول، كما يقول المغضب لمن رد عليه شيئًا طلبه منه فلم يقم به: لا حاجة لي بكذا. فالمراد رد الصوم المتلبس بالزور وقبول السالم منه، وقريب من هذا قوله تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنْكُمْ} [الحج من الآية:37]، فإن معناه: لن يُصيب رضاه الذي ينشأ عنه القبول. وقال ابن العربي: مقتضى هذا الحديث أن من فعل ما ذكر لا يثاب على صيامه، ومعناه: أن ثواب الصيام لا يقوم في الموازنة بإثم الزور وما ذكر معه. وقال البيضاوي: ليس المقصود من شرعية الصوم نفس الجوع والعطش، بل ما يتبعه من كسر الشهوات وتطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة، فإذا لم يحصل ذلك لا ينظر الله إليه نظر القبول، فقوله: «ليس لله حاجة» مجاز عن عدم القبول، فنفى السبب وأراد المسبب، والله أعلم".

واستدل به على أن هذه الأفعال تنقص الصوم، وتعقب بأنها صغائر تكفر باجتناب الكبائر. وأجاب السبكي الكبير بأن في حديث الباب والذي مضى في أول الصوم دلالة قوية للأول؛ لأن الرفث والصخب وقول الزور والعمل به مما علم النهي عنه مطلقًا، والصوم مأمور به مطلقًا، فلو كانت هذه الأمور إذا حصلت فيه لم يتأثر بها لم يكن لذكرها فيه مشروطة فيه معنى يفهمه، فلما ذكرت في هذين الحديثين نبهتنا على أمرين:

أحدهما: زيادة قبحها في الصوم على غيرها.

والثاني: البحث على سلامة الصوم عنها، وأن سلامته منها صفة كمال فيه، وقوة الكلام تقتضي أن يقبح ذلك لأجل الصوم، فمقتضى ذلك أن الصوم يكمل بالسلامة عنها.

قال: فإذا لم يسلم عنها نقص. ثم قال: ولا شك أن التكاليف قد ترد بأشياء وينبه بها على أخرى بطريق الإشارة، وليس المقصود من الصوم العدم المحض كما في المنهيات؛ لأنه يشترط له النية بالإجماع، ولعل القصد به في الأصل الإمساك عن جميع المخالفات، لكن لما كان ذلك يشق خفف الله وأمر بالإمساك عن المفطرات، ونبه الغافل بذلك على الإمساك عن المخالفات، وأرشد إلى ذلك ما تضمنته أحاديث المبين عن الله مراده، فيكون اجتناب المفطرات واجبًا، واجتناب ما عداها من المخالفات من المكملات، والله أعلم".

وقال شيخنا في شرح الترمذي: "لما أخرج الترمذي هذا الحديث ترجم ما جاء في التشديد في الغيبة للصائم، وهو مشكل؛ لأن الغيبة ليست قول الزور، ولا العمل به؛ لأنها أن يذكر غيره بما يكره، وقول الزور هو الكذب، وقد وافق الترمذي بقية أصحاب السنن فترجموا بالغيبة، وذكروا هذا الحديث، وكأنهم فهموا من ذكر قول الزور والعمل به الأمر بحفظ النطق، ويمكن أن يكون فيه إشارة إلى الزيادة التي وردت في بعض طرقه وهي الجهل، فإنه يصح إطلاقه على جميع المعاصي. وأما قوله: «والعمل به» فيعود على الزور، ويحتمل أن يعود أيضًا على الجهل أي: والعمل بكل منهما.

(تنبيه): قوله: «فليس لله» وقع عند البيهقي في (الشعب) من طريق يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب «فليس به» بموحدة وهاء ضمير، فإن لم يكن تحريفًا فالضمير للصائم.

أنت متميز في رمضان

أنت متميز في رمضان


يتميز المسلم في شهر الخيرات عن غيره بمِيزةٍ عظيمةٍ دلَّنا عليها وعلَّمنا إِيَّاها وحضَّنا على فعلها من بعثه ربه رحمةٌ للعالمين.. ألا وهي خصيصة كظم الغيظ، وأفضلية العفو، وعدم رد الإساءة..
هذه الخاصية تزداد أفضليتها في رمضان بصحيح نص الحديث النبوي العظيم.. لِمَا لكظم الغيظ والتغاضي عن الإساءة من فضلٍ عظيم يسبق به صاحبه في موسم المسابقة الكبرى وتحرِّي الدرجات العلا..
وكأن المسلمون في سوقٍ كبيرةٍ كلٌ يتسابق لنيل الخير وكل يَعرِض سِلعته عسى أن تُقبل بأفضل الأثمان..
السوق مفتوحةٌ.. والجائزة الكبرى مطروحة، وأبواب الجنان مُشرَعة، والعتق من النيران أفضل الأجور، والجنة سلعة الله لمن فاز.. فاللهم ارزقنا الفوز..
روى البخاري عن عطاء عن أبي صالح الزيَّات أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنةٌ، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤٌ صائم. والذي نفس محمد بيده لخلوف فمِ الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح وإذا لقي ربه فرح بصومه».
 


كي لا نخسر رمضان!

كي لا نخسر رمضان!

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد الله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله وصحابه، ومن سار على هديه واهتدى بسنته إلى يوم الدين..

أما بعد:

في البداية أهنئكم أحبتي بقدوم هذا الشهر الكريم، شهر الرحمة والمغفرة وشهر الذكر والقرآن، قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:185].

وقال عليه الصلاة والسلام: «أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة وتغل فيه مردة الشياطين، وفيه ليلة هي خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم» (الترغيب والترهيب: [117/2]).
قد جاء شهر الصوم فيه من الأمان *** والعتق والفوز بسكن الجنان
شهر شريف فيه نيل المني وهو *** طراز فوق كم الزمان

ويا هنا من قام في ليلة *** ودمعه في الخد يحكي الجناز
ذاك الذي قد خصَّه ربه *** بجنة الخلد وصور الحسان
هناكم الله بشهر أتى *** في مدحه القرآن نص عيان
ونحن نستقبل هذا الشهر الكريم بقلوب مشتاقة، ونفس مؤمنة راضية.. لهذه النفوس المؤمنة التي تصوم الله تعالى، راغبة في الأجر والثواب.

ولهذه العيون التي تذرف الدموع، خشية من الله تبارك وتعالى ورغبة فيما عنده من الأجر والثواب في هذا الشهر المبارك.

نجتمع لنتعاون على الخير ونتواصى على بالحق قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة من الآية:2].

ولكي ينضبط صيامنا على ضوء الكتاب والسنة أحببت أن أكتب عن: كيف لا نخسر رمضان؟!

يقول تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [النور:39].

يقول الشيخ السعدي في تفسيره: "وكذلك أعمال الكفار بمنزلة السراب تُرى، ويضنها الجاهل الذي لا يدري أعمالًا نافعة فيغرُّه صورتها، ويخلبه خيالها، ويحسبها هو أيضًا أعمالًا نافعة له، وهو أيضًا محتاج إليها مضطرًا لها، كاحتياج الضمان الماء، حتى إذا قَدِم على عمله يوم الجزاء، وجدها ضائعة ولم يجد شيئًا" (تفسير السعدي: [570]).

ومن الناس الذي يصوم رمضان وهو خاسر كخسارة هؤلاء الكفار؟ الصوم مع ترك الصلاة، ويقول صلى الله عليه وسلام: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (مُتفقٌ عليه).

فالعمل الصالح لا بُدَّ من أمرين:

الأولالإخلاص.

الثاني: متابعة السنة.

ولكي لا نخسر رمضان لا بُدَّ لها من الاهتمام بهذا.

وسنتكلم في هذه المقالة عن عدة أمور:

1- محرَّمات تجعلنا نخسر رمضان.
2- مكروهات تجعلنا نخسر كمال الأجر.
3- مخالفات النساء في رمضان.
4- لفته لأختي الحائض.
5- تنبيهات للمصليات في المساجد.

محرَّمات التي يقع فيها الناس:

1- الإفطار في رمضان بلا عذر.
قال الشيخ بن باز: "حكم من ترك صوم رمضان وهو مكلَّف من الرجال والنساء أنه قد عصى الله ورسوله، وأتى كبيرة من كبائر الذنوب، وعليه التوبة إلى الله من ذلك، وعليه قضاء لكل ما ترك، مع إطعام مسكين عن كل يوم، إن كان قادرًا على الإطعام وإن كان فقير لا يستطيع الإطعام كفاه القضاء والتوبة... هذا إذا كان لا يجحد وجوب صيام رمضان، إما إن جحد وجوب صوم رمضان فإنه يكون بذلك كافرًا مكذِّبًا الله ورسوله، يستتاب من جهة ولي الأمر بواسطة الحاكم الشرعي، فإن تاب وإلا وجب قتله لأصل الردة لقول الرسول: «من بدَّل دينه فاقتلوه»" (حديثٌ صحيح؛ رواه الإمام أحمد: [190/4]).

2- الصوم مع ترك الصلاة: كما مرَّ سابقًا.

3- السهر المفضي إلى ترك صلاة الفجر أو ترك الجماعة.

من الأخطاء التي يقع فيها بعض الصائمين والصائمات السهر ليلة الصيام ثم النوم عن صلاة الصبح، فلا يصليها البعض إلا في الضحى وكذلك التفريط في أداء الصلاة جماعة كالظهر والعصر والعشاء.

4- قول الزور؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشراب» (الألباني؛ صحيح الترغيب: [1079]).

نقل الحافظ بن حجر عن السبكي قوله: الرفث وقول الزور؛ قال: "ولما ذكرت في هذين الحديثين نبهتنا عن أمرين:
أحدهما: زيادة قبحها في الصوم غلى غير".

والثانية: البحث عن سلامة الصوم عنها، وأن سلامته منها صفة كمال فيه، وقوة الكلام تقتضي أن يقبح ذلك لأجل الصوم، فمقتضى ذلك أن الصوم يكمل بالسلام عنها".

5- إطلاق البصر في المحرَّمات.

قال تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور من الآية:31].

يقول أحد الدعاة: "للعين أيضًا صيام وأي صيام! وصيام العين غضَّها عن الحرام وإغماضها عن الفحشاء، وإغلاقها عن المناهي، إذا دخل رمضان طلب العين أن تصوم طاعة الحي القيوم، فكم الجوع أثر العين، ولما أطلق العابثون أبصارهم، طفحوا بأعينهم.. وقعوا في براثن المعصية وفي حبال الفاحشة، ومن الناس من يصوم بطنه عن الشراب والطعام وتربع عينة في خمائل الحرام، فهذا الصائم ما عرف حقيقة الصيام".

الغيبة والبهتان؛ عن أبي هريرة أن رسول الله قال: «أتدرون ما الغيبة؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذكرك أخاك بما يكره»، قيل: أفرأيت أن كان في أخي ما أقول، قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن في ما تقول فقد بهته» (الألباني؛ غاية المرام: [426]).

قال الشيخ ابن جرير: "فالحاصل أن هذه الأشياء مما تخل الصيام وأن كانت غير مبطلة أبطالًا كليًا ولكنها تنقص ثوابه.

7- الغناء والمعازف: قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [لقمان:6].

قال ابن مسعود رضي الله عنه: "الغناء والذي لا إله إلا هو" يُردِّدها ثلاث مرات.

8- الكلام المُحرَّم: قال سماحة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "المؤسف أن كثيرًا من الصائمين لا يُفرِّقون صومهم وفطرهم، فهم على العادة التي هم عليها. الأقوال المحرَّمة من كذبٍ وغشٍ وغيره ولا تشعر أن عليهم وقار الصوم، وهذه الأفعال لا تُبطِل الصوم ولكن تنقص من أجره. وربما عند المعادلة تضيع أجر الصوم كله، والله المستعان".

أخرج البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصيام جنةٌ، فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم. إني صائم والذي نفسي بيده لخُلُوفُ فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يقول الله: يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها».

7- سرعة الغضب لأدنى شيء: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (مُتفقٌ عليه).

8- الاعتداء في الدعاء: قال الله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف:55].

أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ سَمِعَ ابْنًا لَهُ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْبَحْرَ الأَبْيَضَ مِنَ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلْتُهَا عَنْ يَمِينِي، قَالَ: فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ سَلِ اللَّهَ الْجَنَّةَ، وَتَعَوَّذْ بِهِ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي قَوْمٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ وَالطَّهُورِ»" (رواه أحمد).

9- الإسراف في الأكل: قال الله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف:31].

10- الفطر مع عدم تيقن الغروب:
خرج الإمام ابن خزيمة رحمه عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بينما أنا نائم أتاني رجلان فأخذا بضبعي عضدي فأتيا بي جبلًا وعرًا فقالا: أصعد، فقلت إني لا أطيقه. فقالا: إنا سنسهله لك. فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا بأصواتٍ شديدة فقلت ما هذه الأصوات ؟ قالا: هذا عواء أهلالنار، ثم انطلق بي فإذا أنا بقومٍ مُعلَّقين بعراقيبهم مشقَّقة أشداقهم تسيل دمًا!» قال: «قلت: من هؤلاء؟ قال: الذين يفطرون قبل تحلَّة صومهم» (وهذا الحديث صحَّحه الشيخ الألباني في الترغيب والترهيب).

قال ابن حزم: "من أكل شاكًا في غروب الشمس أو شرب فهو عاصٍ لله تعالى، مفسد صومه" (المحلى؛ لابن حزم: [6/230]).

11- إهمال المعتمرين رعيتهم.
12- إضاعة الأوقات في المحرمات.
13- الإسراف في استقبال العيد.

مكروهات يقع فيها البعض في رمضان:

1- التساهل في وقت الإمساك.
قال صلى الله عليه وسلم: «إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» فقوله: «فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر»، فقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «كلوا واشربوا...» دليل على وجوب الإمساك، وبدء الصيام من الأذانالثاني الذي بعد طلوع الفجر، ولكن جاءت السنة بالترخيص لمن سمع الآذان وفي يده أكلة أو شربه أن يقضي حاجته منها.

2- تقديم السحور قبل الفجر بساعة أو ساعتين وقد ورد الترغيب في تعجيل الفطر وتأخير السحور.

3- تأخير الإفطار بلا عذر.

عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» (رواه البخاري: [1957]، ومسلم: [1098]).

4- الإسراع في التراويح.
5- السجع في الدعاء.
6- الفتور في نهاية رمضان عن الصلاة وقراءة القرآن.
7- حمل بعض المأمومين المصحف في صلاة التراويح.
8- التساهل بمعرفة أحكام الصيام.
9- المبالغة في المضمضة والاستنشاق.
10- استعمال معجون الأسنان.

أجاب الشيخ ابن عثيمين عن سؤال هل يجوز للصائم أن يستعمل الفرشة والمعجون أو لا؟

قال: "يجوز لكن الأولى ألا يستعملها لِما في المعجون من قوة النفوذ والنزول إلى الحلق، وبدلًا من أن يفعل ذلك في النهار يفعله في الليل".

11- ذوق الطعام لغير حاجة.
قال شيخ الإسلام: "وذوق الطعام يكره لغير حاجه، ولكن لا يفطر وأما للحاجة فهو كالمضمضة".
12- الإسراف في النوم.
13- الإسراف في المباحات.
14- القِبلة لمن تتحرَّك شهوته والمسّ وتكرار النظر.
15- الإدمان على بعض الألعاب.
16- عدم اغتنام الزمن المبارك.
من مخالفات النساء:
1- الخروج لصلاة التراويح بدون أذن الزوج.

يقول ابن عثيمين: "ونقول للزوجة: إذا منعكِ الزوج فأطيعيه لأنه قد لا يمنعكِ إلا لمصلحة أو خوف الفتنة وهو كما قال من أن صلاتكِ في البيت أفضل من صلاتكِ في المسجد لقوله صلى الله عليه وسلم: «وبيوتهم خيرٌ لهن».

2- الخلوة بالسائق الأجنبي عند توصيلها على المسجد.

3- تطيب النساء عند الذهاب إلى المسجد.

روى ابن ماجة بإسنادٍ صحيحٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَقِيَ امْرَأَةٌ مُتَطَيِّبَةً، تُرِيدُ الْمَسْجِدَ. فَقَالَ: يَا أَمَةَ الْجَبَّارِ! أَيْنَ تُرِيِدينَ؟ قَالَتِ: الْمَسْجِدَ. قَالَ: وَلَهُ تَطَيَّبْتِ؟! قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «أَيُّمَا امْرأَةٍ تَطَيَّبَتْ، ثُمَّ خَرَجَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ، لَمْ تُقْبَلْ لَهَا صلاةٌ، حَتَى تَغْتَسِلَ».

4- التساهل في الخروج للأسواق.

5- عدم إتمام النساء لصلاة الفرض إذا فاتتها.

6- طهارة النفساء قبل تمام الأربعين وامتناعها عن الصلاة والصوم.

7- صيام من استمر معها الدم بعد أيام عادتها.
 "إذا كانت عادة هذه المرأة ستة أيام أو سبعة ثم طالت هذة المدة وصارت ثمانية أو تسعه أو عشرة أو أحد عشر فإنها تبقى لا تصلي حتى تطهر وذلك قال الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} [البقرة من الآية:222].
فمتى كان هذا الدم باقيًا كانت المرأة على حالها حتى تطهر وتغتسل ثم تصلي، فإذا جاءها في الشهر الثاني ناقصًا عن ذلك فإنها تغتسل إذا طهرت وإن لم يكن على المدة السابقة، والمهم أن المرأة متى ما كان الحيض معها موجودًا فإنها لا تصلي سواءً كان موافقًا للعادة السابقة أو زائدًا عنها أو ناقصًا وإذا طهرت تصلي.

• لفتة للأخت الحائض:

- احرصي على المحافظة على الأذكار.

- استغلال الوقت في طاعة.

- مراجعة الحفظ، ترك المنكرات.

- عدم تضييع الأوقات.

تنبيهات للمصليات:

1- الحرص على الصف الأول.
2- إتمام الصلاة الفائتة.
3- تكبير الإحرام والحرص على متابعة الإمام.
4- عدم اصطحاب الصغار إلى المسجد.
5- البُعد عن الحديث عن الدنيا في المساجد.
6- التريث حتى يخرج الرجال من المسجد.

اللهم يا حي يا قيوم كما بلغتنا شعبان نسألك أن تُبلِّغنا رمضان.. اللهم وفِّقنا لصيامه وقيامه خالصًا لوجهك الكريم.. وأن تتقبله مِنَّا.. وترزقنا فعل الخيرات وترك المنكرات.. وآخر دعوانا إن الحمد لله ربِّ العالمين..

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

سبحانك اللهم وبحمدك استغفرك وأتوب إليك.

لا تُهمِل السحور

لا تُهمِل السحور

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تسحَّروا؛ فإن في السحور بركة»..


كثيرٌ مِنَّا يُهمِل وجبة السحور ولا يهتم بها.. فينام بعد أن يأكل في بداية الليل ثم يصحو مع أذان الفجر مباشرةً ليتوضأ ويصلي الفجر.

وهذا الفعل فيه تركٌ لفضلٍ عظيم، وخيرٌ عميمٌ في الدنيا والآخرة.. فضلًا عن حضور بركة الهجيع الأخير من الليل وقت السحر.. وقت الاستغفار، وتنزُّلِ الرحمات وتقبُّل الدعوات.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تسحَّروا؛ فإن في السحور بركة» (متفقٌ عليه).

ﻗﺎﻝ ﺍﺑﻦ ﺣﺠﺮ: "ﺍﻟﺒﺮﻛﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﺤﻮﺭ ﺗﺤﺼﻞ ﺑﺠﻬﺎﺕٍ ﻣُﺘﻌﺪِّﺩﺓ، ﻭﻫﻲ ﺍﺗﺒﺎﻉ ﺍﻟﺴﻨﺔ، ﻭﻣﺨﺎﻟﻔﺔ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ، ﻭﺍﻟﺘﻘوِّﻱ ﺑﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩﺓ، ﻭﺍﻟﺰﻳﺎﺩﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺸﺎﻁ، ﻭﻣﺪﺍﻓﻌﺔ ﺳﻮﺀ ﺍﻟﺨُﻠﻖ ﺍﻟﺬﻱ ﻳُﺜﻴﺮﻩ ﺍﻟﺠﻮﻉ، ﻭﺍﻟﺘﺴﺒُّﺐ ﺑﺎﻟﺼﺪﻗﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﻦ ﻳﺴﺄﻝ ﺇﺫ ﺫﺍﻙ، ﺃﻭ ﻳﺠﺘﻤﻊ ﻣﻌﻪ ﻋﻠﻰ الأﻛﻞ، ﻭﺍﻟﺘﺴﺒُّﺐ ﻟﻠﺬﻛﺮ ﻭﺍﻟﺪﻋﺎﺀ ﻭﻗﺖ ﻣﻈﻨﺔ الإﺟﺎﺑﺔ، ﻭﺗﺪﺍﺭﻙ ﻧِﻴَّﺔ ﺍﻟﺼﻮﻡ ﻟﻤﻦ ﺃﻏﻔﻠﻬﺎ ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﻳﻨﺎﻡ".

وأخرج البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: "كنت أتسحَّرُ في أهلي، ثم تكون سرعتي أن أُدرِك السجود مع رسول الله صلى الله عليه وسلم".
متى يكون السحور؟
قوله: (باب تعجيل السحور) أي: الإسراع بالأكل إشارة إلى أن السحور كان يقع قرب طلوع الفجر. وروى مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه رضيالله عنهم: "كُنَّا ننصرِف -أي: من صلاة الليل- فنستعجِل بالطعام مخافة الفجر".
وأخرج البخاري أيضًا عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: "تسحَّرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم قام إلى الصلاة، قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية".

لا تُؤخِّر إفطارك لِمَا بعد الأذان

لا تُؤخِّر إفطارك لِمَا بعد الأذان

من الأخطاء الشائعة التي يقع فيها الصائمون في رمضان وفي غيره من صيام النوافل أن ينتظر الصائم انتهاء المؤذن من الأذان، أو يجتهد بعضهم فيخترع وقت الإفطار.. فهذا يقول: بعد انتهاء المؤذن من التشهد! وآخر يقول: بل بعد انتهاءه من الحيعلة! وكل هذا لا دليل عليه وهو من الغلو والمخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.

واعلم أن فطر الصائم يكون بدخول وقت المغرب "غروب الشمس أي مع أول حرف من الأذان".

أخرج البخاري عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال الناس بخير ما عجَّلوا الفطر».

قال المهلب: "والحكمة في ذلك أن لا يزاد في النهار من الليل، ولأنه أرفق بالصائم وأقوى له على العبادة، واتفق العلماءعلى أن محل ذلك إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية أو بإخبار عدلين، وكذا عدل واحد في الأرجح، قال ابن دقيق العيد: في هذا الحديث رد على الشيعة في تأخيرهم الفطر إلى ظهور النجوم، ولعل هذا هو السبب في وجود الخير بتعجيل الفطر؛ لأن الذي يؤخره يدخل في فعل خلاف السنة" اهـ.

وقد بوَّب الإمام البخاري: (باب متى يحل فطر الصائم).

وأخرج بسنده عن عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم». أي مع أذان المغرب مباشرة يُعجِّل الصائم بفطره.


صلاة المغرب وماذا يفطر الصائم

صلاة المغرب وماذا يفطر الصائم



الكثيرُ مِنَّا يحارُ وقت الإفطار في شهر رمضان خاصةً مع تعجيل الكثير من المساجد بصلاة المغرب في رمضان - في كثير من البلدان وهذا الفعل من الأئمة فيه غلط شائع وعكس مصلحة المسلمين..

الكثيرُ مِنَّا يحارُ وقت الإفطار في شهر رمضان خاصةً مع تعجيل الكثير من المساجد بصلاة المغرب في رمضان - في كثير من البلدان وهذا الفعل من الأئمة فيه غلط شائع وعكس مصلحة المسلمين..

فالأفضل الرفق بالناس، وإعطاء الصائم الفرصة للفطر في بيته، ثم صلاة المغرب ولو بعد نصف ساعة من الأذان..

ولكن لو استمر الأمر على هذا الحال من الإسراع بالصلاة فعلينا بتبيين الأصل في مقدار ونوع ما يفطر الصائم عليه، ففي بيان هذا فسحة ومصلحة.. حيث أنك تستطيع أن تفطر بما يتوفر في السجد من ماء أو بعض تمرات لتلحق بالصلاة في الجماعة وتضمنها.

بوَّب الإمام البخاري في صحيحه:

(باب: يفطر بما تيسَّر من الماء أو غيره) أي: سواءً كان وحده أو مخلوطًا، وفي رواية أبي ذر عن غير الكشميهني "بالماء"..

وذكر فيه حديث ابن أبي أوفى وهو ظاهر فيما ترجم له، ولعله أشار إلى أن الأمر في قوله: «من وجد تمرًا فليفطر عليه، ومن لا فليفطر على الماء» ليس على الوجوب، وهو حديث أخرجه الحاكم من طريق عبد العزيز بن صهيب عن أنس مرفوعًا وصحَّحه الترمذي وابن حِبَّان من حديث سلمان بن عامر، وقد شذ ابن حزم فأوجب الفطر على التمر وإلا فعلى الماء".

ما أعظمه وأرفقه من منهج

ما أعظمه وأرفقه من منهج


لو كان قائدًا عاديًا لفرح بفعل الأصحاب والأتباع إذا زادوا في العمل وأرهقوا أنفسهم في اتباع الأوامر..

ولكنه قائدٌ رباني مُرسَل، يُرسي قواعد للخلق جميعًا أنزلها عليه خالق الخلق، ومُدبِّر الكون سبحانه وتعالى.. العالِم بقدراتهم وتفاوتها والأرحم بهم من أنفسهم..

استمتع معي بما أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عبد الله ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟». فقلت: بلى يا رسول الله، قال: «فلا تفعل صم وأفطر، وقُم ونم، فإن لجسدك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا، وإن لزورك عليك حقًا، وإن بحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام، فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها فإن ذلك صيام الدهر كله» فشددت فشُدِّد عليَّ، قلت: يا رسول الله إني أجد قوة، قال: «فصُم صيام نبي الله داود عليه السلام، ولا تزد عليه». قلت: وما كان صيام نبي الله داود عليه السلام؟ قال: «نصف الدهر»..

فكان عبد الله رضي الله عنه يقول بعد ما كَبِرَ: "يا ليتني قبِلتُ رخصة النبي صلى الله عليه وسلم"..



رمضانيات (1) هل نحن صائمون على الحقيقة؟!

رمضانيات (1) هل نحن صائمون على الحقيقة؟


أطوَّف حول بعض معاني الصيام..

بسم الله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.. ثم أما بعد:

قسّم العلماء العبادة إلى:

1- عبادة بالفعل، مثل: (الصلاة، الحج، الزكاة... إلخ).

2- عبادة بالترك، مثل: (الصيام، تجنب الغيبة، تجنب النميمة... إلخ).

فالصوم عبادة قائمة بالأصالة على الترك، ففي الصيام نترك شيئين:

1- ترك بعض الحلال من طلوع الفجر وحتى غروب الشمس: الطعام، الشراب، الشهوة. وهو ما يطلق عليه علماء الفقه الإمساك عن المفطِّرات الحسية، فتترك -صيامًا- ما أحله الله بأمر من الله، بتوقيت حدَّده الله امتثالًا.. تعبدًا لله وحده.

2- التشديد والتأكيد على ترك كل ما هو حرام أو مكروه من الفجر إلى المغرب: "الغيبة، الزور قولًا وعملًا، الصخب، الغضب، الرّفث، السّب، اللغو" [وهو ما يطلِق عليه العلماء المفطِّرات المعنوية].

وهذه الأمور السيئة وإن كان المسلم مأمورًا بالابتعاد عنها، واجتنابها في كل الأيام، فإن النهي أشد أثناء تأدية الصيام.
وهذه لطيفة نبّه عليها كثير من أهل العلم:

إذ أشاروا إلى أن الصيام عبادة بترك المباحات الحلال بتوقيت محدود شرعًا، وكذا التأكِيد على ترك المحرمات والمكروهات من باب أولى -في هذا التوقيت بالذات-؛ ولذا لم نجد نصوصًا شرعية تنهى الصائم عن السرقة مثلًا، وإن وردت نصوص شرعية نصّت على بعض هذه الأشياء؛ فإنما ذلك لتأكِّد على تركها، والصوم عنها؛ سيما أنها لا تنفك غالبًا عن أخلاق الناس، فوجب التنبيه علي اجتنابها لأنها قد تفسد العبادة علينا، أو على أقل تقدير تنقص من أجر الصائم كثيرًا.

الخلاصة:

إن الصائم على الحقيقة هو: الذي صامت جوارحه عن الآثام، ولسانه عن الكذب والفحش وقول الزور والرفث، بالإضافة إلى صومه عن المفطِّرات الحسِّية من طعام وشراب وشهوة، فكما أن الطعام والشراب يفسد الصوم، فكذا الآثام تقطع ثوابه، وتفسد ثمرته فتسيره بمنزلة من لم يصم.

- لذا وصف الصوم بأنه «جُنَّة» أي: وقاية.. ولأنه وقاية من المعصية كانت الغاية المرادة منه هي تحقيق التقوى

إذا قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة:183].

ولنطوِّف حول بعض معانى المفطِّرات المعنوية:

1- قول الزور؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله [عز وجل] حاجة أن يدع طعامه وشرابه» (رواه البخاري،ج4، [99]).

ما هو الزور؟ قال ابن الأثير في (النهاية في غريب الحديث والأثر): "الزور: الكذب، والباطل، والتُّهمة" انتهى (ص: [404])

2- اللغو والرفث: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس الصيام من الأكل والشراب، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابَّك أحد أو جهل عليك فقل: إني صائم، إني صائم» (صحيح ابن خزيمة، رقم: [1996]).

ما هو اللغو؟ قال ابن الأثير في (النهاية في غريب الحديث والأثر): "يقال لغا الإنسان يلغو، ولغَى يلغَى، ولَغِيَ يلْغَى، إذا تكلم بالمطروح من القول، وما لا يعْني، وألغى إذا أسقط" انتهى (ص: [838]).

ما هو الرفث؟ قال سيد سابق في (حاشية فقه السنة، ج1، ص: [499] تحت عنوان: الصيام فضله): "الرفث: أي الفحش في القول" انتهى، هكذا أطلق.

وإن كان بعض العلماء خص الرفث: "بأنه كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة"، كما قاله الزهري وأورده عنه صاحب (النهاية، ص: [366]).

3- السب والصخب؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم. والذي نفس محمد بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرِح بصومه» (صحيح البخاري، رقم: [1904]).

*ما هو الصخب؟ قال سيد سابق في (حاشية فقه السنة، ج1، ص: [499] تحت عنوان: الصيام فضله): "الصخب: الصياح، فلا يصخب: أي لا يصيح" انتهى. بتصرُّف.

*ما هو السَّبُّ؟ قال ابن الأثير في (النهاية، ص: [412]): "السَّب: الشتم، يقال سبه يسبه سَبا وسِبابًا..."انتهى.ِ

- عندما نظرت إلى هذه المعاني وجل قلبي كل الوجل لأنني لا محالة واقعة في بعضها غير تاركة لها حال فطري بله حال صومي وهنا يّرد السؤال: هل أنا صائمة على الحقيقة؟! أم أن هذا توهُّم مني؟! حيث ألفتني وإن تمكنتُ -بحول من الله وقوة- من الإمساك عن المفطِّرات الحسية -إلا إنني لم أتمكن- بل لم أنتبه أصلًا إلى أنني غير تاركة لبعض تلكم المفطِّرات المعنوية، والتي لا تتم حقيقة الصيام إلا بتركها .

- وحتى لا أُتهم من قِبل أحدكم بالمبالغة أدلل على قولي -حيث إن على المدَّعي البينة- بما يلي:

1- الشتم (السّب): وجدتني لا أتركه حال صومي بله فطري؛ حيث إن لساني لا يفتأ يتهم أحد الأبناء الأعزاء -هداهم الله- بالغباء وعدم الفهم كذا لا مانع من نعته بالغفلة .

2- الصخب (الصياح): هنا لم أتمالك نفسي من الابتسام غيظًا؛ حيث إن الصياح لا ينفك عن ملازمة توجيهاتي -المباركة- للأبناء الأعزاء، كذا انتهاري الدائم لهم لا يكون إلا بالصخب وأتعذّر لنفسي -مبرِّرة شنيع فعلي- بأنهم -ومع شديد الأسف- لا يمتثلون -كما ينبغي- إلا بلجئي إلى تلك الطريقة التي أدمنتها.. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

3- اللغو (المطروح من القول): وهنا تأملت ما أنطق به حال صيامي فوجدت غالبه لغوًا -ولا حول ولا قوة إلا بالله- فالغو هو الحديث الذي لا طائل من ورائه ولا غاية محمودة مثلًا: السؤال عن سعر شيء فضولًا وليس في النية شراؤه، كذا هل قابلت فلانًا يا بني -من باب العلم بالشيء ليس إلا-.. وصف سوء الحالة الجوية، والحديث عن غلو الأسعار، أو وصف كم أنا متعبة لغير ما سبب على الحقيقة، السؤال عن كيفية صنع صنف معين من الطعام من باب العلم بالشيء -ليس إلا- السؤال عن حضور أو غياب شخصية ما عن مأدبة الإفطار العائلي فضولًا وليس صلة أرحام..

مهلًا لحظة: حضرني حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فرض رسول الله صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، طعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة؛ فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة؛ فهي صدقة من الصدقة" (صحَّحه الألباني في صحيح الترغيب، رقم: [1085]).

صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث: والسؤال ما الشيء الذي يحتاج إلى تطهير؟ ولا تعليق!

4- كذا الجدال (المراء) وسوء الظن مهل: أحيانًا فقط وليس دائمًا لأني بلا شك اتقي الله.. والله المستعان.

هل توصلتُ إلى إقناعكم أنني لست صائمة على الحقيقة؛ وبالتالي حق لمثلي الخشية من الوقوع تحت طائلة الوعيد المذكور في حديث رسولنا الكريم صلاة الله وسلامه عليه: «رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش» (صحيح ابن ماجة، ج1، رقم: [539]).

وأنكى أن أحرم -عياذًا بالله- من الوعد والمغفرة الموعودة لمن صام رمضان -على الحقيقة- في قوله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه» (صحيح البخاري، ج3، رقم: [2014]).

فما السبيل وكيف الفرار؟!

كلما جاء رمضان حدثتُ نفسي معاهدة لها: أن أصوم عن هذه المفطَّرات المعنوية من الفجر حتى المغرب فقط -أبسّط لها قصر المدة-، ممنية النفس بأنه ربما بمثل هذه الدُّربة والمرنة -على طول أيام الشهر- قد أصل لاكتساب حسن الخلق، فيصبح تجنب مثل تلك الشنائع سمتًا وسجية ملازمة لشخصي، وأحاول جاهدة الوفاء بهذا العهد الذي لم يكن ولن يكون سهلًا إلا لمن يسره الله له، وأتوجه بالدعاء لربّ كريم جواد رحيم قائلة: «اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلًا، إنك تجعل الحزْن إذا شئت سهلًا»، اللهم تقبل دعائي ولا تجعلني من المحرومين «واهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدينا لأحسنها إلا أنت واصرف عَنَّا سيئ الأخلاق لا يصرف عَنَّا سيئها إلا أنت»...




رمضانيات (6) {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}

رمضانيات (6) {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}


بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.. وبعد:

من أعظم أجرًا: الرجال أم النساء؟
{هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم من الآية:32].

- قد تبدو الترجمة غريبة بعض الشيء، ولكن مهلًا: هذا السؤال يفرض نفسه في كل موسم للطاعة، ورمضان من أهم مواسم الطاعات، والتي يتسابق فيها المسلمون في الطاعات، ويتنافسون على الإكثار منها، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا؛ ابتغاء الأجر والمثوبة من جوادٍ شكور كريم.

فالزوجة غالبًا ما تشتكي إلى الناس -بعد رفع شكواها إلى الله- إن حقها مغبون؛ فهي لا تتمكن من دخول السباق بل المنافسة فيه، والسؤال: لِمَ هذا التَّشَكِّي؟

وهل لها حق فيه أم إنه محض افتراء؟

تقول الزوجة -المسكينة بزعمها-: هو يصلي ليلًا طويلًا وراء إمام عذب الصوت خاشعه، أما نهارًا فيرتل القرآن ترتيلًا، لا يكاد يختم القرآن إلا ويسرع بالبداءة، وغالبًا ما يعتكف العشر الأواخر من الشهر الفضيل، ولا أنسى أنه يذهب إلى الدوام خمسة أيام في الأسبوع -أذكر ذلك لأني منصفة كما تعلمون-: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} [المائدة من الآية:8]..

وتسوق كلماتها الأخيرة بعبراتٍ، وزفراتٍ حارةٍ كأنما تخرج من جوف يلتهب نارًا. وتُكمِل:

- بينما: أنا -الزوجة المسكينة بزعمها- أقوم على رعاية الأولاد، ومراقبتهم وجبر تقصيرهم: فآمر من لم يصلِ بالصلاة، ومن لم يحفظ ورده بالحفظ، ومن أخطأت بإصلاح الخطأ، فأصوّب لهذا، وأعاقب هذا، وآمر تلك، وأطعم الجميع، وأقوم بالأعمال المنزلية، محرومة من أن أهنأ بالتَفَكُّر بالجنان بل بذكر اللسان؛ فمِن طالب لشيء، ومِن سائل عن شيء، ومِن مجادل في شيء، ومِن... ومِن..

وإذا بالنهار طار، وأوشك على الانهيار عند الإفطار، وعندما يحين وقت القيام لا أستطيعه إلا بشق الأنفس، وأعدم القدرة على القيام؛ لنفاذ قوتي، وقلة حيلتي، وأذهب أتعارك مع النوم أدافعه ويدافعني، ونادرًا ما أستطيع -بحول من الله وقوة- من دفعه مذمومًا مدحورًا، إلا إنه -إحقاقًا للحق والحق أقول- غالبًا ما يقهرني، فأستسلم له طائعة، هذا إذا لم يمرض أحد الصغار فأواصل -مرغمة- الليل بالنهار، وأفاجأ بأن الشهر الفضيل آذن بالرحيل، ولمّا أتمكن من إتمام ولو عمل واحد جميل أُقرِّبه لله في شهره الفضيل، فيزيد وجدي عليه كلما وجدته سبّاقًا بالقربات من جُمَع بل الجماعات، مكثرًا من الخَتمات، معتكفًا ساهرًا ذاكرًا لربه ساعات..!
فهل نستوي؟! هيهات!

حتى هنا ما عدنا نتبين ما تقول من كثرة العبرات، واختلاط العبارات بالأهات: وصدق الله في قوله تعالى: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} [الزخرف:18].

نقول لها يا أُخيَّة: الله أعلم بمن اتقى؟ فكلٌ ميسَّر لما خلق له!
لِمَ نتطلع -دائمًا- لما فضّل الله به بعضنا على بعض؟
من أدراكِ -أخيتي-: إنه أعظم أجرًا؟

فجلَّ ما ذكرتِه من القربات بعد الفرائض القليلة نوافل كثيرة، بينما جلَّ ما تقومين به فرائض وقد قال تعالى: «ما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، وما زال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبه...» (رواه البخاري)..
فقيامكِ على الرعية قربة بالفريضة، قومي على الرعية راضية النفس محتسبة الأجر، استعيني بالله ولا تعجزي؛ فذلك أعظم أجرًا من القيام ليلًا طويلًا، وترتيل القرآن ترتيلًا؛ لأنه مهما كثر وطال نافلة والفريضة لا تعدلها نافلة، فقَرِّي عينا بما تتقرَّبين؛ فلعلكِ وأنتِ تقومين بتلقين صغاركِ الآيات تلو الآيات، يفتح الله عليكِ من المعاني، ويرزقكِ بها من التقوىوالخشوع ما لا يحظى به من تورَّمت قدماه من القيام، فعلام نشْنأ الناس على القربات؟

فرَّبَ ركعتين يشُقَّان على عبدٍ -في الميزان- خير من ألف ركعة هينة على آخر؛ كما جاء في الأثر: "سبق درهم ألف درهم" فلِمَ التسخط؟

أتدرين لِمَ؟

لأننا نريد أن نتقرب لله بما نهوى لا بما يحب هو يرضى.

اللهم جنِّبنا الجهل والهوى.. آمين.

رسالة إلى صائم

رسالة إلى صائم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.. وبعد:
لاستغلال هذا الموسم العظيم هذه (رسالة إلى الصائم) كتبتها تذكيرًا لنفسي ولغيري..

لشحذ الهمة وتقوية العزيمة في استغلال هذا الموسم العظيم فيما يقربنا إلى الرب العظيم.

فأقول -وبالله التوفيق-:

فضله:
- كان صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه: «جاءكم شهر رمضان شهر بركة، يغشاكم الله فيه، فينزل الرحمة ويحط الخطايا ويستجيب الدعاء، ينظر الله إلى تنافسكم فيه فيباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيرًا، فإن الشقي من حُرِم فيه رحمة الله» (رواه الترمذي، وابن ماجة).

وقال صلى الله عليه وسلم: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة» (رواه الإمام أحمد).

فيه {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر:3]، {خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} أي: من (83) سنة و(4) أشهر قال المفسرون: "عملٌ صالح في ليلة القدر خير من عمل ألف شهر ليس فيها ليلة قدر".

وسميت بالقدر: لأنها تقدر فيها الآجال والأرزاق والاعمال.

قال صلى الله عليه وسلم: «إن الملائكة تلك الليلة أكثر من الحصى» (رواه الإمام أحمد، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع)، وقد قال سبحانه: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا} [القدر من الآية:4] والملائكة لا تنزل إلا بالخير والبركة.

قال الرازي: "اعلم أن من أحياها فكأنما عبد الله نيفًا وثمانين سنة، ومن أحياها كل سنة فكأنما رزق أعمارًا كثيرة".

قال ابن عثيمين: "من علامات ليلة القدر: أنها ليلة هادئة، وأن المؤمن ينشرح صدره لها، ويطمئن قلبه وينشط في فعل الخير، وأن الشمس في صباحها تطلع صافية ليس لها شعاع".

من حِكَم الصوم:

- تحصيل التقوى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة من الآية:183].

- تُخلِي القلب للفكر والذكر، لأن تناول الشهوات يستوجب الغفلة، وربما يقسي القلب ويعميه.

- اجتماع أنواع الصبر الثلاثة في الصائم: على الطاعة، صبر عن المعصية، صبر على الأقدار المؤلمة من الجوع والعطش وضعف البدن، وتحقق أن يكون الصائم من الصابرين الذين وعدهم الله بقوله: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر من الآية:10]، {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ} [الحاقة:24].

فوائده الصحية على البدن:

تنشط أجهزة المناعة في الجسم وتقضي على كثير من الأمراض.

قال بعض أطباء الغرب: "صيام شهر في السنة يذيب الفضلات الميتة في البدن مدة سنة"، وصدق الله {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة من الآية:184].

قال ابن مرة: "راحة الجسم في قلة الطعام، وراحة الروح في قلة الآثام، وراحة اللسان في قلة الكلام، والذنوب للقلب بمنزلة السموم للأبدان".

رمضان مزرعة الآخرة:
إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدًا *** ندمتَ على التفريط في زمن البذر
حقًا!

رمضان مزرعة للآخرة، فماذا أعددت له؟

نية صادقة لاستغلاله بالطاعات؟

أم بالاستعداد في التفنن بأنواع المآكل والمشارب؟! أم بالسهر واللهو وإضاعة الأوقات؟!

إنه شهر عظيم لتطويع النفس على الطاعة وترك المعصية، من فرط فيه فمتى يتوب؟ من فرط في أوقاته النفيسة في الإعراض عن مولاه، فمتى سيعود إليه؟!

قال بعض السلف: "إن من علامة إعراض الله عن العبد أن يشغله فيما لا يعنيه".

نسأل الله أن يشغلنا في طاعته.

ما ينبغي فعله في هذا الشهر:

1- أداء الصلاة في وقتها: لما سئل صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: «الصلاة في أول وقتها» ثم أي؟ قال: «بر الوالدين» (مُتفقٌ عليه).

فحذارِ من التفريط عن الصلاة المفروضة بحجة النوم..

قال سلمان: "الصلاة مكيال، فمن وفَّى وُفِّيَ له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله عن المطففين".

2- الإقبال على تلاوة القرآن، قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَرَّه أن يُحبّ الله ورسوله فليقرأ في الْمُصْحَف» (رواه البيهقي وغيره).

قال ابن رجب: "كان السلف يختمون القرآن في سبع ليال ومنهم من يختمه في ثلاث ليال، وقد ورد الحديث في النهي عن ختمه في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، أما في الأوقات الفاضلة كشهر رمضان خصوصًا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر وفي الأماكن الفاضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتنامًا لفضيلة الزمان والمكان".

فقد كان للشافعي (60) ختمة يقرأها في غير الصلاة.

وفي هذا العصر رأينا رجالًا ونساءً يختمون القرآن كل يوم ختمة.

قال الشيخ عبد الكريم الخضير:

"قراءة القرآن (كاملًا) أقل تقدير لها (6). ساعات يعني بالتجربة، ورأينا من يبكي وهو يقرأ بهذه السرعة لأن المسألة مسألة مران، لكن أقل من هذا مستحيل شريط {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} [الشمس:9]".

قال محمد بن الحسين في قوله {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد:24]: "ينبغي أن يكون هم العبد عند تلاوة السورة إذا افتتحها: متى أتعظ بما اتلوه؟ ولم يكن مراده متى اختم السورة؟ وإنما مراده متى أزدجر؟ متى أعتبر؟ لأن تلاوة القرآن عبادة، والعبادة لا تكون بغفلة".

كيف أُصلِح قلبي؟ اقرأ القرآن بتدبر قال ابن القيم: "قراءة القرآن بالتفكر هي أصل صلاح القلب فقراءة آية بتفكر خير من قراءة ختمة بغير تدبر وفهم".

3- الصدقة: قال صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصدقة صدقة في رمضان» (أخرجه الترمذي).

تصدقت عائشة رضي الله عنها بـ 180 ألف درهم وهي صائمة فأفطرت على خبز وزيت قالت لها الجارية: "أما استطعت فيما قسَّمتِ هذا اليوم أن تشتري لنا لحمًا بدرهم؟ قالت: لو ذكَّرتيني لفعلت"!

صور الصدقة:
إطعام الطعام: سواءً بإشباع جائع أو إطعام أخ فلا يشترط في المطعَم الفقر «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، لمن أَطْعَمَ الطَّعَامَ...» (رواه الطبراني وغيره).

4- تفطيرالصائم: قال صلى الله عليه وسلم: «من فطر صائمًا كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء» (رواه الترمذي)، فلنحتسب تفطير الأهل والضيف.

سؤال: هل أجر تفطير الصائم على أذان المغرب فقط؟

الجواب: فضل الله واسع. فلو أفطر في المسجد (تمر وماء) -مثلًا- ثم رجع وتعشى عندك، فهذا العشاء يُعد تفطير صائم.

5- الذكر: قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يرد دعاءهم: الذاكر الله كثيرًا ودعوة المظلوم والإمام المقسط»، «أفضل الذكر لا إله إلا الله» (رواه الترمذي وابن ماجة).

كان من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم: «اللهم اجعلني لك شاكرًا، لك ذاكرًا لك راهبًا، لك مطواعًا لك مخبتًا إليك أواهًا منيبًا» (رواه الترمذي وغيره).

قال الحسن: "أحب عباد الله إلى الله أكثرهم له ذكرًا، وأتقاهم قلبًا".
قيل لابن هاني: ما نرى لسانك يفتر كم تسبح كل يوم؟ قال: "مائة ألف إلا أن تخطى الأصابع".

قال ابن القيم: "إن أفضل أهل كل عمل أكثرهم فيه ذكرًا لله فأفضل الصوام أكثرهم ذكرًا لله وأفضل الحجاج أفضلهم ذكرًا لله وهكذا سائر الأعمال".

6- الدعاء: قال صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة» (رواه الأربعة وصحَّحه الترمذي).

الدعاء يغير الأحوال: الشقي يسعد، الحزين يفرح، المريض يشفى، الفقير يرزق، الضعيف يقوى، المظلوم ينصر..

قال ابن القيم: "إذا اجتمع مع الدعاء حضور القلب، وجمعيته بكليته على المطلوب،وصادف وقتًا من أوقات الأجابة، وصادف خشوعًا في القلب، وانكسارًا بين يدي الرب واستقبل الداعي القبلة وكان على طهارة ورفع يديه إلى الله، وبدأ بحمد الله والثناء، ثم ثنَّى بالصلاة على نبيه، ثم قدم بين يدي حاجته التوبة والإستغفار ثم دخل على الله وألح عليه في المسألة، وتوسل إليه بأسمائه وصفاته، وقدَّم بين يدي دعائه صدقة فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدًا".

ما يقال عند الفطر:

كان صلى الله عليه وسلم يقول بعد الإفطار: «ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله» (رواه السيوطي)، «وثبت الأجر»: يعني زال التعب وبقي الأجر.

ويكون الفطر على رطب فإن لم يجد فتمر فإن لم يجد فماء.

الدعاء عند الإفطار:

سؤال: قوله صلى الله عليه وسلم: «إن للصائم عند فطره دعوة لا ترد» ما هو المقصود بدعاء الصائم عند فطره، هل يقصد دعاء الصائم قبل الإفطار بلحظات، أم بعد الإفطار مباشرة؟

الجواب: "الدعاء يكون قبل الإفطار وبعده؛ لأن كلمة: عند تشمل الحالتين" (اللجنة الدائمة).

7- العمرة: قال صلى الله عليه وسلم: «عمرة في رمضان تعدل حجة معي» أي: تماثلها في الثواب، فثواب العمل يزداد بزيادة شرف الوقت كما يزيد بحضور القلب وحضور النية.

صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر أم معقل -لما فاتها الحج معه- أن تعتمر في رمضان وأخبرها أنها تعدل حجة.

وقفة:
نرى بعض الوالدين لا يكترث أن يعتمر ابنه الصغير، بل ربما طاف وسعى برفقتهم وهو لم يعتمر! فالصغير يؤجر ولمن تسبب في عمرته فلا تحرموهم من الخير.

قال ابن تيمية: "تتفاضل درجات أطفال المؤمنين في الجنة بتفاضل آبائهم وتفاضل أعمالهم إن كانت لهم أعمال. فالصبي يثاب على صلاته وصومه وحجه وغيره".

8- الحرص على صلاة النوافل: (صلاة الضحى، سنة الوضوء، بين كل أذانين صلاة..).

9- صلاة التراويح: قال صلى الله عليه وسلم: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» (رواهالبخاري ومسلم)، «من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمئة كتب من القانتين» (رواه الحاكم وقال: "صحيح على شرط مسلم"، وقال فيه الألباني: "صحيح لغيره").

10- السحور: قال صلى الله عليه وسلم: «السحور أكلة بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين» (رواه أحمد، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع).

السحور: حث عليه نبينا بقوله وأيده بفعله. البركة في السحور: "قيل البركة: المراد بها الأجر، إتباع السنة، التقوي على الطاعة والنشاط والإنبساط".

مخالفة أهل الكتاب، مدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع والعطش، التسبب بالصدقة على من يسأل آنذاك أو يجتمع معه على الأكل.

وقفة:
قال صلى الله عليه وسلم: «نعم سحور المؤمن التمر» (رواه أبو داود)، في اجتماع التمر مع اللبن صحيًا وعلميًا من الفوائد ما لا يخفى على أهل الطب والخبرة.

ما ينبغي على الصائم اجتنابه:

1- اجتناب الغيبة والنميمة: قال صلى الله عليه وسلم: «لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» (رواه البخاري).

قال ابن عثيمين: "هذه الأفعال لا تبطل الصوم، ولكن تنقص من أجره، وربما عند المعادلة تُضّيع أجر الصوم".

2- سماع المعازف، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله حرَّم على أمتي الكوبة والقنين» (رواه البيهقي وغيره).

3- النظر إلى القنوات الهدامة التي لا تألوا جهدًا في إفساد شباب المسلمين.

كلمةٌ أخيرة:

أوصي نفسي وغيري بالعمل بوصية جابر رضي الله عنه: "لا يكن يوم صومك ويوم فطرك سواء".

والعمل بوصية الإمام أحمد: "يا بني أنو الخير، فإنك لا تزال بخير ما نويت الخير".

أسأل الله أن يعيننا على صيامه وقيامه وأن يتقبله منا وأن يتجاوز عن تقصيرنا إنه جواد كريم.

والحمد لله رب العالمين، وصلِ اللهم وسلم على النبي الكريم.

Popular Posts

Blog Archive