background img

The New Stuff

خصائص النبي ما حُرّم عليه دون غيره من أمته


اختصّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بكثير من الخصائص والأحكام دون أمّته تكريمًا له وتبجيلًا، وقد شاركه في بعضها الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام.

اختصّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بكثير من الخصائص والأحكام دون أمّته تكريمًا له وتبجيلًا، وقد شاركه في بعضها الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام.

1- الصّدقة:
حرم على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أكل الصّدقة لقوله عليه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّ الصّدقة لا تحلّ لمحمّد ولا لآل محمّد، إنّما هي أوساخ النّاس» (أخرجه مسلم). وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه: "أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يأكل الهديّة ولا يأكل الصّدقة" (أخرجه مسلم).
وهذه الأحاديث عامّة لا فرق فيها بين صدقة الفرض والتّطوّع. فكلا النّوعين حرم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
قال الحافظ ابن حجر: "نقل الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء منهم الإمام الخطّابيّ".
والحكمة في تحريم الصّدقة على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، صيانة وتنزيه منصبه الشّريف عن أوساخ أموال النّاس. وأمّا دخول الآل في ذلك فإنّهم دخلوا تبعا لانتسابهم إليه وتشريفهم بذلك.

2- إمساك من كرهت نكاحه:
ومن خصائصه صلّى اللّه عليه وسلّم؛ أنّه كان يحرم عليه إمساك من اختارت فراقه ورغبت عنه من النّساء، بخلاف غيره من أمّته ممّن يخيّر امرأته فإنّها لو اختارت فراقه لما وجب عليه فراقها.
وبرهان هذه الخصوصيّة ما جاء في صحيح البخاريّ عن عائشة رضي اللّه عنها: أنّ ابنة الجون لمّا أدخلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ودنا منها قالت: أعوذ باللّه منك فقال لها: «لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك».
قال ابن الملقّن رحمه اللّه في خصائصه بعد إيراده هذا الحديث: "وفهم ممّا ذكرناه أنّه حرم عليه نكاح كلّ امرأة كرهت صحبته. وجدير أن يكون الأمر كذلك لما فيه من الإيذاء".

3- نزع لامة (درع) الحرب:
وممّا حرم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكذلك إخوانه الأنبياء عليهم السّلام -دون غيره من الأمّة- أنّه إذا لبس لامة الحرب وعزم على الجهاد في سبيل اللّه أن ينزعها ويقلعها حتّى يلقى العدوّ ويقاتل.
ودليل ذلك ما روى جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما؛ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال يوم أحد: «رأيتُ كأني في درعٍ حصينَةٍ، ورأيتُ بقرًا تُنْحَرُ، فأوَّلْتُ أنَّ الدرعَ الحصينةَ المدينةَ، وأنَّ البقرَ بقرٌ واللهِ خيرٌ»، قال: فقال لأصحابِهِ: «لو أنَّا أَقْمْنا بالمدينةِ، فإنْ دَخَلُوا علَيْنَا فيها قاتلْناهم»، فقالوا: واللهِ يا رسولَ اللهِ ما دُخِلَ علَيْنَا فيهَا في الجاهليَّةِ، فكيف يُدْخَلُ علَيْنَا فيها في الإسلامِ؟ فقال: «شأنُكم إذًا»، فلَبِسَ لأْمَتَهُ، قال: فقالَتْ الأنصارُ: ردَدْنَا علَى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رأْيَهُ فجاءُوا، فقالوا: يا نبيَّ اللهِ، شَأْنُكَ إذًا فأقِمْ فقال: «إنَّهُ لَيْسَ لِنَبِيٍّ إذا لبِسَ لأمَتَهُ أن يضعَها حتى يقاتِلَ» (أخرجه أحمد في مسنده، وأصل القصة في البخاري ومسلم).
قال الحافظ ابن كثير: "قال عامّة أصحابنا: إنّ ذلك كان واجبًا عليه، وأنّه يحرم عليه أن ينزعها حتّى يقاتل".

4- خائنة الأعين:
خائنة الأعين هي الإيماء إلى مباح من قتل أو ضرب على خلاف ما يظهر ويشعر به الحال، ولا يحرم ذلك على غيره إلّا في محظور. وقال الخطّابيّ رحمه اللّه: "هو أن يضمر في قلبه غير ما يظهره للنّاس فإذا كفّ لسانه وأومأ بعينه إلى ذلك فقد خان وقد كان ظهور تلك الخيانة من قبيل عينه فسمّيت خائنة الأعين".
فلم يكن لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يومئ بطرفه خلاف ما يظهر كلامه.
ومستند هذا قصّة عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، حيث كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد أهدر دمه يوم فتح مكّة في جملة من أهدر من الدّماء فاختبأ عند عثمان بن عفّان أخيه من الرّضاعة، فلمّا دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم النّاس إلى البيعة جاء به عثمان حتّى أوقفه على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: يا رسول اللّه، بايع عبد اللّه، فرفع رأسه، فنظر إليه، ثلاثا، كلّ ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثمّ أقبل على أصحابه فقال: «أما كان فيكم رجل رشيد، يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟» فقالوا: ما ندري يا رسول اللّه ما في نفسك؟ ألا أومأت إلينا بعينك قال: «إنّه لا ينبغي لنبيّ أن تكون له خائنة الأعين» (أخرجه أبو داوود).

5- تعلّم الكتابة:
قال اللّه تعالى: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت:48]. فقد لبث صلوات اللّه وسلامه عليه عمرًا من قبل أن ينزّل عليه القرآن المجيد لا يقرأ كتابًا ولا يحسن الكتابة بل كلّ أحد من قومه وغيرهم يعرف أنّه رجل أمّيّ لا يقرأ ولا يكتب. وهذا من أعلام نبوّته لئلّا يرتاب بعض الجهلة فيقول إنّما تعلّم هذا القرآن من كتب قبله مأثورة عن الأنبياء.

6- تعلّم الشّعر:
قال اللّه تعالى: {وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ} [يس:69].
فلم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عالما بالشّعر وأصنافه وأعاريضه وقوافيه ولم يكن موصوفا بذلك بالاتّفاق وجعل اللّه سبحانه ذلك علما من أعلام نبوّته صلّى اللّه عليه وسلّم لئلّا تدخل الشّبهة على من أرسل إليهم فيظنّوا أنّه قوي على القرآن بما في طبعه من القوّة في الشّعر.
والأدلّة على عدم معرفته بالشّعر وعدم ميله إليه كثيرة منها: أنّ قريشا لمّا تشاورت فيما يقولون للعرب في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا قدموا عليهم الموسم. فقال بعضهم: نقول إنّه شاعر. فقال أهل الفطنة منهم: "واللّه لتكذّبنّكم العرب، فإنّهم يعرفون أصناف الشّعر فو اللّه ما يشبه شيئا منها وما قوله بشعر".
وأمّا ما وقع على لسانه صلوات اللّه وسلامه عليه من الشّعر القليل، كقوله يوم حنين وهو راكب بغلته يقدّم بها نحور العدوّ.
أنا النّبيّ لا كذب *** أنا ابن عبد المطّلب
وكقوله لمّا أصابه حجر وهو يمشي فعثر فدميت إصبعه الشّريفة:
هل أنت إلّا إصبع دميت *** وفي سبيل اللّه ما لقيت
فكلّ هذا وأمثاله إنّما وقع منه اتّفاقا من غير قصد لوزن الشّعر بل جرى على اللّسان من غير قصد إليه.


خصائص النبي ما حُرّم عليه دون غيره من أمته

خصائص النبي ما حُرّم عليه دون غيره من أمته


اختصّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بكثير من الخصائص والأحكام دون أمّته تكريمًا له وتبجيلًا، وقد شاركه في بعضها الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام.

اختصّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بكثير من الخصائص والأحكام دون أمّته تكريمًا له وتبجيلًا، وقد شاركه في بعضها الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام.

1- الصّدقة:
حرم على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أكل الصّدقة لقوله عليه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّ الصّدقة لا تحلّ لمحمّد ولا لآل محمّد، إنّما هي أوساخ النّاس» (أخرجه مسلم). وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه: "أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يأكل الهديّة ولا يأكل الصّدقة" (أخرجه مسلم).
وهذه الأحاديث عامّة لا فرق فيها بين صدقة الفرض والتّطوّع. فكلا النّوعين حرم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
قال الحافظ ابن حجر: "نقل الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء منهم الإمام الخطّابيّ".
والحكمة في تحريم الصّدقة على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، صيانة وتنزيه منصبه الشّريف عن أوساخ أموال النّاس. وأمّا دخول الآل في ذلك فإنّهم دخلوا تبعا لانتسابهم إليه وتشريفهم بذلك.

2- إمساك من كرهت نكاحه:
ومن خصائصه صلّى اللّه عليه وسلّم؛ أنّه كان يحرم عليه إمساك من اختارت فراقه ورغبت عنه من النّساء، بخلاف غيره من أمّته ممّن يخيّر امرأته فإنّها لو اختارت فراقه لما وجب عليه فراقها.
وبرهان هذه الخصوصيّة ما جاء في صحيح البخاريّ عن عائشة رضي اللّه عنها: أنّ ابنة الجون لمّا أدخلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ودنا منها قالت: أعوذ باللّه منك فقال لها: «لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك».
قال ابن الملقّن رحمه اللّه في خصائصه بعد إيراده هذا الحديث: "وفهم ممّا ذكرناه أنّه حرم عليه نكاح كلّ امرأة كرهت صحبته. وجدير أن يكون الأمر كذلك لما فيه من الإيذاء".

3- نزع لامة (درع) الحرب:
وممّا حرم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكذلك إخوانه الأنبياء عليهم السّلام -دون غيره من الأمّة- أنّه إذا لبس لامة الحرب وعزم على الجهاد في سبيل اللّه أن ينزعها ويقلعها حتّى يلقى العدوّ ويقاتل.
ودليل ذلك ما روى جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما؛ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال يوم أحد: «رأيتُ كأني في درعٍ حصينَةٍ، ورأيتُ بقرًا تُنْحَرُ، فأوَّلْتُ أنَّ الدرعَ الحصينةَ المدينةَ، وأنَّ البقرَ بقرٌ واللهِ خيرٌ»، قال: فقال لأصحابِهِ: «لو أنَّا أَقْمْنا بالمدينةِ، فإنْ دَخَلُوا علَيْنَا فيها قاتلْناهم»، فقالوا: واللهِ يا رسولَ اللهِ ما دُخِلَ علَيْنَا فيهَا في الجاهليَّةِ، فكيف يُدْخَلُ علَيْنَا فيها في الإسلامِ؟ فقال: «شأنُكم إذًا»، فلَبِسَ لأْمَتَهُ، قال: فقالَتْ الأنصارُ: ردَدْنَا علَى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رأْيَهُ فجاءُوا، فقالوا: يا نبيَّ اللهِ، شَأْنُكَ إذًا فأقِمْ فقال: «إنَّهُ لَيْسَ لِنَبِيٍّ إذا لبِسَ لأمَتَهُ أن يضعَها حتى يقاتِلَ» (أخرجه أحمد في مسنده، وأصل القصة في البخاري ومسلم).
قال الحافظ ابن كثير: "قال عامّة أصحابنا: إنّ ذلك كان واجبًا عليه، وأنّه يحرم عليه أن ينزعها حتّى يقاتل".

4- خائنة الأعين:
خائنة الأعين هي الإيماء إلى مباح من قتل أو ضرب على خلاف ما يظهر ويشعر به الحال، ولا يحرم ذلك على غيره إلّا في محظور. وقال الخطّابيّ رحمه اللّه: "هو أن يضمر في قلبه غير ما يظهره للنّاس فإذا كفّ لسانه وأومأ بعينه إلى ذلك فقد خان وقد كان ظهور تلك الخيانة من قبيل عينه فسمّيت خائنة الأعين".
فلم يكن لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يومئ بطرفه خلاف ما يظهر كلامه.
ومستند هذا قصّة عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، حيث كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد أهدر دمه يوم فتح مكّة في جملة من أهدر من الدّماء فاختبأ عند عثمان بن عفّان أخيه من الرّضاعة، فلمّا دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم النّاس إلى البيعة جاء به عثمان حتّى أوقفه على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: يا رسول اللّه، بايع عبد اللّه، فرفع رأسه، فنظر إليه، ثلاثا، كلّ ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثمّ أقبل على أصحابه فقال: «أما كان فيكم رجل رشيد، يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟» فقالوا: ما ندري يا رسول اللّه ما في نفسك؟ ألا أومأت إلينا بعينك قال: «إنّه لا ينبغي لنبيّ أن تكون له خائنة الأعين» (أخرجه أبو داوود).

5- تعلّم الكتابة:
قال اللّه تعالى: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت:48]. فقد لبث صلوات اللّه وسلامه عليه عمرًا من قبل أن ينزّل عليه القرآن المجيد لا يقرأ كتابًا ولا يحسن الكتابة بل كلّ أحد من قومه وغيرهم يعرف أنّه رجل أمّيّ لا يقرأ ولا يكتب. وهذا من أعلام نبوّته لئلّا يرتاب بعض الجهلة فيقول إنّما تعلّم هذا القرآن من كتب قبله مأثورة عن الأنبياء.

6- تعلّم الشّعر:
قال اللّه تعالى: {وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ} [يس:69].
فلم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عالما بالشّعر وأصنافه وأعاريضه وقوافيه ولم يكن موصوفا بذلك بالاتّفاق وجعل اللّه سبحانه ذلك علما من أعلام نبوّته صلّى اللّه عليه وسلّم لئلّا تدخل الشّبهة على من أرسل إليهم فيظنّوا أنّه قوي على القرآن بما في طبعه من القوّة في الشّعر.
والأدلّة على عدم معرفته بالشّعر وعدم ميله إليه كثيرة منها: أنّ قريشا لمّا تشاورت فيما يقولون للعرب في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا قدموا عليهم الموسم. فقال بعضهم: نقول إنّه شاعر. فقال أهل الفطنة منهم: "واللّه لتكذّبنّكم العرب، فإنّهم يعرفون أصناف الشّعر فو اللّه ما يشبه شيئا منها وما قوله بشعر".
وأمّا ما وقع على لسانه صلوات اللّه وسلامه عليه من الشّعر القليل، كقوله يوم حنين وهو راكب بغلته يقدّم بها نحور العدوّ.
أنا النّبيّ لا كذب *** أنا ابن عبد المطّلب
وكقوله لمّا أصابه حجر وهو يمشي فعثر فدميت إصبعه الشّريفة:
هل أنت إلّا إصبع دميت *** وفي سبيل اللّه ما لقيت
فكلّ هذا وأمثاله إنّما وقع منه اتّفاقا من غير قصد لوزن الشّعر بل جرى على اللّسان من غير قصد إليه.



خصائص النبي ما أبيح له دون غيره من أمته

أمور أباحها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم دون غيره من أمته واختصه هو وحده صلى الله عليه وسلم بها.


1- الوصال في الصّوم:
بعث اللّه تبارك وتعالى رسوله محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم وسكب في قلبه من العلم والحلم وفي خلقه من الإيناس والبرّ وفي طبعه من السّهولة والرّفق وفي يده من السّخاوة والنّدى ما جعله أزكى عباد اللّه رحمةً وأوسعهم عاطفةً وأرحبهم صدرًا. قال تعالى: {وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ} [الأنبياء:107].
فجاءت شريعته مبنيّة على التّيسير والسّهولة والتّخفيف والرّحمة ورفع الحرج والآصار والأغلال ما يلائم اختلاف الأجيال وحاجات العصور وشتّى البقاع.
فمن ذلك نهيه صلّى اللّه عليه وسلّم أمّته عن مواصلة صوم يومين فصاعدًا من غير أكل أو شرب بينهما لما في ذلك من المشقّة وحصول المفسدة المترتّبة على الوصال وهي الملل من العبادة والتّعرّض للتّقصير في بعض وظائف الدّين.
بينما كان ذلك مباحا له صلّى اللّه عليه وسلّم خصوصيّة له دون أمّته. فعن عائشة رضي اللّه عنها قالت: نهى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن الوصالِ رحمةً لهم، فقالوا: إنك تواصِلُ، قال: «إني لستُ كهيئتِكم، إني يُطعِمُني ربي ويسقينِ».
قال النّوويّ: "قال الخطّابيّ وغيره من أصحابنا: الوصال من الخصائص الّتي أبيحت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وحرّمت على الأمّة".
2- الزّواج من غير وليّ ولا شهود:
عني الإسلام عناية كبيرة بالأسرة، فالأسرة هي أساس كيان المجتمع الإسلامي من مجموعها يتكوّن المجتمع ويترتّب على ذلك أنّ الأسرة إذا صلحت صلح المجتمع وإذا فسدت فسد المجتمع وحيث إنّ الزّواج هو السّبيل المشروع لتكوين الأسرة وبقاء الجنس البشريّ، فقد رغّب فيه الإسلام وحثّ عليه وشرع له أحكاما معيّنة تشريفا وتكريما لهذه العلاقة علاقة الزّواج.
ومن هذه الأحكام، موافقة وليّ المرأة على زواجها وهو شرط لصحّة النّكاح. قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا نكاح إلّا بوليّ»؛ فعقد النّكاح لا يهمّ المرأة وحدها بل يهمّ وليّها وعائلتها، والضّرر الّذي يلحقها بسبب سوء اختيارها ينسحب إلى عائلتها وعلى رأسهم وليّها كالأب والأخ. ولهذا فلا بدّ أن يكون للوليّ رأي مسموع في زواجها، وكما يشترط في صحّة النّكاح موافقة وليّ المرأة، كذلك يشترط حضور الشّهود عند عقد النّكاح لكي يعرف العقد ويشيع وتحفظ حقوق المرأة، ويؤمن الجحود. ولهذا قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا نكاح إلّا بوليّ وشاهدي عدل».
وقد انفرد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن أمّته في هذين الحكمين؛ فأباح اللّه تعالى له الزّواج بغير وليّ ولا شهود تشريفًا وتكريمًا لعدم الحاجة إلى ذلك في حقّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
قال العلماء: "إنّما اعتبر الوليّ في نكاح الأمة للمحافظة على الكفاءة، وهو صلّى اللّه عليه وسلّم فوق الأكفاء، وإنّما اعتبر الشّهود لأمن الجحود وهو صلّى اللّه عليه وسلّم لا يجحد".
3- الجمع بين أكثر من أربع نسوة:
شرع اللّه تبارك وتعالى لعباده النّكاح لما فيه من الفوائد العظيمة والحكم الجسيمة، فمن ذلك: الإبقاء على النّوع الإنسانيّ، والتّحصّن من الشّيطان، وكسر التّوقان ودفع غوائل الشّهوة، وغضّ البصر وحفظ الفرج، وترويح النّفس وإيناسها بما أباحه اللّه لتقوى وتنشط على العبادة، ومجاهدة النّفس ورياضتها بالرّعاية والولاية والقيام بحقوق الأهل، والاجتهاد في كسب الحلال، والعناية بتربية الأولاد إلى غير ذلك من الفوائد والحكم والأسرار.
وقد جاءت الأدلّة الشّرعيّة مبيحة الجمع بين أربع نسوة ومحرّمة الزّيادة على ذلك لآحاد المؤمنين.
قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ} [النساء:3].
ولمّا أسلم غيلان بن سلمة الثّقفيّ أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «اختر منهنّ أربعًا».
وقال الشّافعيّ رحمه اللّه: "دلّت سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المبيّنة عن اللّه أنّه لا يجوز لأحد غير رسول اللّه أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة".
فهذا الحكم من خصائصه صلّى اللّه عليه وسلّم الّتي انفرد بها دون غيره من الأمّة، ولا خلاف بين العلماء أنّه توفّي صلّى اللّه عليه وسلّم عن تسع نسوة.
فائدة: والحكمة في استكثاره صلّى اللّه عليه وسلّم من النّساء:
قال الحافظ ابن حجر رحمه اللّه: "والّذي تحصّل من كلام أهل العلم في الحكمة في استكثاره من النّساء عدّة أوجه:
أحدها: أن يكثر من يشاهد أحواله الباطنة فينتفي عنه ما يظنّ به المشركون من أنّه ساحر أو غير ذلك.
ثانيها: لتتشرّف به قبائل العرب بمصاهرته فيهم.
ثالثها: للزّيادة في تآلفهم بذلك.
رابعها: للزّيادة في التّكليف حيث كلّف أن لا يشغله ما حبّب إليه منهنّ عن المبالغة في التّبليغ.
خامسها: لتكثر عشيرته من جهة نسائه فتزداد أعوانه على من يحاربه.
سادسها: نقل الأحكام الشّرعيّة الّتي لا يطّلع عليها الرّجال، لأنّ أكثر ما يقع مع الزّوجة ممّا شأنه أن يختفي مثله.
سابعها: الاطّلاع على محاسن أخلاقه الباطنة، فقد تزوّج أمّ حبيبة وأبوها إذ ذاك يعاديه، وصفيّة بعد قتل أبيها وعمّها وزوجها، فلو لم يكن أكمل الخلق في خلقه لنفرن منه، بل الّذي وقع أنّه كان أحبّ إليهنّ من جميع أهلهنّ.
ثامنها: تحصينهنّ والقيام بحقوقهنّ".
4- بدء القتال بالبلد الأمين:
شرّف اللّه عزّ وجلّ أمّ القرى البلد الحرام وفضّلها واختارها وخصّها بخصائص ومزايا ليست لغيرها من بقاع الدّنيا فمن ذلك أنّ بها بيته العتيق أوّل بيت وضع للنّاس لعبادتهم ونسكهم يطوفون به ويصلّون إليه ويعتكفون عنده ومن دخله كان آمنا. وجعله مثابة للنّاس يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار ولا يقضون منه وطرًا بل كلّما ازدادوا له زيارة ازدادوا له اشتياقًا.
إنّها بلد حرام حرّمها اللّه يوم خلق السّماوات والأرض فالقتال فيها لا يحلّ ولا يجوز إلى غير ذلك من خصائصها.
وقد أباح اللّه تبارك وتعالى لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم مكّة المكرّمة عام الفتح ساعة من نهار فدخلها بغير إحرام وقتل من أهلها يومئذ نحو عشرين فكان ذلك من خصائصه صلّى اللّه عليه وسلّم. وقد دلّت على ذلك الأحاديث الصّحيحة، منها ما ذكره صلّى اللّه عليه وسلّم في خطبته صبيحة ذلك اليوم حيث قال:
«إنّ مكّة حرّمها اللّه ولم يحرّمها النّاس. فلا يحلّ لامرىء يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرة. فإن أحد ترخّص بقتال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيها فقولوا له: إنّ اللّه أذن لرسوله ولم يأذن لكم. وإنّما أذن لي فيها ساعة من نهار. وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس وليبلّغ الشّاهد الغائب» (أخرجه البخاري).

خصائص النبي ما أبيح له دون غيره من أمته

خصائص النبي ما أبيح له دون غيره من أمته

أمور أباحها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم دون غيره من أمته واختصه هو وحده صلى الله عليه وسلم بها.


1- الوصال في الصّوم:
بعث اللّه تبارك وتعالى رسوله محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم وسكب في قلبه من العلم والحلم وفي خلقه من الإيناس والبرّ وفي طبعه من السّهولة والرّفق وفي يده من السّخاوة والنّدى ما جعله أزكى عباد اللّه رحمةً وأوسعهم عاطفةً وأرحبهم صدرًا. قال تعالى: {وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ} [الأنبياء:107].
فجاءت شريعته مبنيّة على التّيسير والسّهولة والتّخفيف والرّحمة ورفع الحرج والآصار والأغلال ما يلائم اختلاف الأجيال وحاجات العصور وشتّى البقاع.
فمن ذلك نهيه صلّى اللّه عليه وسلّم أمّته عن مواصلة صوم يومين فصاعدًا من غير أكل أو شرب بينهما لما في ذلك من المشقّة وحصول المفسدة المترتّبة على الوصال وهي الملل من العبادة والتّعرّض للتّقصير في بعض وظائف الدّين.
بينما كان ذلك مباحا له صلّى اللّه عليه وسلّم خصوصيّة له دون أمّته. فعن عائشة رضي اللّه عنها قالت: نهى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن الوصالِ رحمةً لهم، فقالوا: إنك تواصِلُ، قال: «إني لستُ كهيئتِكم، إني يُطعِمُني ربي ويسقينِ».
قال النّوويّ: "قال الخطّابيّ وغيره من أصحابنا: الوصال من الخصائص الّتي أبيحت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وحرّمت على الأمّة".
2- الزّواج من غير وليّ ولا شهود:
عني الإسلام عناية كبيرة بالأسرة، فالأسرة هي أساس كيان المجتمع الإسلامي من مجموعها يتكوّن المجتمع ويترتّب على ذلك أنّ الأسرة إذا صلحت صلح المجتمع وإذا فسدت فسد المجتمع وحيث إنّ الزّواج هو السّبيل المشروع لتكوين الأسرة وبقاء الجنس البشريّ، فقد رغّب فيه الإسلام وحثّ عليه وشرع له أحكاما معيّنة تشريفا وتكريما لهذه العلاقة علاقة الزّواج.
ومن هذه الأحكام، موافقة وليّ المرأة على زواجها وهو شرط لصحّة النّكاح. قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا نكاح إلّا بوليّ»؛ فعقد النّكاح لا يهمّ المرأة وحدها بل يهمّ وليّها وعائلتها، والضّرر الّذي يلحقها بسبب سوء اختيارها ينسحب إلى عائلتها وعلى رأسهم وليّها كالأب والأخ. ولهذا فلا بدّ أن يكون للوليّ رأي مسموع في زواجها، وكما يشترط في صحّة النّكاح موافقة وليّ المرأة، كذلك يشترط حضور الشّهود عند عقد النّكاح لكي يعرف العقد ويشيع وتحفظ حقوق المرأة، ويؤمن الجحود. ولهذا قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا نكاح إلّا بوليّ وشاهدي عدل».
وقد انفرد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن أمّته في هذين الحكمين؛ فأباح اللّه تعالى له الزّواج بغير وليّ ولا شهود تشريفًا وتكريمًا لعدم الحاجة إلى ذلك في حقّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
قال العلماء: "إنّما اعتبر الوليّ في نكاح الأمة للمحافظة على الكفاءة، وهو صلّى اللّه عليه وسلّم فوق الأكفاء، وإنّما اعتبر الشّهود لأمن الجحود وهو صلّى اللّه عليه وسلّم لا يجحد".
3- الجمع بين أكثر من أربع نسوة:
شرع اللّه تبارك وتعالى لعباده النّكاح لما فيه من الفوائد العظيمة والحكم الجسيمة، فمن ذلك: الإبقاء على النّوع الإنسانيّ، والتّحصّن من الشّيطان، وكسر التّوقان ودفع غوائل الشّهوة، وغضّ البصر وحفظ الفرج، وترويح النّفس وإيناسها بما أباحه اللّه لتقوى وتنشط على العبادة، ومجاهدة النّفس ورياضتها بالرّعاية والولاية والقيام بحقوق الأهل، والاجتهاد في كسب الحلال، والعناية بتربية الأولاد إلى غير ذلك من الفوائد والحكم والأسرار.
وقد جاءت الأدلّة الشّرعيّة مبيحة الجمع بين أربع نسوة ومحرّمة الزّيادة على ذلك لآحاد المؤمنين.
قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ} [النساء:3].
ولمّا أسلم غيلان بن سلمة الثّقفيّ أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «اختر منهنّ أربعًا».
وقال الشّافعيّ رحمه اللّه: "دلّت سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المبيّنة عن اللّه أنّه لا يجوز لأحد غير رسول اللّه أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة".
فهذا الحكم من خصائصه صلّى اللّه عليه وسلّم الّتي انفرد بها دون غيره من الأمّة، ولا خلاف بين العلماء أنّه توفّي صلّى اللّه عليه وسلّم عن تسع نسوة.
فائدة: والحكمة في استكثاره صلّى اللّه عليه وسلّم من النّساء:
قال الحافظ ابن حجر رحمه اللّه: "والّذي تحصّل من كلام أهل العلم في الحكمة في استكثاره من النّساء عدّة أوجه:
أحدها: أن يكثر من يشاهد أحواله الباطنة فينتفي عنه ما يظنّ به المشركون من أنّه ساحر أو غير ذلك.
ثانيها: لتتشرّف به قبائل العرب بمصاهرته فيهم.
ثالثها: للزّيادة في تآلفهم بذلك.
رابعها: للزّيادة في التّكليف حيث كلّف أن لا يشغله ما حبّب إليه منهنّ عن المبالغة في التّبليغ.
خامسها: لتكثر عشيرته من جهة نسائه فتزداد أعوانه على من يحاربه.
سادسها: نقل الأحكام الشّرعيّة الّتي لا يطّلع عليها الرّجال، لأنّ أكثر ما يقع مع الزّوجة ممّا شأنه أن يختفي مثله.
سابعها: الاطّلاع على محاسن أخلاقه الباطنة، فقد تزوّج أمّ حبيبة وأبوها إذ ذاك يعاديه، وصفيّة بعد قتل أبيها وعمّها وزوجها، فلو لم يكن أكمل الخلق في خلقه لنفرن منه، بل الّذي وقع أنّه كان أحبّ إليهنّ من جميع أهلهنّ.
ثامنها: تحصينهنّ والقيام بحقوقهنّ".
4- بدء القتال بالبلد الأمين:
شرّف اللّه عزّ وجلّ أمّ القرى البلد الحرام وفضّلها واختارها وخصّها بخصائص ومزايا ليست لغيرها من بقاع الدّنيا فمن ذلك أنّ بها بيته العتيق أوّل بيت وضع للنّاس لعبادتهم ونسكهم يطوفون به ويصلّون إليه ويعتكفون عنده ومن دخله كان آمنا. وجعله مثابة للنّاس يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار ولا يقضون منه وطرًا بل كلّما ازدادوا له زيارة ازدادوا له اشتياقًا.
إنّها بلد حرام حرّمها اللّه يوم خلق السّماوات والأرض فالقتال فيها لا يحلّ ولا يجوز إلى غير ذلك من خصائصها.
وقد أباح اللّه تبارك وتعالى لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم مكّة المكرّمة عام الفتح ساعة من نهار فدخلها بغير إحرام وقتل من أهلها يومئذ نحو عشرين فكان ذلك من خصائصه صلّى اللّه عليه وسلّم. وقد دلّت على ذلك الأحاديث الصّحيحة، منها ما ذكره صلّى اللّه عليه وسلّم في خطبته صبيحة ذلك اليوم حيث قال:
«إنّ مكّة حرّمها اللّه ولم يحرّمها النّاس. فلا يحلّ لامرىء يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرة. فإن أحد ترخّص بقتال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيها فقولوا له: إنّ اللّه أذن لرسوله ولم يأذن لكم. وإنّما أذن لي فيها ساعة من نهار. وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس وليبلّغ الشّاهد الغائب» (أخرجه البخاري).

خصائص النبي ما اختصّ به عن أمّته من الفضائل والكرامات

كلّ من استهان برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، أو سبّه، أو عابه، أو ألحق به نقصًا في نفسه أو نسبه أو دينه، أو خصلة من خصاله، أو عرّض به، أو شبّهه بشيء على طريق السّبّ له أو الإزراء عليه أو التّصغير لشأنه أو الغضّ منه والعيب له فإنّه يُقتل كفرًا

1- عصمة في الأقوال والأفعال:
كان صلّى اللّه عليه وسلّم معصومًا في أقواله وأفعاله لا يجوز عليه الخطأ فيما يتعلّق بأداء الرّسالة ولا يقرّ عليه بل ينزل الوحي بتصحيحه. قال تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذا هَوى . ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى . وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى} [النجم:1- 4].

2- من استهان به أو سبّه كفر:
تضافرت الأدلّة من الكتاب والسّنة وإجماع الأمّة موضّحة ومجلّية ما يجب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الحقوق وما يتعيّن له من برّ وتوقير وإكرام وتعظيم ومن أجل هذا حرّم اللّه تبارك وتعالى أذاه في كتابه وأجمعت الأمّة على قتل منتقصه وسابّه. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا} [الأحزاب:57]. وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ} [التوبة:61].
فكلّ من استهان برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، أو سبّه، أو عابه، أو ألحق به نقصًا في نفسه أو نسبه أو دينه، أو خصلة من خصاله، أو عرّض به، أو شبّهه بشيء على طريق السّبّ له أو الإزراء عليه أو التّصغير لشأنه أو الغضّ منه والعيب له فإنّه يُقتل كفرًا.
قال أبو بكر بن المنذر رحمه اللّه: "أجمع عوامّ أهل العلم على أنّ من سبّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يقتل".

3- الكذب عليه ليس كالكذب على غيره:
الكذب رذيلة محضة وخصلة ذميمة وهو من قبائح الذّنوب وفواحش العيوب وأقبح الصّفات. ومن أشدّ أنواع الكذب وأشنعه الكذب على اللّه تعالى أو الكذب على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم لأنّه افتراء في الدّين، وتلاعب بشرائع اللّه لعباده، وتجرّؤ عظيم على النّار. ولهذا أجمع العلماء على تغليظ الكذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وأنّه من الكبائر وأنّ من كذب عليه متعمّدًا مستجيزًا لذلك فهو كافر. قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّ كذبا عليّ ليس ككذب على أحد فمن كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار» (البخاري).

4- رؤية خاصّة:
عن عائشة رضي اللّه عنها؛ قالت: "قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يومًا: «يا عائش هذا جبريل يقرئك السّلام». فقلت: وعليه السّلام ورحمة اللّه وبركاته، ترى ما لا أرى" (البخاري).
وعن أبي ذرّ رضي اللّه عنه؛ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّي أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون. إنّ السّماء أطّت وحقّ لها أن تئطّ. ما فيها موضع أربع أصابع إلّا وملك واضع جبهته ساجدًا للّه. واللّه لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا. وما تلذّذتم بالنّساء على الفرش. ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى الله» (صحيح الجامع).
وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه؛ قال: صلّى بنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوما. ثمّ انصرف فقال: «يا فلان ألا تحسن صلاتك؟ ألا ينظر المصلّي إذا صلّى كيف يصلّي؟ فإنّما يصلّي لنفسه. إنّي واللّه لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يديّ» (مسلم).

5- أجر تطوّعه قاعدًا كتطوّعه قائمًا:
شرعت صلاة النّافلة لحكم عظيمة وأسرار منها زيادة الحسنات ورفعة الدّرجات، وجبر وإكمال الفريضة إن نقصت. ولصلاة النّافلة آداب وأحكام منها: جواز القعود فيها مع القدرة على القيام بخلاف الفريضة فمن صلّاها كذلك فصلاته صحيحة وله نصف ثواب القائم لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «صلاة القاعد على النّصف من صلاة القائم».
وهذا الحكم عامّ لجميع الأمّة واختصّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك عن أمّته بأن جعلت نافلته قاعدا مع القدرة على القيام كنافلته قائما تشريفًا له وتكريمًا. ففي صحيح مسلم عن عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما؛ قال: حُدّثت أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «صلاة الرّجل قاعدا نصف الصّلاة». قال فأتيته فوجدته يصلّي جالسا، فوضعت يدي على رأسه. فقال: «مالك يا عبد اللّه بن عمرو؟» قلت: حدّثت يا رسول اللّه أنّك قلت: صلاة الرّجل قاعدًا على نصف الصّلاة وأنت تصلّي قاعدًا قال: «أجل ولكنّي لست كأحد منكم» (مسلم).
قال النّوويّ وغيره من العلماء: "نافلته صلّى اللّه عليه وسلّم قاعدا مع القدرة ثوابها كثوابه قائما وهو من الخصائص".

6- لا يورّث:
الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام سفراء اللّه إلى عباده وحملة وحيه مهمّتهم إبلاغ رسالات اللّه إلى عباده والدّعوة إلى اللّه وإصلاح النّفوس وتزكيتها وتصحيح الفكر المنحرف والعقائد الزّائفة وإقامة الحجّة وسياسة الأمّة فلم تكن وظيفتهم اختزان الأموال ولا توريث التّراث. وإنّما ورّثوا علمًا وشرعًا وبلاغًا للنّاس فذلك ميراثهم وهو خير ميراث. قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّ العلماء ورثة الأنبياء وإنّ الأنبياء لم يورّثوا دينارا ولا درهما، وإنّما ورّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظّ وافر» (صحيح الجامع).
وهذا من خصائصه صلوات اللّه وسلامه عليه وكذلك الأنبياء عليهم السّلام دون أمّته أنّه لا يورث وأنّ ما تركه صدقة. قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا نورث ما تركنا صدقة» (متفق عليه).
قال ابن كثير رحمه اللّه: "وقد أجمع على ذلك أهل الحلّ والعقد ولا التفات إلى خرافات الشّيعة والرّافضة فإنّ جهلهم قد سارت به الرّكبان".

7- أزواجه أمّهات المؤمنين:
شرّف اللّه تبارك وتعالى أزواج نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم وخصّهنّ بخصائص ليست لغيرهنّ من النّساء إكراما وإجلالا لعبده ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم. ومن ذلك أن جعلهنّ أمّهات المؤمنين؛ فقال تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ} [الأحزاب:6].
ومعنى هذه الأمومة: الاحترام والتّوقير والإكرام والإعظام والإجلال والطّاعة وتحريم العقوق، ولكن لا تجوز الخلوة بهنّ، ولا ينتشر التّحريم إلى بناتهنّ وأخواتهنّ بالإجماع. كما حرم نكاحهنّ على الرّجال. قال تعالى: {وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً} [الأحزاب:53].
وعلى هذا انعقد إجماع العلماء قاطبة أنّ من توفّي عنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من أزواجه أنّه يحرم على غيره تزوّجها من بعده لأنّهنّ أزواجه في الدّنيا والآخرة وأمّهات المؤمنين.
وذلك من خصائصه صلّى اللّه عليه وسلّم الّتي انفرد بها عن أمّته.

8- رؤيته في المنام حقّ:
اختصّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأنّ من رآه في المنام كان كمن رآه في اليقظة ومنع الشّيطان أن يتصوّر في خلقته لئلّا يكذب على لسانه في النّوم، كما منع أن يتصوّر في صورته في اليقظة إكرامًا له.
فعن أبي هريرة رضي اللّه عنه؛ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من رآني في المنام فقد رآني فإنّ الشّيطان لا يتمثّل بي» (متفق عليه).
قال القرطبي رحمه الله بعد أن سرد أقوالا كثيرة في معنى الحديث: والصّحيح في تأويل هذا الحديث. أنّ رؤيته صلّى اللّه عليه وسلّم في كلّ حالة ليست باطلة ولا أضغاثًا بل هي حقّ في نفسها. وهذا قول القاضي أبي بكر بن الطّيّب وغيره.
وبيّن العلماء رحمهم اللّه أنّ هذه الرّؤيا مشروطة بأن يراه الرّائي على صورته الّتي كان عليها في الحياة الدّنيا والّتي جاءت مفصّلة في الأحاديث.

خصائص النبي ما اختصّ به عن أمّته من الفضائل والكرامات

خصائص النبي ما اختصّ به عن أمّته من الفضائل والكرامات

كلّ من استهان برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، أو سبّه، أو عابه، أو ألحق به نقصًا في نفسه أو نسبه أو دينه، أو خصلة من خصاله، أو عرّض به، أو شبّهه بشيء على طريق السّبّ له أو الإزراء عليه أو التّصغير لشأنه أو الغضّ منه والعيب له فإنّه يُقتل كفرًا

1- عصمة في الأقوال والأفعال:
كان صلّى اللّه عليه وسلّم معصومًا في أقواله وأفعاله لا يجوز عليه الخطأ فيما يتعلّق بأداء الرّسالة ولا يقرّ عليه بل ينزل الوحي بتصحيحه. قال تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذا هَوى . ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى . وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى} [النجم:1- 4].

2- من استهان به أو سبّه كفر:
تضافرت الأدلّة من الكتاب والسّنة وإجماع الأمّة موضّحة ومجلّية ما يجب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الحقوق وما يتعيّن له من برّ وتوقير وإكرام وتعظيم ومن أجل هذا حرّم اللّه تبارك وتعالى أذاه في كتابه وأجمعت الأمّة على قتل منتقصه وسابّه. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا} [الأحزاب:57]. وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ} [التوبة:61].
فكلّ من استهان برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، أو سبّه، أو عابه، أو ألحق به نقصًا في نفسه أو نسبه أو دينه، أو خصلة من خصاله، أو عرّض به، أو شبّهه بشيء على طريق السّبّ له أو الإزراء عليه أو التّصغير لشأنه أو الغضّ منه والعيب له فإنّه يُقتل كفرًا.
قال أبو بكر بن المنذر رحمه اللّه: "أجمع عوامّ أهل العلم على أنّ من سبّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يقتل".

3- الكذب عليه ليس كالكذب على غيره:
الكذب رذيلة محضة وخصلة ذميمة وهو من قبائح الذّنوب وفواحش العيوب وأقبح الصّفات. ومن أشدّ أنواع الكذب وأشنعه الكذب على اللّه تعالى أو الكذب على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم لأنّه افتراء في الدّين، وتلاعب بشرائع اللّه لعباده، وتجرّؤ عظيم على النّار. ولهذا أجمع العلماء على تغليظ الكذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وأنّه من الكبائر وأنّ من كذب عليه متعمّدًا مستجيزًا لذلك فهو كافر. قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّ كذبا عليّ ليس ككذب على أحد فمن كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار» (البخاري).

4- رؤية خاصّة:
عن عائشة رضي اللّه عنها؛ قالت: "قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يومًا: «يا عائش هذا جبريل يقرئك السّلام». فقلت: وعليه السّلام ورحمة اللّه وبركاته، ترى ما لا أرى" (البخاري).
وعن أبي ذرّ رضي اللّه عنه؛ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّي أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون. إنّ السّماء أطّت وحقّ لها أن تئطّ. ما فيها موضع أربع أصابع إلّا وملك واضع جبهته ساجدًا للّه. واللّه لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا. وما تلذّذتم بالنّساء على الفرش. ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى الله» (صحيح الجامع).
وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه؛ قال: صلّى بنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوما. ثمّ انصرف فقال: «يا فلان ألا تحسن صلاتك؟ ألا ينظر المصلّي إذا صلّى كيف يصلّي؟ فإنّما يصلّي لنفسه. إنّي واللّه لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يديّ» (مسلم).

5- أجر تطوّعه قاعدًا كتطوّعه قائمًا:
شرعت صلاة النّافلة لحكم عظيمة وأسرار منها زيادة الحسنات ورفعة الدّرجات، وجبر وإكمال الفريضة إن نقصت. ولصلاة النّافلة آداب وأحكام منها: جواز القعود فيها مع القدرة على القيام بخلاف الفريضة فمن صلّاها كذلك فصلاته صحيحة وله نصف ثواب القائم لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «صلاة القاعد على النّصف من صلاة القائم».
وهذا الحكم عامّ لجميع الأمّة واختصّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك عن أمّته بأن جعلت نافلته قاعدا مع القدرة على القيام كنافلته قائما تشريفًا له وتكريمًا. ففي صحيح مسلم عن عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما؛ قال: حُدّثت أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «صلاة الرّجل قاعدا نصف الصّلاة». قال فأتيته فوجدته يصلّي جالسا، فوضعت يدي على رأسه. فقال: «مالك يا عبد اللّه بن عمرو؟» قلت: حدّثت يا رسول اللّه أنّك قلت: صلاة الرّجل قاعدًا على نصف الصّلاة وأنت تصلّي قاعدًا قال: «أجل ولكنّي لست كأحد منكم» (مسلم).
قال النّوويّ وغيره من العلماء: "نافلته صلّى اللّه عليه وسلّم قاعدا مع القدرة ثوابها كثوابه قائما وهو من الخصائص".

6- لا يورّث:
الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام سفراء اللّه إلى عباده وحملة وحيه مهمّتهم إبلاغ رسالات اللّه إلى عباده والدّعوة إلى اللّه وإصلاح النّفوس وتزكيتها وتصحيح الفكر المنحرف والعقائد الزّائفة وإقامة الحجّة وسياسة الأمّة فلم تكن وظيفتهم اختزان الأموال ولا توريث التّراث. وإنّما ورّثوا علمًا وشرعًا وبلاغًا للنّاس فذلك ميراثهم وهو خير ميراث. قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّ العلماء ورثة الأنبياء وإنّ الأنبياء لم يورّثوا دينارا ولا درهما، وإنّما ورّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظّ وافر» (صحيح الجامع).
وهذا من خصائصه صلوات اللّه وسلامه عليه وكذلك الأنبياء عليهم السّلام دون أمّته أنّه لا يورث وأنّ ما تركه صدقة. قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا نورث ما تركنا صدقة» (متفق عليه).
قال ابن كثير رحمه اللّه: "وقد أجمع على ذلك أهل الحلّ والعقد ولا التفات إلى خرافات الشّيعة والرّافضة فإنّ جهلهم قد سارت به الرّكبان".

7- أزواجه أمّهات المؤمنين:
شرّف اللّه تبارك وتعالى أزواج نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم وخصّهنّ بخصائص ليست لغيرهنّ من النّساء إكراما وإجلالا لعبده ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم. ومن ذلك أن جعلهنّ أمّهات المؤمنين؛ فقال تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ} [الأحزاب:6].
ومعنى هذه الأمومة: الاحترام والتّوقير والإكرام والإعظام والإجلال والطّاعة وتحريم العقوق، ولكن لا تجوز الخلوة بهنّ، ولا ينتشر التّحريم إلى بناتهنّ وأخواتهنّ بالإجماع. كما حرم نكاحهنّ على الرّجال. قال تعالى: {وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً} [الأحزاب:53].
وعلى هذا انعقد إجماع العلماء قاطبة أنّ من توفّي عنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من أزواجه أنّه يحرم على غيره تزوّجها من بعده لأنّهنّ أزواجه في الدّنيا والآخرة وأمّهات المؤمنين.
وذلك من خصائصه صلّى اللّه عليه وسلّم الّتي انفرد بها عن أمّته.

8- رؤيته في المنام حقّ:
اختصّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأنّ من رآه في المنام كان كمن رآه في اليقظة ومنع الشّيطان أن يتصوّر في خلقته لئلّا يكذب على لسانه في النّوم، كما منع أن يتصوّر في صورته في اليقظة إكرامًا له.
فعن أبي هريرة رضي اللّه عنه؛ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من رآني في المنام فقد رآني فإنّ الشّيطان لا يتمثّل بي» (متفق عليه).
قال القرطبي رحمه الله بعد أن سرد أقوالا كثيرة في معنى الحديث: والصّحيح في تأويل هذا الحديث. أنّ رؤيته صلّى اللّه عليه وسلّم في كلّ حالة ليست باطلة ولا أضغاثًا بل هي حقّ في نفسها. وهذا قول القاضي أبي بكر بن الطّيّب وغيره.
وبيّن العلماء رحمهم اللّه أنّ هذه الرّؤيا مشروطة بأن يراه الرّائي على صورته الّتي كان عليها في الحياة الدّنيا والّتي جاءت مفصّلة في الأحاديث.

سيرة أم مسيرة؟

إن عشرات الكتب، ومئات البحوث والدراسات الجامعية التي تناولت أدق تفاصيل الحياة المحمدية لا يجدر أن تظل حبيسة الرفوف والمكتبات، بل ينبغي استثمار هذا الجهد العلمي في رتق الهوة التي ما لبثت تتسع -للأسف- بين الواقع المشهود وتعاليم الرسول!

يكشف حضور السيرة النبوية في الخطاب الإعلامي الديني عن قصور واضح في إدراك دلالاتها وفاعليتها، باعتبارها أمثل تجسيد عملي للحقيقة الإسلامية، وكان من مغبة هذا القصور أن أصبحت السيرة ملحمة تاريخية تُروى أحداثها ووقائعها وفق إطار يحدها زمانًا في القرن السادس الميلادي، ومكانًا في شبه الجزيرة العربية، فانحسر مدلولها في وعي المسلم المعاصر حتى بات يؤمن بأن واجبه تجاهها لا يعدو الإلمام بالأحداث، والانفعال الوجداني الذي لا يُخلف أثرا على السلوك. 
هذا الخلل الذي ألم بالسيرة النبوية كمادة إعلامية أمعن في فصل الإسلام ومنهجه العملي عن حياة المسلم اليومية، لتصبح الحياة المحمدية مجرد يوتوبيا أخلاقية، يُنظر فيها إلى الرسول بعين الإعجاب والتقدير، دون أن يؤدي ذلك إلى طاعته والاسترشاد به، وبالتالي يعسر على المسلم اليوم التمييز بين قراءة للسيرة وفق مرجعية شرعية منسجمة مع روح الإسلام وعقيدته، وأخرى تنهل من خلفيات بدعية، سواء صوفية أو رافضية أو ضمن طرح فكري متحرر من ضوابط الشريعة.
وإذا كنا نثمن الجهود المخلصة التي تُبذل في تحديد الإطار المنهجي لكتابة السيرة، من خلال تحقيق وضبط وتمحيص المرويات، فإنها لا تمثل سوى خطوة أولى في مسار إعادة قراءتها كمدخل ضروري لفهم العقيدة الإسلامية.
يقول الشيخ محمد الغزالي: "قد تظن أنك درست حياة محمد صلى الله عليه وسلم، إذا تابعت تاريخه من مولده إلى وفاته، وهذا خطأ بالغ إنك لن تفقه السيرة حقًا إلا إذا درست القرآن الكريم والسنة المطهرة، وبقدر ما تنال من ذلك تكون صلتك بنبي الإسلام" (1). 
والغزالي هنا يُحيل على قراءتين مختلفتين للسيرة: "قراءة مبتسرة لا تدرك الفروق الحقيقية بينها وبين سير العظماء والمصلحين، وهي القراءة التي احتفت ببشرية الرسول صلى الله عليه وسلم، وعنيت بإبراز جوانب العبقرية والامتياز الذاتي دون أن تلتفت لخصوصيتها ممثلة في خبر السماء، وبذلك أوهمت العقول أن تعاليمه تناسب عصره وحده، وأن ما تحفل به السيرة من قيم ومواقف وقواعد للسلوك العملي لا ينفك عن الإطار الزمني الذي جرت فيه..
أما القراءة الثانية: فترصد وقائع السيرة من حيث هي التشكل التاريخي والواقعي لعقيدة الإسلام قرآنا وسنة ورصيدًا تشريعيًا" (2)، "ولا ترى في الرسول صلى الله عليه وسلم مصلحًا عظيمًا وحد القبائل المتنافرة فقط، بل هو الحقيقة الكبرى للإنسانية المستخلفة في الأرض، تستمد الأجيال في أعصرها المختلفة من هديه نورًا يضيء لها آفاق الحياة، ويشرح لها بقدر ما يطيق كل جيل من تحمل أمانة الله في إدراك الحقائق الكونية" (3). 
وبالتالي فترجيح الغزالي للقراءة الثانية ينم عن وعي وتبصر بالبعد الوظيفي للسيرة، وامتداد وقائعها في الحياة اليومية للمسلم،كما يضع الطرح الإعلامي الجاد أمام تحد كبير يتعلق بقراءة السيرة في ضوء المتغيرات التي تطال المجتمع الإسلامي المعاصر، والاستلهام الواعي للحلول والتطبيقات العملية.
وأول ما ينبغي الانكباب عليه هو توعية المسلم بالفروق الأساسية بين السيرة النبوية وغيرها من سير المصلحين والعظماء، بل وحتى سير الأنبياء السابقين، وفي هذا الصدد تجدر الإشارة للجهد النبيل الذي قدمه السيد (سليمان الندوي) في كتابه (الرسالة المحمدية)، وهو عبارة عن ثمان محاضرات تناولت خصائص السيرة من حيث الشمول والكمال، واستيفائها لكل أغراض ومتطلبات المجتمع الإنساني برمته.
ثانيًا: التناول الفكري الموضوعي والدقيق لعناصر السيرة، وكشف القراءات المغرضة التي تعمد إلى اجتزاء وانتقاء أحداث بعينها ومقاربتها من زاوية إيديولوجية أو فلسفية تشوه ملابسات الحدث، وتثير في النفوس دواعي الشك والاضطراب. 
ثالثًا: إن ما تشهده بعض البلاد الإسلامية اليوم من مظاهر الاحتفاء بأحداث معينة من السيرة النبوية، كمولد الرسول صلى الله عليه وسلم، وحادثة الإسراء والمعراج، أساء للسيرة بشكل واضح حين أكسبها طابعًا ملحميًا، وبالغ في تعظيمالنبي إلى حد تجريده من كل صفة بشرية، وهو ما يتعارض حتما مع مرامي التأسي والاقتداء التي تشكل جوهر الحياة المحمدية، لذا فمن واجب الإعلام الديني اليوم التصدي لكل صور الانحياز غير المبرر للغيبيات، والخوارق التي لا يقوم عليها دليل، وصوغ أحداث السيرة ضمن إطار يستحضر ما هو غيبي دون أن يهمل سنن عالم الشهادة.
وأخيرًا: فإن السيرة النبوية تزخر بالقيم الإنسانية والتربوية والاجتماعية التي لا يخفى دورها الآكد في إعداد الفرد والمجتمع المسلم، وفي ظل ما يعيشه العالم اليوم من ترد قيمي وأخلاقي، فإن تحصين عقيدة الجيل الناشىء وإكسابه المناعة اللازمة لمواجهة الأفكار والسلوكيات الهادمة للدين والأخلاق لا يمكن أن تنهض به الصيغ الوعظية، أو الحملات المقيدة زمانًا ومكانًا رغم أهميتها، بل يفرض عرض تطبيقات عملية وتوجيهات منسجمة مع طبيعة النفسالبشرية، وهو ما يُلقي على عاتق الإعلام الديني مسؤولية جمة في تبني طرح عصري ومتجدد للسيرة النبوية!
إن عشرات الكتب، ومئات البحوث والدراسات الجامعية التي تناولت أدق تفاصيل الحياة المحمدية لا يجدر أن تظل حبيسة الرفوف والمكتبات، بل ينبغي استثمار هذا الجهد العلمي في رتق الهوة التي ما لبثت تتسع -للأسف- بين الواقع المشهود وتعاليم الرسول!
يقول السيد سليمان الندوي في كتابه (الرسالة المحمدية): "إن دعاة الديانات الأخرى يُسمعون الناس مواعظ حلوة من أقوال أنبيائهم ومصلحيهم، أما دعاة الإسلام فيقدمون للإنسانية أمثلة عملية من سنة نبيهم وهديه، ولذلك كتب الله الخلود لهذه السنة وهذا الهدي" (4).

سيرة أم مسيرة؟

سيرة أم مسيرة؟

إن عشرات الكتب، ومئات البحوث والدراسات الجامعية التي تناولت أدق تفاصيل الحياة المحمدية لا يجدر أن تظل حبيسة الرفوف والمكتبات، بل ينبغي استثمار هذا الجهد العلمي في رتق الهوة التي ما لبثت تتسع -للأسف- بين الواقع المشهود وتعاليم الرسول!

يكشف حضور السيرة النبوية في الخطاب الإعلامي الديني عن قصور واضح في إدراك دلالاتها وفاعليتها، باعتبارها أمثل تجسيد عملي للحقيقة الإسلامية، وكان من مغبة هذا القصور أن أصبحت السيرة ملحمة تاريخية تُروى أحداثها ووقائعها وفق إطار يحدها زمانًا في القرن السادس الميلادي، ومكانًا في شبه الجزيرة العربية، فانحسر مدلولها في وعي المسلم المعاصر حتى بات يؤمن بأن واجبه تجاهها لا يعدو الإلمام بالأحداث، والانفعال الوجداني الذي لا يُخلف أثرا على السلوك. 
هذا الخلل الذي ألم بالسيرة النبوية كمادة إعلامية أمعن في فصل الإسلام ومنهجه العملي عن حياة المسلم اليومية، لتصبح الحياة المحمدية مجرد يوتوبيا أخلاقية، يُنظر فيها إلى الرسول بعين الإعجاب والتقدير، دون أن يؤدي ذلك إلى طاعته والاسترشاد به، وبالتالي يعسر على المسلم اليوم التمييز بين قراءة للسيرة وفق مرجعية شرعية منسجمة مع روح الإسلام وعقيدته، وأخرى تنهل من خلفيات بدعية، سواء صوفية أو رافضية أو ضمن طرح فكري متحرر من ضوابط الشريعة.
وإذا كنا نثمن الجهود المخلصة التي تُبذل في تحديد الإطار المنهجي لكتابة السيرة، من خلال تحقيق وضبط وتمحيص المرويات، فإنها لا تمثل سوى خطوة أولى في مسار إعادة قراءتها كمدخل ضروري لفهم العقيدة الإسلامية.
يقول الشيخ محمد الغزالي: "قد تظن أنك درست حياة محمد صلى الله عليه وسلم، إذا تابعت تاريخه من مولده إلى وفاته، وهذا خطأ بالغ إنك لن تفقه السيرة حقًا إلا إذا درست القرآن الكريم والسنة المطهرة، وبقدر ما تنال من ذلك تكون صلتك بنبي الإسلام" (1). 
والغزالي هنا يُحيل على قراءتين مختلفتين للسيرة: "قراءة مبتسرة لا تدرك الفروق الحقيقية بينها وبين سير العظماء والمصلحين، وهي القراءة التي احتفت ببشرية الرسول صلى الله عليه وسلم، وعنيت بإبراز جوانب العبقرية والامتياز الذاتي دون أن تلتفت لخصوصيتها ممثلة في خبر السماء، وبذلك أوهمت العقول أن تعاليمه تناسب عصره وحده، وأن ما تحفل به السيرة من قيم ومواقف وقواعد للسلوك العملي لا ينفك عن الإطار الزمني الذي جرت فيه..
أما القراءة الثانية: فترصد وقائع السيرة من حيث هي التشكل التاريخي والواقعي لعقيدة الإسلام قرآنا وسنة ورصيدًا تشريعيًا" (2)، "ولا ترى في الرسول صلى الله عليه وسلم مصلحًا عظيمًا وحد القبائل المتنافرة فقط، بل هو الحقيقة الكبرى للإنسانية المستخلفة في الأرض، تستمد الأجيال في أعصرها المختلفة من هديه نورًا يضيء لها آفاق الحياة، ويشرح لها بقدر ما يطيق كل جيل من تحمل أمانة الله في إدراك الحقائق الكونية" (3). 
وبالتالي فترجيح الغزالي للقراءة الثانية ينم عن وعي وتبصر بالبعد الوظيفي للسيرة، وامتداد وقائعها في الحياة اليومية للمسلم،كما يضع الطرح الإعلامي الجاد أمام تحد كبير يتعلق بقراءة السيرة في ضوء المتغيرات التي تطال المجتمع الإسلامي المعاصر، والاستلهام الواعي للحلول والتطبيقات العملية.
وأول ما ينبغي الانكباب عليه هو توعية المسلم بالفروق الأساسية بين السيرة النبوية وغيرها من سير المصلحين والعظماء، بل وحتى سير الأنبياء السابقين، وفي هذا الصدد تجدر الإشارة للجهد النبيل الذي قدمه السيد (سليمان الندوي) في كتابه (الرسالة المحمدية)، وهو عبارة عن ثمان محاضرات تناولت خصائص السيرة من حيث الشمول والكمال، واستيفائها لكل أغراض ومتطلبات المجتمع الإنساني برمته.
ثانيًا: التناول الفكري الموضوعي والدقيق لعناصر السيرة، وكشف القراءات المغرضة التي تعمد إلى اجتزاء وانتقاء أحداث بعينها ومقاربتها من زاوية إيديولوجية أو فلسفية تشوه ملابسات الحدث، وتثير في النفوس دواعي الشك والاضطراب. 
ثالثًا: إن ما تشهده بعض البلاد الإسلامية اليوم من مظاهر الاحتفاء بأحداث معينة من السيرة النبوية، كمولد الرسول صلى الله عليه وسلم، وحادثة الإسراء والمعراج، أساء للسيرة بشكل واضح حين أكسبها طابعًا ملحميًا، وبالغ في تعظيمالنبي إلى حد تجريده من كل صفة بشرية، وهو ما يتعارض حتما مع مرامي التأسي والاقتداء التي تشكل جوهر الحياة المحمدية، لذا فمن واجب الإعلام الديني اليوم التصدي لكل صور الانحياز غير المبرر للغيبيات، والخوارق التي لا يقوم عليها دليل، وصوغ أحداث السيرة ضمن إطار يستحضر ما هو غيبي دون أن يهمل سنن عالم الشهادة.
وأخيرًا: فإن السيرة النبوية تزخر بالقيم الإنسانية والتربوية والاجتماعية التي لا يخفى دورها الآكد في إعداد الفرد والمجتمع المسلم، وفي ظل ما يعيشه العالم اليوم من ترد قيمي وأخلاقي، فإن تحصين عقيدة الجيل الناشىء وإكسابه المناعة اللازمة لمواجهة الأفكار والسلوكيات الهادمة للدين والأخلاق لا يمكن أن تنهض به الصيغ الوعظية، أو الحملات المقيدة زمانًا ومكانًا رغم أهميتها، بل يفرض عرض تطبيقات عملية وتوجيهات منسجمة مع طبيعة النفسالبشرية، وهو ما يُلقي على عاتق الإعلام الديني مسؤولية جمة في تبني طرح عصري ومتجدد للسيرة النبوية!
إن عشرات الكتب، ومئات البحوث والدراسات الجامعية التي تناولت أدق تفاصيل الحياة المحمدية لا يجدر أن تظل حبيسة الرفوف والمكتبات، بل ينبغي استثمار هذا الجهد العلمي في رتق الهوة التي ما لبثت تتسع -للأسف- بين الواقع المشهود وتعاليم الرسول!
يقول السيد سليمان الندوي في كتابه (الرسالة المحمدية): "إن دعاة الديانات الأخرى يُسمعون الناس مواعظ حلوة من أقوال أنبيائهم ومصلحيهم، أما دعاة الإسلام فيقدمون للإنسانية أمثلة عملية من سنة نبيهم وهديه، ولذلك كتب الله الخلود لهذه السنة وهذا الهدي" (4).

لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه

يشيع في السجالات الفكرية المعاصرة الاستدلال بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه»؛ فلهذا الموقف السياسي النبوي حضور بارز في مادة هذه السجالات، ويأتي دومًا في أي تجاذب حول تنزيل بعض الأحكام الشرعية، حيث يتفق الجميع على الاستشهاد به ويتفاوتون في مستوى فهمه وإعمالهم له.


بسم الله الرحمن الرحيم
يشيع في السجالات الفكرية المعاصرة الاستدلال بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه»؛ فلهذا الموقف السياسي النبوي حضور بارز في مادة هذه السجالات، ويأتي دومًا في أي تجاذب حول تنزيل بعض الأحكام الشرعية، حيث يتفق الجميع على الاستشهاد به ويتفاوتون في مستوى فهمه وإعمالهم له.
ومن الملفت أن أي حكم شرعي يراد تطبيقه في الحالة المعاصرة يأتي الاستدلال بهذا الحديث ليقف حائلًا دون تطبيقه، بل فاض منسوبه حتى أصبحت كل الأحكام الشرعية التي تنفر منها الثقافة الغربية محل تحفظٍ من أجل المحافظة على سمعة الإسلام لئلا يتحدث هؤلاء الناس عن الإسلام بما ينفرهم منه.
يرتكز هذا الاستدلال على منطق أن هذه الصور تشوه الإسلام وتنفر منه، وتُستغل في الأوساط الإعلامية الغربية لتقبيح صورة الإسلام وتنميطه بشكل معين ينفر الناس منه.
وهذا المعنى صحيح، فلا أحد ينكر حالة التوظيف الإعلامية المهولة لمثل هذه الأحكام، وأنها مادة خصبة للتشويه والافتراء والتنفير، فهل تعطيل الأحكام الشرعية مراعاة لهذا الوضع وحفاظًا على سمعة الإسلام يكون سائغًا «لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه»؟
مع يقيني التام أن تعليق نفاذ الأحكام الشرعية بهذه الطريقة خطأ ومخالف قطعًا لأحكام الشرع، إلا أن جزءًا من هذا السؤال بقي مشكلًا زمنًا، ولا أحصي عدد ما قرأت من احتجاجات بهذا المستوى، وكنت أدفعها بإجابات كثيرة أثبت من خلالها الأغلاط اللازمة لهذا الاستدلال، من دون تفكير في فحص هذا الاستدلال نفسه.
قبل أسابيع، رجعت لكلام العلماء في هذا الاستدلال، وتتبعت تفسيرات العلماء واختلافاتهم في فهم القول وسياقاته فانزاح عني هذا الإشكال مع أول تقليب لصفحات البحث، بل عجبتُ من بقاء هذا الإشكال طيلة هذا الوقت مع وضوح المسألة، كان لهذا الموقف أثر عميق في نفسي، فأكثر الإشكالات المعاصرة تنشأ بسبب تقصير في معرفة كلام أهل العلم في مادة البحث، فالإعراض عن كلام العلماء يضع غشاوة أمام الأعين لا تزيدها سجالات المعاصرين إلا كثافة، وهو إشكال لا يكاد يسلم منه أحد، هم فيه بين مقل ومكثر.
إذن، فالفهم الفقهي لهذا الموقف السياسي النبوي يضع لك ميزانًا تختبر فيه كافة الاستدلالات المعاصرة بهذا الحديث، وهو ما سأحاول عرضه وترتيبه في هذه المقالة لنميّز بعدها «الحدود المعتبرة والسائغة» في دلالة هذا الحديث، عن «الاستدلالات الخاطئة والمنحرفة».
صحت هذه المقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم في موقفين مختلفين:
الموقف الأول: في قصة سورة المنافقون:
ففي حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: كنا في غزاة في جيش، فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار. فقال الأنصاري: يا للأنصار! وقال المهاجري: يا للمهاجرين! فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما بال دعوى الجاهلية؟! قالو: يا رسول الله، كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار. فقال: دعوها، فإنها منتنة. فسمع بذلك عبدالله بن أبي فقال: فعلوها؟ أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فقام عمر فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه[1].
الموقف الثاني: في قصة قسمة الغنائم يوم حنين:
ففي حديث جابر بن عبدالله قال: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة منصرفه من حنين، وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض منها يعطي الناس. فقال: يا محمد، اعدل! قال: ويلك! ومن يعدل إذا لم أكن أعدل، لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل. فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق. فقال: معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي[2].
كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها في موقف ثالث، فعن حذيفة بن اليمان قال: إني لآخذ بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوده وعمار يسوق به، إذ استقبلنا اثنا عشر رجلًا متلثمين قال: هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة. قلنا: يا رسول الله، ألا تبعث إلى كل رجل منهم فتقتله؟ فقال: أكره أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه[3].
فهذه المقولة قيلت في حق المنافقين، وكان من السياسة الحكيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم تركهم واحتمال أذاهم سدًا لذريعة أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه.
ذلك أن المنافقين كانوا مختلطين بالصحابة، وما كانوا يجهرون بالكفر والطعن في الإسلام، فلو أن النبي صلى الله عليه وسلم قتلهم لاشتبه هذا الأمر على أكثر الناس في زمانهم ولظنوا أن الرسول يقتل أصحابه، ويقتل من يدخل في دينه، فيحول هذا بينهم وبين الدخول في الإسلام.
قال ابن عطية:
«وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنهم ويدعهم في غمرة الاشتباه مخافة أن يتحدث عنه أنه يقتل أصحابه»[4].
وقال ابن عاشور:
«وإنّما كان النبي ممسكًا عن قتلهم سَدًا لذريعة دخول الشك في الأمان على الداخلين في الإسلام كما قال لعُمر (لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) لأنَّ العامّة والغائبين عن المدينة لا يَبْلغون بعلمهم إلى معرفة حقائق الأمور الجارية بالمدينة، فيستطيع دعاة الفتنة أن يشوّهوا الأعمال النافعة بما فيها من صورة بشيعة عند من لا يعلم الحقيقة، فلما كثر الداخلون في الإسلام واشتهر من أمان المسلمين ما لا شك معه في وفاء المسلمين، وشاع من أمر المنافقين وخيانتهم ما تسامعتْه القبائل وتحققه المسلم والكافر، تمحضت المصلحة في استئصال شأفتهم، وانتفت ذريعة تطرق الشك في أمان المسلمين»[5].
كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقيم العقوبات على المنافقين لمجرد علمه بحالهم، فالقاضي لا يقضي بعلمه، إنما يقضي بما ثبت عليهم ظاهرًا، وقد كانوا يسرون بنفاقهم ويخفى حالهم على أكثر الناس، فقتلهم سيكون مشتبهًا على الناس بسبب هذا.
قال ابن عبدالبر:
«وسئل مالك رحمه الله عن الزندقة فقال: ما كان عليه المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من إظهارالإيمان وكتمان الكفر هو الزندقة عندنا اليوم. قيل لمالك: فلمَ يُقتل الزنديق ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتل المنافقين وقد عرفهم؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قتله بعلمه فيهم وهم يظهرون الإيمان لكان ذريعة إلى أن يقول الناس يقتلهم للضغائن أو لما شاء ذلك فيتمنع الناس من الدخول في الإسلام»[6].
قال القاضي عياض:
«وفي هذا: إنَّ الحاكم أو القاضي لا يقضي بعلمه بحال، ولو جاز ذلك لأحد لكان أولى الناس بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قد ترك ذلك وتورع عنه، فروي أنه قال حين أُشِيرَ عليه بقتل من استوجب القتل ممن ظهر نفاقه وتبين شقاؤه: (أخاف أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) فعلَّل ذلك بالتُّهمة التي تعمُّ ما قدَّمناه»[7].
وقال ابن المقن:
«فقال عليه السلام: (دعه لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) هو من أعظم السياسات؛ ولأن ظاهر عبدالله بن أُبي الإسلام، والناس كلفوا بالظاه، فلو حصل عقوبة نفروا»[8].
وقال القاضي عبدالوهاب:
«ولأنه صلى الله عليه وسلم امتنع من قتل المنافقين مع علمه بكفرهم، وقال: (لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه)، وإنما لم يقتلهم لأن الناس لم يعلموا كفرهم كما علمه، ولأن الحاكم لما لم يكن معصومًا، وقد يلحقه الظنة والتهمة، ويمكن وقوع ذلك منهم، فحسم الباب في منع حكمه بعلمه لئلا يدعى عليه أنه حكم على عدوه»[9].
فتحصّل من هذا أن سبب عدم قتلهم يرجع لأمرين:
1- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأخذ بظاهر حالهم من إعلان الإسلام ولا يؤاخذهم بما في قلوبهم، ولا بما يعلمه من حالهم، فالقاضي لا يقضي بعلمه.
2- وجود اشتباه في حالهم يُخفي على كثير من الناس سبب مقتلهم، فيظنوا السوء بالنبي صلى الله عليه وسلم بأنه يقتله أصحابه، «إذ لم يكن الذنب ظاهرًا يشترك الناس في معرفته»[10].
وهذا فيمن أبطن النفاق ولم يَظهر منه شيء، أو ظهر ولم يثبت عنه بما يَقطع باستحقاقه للعقوبة، وهذا ظاهر في قصة سورة المنافقين، لأن المنافق حلف وكذب ولم تثبت عليه الكلمة إلا بوحي.
لكن يشكل على هذا مثل حادثة قسمة الغنائم، فقد تفوه المنافق بكلمات، ومع ذلك تركه النبي صلى الله عليه وسلم بالعلة ذاتها «لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه»، فما وجه ذلك؟
هنا نقولات مهمة لأهل العلم، أسوق بعضها بين يدي تفصيل الجواب:
قال القاضي عياض:
«ومثل هذا لو صدر اليوم من أحدٍ في حق النبي صلى الله عليه وسلم من تهمته في الحكم، ورميه فيه بالهوى والميل، لكان كفرًا يجب قتل قائله، لكنه عليه السلام كان أول الإسلام يؤلف ويدفع بالتي هي أحسن، وكان يصبر للمنافقين ومن في قلبه مرض على أكثر من هذا من التصريح والتعريض»[11].
وقال:
«وقد اختلف: هل بقي حكم جواز ترك قتلهم والإغضاء عنهم؟ أو نسخ ذلك آخرًا عند ظهور الإسلام عند قوله تعالى: {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} وأنها ناسخة لما كان قبلها؟ وقيل: إنما العفو عنهم ما لم يظهروا نفاقهم، فإذا أظهروه قتلوا»[12].
قال ابن حجر:
«كان النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر يصبر على أذى المشركين ويعفو ويصفح، ثم أمر بقتال المشركين فاستمر صفحه وعفوه عمن يظهر الإسلام ولو كان باطنه على خلاف ذلك لمصلحة الاستئلاف وعدم التنفير عنه، ولذلك قال (لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه)، فلما حصل الفتح ودخل المشركون في الإسلام وقلَّ أهل الكفر وذلوا أمر بمجاهرة المنافقين وحملهم على حكم مر الحق، ولاسيما وقد كان ذلك قبل نزول النهي الصريح عن الصلاة على المنافقين»[13].
قال ابن تيمية:
«فإن الناس ينظرون إلى ظاهر الأمر فيرون واحدًا من أصحابه قد قُتل فيظن الظان أنه يقتل بعض أصحابه على غرض أو حقد أو نحو ذلك فينفر الناس عن الدخول في الإسلام، وإذا كان من شريعته أن يتألف الناس على الإسلام بالأموال العظيمة ليقوم دين الله وتعلو كلمته فلأن يتألفهم بالعفو أولى وأحرى، فلما أنزل الله تعالى براءة ونهاه عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم وأمره أن يجاهد الكفار والمنافقين ويغلظ عليهم؛ نسخ جميع ما كان المنافقون يعاملون به من العفو كما نسخ ما كان الكفار يعاملون به من الكف عمن سالم ولم يبقَ إلا إقامة الحدود وإعلاء كلمة الله في حق كل إنسان»[14].
قال السندي:
«ظاهر هذا الحديث يفيد أن المسلم لا يقتل المسلم بمثل هذه الكلمة المشتملة على مثل هذا التعريض المؤدي إلى إيذاء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، إذ ظاهر هذا الحديث يفيد أنه لا سلامة لم يتعرض له، وجعل إسلامه الظاهري علة لعصمته مع وجود هذه الكلمة منه، والقول بأن هذه الكلمة تقتضي قتله إلا أنه تركه لمراعاة التألف حتى لا يشتهر بين الناس أنه صلى الله تعالى عليه وسلم يقتل أصحابه، فإنه قد يؤدي إلى نفر قلوبهم عن الإسلام. يأبى عنه هذا الحديث»[15].
وخلاصة ما سبق:
أن الاعتبار النبوي في ترك عقوبتهم «لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» مع المجاهرين من المنافقين يرجع لأمرين:
الأول: أن مجاهرتهم لم تكن من قبيل الكفر المحض الذي يثبت نفاقهم، وإنما هو من قبيل التعريض، فإقامة العقوبة عليهم ستكون مشتبهة كما سبق في المنافقين المستترين لأن الناس لا يعلمون حقيقة جرمهم الذي يستحقون به العقوبة.
الثاني: أن مجاهرتهم كفر ثابت عليهم، وإنما ترك عقابهم مع هذا لوجود الاشتباه الذي يتحقق معه مفسدة أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه.
وعلى هذا القول فإن هذا حكم منسوخ، كان في أول الإسلام وضعف المسلمين الذي كان يتحقق معه غلبة مفاسد إقامة مثل هذا الحكم، وقد زال هذا فلا يكون ثم حاجة لترك إقامة هذه الأحكام بسبب هذه المفسدة.
إلا أن هذا لا يمنع من إعمال الحكم حين يحدث من الضعف والحاجة مثل ما حدث في أول الإسلام.
قال ابن تيمية:
«فحيث ما كان للمنافق ظهور وتخاف من إقامة الحد عليه فتنة أكبر من بقائه علمنا بآية: {وَدَعْ أَذَاهُمْ} [الأحزاب: 48]  كما أنه حيث عجزنا عن جهاد الكفار عملنا بآية الكف عنهم والصفح وحيث ما حصل القوة والعز خوطبنا بقوله: {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} فهذا يبين أن الإمساك عن قتل من أظهر نفاقه بكتاب الله على عهد رسوله عليه الصلاة والسلام إذًا لا نسخ بعده»[16].
وقال:
«فحاصله أن الحد لم يقم على واحد بعينه لعدم ظهوره بالحجة الشرعية التي يعلمه بها الخاص والعام، أو لعدم إمكان إقامته إلا مع تنفير أقوام عن الدخول في الإسلام وارتداد آخرين عنه وإظهار قوم من الحرب والفتنة ما يربى فساده على فساد ترك قتل منافق، وهذان المعنيان حكمهما باقٍ إلى يومنا هذا، إلا في شيء واحد وهو أنه صلى الله عليه وسلم ربما خاف أن يظن الظان أنه يقتل أصحابه لغرض آخر مثل أغراض الملوك فهذا منتف اليوم»[17].
الحدود السائغة في الإعمال الفقهي لهذا الموقف السياسي النبوي:
حين يأتي أحد فيستدل بالسياسة النبوية «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» في سياق تعطيل أي حكم شرعي معاصر بدعوى نفور الكفار وتكذيبهم، فهو يقع في خطأ كارثي لم يتفطن له، هو أنه نظر في مفهوم الحديث منعزلًا عن بقية أحكام الشريعة، فقاس نفور الناس عن الشرع في هذه المسائل على نفورهم في تلك الواقعة النبوية فوجد أن الاستدلال وجيه جدًا، وهو فعلًا كذلك لو لم يكن عندنا إلا هذا الحديث، لكنَّ هذا قصور علمي لا يدخل في بنية تفكير الفقيه الذي ينظر إلى نصوص الشرع جميعًا، وحينئذٍ ستجد أن ثمت مساحة واسعة جدًا من الأحكام الشرعية قد حافظت عليها الشريعة ولم تلتفت للمعترضين والشامتين والساخطين، ولا لأمواج التشويه والافتراء التي تعقب قيامها، ومن ذلك بإجمال واختصار شديدين:
- الأحكام الشرعية التي فيها شدة وصرامة في التطبيق، من الرجم والجلد والقطع، التي كانت تقام من دون أي اعتبار لمواقف الناس منها.
- بل شرعت الشريعة الجهاد في سبيل الله، وقتال الكفار وغنم أموالهم وسبي نسائهم وإقامة الشرع في بلدانهم، وبطبيعة الحال أن من تتخذ منه هذا الموقف لن يحمل في نفسه إلا غاية ما يمكنه من كره وعداء ونفور.
- قتلَ النبي صلى الله عليه وسلم لرؤوس الكفر الذين عادوه، ككعب بن الأشرف وابن أبي الحقيق، وأهدر دماء بعض المحاربين يوم فتح مكة، وقتل بعض الأسرى، وهي أفعال شديدة على النفوس غير المؤمنة.
- الأمر القرآني بجهاد المنافقين والإغلاظ عليهم {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْـمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 73]، وقال سبحانه: {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْـمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْـمُرْجِفُونَ فِي الْـمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ} [الأحزاب: 60]، وهو ما جعل المنافقين يستترون بكفرهم خشية من العقاب.
- بل أصل الإسلام كله وهو عبادة الله وحده، والإيمان برسوله، والإيمان بكتابه، وغيرها من الأصول كانت تثير عداء الكفار وغضبهم وسخطهم على المسلمين، فإعمال التفكير بهذه الطريقة يؤدي لإلغاء الإسلام كله.
- بل مع هذا كله، فقد اتفق الفقهاء كلهم على وجوب قتل ساب الرسول، وهي الصورة ذاتها التي عفا عنها الرسول، من دون أي اعتبار منهم لتأثير لهذه العلة.
هذه بعض الأحكام التي تثبت يقينًا أن إعمال هذا الفهم على أي حكم شرعي بدون حدود متقنة غلط محض، وأن ذريعة نفور الكفار من الإسلام لا يجوز أبدًا أن تكون سببًا لتعطيل أحكام الشريعة أو بعضها، وأن تشويه الكفار للأحكام يوجب علينا الدفاع عنها وشرحها وبيان حسنها والدعوة إليه لا أن ندفنها خجلًا منها.
ولذا فهذا التفكير قد اتسع عليه خرق الغلط من جهتين:
الجهة الأولى: أنه وسع مراعاة نفور الناس إلى مساحات لم تراعها الشريعة، بل ثبت قطعًا أن الشريعة أهملتها ولم تعتبرها.
الجهة الثانية: أن ما راعته الشريعة كان في حكم شرعي معين، تُرِكَ تطبيقه عن شخص معين، جعلوه أصلًا كليًّا لتعطيل الأحكام كلها، ولم يجعلوه خاصًا بحالة معينة فقط.
إذا تقرر فساد منطق هذا الاستدلال، فما الحدود الفقهية المعتبرة في إعمال هذا الحديث؟
الواجب في معرفة هذه الحدود أن تكون مراعية لحدود ذات ما أعمله النبي صلى الله عليه وسلم، وحين ننظر في هذه الواقعة، يمكن أن نحصر حدودها في:
- تنزيل حكم شرعي على معين أو في حالة معينة.
- وجود اشتباه في استحقاقه للحكم.
- وجود مفسدة قوية غالبة، في مستوى نفورٍ عام عن الإسلام بسببه تصل لحد اعتقاد أن الرسول يقتل أصحابه فيخشى أن ينال هذا العقاب من يقتل الرسول؛ فالحكم الشرعي الذي يكون تطبيقه بهذا المستوى يكون مندرجًا ضمن السياق السائغ في إعمال الحديث.
وعليه فيخرج هنا:
من يعطل ذات الأحكام كليًا، أو يكون مراعيًا لمفاسد التطبيق إلى الحد الذي يلغي معه أصل التطبيق.
ويخرج منه أيضًا:
الأحكام الظاهرة التي لا يوجد اشتباه فيها، بحيث يكون الاعتراض على ذات الحكم لا على الاشتباه.
وأيضًا يجب أن تكون المفسدة قوية لحد ما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، مع ملاحظة طبيعة المفسدة بحيث يكون الإعمال الفقهي مستحضرًا لها، فهي متعلقة بمفسدة إلى حد أن يظن الكافر أنه سيقتل لو دخل في الإسلام، ومثل هذه المفاسد لا تكون إلا في جنس معين من الأحكام كعقوبة الردة، ومن جنس معين من الناس وهم الكفار، ومثل هذه المفسدة لا توجد غالبًا في إقامة الحدود أو في مثل فرض الواجبات ومنع المحرمات على المسلمين.
وبناءً عليه، يمكن ترك إقامة حد الردة مثلًا في حالة معينة إذا ترتب على إقامته مفسدة راجحة توهم أن الشخص قُتل مظلومًا، لكن لا يقاس عليه منع إقامة قطع يد السارق خشية من طعن من الناس في عقوبة السرقة نفسها، لأن الأمر لا اشتباه فيه أصلًا، وهو متجه إلى الحكم ذاته لا إلى التطبيق في حالة معينة.
هذه هي الحدود التي يحتملها سياق حديث «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه».
 وأحب أن أؤكد أن البحث هنا ليس تحريرًا لحكم ترك بعض إقامة الأحكام الشرعية، وإنما هو محاولة لتحرير الاستدلال لسبب من أسباب ترك إقامة بعض الأحكام استنادًا إلى هذا الحديث، وإلا فلا بد من جمع كافة أطراف الأسباب للإجابة على هذا السؤال، وليس هذا موضع بحثه فهو يحتاج لاستقراء وتتبع أوسع.
الآثار المستفادة من هذا الموقف السياسي النبوي:
بعد تحرير القول في حدود ما يمكن إعماله من هذا الحديث لترك إقامة بعض الأحكام، فإنه يمكن الاستهداء بروح هذا الموقف السياسي النبوي في آثار كثيرة على مستويات عدة، منها:
1- العناية بسمعة الإسلام، والاجتهاد في تقديم الحجج والبراهين التي تشرح محاسن الإسلام، وتجلي فضائله، وبذل كافة الجهود لإزالة الشكوك والشبهات والتشويهات التي توجه لرسالة الإسلام.
2- مراعاة أفهام المخاطبين، ومستوياتهم، واتخاذ الأسلوب المناسب لئلا يكون لطريقة الخطاب أو زمانه ومكانه ما يؤدي لنفور عن أحكام الشرع.
ومن مراعاة أفهام الناس ترك تحديثهم أو إفتائهم ببعض الأحكام حين يترتب عليها مفسدة ظاهرة تربو على مصلحة تعليمهم، ولهذا قال الصحابي الفقيه عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: «ما أنت بمحدثٍ قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة»[18].
3- تعميق قاعدة شرعية مقررة، هي «درء الحدود بالشبهات».
4- الاجتهاد في بيان الحكم الشرعي وشرح حدوده وإزالة الغلو والتفريط المتلبس به لئلا يشتبه بغيره.
5- عدم قيام الشخص بإقامة الحدود إلا بسلطة شرعية، وبضمانات قضائية، حتى تحقق العقوبات الشرعية مقاصدها وتكون على وفق مراد الشرع منها، فلا يدخل في النفوس نفور منها بسبب إشكالات يرونها في الإجراءات، فيشتبه الحق الذي في الحكم بالباطل في الوسائل والإجراءات.

لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه

لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه

يشيع في السجالات الفكرية المعاصرة الاستدلال بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه»؛ فلهذا الموقف السياسي النبوي حضور بارز في مادة هذه السجالات، ويأتي دومًا في أي تجاذب حول تنزيل بعض الأحكام الشرعية، حيث يتفق الجميع على الاستشهاد به ويتفاوتون في مستوى فهمه وإعمالهم له.


بسم الله الرحمن الرحيم
يشيع في السجالات الفكرية المعاصرة الاستدلال بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه»؛ فلهذا الموقف السياسي النبوي حضور بارز في مادة هذه السجالات، ويأتي دومًا في أي تجاذب حول تنزيل بعض الأحكام الشرعية، حيث يتفق الجميع على الاستشهاد به ويتفاوتون في مستوى فهمه وإعمالهم له.
ومن الملفت أن أي حكم شرعي يراد تطبيقه في الحالة المعاصرة يأتي الاستدلال بهذا الحديث ليقف حائلًا دون تطبيقه، بل فاض منسوبه حتى أصبحت كل الأحكام الشرعية التي تنفر منها الثقافة الغربية محل تحفظٍ من أجل المحافظة على سمعة الإسلام لئلا يتحدث هؤلاء الناس عن الإسلام بما ينفرهم منه.
يرتكز هذا الاستدلال على منطق أن هذه الصور تشوه الإسلام وتنفر منه، وتُستغل في الأوساط الإعلامية الغربية لتقبيح صورة الإسلام وتنميطه بشكل معين ينفر الناس منه.
وهذا المعنى صحيح، فلا أحد ينكر حالة التوظيف الإعلامية المهولة لمثل هذه الأحكام، وأنها مادة خصبة للتشويه والافتراء والتنفير، فهل تعطيل الأحكام الشرعية مراعاة لهذا الوضع وحفاظًا على سمعة الإسلام يكون سائغًا «لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه»؟
مع يقيني التام أن تعليق نفاذ الأحكام الشرعية بهذه الطريقة خطأ ومخالف قطعًا لأحكام الشرع، إلا أن جزءًا من هذا السؤال بقي مشكلًا زمنًا، ولا أحصي عدد ما قرأت من احتجاجات بهذا المستوى، وكنت أدفعها بإجابات كثيرة أثبت من خلالها الأغلاط اللازمة لهذا الاستدلال، من دون تفكير في فحص هذا الاستدلال نفسه.
قبل أسابيع، رجعت لكلام العلماء في هذا الاستدلال، وتتبعت تفسيرات العلماء واختلافاتهم في فهم القول وسياقاته فانزاح عني هذا الإشكال مع أول تقليب لصفحات البحث، بل عجبتُ من بقاء هذا الإشكال طيلة هذا الوقت مع وضوح المسألة، كان لهذا الموقف أثر عميق في نفسي، فأكثر الإشكالات المعاصرة تنشأ بسبب تقصير في معرفة كلام أهل العلم في مادة البحث، فالإعراض عن كلام العلماء يضع غشاوة أمام الأعين لا تزيدها سجالات المعاصرين إلا كثافة، وهو إشكال لا يكاد يسلم منه أحد، هم فيه بين مقل ومكثر.
إذن، فالفهم الفقهي لهذا الموقف السياسي النبوي يضع لك ميزانًا تختبر فيه كافة الاستدلالات المعاصرة بهذا الحديث، وهو ما سأحاول عرضه وترتيبه في هذه المقالة لنميّز بعدها «الحدود المعتبرة والسائغة» في دلالة هذا الحديث، عن «الاستدلالات الخاطئة والمنحرفة».
صحت هذه المقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم في موقفين مختلفين:
الموقف الأول: في قصة سورة المنافقون:
ففي حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: كنا في غزاة في جيش، فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار. فقال الأنصاري: يا للأنصار! وقال المهاجري: يا للمهاجرين! فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما بال دعوى الجاهلية؟! قالو: يا رسول الله، كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار. فقال: دعوها، فإنها منتنة. فسمع بذلك عبدالله بن أبي فقال: فعلوها؟ أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فقام عمر فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه[1].
الموقف الثاني: في قصة قسمة الغنائم يوم حنين:
ففي حديث جابر بن عبدالله قال: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة منصرفه من حنين، وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض منها يعطي الناس. فقال: يا محمد، اعدل! قال: ويلك! ومن يعدل إذا لم أكن أعدل، لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل. فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق. فقال: معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي[2].
كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها في موقف ثالث، فعن حذيفة بن اليمان قال: إني لآخذ بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوده وعمار يسوق به، إذ استقبلنا اثنا عشر رجلًا متلثمين قال: هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة. قلنا: يا رسول الله، ألا تبعث إلى كل رجل منهم فتقتله؟ فقال: أكره أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه[3].
فهذه المقولة قيلت في حق المنافقين، وكان من السياسة الحكيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم تركهم واحتمال أذاهم سدًا لذريعة أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه.
ذلك أن المنافقين كانوا مختلطين بالصحابة، وما كانوا يجهرون بالكفر والطعن في الإسلام، فلو أن النبي صلى الله عليه وسلم قتلهم لاشتبه هذا الأمر على أكثر الناس في زمانهم ولظنوا أن الرسول يقتل أصحابه، ويقتل من يدخل في دينه، فيحول هذا بينهم وبين الدخول في الإسلام.
قال ابن عطية:
«وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنهم ويدعهم في غمرة الاشتباه مخافة أن يتحدث عنه أنه يقتل أصحابه»[4].
وقال ابن عاشور:
«وإنّما كان النبي ممسكًا عن قتلهم سَدًا لذريعة دخول الشك في الأمان على الداخلين في الإسلام كما قال لعُمر (لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) لأنَّ العامّة والغائبين عن المدينة لا يَبْلغون بعلمهم إلى معرفة حقائق الأمور الجارية بالمدينة، فيستطيع دعاة الفتنة أن يشوّهوا الأعمال النافعة بما فيها من صورة بشيعة عند من لا يعلم الحقيقة، فلما كثر الداخلون في الإسلام واشتهر من أمان المسلمين ما لا شك معه في وفاء المسلمين، وشاع من أمر المنافقين وخيانتهم ما تسامعتْه القبائل وتحققه المسلم والكافر، تمحضت المصلحة في استئصال شأفتهم، وانتفت ذريعة تطرق الشك في أمان المسلمين»[5].
كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقيم العقوبات على المنافقين لمجرد علمه بحالهم، فالقاضي لا يقضي بعلمه، إنما يقضي بما ثبت عليهم ظاهرًا، وقد كانوا يسرون بنفاقهم ويخفى حالهم على أكثر الناس، فقتلهم سيكون مشتبهًا على الناس بسبب هذا.
قال ابن عبدالبر:
«وسئل مالك رحمه الله عن الزندقة فقال: ما كان عليه المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من إظهارالإيمان وكتمان الكفر هو الزندقة عندنا اليوم. قيل لمالك: فلمَ يُقتل الزنديق ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتل المنافقين وقد عرفهم؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قتله بعلمه فيهم وهم يظهرون الإيمان لكان ذريعة إلى أن يقول الناس يقتلهم للضغائن أو لما شاء ذلك فيتمنع الناس من الدخول في الإسلام»[6].
قال القاضي عياض:
«وفي هذا: إنَّ الحاكم أو القاضي لا يقضي بعلمه بحال، ولو جاز ذلك لأحد لكان أولى الناس بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قد ترك ذلك وتورع عنه، فروي أنه قال حين أُشِيرَ عليه بقتل من استوجب القتل ممن ظهر نفاقه وتبين شقاؤه: (أخاف أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) فعلَّل ذلك بالتُّهمة التي تعمُّ ما قدَّمناه»[7].
وقال ابن المقن:
«فقال عليه السلام: (دعه لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) هو من أعظم السياسات؛ ولأن ظاهر عبدالله بن أُبي الإسلام، والناس كلفوا بالظاه، فلو حصل عقوبة نفروا»[8].
وقال القاضي عبدالوهاب:
«ولأنه صلى الله عليه وسلم امتنع من قتل المنافقين مع علمه بكفرهم، وقال: (لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه)، وإنما لم يقتلهم لأن الناس لم يعلموا كفرهم كما علمه، ولأن الحاكم لما لم يكن معصومًا، وقد يلحقه الظنة والتهمة، ويمكن وقوع ذلك منهم، فحسم الباب في منع حكمه بعلمه لئلا يدعى عليه أنه حكم على عدوه»[9].
فتحصّل من هذا أن سبب عدم قتلهم يرجع لأمرين:
1- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأخذ بظاهر حالهم من إعلان الإسلام ولا يؤاخذهم بما في قلوبهم، ولا بما يعلمه من حالهم، فالقاضي لا يقضي بعلمه.
2- وجود اشتباه في حالهم يُخفي على كثير من الناس سبب مقتلهم، فيظنوا السوء بالنبي صلى الله عليه وسلم بأنه يقتله أصحابه، «إذ لم يكن الذنب ظاهرًا يشترك الناس في معرفته»[10].
وهذا فيمن أبطن النفاق ولم يَظهر منه شيء، أو ظهر ولم يثبت عنه بما يَقطع باستحقاقه للعقوبة، وهذا ظاهر في قصة سورة المنافقين، لأن المنافق حلف وكذب ولم تثبت عليه الكلمة إلا بوحي.
لكن يشكل على هذا مثل حادثة قسمة الغنائم، فقد تفوه المنافق بكلمات، ومع ذلك تركه النبي صلى الله عليه وسلم بالعلة ذاتها «لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه»، فما وجه ذلك؟
هنا نقولات مهمة لأهل العلم، أسوق بعضها بين يدي تفصيل الجواب:
قال القاضي عياض:
«ومثل هذا لو صدر اليوم من أحدٍ في حق النبي صلى الله عليه وسلم من تهمته في الحكم، ورميه فيه بالهوى والميل، لكان كفرًا يجب قتل قائله، لكنه عليه السلام كان أول الإسلام يؤلف ويدفع بالتي هي أحسن، وكان يصبر للمنافقين ومن في قلبه مرض على أكثر من هذا من التصريح والتعريض»[11].
وقال:
«وقد اختلف: هل بقي حكم جواز ترك قتلهم والإغضاء عنهم؟ أو نسخ ذلك آخرًا عند ظهور الإسلام عند قوله تعالى: {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} وأنها ناسخة لما كان قبلها؟ وقيل: إنما العفو عنهم ما لم يظهروا نفاقهم، فإذا أظهروه قتلوا»[12].
قال ابن حجر:
«كان النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر يصبر على أذى المشركين ويعفو ويصفح، ثم أمر بقتال المشركين فاستمر صفحه وعفوه عمن يظهر الإسلام ولو كان باطنه على خلاف ذلك لمصلحة الاستئلاف وعدم التنفير عنه، ولذلك قال (لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه)، فلما حصل الفتح ودخل المشركون في الإسلام وقلَّ أهل الكفر وذلوا أمر بمجاهرة المنافقين وحملهم على حكم مر الحق، ولاسيما وقد كان ذلك قبل نزول النهي الصريح عن الصلاة على المنافقين»[13].
قال ابن تيمية:
«فإن الناس ينظرون إلى ظاهر الأمر فيرون واحدًا من أصحابه قد قُتل فيظن الظان أنه يقتل بعض أصحابه على غرض أو حقد أو نحو ذلك فينفر الناس عن الدخول في الإسلام، وإذا كان من شريعته أن يتألف الناس على الإسلام بالأموال العظيمة ليقوم دين الله وتعلو كلمته فلأن يتألفهم بالعفو أولى وأحرى، فلما أنزل الله تعالى براءة ونهاه عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم وأمره أن يجاهد الكفار والمنافقين ويغلظ عليهم؛ نسخ جميع ما كان المنافقون يعاملون به من العفو كما نسخ ما كان الكفار يعاملون به من الكف عمن سالم ولم يبقَ إلا إقامة الحدود وإعلاء كلمة الله في حق كل إنسان»[14].
قال السندي:
«ظاهر هذا الحديث يفيد أن المسلم لا يقتل المسلم بمثل هذه الكلمة المشتملة على مثل هذا التعريض المؤدي إلى إيذاء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، إذ ظاهر هذا الحديث يفيد أنه لا سلامة لم يتعرض له، وجعل إسلامه الظاهري علة لعصمته مع وجود هذه الكلمة منه، والقول بأن هذه الكلمة تقتضي قتله إلا أنه تركه لمراعاة التألف حتى لا يشتهر بين الناس أنه صلى الله تعالى عليه وسلم يقتل أصحابه، فإنه قد يؤدي إلى نفر قلوبهم عن الإسلام. يأبى عنه هذا الحديث»[15].
وخلاصة ما سبق:
أن الاعتبار النبوي في ترك عقوبتهم «لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» مع المجاهرين من المنافقين يرجع لأمرين:
الأول: أن مجاهرتهم لم تكن من قبيل الكفر المحض الذي يثبت نفاقهم، وإنما هو من قبيل التعريض، فإقامة العقوبة عليهم ستكون مشتبهة كما سبق في المنافقين المستترين لأن الناس لا يعلمون حقيقة جرمهم الذي يستحقون به العقوبة.
الثاني: أن مجاهرتهم كفر ثابت عليهم، وإنما ترك عقابهم مع هذا لوجود الاشتباه الذي يتحقق معه مفسدة أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه.
وعلى هذا القول فإن هذا حكم منسوخ، كان في أول الإسلام وضعف المسلمين الذي كان يتحقق معه غلبة مفاسد إقامة مثل هذا الحكم، وقد زال هذا فلا يكون ثم حاجة لترك إقامة هذه الأحكام بسبب هذه المفسدة.
إلا أن هذا لا يمنع من إعمال الحكم حين يحدث من الضعف والحاجة مثل ما حدث في أول الإسلام.
قال ابن تيمية:
«فحيث ما كان للمنافق ظهور وتخاف من إقامة الحد عليه فتنة أكبر من بقائه علمنا بآية: {وَدَعْ أَذَاهُمْ} [الأحزاب: 48]  كما أنه حيث عجزنا عن جهاد الكفار عملنا بآية الكف عنهم والصفح وحيث ما حصل القوة والعز خوطبنا بقوله: {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} فهذا يبين أن الإمساك عن قتل من أظهر نفاقه بكتاب الله على عهد رسوله عليه الصلاة والسلام إذًا لا نسخ بعده»[16].
وقال:
«فحاصله أن الحد لم يقم على واحد بعينه لعدم ظهوره بالحجة الشرعية التي يعلمه بها الخاص والعام، أو لعدم إمكان إقامته إلا مع تنفير أقوام عن الدخول في الإسلام وارتداد آخرين عنه وإظهار قوم من الحرب والفتنة ما يربى فساده على فساد ترك قتل منافق، وهذان المعنيان حكمهما باقٍ إلى يومنا هذا، إلا في شيء واحد وهو أنه صلى الله عليه وسلم ربما خاف أن يظن الظان أنه يقتل أصحابه لغرض آخر مثل أغراض الملوك فهذا منتف اليوم»[17].
الحدود السائغة في الإعمال الفقهي لهذا الموقف السياسي النبوي:
حين يأتي أحد فيستدل بالسياسة النبوية «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» في سياق تعطيل أي حكم شرعي معاصر بدعوى نفور الكفار وتكذيبهم، فهو يقع في خطأ كارثي لم يتفطن له، هو أنه نظر في مفهوم الحديث منعزلًا عن بقية أحكام الشريعة، فقاس نفور الناس عن الشرع في هذه المسائل على نفورهم في تلك الواقعة النبوية فوجد أن الاستدلال وجيه جدًا، وهو فعلًا كذلك لو لم يكن عندنا إلا هذا الحديث، لكنَّ هذا قصور علمي لا يدخل في بنية تفكير الفقيه الذي ينظر إلى نصوص الشرع جميعًا، وحينئذٍ ستجد أن ثمت مساحة واسعة جدًا من الأحكام الشرعية قد حافظت عليها الشريعة ولم تلتفت للمعترضين والشامتين والساخطين، ولا لأمواج التشويه والافتراء التي تعقب قيامها، ومن ذلك بإجمال واختصار شديدين:
- الأحكام الشرعية التي فيها شدة وصرامة في التطبيق، من الرجم والجلد والقطع، التي كانت تقام من دون أي اعتبار لمواقف الناس منها.
- بل شرعت الشريعة الجهاد في سبيل الله، وقتال الكفار وغنم أموالهم وسبي نسائهم وإقامة الشرع في بلدانهم، وبطبيعة الحال أن من تتخذ منه هذا الموقف لن يحمل في نفسه إلا غاية ما يمكنه من كره وعداء ونفور.
- قتلَ النبي صلى الله عليه وسلم لرؤوس الكفر الذين عادوه، ككعب بن الأشرف وابن أبي الحقيق، وأهدر دماء بعض المحاربين يوم فتح مكة، وقتل بعض الأسرى، وهي أفعال شديدة على النفوس غير المؤمنة.
- الأمر القرآني بجهاد المنافقين والإغلاظ عليهم {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْـمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 73]، وقال سبحانه: {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْـمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْـمُرْجِفُونَ فِي الْـمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ} [الأحزاب: 60]، وهو ما جعل المنافقين يستترون بكفرهم خشية من العقاب.
- بل أصل الإسلام كله وهو عبادة الله وحده، والإيمان برسوله، والإيمان بكتابه، وغيرها من الأصول كانت تثير عداء الكفار وغضبهم وسخطهم على المسلمين، فإعمال التفكير بهذه الطريقة يؤدي لإلغاء الإسلام كله.
- بل مع هذا كله، فقد اتفق الفقهاء كلهم على وجوب قتل ساب الرسول، وهي الصورة ذاتها التي عفا عنها الرسول، من دون أي اعتبار منهم لتأثير لهذه العلة.
هذه بعض الأحكام التي تثبت يقينًا أن إعمال هذا الفهم على أي حكم شرعي بدون حدود متقنة غلط محض، وأن ذريعة نفور الكفار من الإسلام لا يجوز أبدًا أن تكون سببًا لتعطيل أحكام الشريعة أو بعضها، وأن تشويه الكفار للأحكام يوجب علينا الدفاع عنها وشرحها وبيان حسنها والدعوة إليه لا أن ندفنها خجلًا منها.
ولذا فهذا التفكير قد اتسع عليه خرق الغلط من جهتين:
الجهة الأولى: أنه وسع مراعاة نفور الناس إلى مساحات لم تراعها الشريعة، بل ثبت قطعًا أن الشريعة أهملتها ولم تعتبرها.
الجهة الثانية: أن ما راعته الشريعة كان في حكم شرعي معين، تُرِكَ تطبيقه عن شخص معين، جعلوه أصلًا كليًّا لتعطيل الأحكام كلها، ولم يجعلوه خاصًا بحالة معينة فقط.
إذا تقرر فساد منطق هذا الاستدلال، فما الحدود الفقهية المعتبرة في إعمال هذا الحديث؟
الواجب في معرفة هذه الحدود أن تكون مراعية لحدود ذات ما أعمله النبي صلى الله عليه وسلم، وحين ننظر في هذه الواقعة، يمكن أن نحصر حدودها في:
- تنزيل حكم شرعي على معين أو في حالة معينة.
- وجود اشتباه في استحقاقه للحكم.
- وجود مفسدة قوية غالبة، في مستوى نفورٍ عام عن الإسلام بسببه تصل لحد اعتقاد أن الرسول يقتل أصحابه فيخشى أن ينال هذا العقاب من يقتل الرسول؛ فالحكم الشرعي الذي يكون تطبيقه بهذا المستوى يكون مندرجًا ضمن السياق السائغ في إعمال الحديث.
وعليه فيخرج هنا:
من يعطل ذات الأحكام كليًا، أو يكون مراعيًا لمفاسد التطبيق إلى الحد الذي يلغي معه أصل التطبيق.
ويخرج منه أيضًا:
الأحكام الظاهرة التي لا يوجد اشتباه فيها، بحيث يكون الاعتراض على ذات الحكم لا على الاشتباه.
وأيضًا يجب أن تكون المفسدة قوية لحد ما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، مع ملاحظة طبيعة المفسدة بحيث يكون الإعمال الفقهي مستحضرًا لها، فهي متعلقة بمفسدة إلى حد أن يظن الكافر أنه سيقتل لو دخل في الإسلام، ومثل هذه المفاسد لا تكون إلا في جنس معين من الأحكام كعقوبة الردة، ومن جنس معين من الناس وهم الكفار، ومثل هذه المفسدة لا توجد غالبًا في إقامة الحدود أو في مثل فرض الواجبات ومنع المحرمات على المسلمين.
وبناءً عليه، يمكن ترك إقامة حد الردة مثلًا في حالة معينة إذا ترتب على إقامته مفسدة راجحة توهم أن الشخص قُتل مظلومًا، لكن لا يقاس عليه منع إقامة قطع يد السارق خشية من طعن من الناس في عقوبة السرقة نفسها، لأن الأمر لا اشتباه فيه أصلًا، وهو متجه إلى الحكم ذاته لا إلى التطبيق في حالة معينة.
هذه هي الحدود التي يحتملها سياق حديث «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه».
 وأحب أن أؤكد أن البحث هنا ليس تحريرًا لحكم ترك بعض إقامة الأحكام الشرعية، وإنما هو محاولة لتحرير الاستدلال لسبب من أسباب ترك إقامة بعض الأحكام استنادًا إلى هذا الحديث، وإلا فلا بد من جمع كافة أطراف الأسباب للإجابة على هذا السؤال، وليس هذا موضع بحثه فهو يحتاج لاستقراء وتتبع أوسع.
الآثار المستفادة من هذا الموقف السياسي النبوي:
بعد تحرير القول في حدود ما يمكن إعماله من هذا الحديث لترك إقامة بعض الأحكام، فإنه يمكن الاستهداء بروح هذا الموقف السياسي النبوي في آثار كثيرة على مستويات عدة، منها:
1- العناية بسمعة الإسلام، والاجتهاد في تقديم الحجج والبراهين التي تشرح محاسن الإسلام، وتجلي فضائله، وبذل كافة الجهود لإزالة الشكوك والشبهات والتشويهات التي توجه لرسالة الإسلام.
2- مراعاة أفهام المخاطبين، ومستوياتهم، واتخاذ الأسلوب المناسب لئلا يكون لطريقة الخطاب أو زمانه ومكانه ما يؤدي لنفور عن أحكام الشرع.
ومن مراعاة أفهام الناس ترك تحديثهم أو إفتائهم ببعض الأحكام حين يترتب عليها مفسدة ظاهرة تربو على مصلحة تعليمهم، ولهذا قال الصحابي الفقيه عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: «ما أنت بمحدثٍ قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة»[18].
3- تعميق قاعدة شرعية مقررة، هي «درء الحدود بالشبهات».
4- الاجتهاد في بيان الحكم الشرعي وشرح حدوده وإزالة الغلو والتفريط المتلبس به لئلا يشتبه بغيره.
5- عدم قيام الشخص بإقامة الحدود إلا بسلطة شرعية، وبضمانات قضائية، حتى تحقق العقوبات الشرعية مقاصدها وتكون على وفق مراد الشرع منها، فلا يدخل في النفوس نفور منها بسبب إشكالات يرونها في الإجراءات، فيشتبه الحق الذي في الحكم بالباطل في الوسائل والإجراءات.

أثبت أحد


قال الرسول صلى الله عليه وسلم «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل : قدر الله، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» (صحيح مسلم).

بسم الله الرحمن الرحيم
إذا فتح الله لك باب خير
فﻻ تغلقه ..وواصل مسيرك ...
وإن خذلوك البشر...وإن رموك الأعداء بالحجر..
فطريق الدعوة ليس ممهد بالورود ..
فلابد من وجود الأشواك...
ولايرمى إلا الشجر المثمر
أثبت أحد .....فأنت في أختبار ...
والدنيا ليست بدار قرار...
فأغرس بذور الخير في أي أرض حللت بها
فلابد أن تثمر يوما ولو بعد رحيلك

وإن اخطأت...فلاتيأس ولاتقنط ..عد إلى الرحمن واستغفر لذنبك ..
فالله يحب التوابين والمتطهرين
واتبع السيئة الحسنة تمحُها
قال تعالى : {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} [محمد: 19].

لاتحزن إن واجهتك رياح الهموم والغموم والمصائب
فالله يحبك ..ويريد تطهيرك من الذنوب
والمؤمن في خير عظيم بين شكر على النعم وصبر على النقم
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خيرٌ، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له» (رواه مسلم).

واعلم إن طريق الأنبياء لم يكن ممهد وميسر
فكم من نبي لاقى الأذى من قومه والأقربون
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنه..
أصبروا يامن تريدون الجنة ..ورؤية وجه الرحمن...
قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10].

علق قلبك بالله العزيز الحميد في كل وقت وحين.
اعتمد عليه في كل شيء، وتوكل عليه.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل : قدر الله، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» (صحيح مسلم).
الحمد لله الذي هدانا وماكنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
قال الله تعالى : {وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا}.

أثبت أحد

أثبت أحد


قال الرسول صلى الله عليه وسلم «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل : قدر الله، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» (صحيح مسلم).

بسم الله الرحمن الرحيم
إذا فتح الله لك باب خير
فﻻ تغلقه ..وواصل مسيرك ...
وإن خذلوك البشر...وإن رموك الأعداء بالحجر..
فطريق الدعوة ليس ممهد بالورود ..
فلابد من وجود الأشواك...
ولايرمى إلا الشجر المثمر
أثبت أحد .....فأنت في أختبار ...
والدنيا ليست بدار قرار...
فأغرس بذور الخير في أي أرض حللت بها
فلابد أن تثمر يوما ولو بعد رحيلك

وإن اخطأت...فلاتيأس ولاتقنط ..عد إلى الرحمن واستغفر لذنبك ..
فالله يحب التوابين والمتطهرين
واتبع السيئة الحسنة تمحُها
قال تعالى : {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} [محمد: 19].

لاتحزن إن واجهتك رياح الهموم والغموم والمصائب
فالله يحبك ..ويريد تطهيرك من الذنوب
والمؤمن في خير عظيم بين شكر على النعم وصبر على النقم
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خيرٌ، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له» (رواه مسلم).

واعلم إن طريق الأنبياء لم يكن ممهد وميسر
فكم من نبي لاقى الأذى من قومه والأقربون
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنه..
أصبروا يامن تريدون الجنة ..ورؤية وجه الرحمن...
قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10].

علق قلبك بالله العزيز الحميد في كل وقت وحين.
اعتمد عليه في كل شيء، وتوكل عليه.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل : قدر الله، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» (صحيح مسلم).
الحمد لله الذي هدانا وماكنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
قال الله تعالى : {وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا}.

الحياة الشخصية والأسرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة الممتحنة


هذه السورة -الممتحنة- تعرض في صدرها صفحة من الحياة البيتية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وصورة من الانفعالات والاستجابات الإنسانية بين بعض نسائه وبعض، وبينهن وبينه! وانعكاس هذه الانفعالات والاستجابات في حياته صلى الله عليه وسلم، وفي حياة الجماعة المسلمة كذلك، ثم في التوجيهات العامة للأمة على ضوء ما وقع في بيوت رسول الله وبين أزواجه..

لماذا تناول القرآن العظيم الحياة الشخصية والأسرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟
أحيانًا يتساءل البعض لماذا تتناول آيات كتاب الله تعالى أحداث خاصة ببيت رسول الله بينه وبين نسائه، وأن تتلى آيات في شأن تفاصيل حياته الشخصية، ولعل من أفضل ما كتب في هذا الشأن ما كتبه الأستاذ سيد قطب رحمه الله في هذا الشأن، نسوقه إليكم..
يقول رحمه الله في تفسيره في سورة الممتحنة في حادثة تحريم مارية القبطية، أو تحريمه للعسل -تحريم بيمين-: "عند ما جرى قدر الله أن يجعل الإسلام هو الرسالة الأخيرة، وأن يجعل منهجه هو المنهاج الباقي إلى آخر الخليقة، وأن تجري حياة المؤمنين به وفق الناموس الكوني العام، وأن يكون هذا الدين هو الذي يقود حياة البشرية ويهيمن على نشاطها في كل ميدان..
عندما جرى قدر الله بهذا كله جعل الله هذا المنهج في هذه الصورة شاملًا كاملًا متكاملًا، يلبي كل طاقات البشر واستعداداتهم، في الوقت الذي يرفع هذه الطاقات وهذه الاستعدادات إلى الأفق اللائق بخليفة الله في الأرض، وبالكائن الذي كرمه الله على كثير من عباده، ونفخ فيه من روحه.
وجعل طبيعة هذا الدين الانطلاق بالحياة إلى الأمام نموًا وتكاثرًا، ورفعة وتطهرًا في آن واحد، فلم يعطل طاقة بانية، ولم يكبت استعدادًا نافعًا، بل نشط الطاقات وأيقظ الاستعدادات وفي الوقت ذاته حافظ على توازن حركة الاندفاع إلى الأمام مع حركة الارتفاع إلى الأفق الكريم، الذي يهيئ الأرواح في الدنيا لمستوى نعيم الآخرة، ويعد المخلوق الفاني في الأرض للحياة الباقية في دار الخلود.
وعندما جرى قدر الله أن يجعل طبيعة هذه العقيدة هكذا، جرى كذلك باختيار رسولها صلى الله عليه وسلم إنسانا تتمثل فيه هذه العقيدة بكل خصائصها، وتتجسم فيه بكل حقيقتها، ويكون هو بذاته وبحياته الترجمة الصحيحة الكاملة لطبيعتها واتجاهها، إنسانا قد اكتملت طاقاته الإنسانية كلها، ضليع التكوين الجسدي، قوي البنية، سليم البناء صحيح الحواس، يقظ الحس، يتذوق المحسوسات تذوقًا كاملاً سليمًا، وهو في ذات الوقت ضخم العاطفة، حي الطبع، سليم الحساسية، يتذوق الجمال، متفتح للتلقي والاستجابة..
وهو في الوقت ذاته كبير العقل، واسع الفكر، فسيح الأفق، قوي الإرادة، يملك نفسه ولا تملكه، ثم هو بعد ذلك كلهالنبي.. الذي تشرق روحه بالنور الكلي، والذي تطيق روحه الإسراء والمعراج، والذي ينادى من السماء، والذي يرى نور ربه، والذي تتصل حقيقته بحقيقة كل شيء في الوجود من وراء الأشكال والظواهر، فيسلم عليه الحصى والحجر، ويحن له الجذع، ويرتجف به أحد –الجبل-! ثم تتوازن في شخصيته هذه الطاقات كلها، فإذا هو التوازن المقابل لتوازن العقيدة التي اختير لها..
ثم يجعل الله حياته الخاصة والعامة كتابًا مفتوحًا لأمته وللبشرية كلها، تقرأ فيه صور هذه العقيدة، وترى فيه تطبيقاتها الواقعية، ومن ثم لا يجعل فيها سرًا مخبوءًا، ولا سترًا مطويًا، بل يعرض جوانب كثيرة منها في القرآن، ويكشف منها ما يطوى عادة عن الناس في حياة الإنسان العادي، حتى مواضع الضعف البشري الذي لا حيلة فيه لبشر.. 
بل إن الإنسان ليكاد يلمح القصد في كشف هذه المواضع في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم للناس! إنه ليس له في نفسه شيء خاص، فهو لهذه الدعوة كله، فعلام يختبئ جانب من حياته صلى الله عليه وسلم، أو يخبأ؟ إن حياته هي المشهد المنظور القريب الممكن التطبيق من هذه العقيدة، وقد جاء صلى الله عليه وسلم ليعرضها للناس في شخصه، وفي حياته، كما يعرضها بلسانه وتوجيهه ولهذا خلق، ولهذا جاء.
ولقد حفظ عنه أصحابه صلى الله عليه وسلم ونقلوا للناس بعدهم -جزاهم الله خيرًا- أدق تفصيلات هذه الحياة فلم تبق صغيرة ولا كبيرة حتى في حياته اليومية العادية، لم تسجل ولم تنقل، وكان هذا طرفًا من قدر الله في تسجيل حياة هذا الرسول، أو تسجيل دقائق هذه العقيدة مطبقة في حياة الرسول، فكان هذا إلى جانب ما سجله القرآن الكريم من هذه الحياة السجل الباقي للبشرية إلى نهاية الحياة، 
وهذه السورة تعرض في صدرها صفحة من الحياة البيتية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وصورة من الانفعالات والاستجابات الإنسانية بين بعض نسائه وبعض، وبينهن وبينه! وانعكاس هذه الانفعالات والاستجابات في حياته صلى الله عليه وسلم، وفي حياة الجماعة المسلمة كذلك، ثم في التوجيهات العامة للأمة على ضوء ما وقع في بيوت رسول الله وبين أزواجه".
جزا الله الأستاذ سيد خيرًا وتقبله في الشهداء، وأبقى ذكره وغفر له ورفع شأنه وألحقه بالصالحين..

الحياة الشخصية والأسرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة الممتحنة

الحياة الشخصية والأسرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة الممتحنة


هذه السورة -الممتحنة- تعرض في صدرها صفحة من الحياة البيتية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وصورة من الانفعالات والاستجابات الإنسانية بين بعض نسائه وبعض، وبينهن وبينه! وانعكاس هذه الانفعالات والاستجابات في حياته صلى الله عليه وسلم، وفي حياة الجماعة المسلمة كذلك، ثم في التوجيهات العامة للأمة على ضوء ما وقع في بيوت رسول الله وبين أزواجه..

لماذا تناول القرآن العظيم الحياة الشخصية والأسرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟
أحيانًا يتساءل البعض لماذا تتناول آيات كتاب الله تعالى أحداث خاصة ببيت رسول الله بينه وبين نسائه، وأن تتلى آيات في شأن تفاصيل حياته الشخصية، ولعل من أفضل ما كتب في هذا الشأن ما كتبه الأستاذ سيد قطب رحمه الله في هذا الشأن، نسوقه إليكم..
يقول رحمه الله في تفسيره في سورة الممتحنة في حادثة تحريم مارية القبطية، أو تحريمه للعسل -تحريم بيمين-: "عند ما جرى قدر الله أن يجعل الإسلام هو الرسالة الأخيرة، وأن يجعل منهجه هو المنهاج الباقي إلى آخر الخليقة، وأن تجري حياة المؤمنين به وفق الناموس الكوني العام، وأن يكون هذا الدين هو الذي يقود حياة البشرية ويهيمن على نشاطها في كل ميدان..
عندما جرى قدر الله بهذا كله جعل الله هذا المنهج في هذه الصورة شاملًا كاملًا متكاملًا، يلبي كل طاقات البشر واستعداداتهم، في الوقت الذي يرفع هذه الطاقات وهذه الاستعدادات إلى الأفق اللائق بخليفة الله في الأرض، وبالكائن الذي كرمه الله على كثير من عباده، ونفخ فيه من روحه.
وجعل طبيعة هذا الدين الانطلاق بالحياة إلى الأمام نموًا وتكاثرًا، ورفعة وتطهرًا في آن واحد، فلم يعطل طاقة بانية، ولم يكبت استعدادًا نافعًا، بل نشط الطاقات وأيقظ الاستعدادات وفي الوقت ذاته حافظ على توازن حركة الاندفاع إلى الأمام مع حركة الارتفاع إلى الأفق الكريم، الذي يهيئ الأرواح في الدنيا لمستوى نعيم الآخرة، ويعد المخلوق الفاني في الأرض للحياة الباقية في دار الخلود.
وعندما جرى قدر الله أن يجعل طبيعة هذه العقيدة هكذا، جرى كذلك باختيار رسولها صلى الله عليه وسلم إنسانا تتمثل فيه هذه العقيدة بكل خصائصها، وتتجسم فيه بكل حقيقتها، ويكون هو بذاته وبحياته الترجمة الصحيحة الكاملة لطبيعتها واتجاهها، إنسانا قد اكتملت طاقاته الإنسانية كلها، ضليع التكوين الجسدي، قوي البنية، سليم البناء صحيح الحواس، يقظ الحس، يتذوق المحسوسات تذوقًا كاملاً سليمًا، وهو في ذات الوقت ضخم العاطفة، حي الطبع، سليم الحساسية، يتذوق الجمال، متفتح للتلقي والاستجابة..
وهو في الوقت ذاته كبير العقل، واسع الفكر، فسيح الأفق، قوي الإرادة، يملك نفسه ولا تملكه، ثم هو بعد ذلك كلهالنبي.. الذي تشرق روحه بالنور الكلي، والذي تطيق روحه الإسراء والمعراج، والذي ينادى من السماء، والذي يرى نور ربه، والذي تتصل حقيقته بحقيقة كل شيء في الوجود من وراء الأشكال والظواهر، فيسلم عليه الحصى والحجر، ويحن له الجذع، ويرتجف به أحد –الجبل-! ثم تتوازن في شخصيته هذه الطاقات كلها، فإذا هو التوازن المقابل لتوازن العقيدة التي اختير لها..
ثم يجعل الله حياته الخاصة والعامة كتابًا مفتوحًا لأمته وللبشرية كلها، تقرأ فيه صور هذه العقيدة، وترى فيه تطبيقاتها الواقعية، ومن ثم لا يجعل فيها سرًا مخبوءًا، ولا سترًا مطويًا، بل يعرض جوانب كثيرة منها في القرآن، ويكشف منها ما يطوى عادة عن الناس في حياة الإنسان العادي، حتى مواضع الضعف البشري الذي لا حيلة فيه لبشر.. 
بل إن الإنسان ليكاد يلمح القصد في كشف هذه المواضع في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم للناس! إنه ليس له في نفسه شيء خاص، فهو لهذه الدعوة كله، فعلام يختبئ جانب من حياته صلى الله عليه وسلم، أو يخبأ؟ إن حياته هي المشهد المنظور القريب الممكن التطبيق من هذه العقيدة، وقد جاء صلى الله عليه وسلم ليعرضها للناس في شخصه، وفي حياته، كما يعرضها بلسانه وتوجيهه ولهذا خلق، ولهذا جاء.
ولقد حفظ عنه أصحابه صلى الله عليه وسلم ونقلوا للناس بعدهم -جزاهم الله خيرًا- أدق تفصيلات هذه الحياة فلم تبق صغيرة ولا كبيرة حتى في حياته اليومية العادية، لم تسجل ولم تنقل، وكان هذا طرفًا من قدر الله في تسجيل حياة هذا الرسول، أو تسجيل دقائق هذه العقيدة مطبقة في حياة الرسول، فكان هذا إلى جانب ما سجله القرآن الكريم من هذه الحياة السجل الباقي للبشرية إلى نهاية الحياة، 
وهذه السورة تعرض في صدرها صفحة من الحياة البيتية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وصورة من الانفعالات والاستجابات الإنسانية بين بعض نسائه وبعض، وبينهن وبينه! وانعكاس هذه الانفعالات والاستجابات في حياته صلى الله عليه وسلم، وفي حياة الجماعة المسلمة كذلك، ثم في التوجيهات العامة للأمة على ضوء ما وقع في بيوت رسول الله وبين أزواجه".
جزا الله الأستاذ سيد خيرًا وتقبله في الشهداء، وأبقى ذكره وغفر له ورفع شأنه وألحقه بالصالحين..


Popular Posts