background img

The New Stuff

تحولات رمضانية
 
في رمضان المبارك تحولات حقيقية في مسيرة الحياة تحولات كثيرة وكبيرة ما إن يدخل رمضان حتى يطرأ على الكون كلّه في السماء والأرض تحولات كثيرة ففي السماء تفتح أبواب الجنان وتغلق أبواب النيران وتفتح أبوب السماء روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ "
وفي السماء ينادى يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر في الأرض تصفد الشياطين
روى الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ وَيُنَادِي مُنَادٍ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ "
في المباحات يحرم الطعام والشراب والجماع من طلوع الشمس إلى غروبها في الفرائض يضاعف ثوابها قل النبي صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى :
" يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا " البخاري
في النفل يقلب ثوابها " من أدى في نافلة كان كمن أدى فريضة فيما سواه "
في الروائح ترتفع الرائحة البشعة من فم الصائم إلى درجات لتصل فتكون أعلى من المسك وينزل قيمة المسك فيكر للصائم أن يتعطر
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
" ِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ " البخاري
في البيت الحرام تقلب العمرة في رمضان لتصل إلى ثواب الحج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قَالَ : " فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً أَوْ حَجَّةً مَعِي " البخاري

إنها تحولات كبيرة يأمر الله سبحانه وتعالى بها الكون كله ليصير مساعدة على العبادة
إنها تحولات متنوعة وعديدة فيها مضاعفة للثواب وقلب له فيها وإغلاق لطرق الشر وفتح لطرق الخير فيها ربط للشياطين وتصفيد لهم
هذا التحول في الكون ماذا يقابله عند المسلمين ؟
إن التحول يقتضي تحولا وإن التغيير يقتضي تغيرا
والسؤال الذي يطرح نفسه من يطرق باب من ؟
هل نحن نطرق باب رمضان أم أن رمضان هو الذي يطرق بابنا ؟
سؤال قد يكون فلسفيا بعض الشيء لكنه مهم جدا وبتحديد الإجابة يتحدد المسار وبمعرفة الجواب يعرف الطريق الناس صنفان
صنف من الناس هو الذي يدق باب رمضان ويسعى إليه متشوقا مستعدا وهذا حال النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام الذين كانوا يقولون :
" اللهم بلغنا رمضان "
فهم متشوقون لهذا الشهر المبارك قد عرفوا قدره فشعروا بأهميته عرفوا انه كفارة لما بين الرمضانين فأقبلوا عليه ليغفر الله لهم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : " الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِر "َ مسلم
وعرفوا فيه الرحمة والرأفة فأسرعوا إليه
اشتاقوا إلى سحر يجلسون فيه مع الله سبحانه ويسمعون نداءه ويلبون هذا النداء هل من مستغفر فأغفر له
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ " البخاري

وصنف من الناس رمضان عندهم هو الذي يدق بابهم فيتفاجؤن به ويرتبكون لمجيئه وكأنه ضيف من البادية ثقيل سيقيم عندهم شهرا كاملا فيفكرون أن يقدموا له وجبتين من الطعام ويحاولون أن يذبحوا وقته ويزيلوا ملله بنوع من المسهيات والملهيات وتبدأ رحلة التفنن بهذه المسهيات والملهيات وتبدأ رحلة المسلسلات ورحلة الخيمات ورحلة السهرات ورحلة النوم الطويل يحاولون بذالك التخفيف على أنفسهم من هذا الضيف الثقيل
إننا لا بد أن نجيب عن هذا السؤال المهم
من يطرق باب من ؟
لأننا بالإجابة عليه نعرف من أي صنف نحن وأي طريق سنسلك ؟
اللهم بلغنا رمضان وأعنا فيه على الصيام والقيام وغض البصر وحفظ اللسان واجعله ياربنا شاهدا لنا وليس شاهدا علينا ياكريم أمين 

تحولات رمضانية

تحولات رمضانية
 
في رمضان المبارك تحولات حقيقية في مسيرة الحياة تحولات كثيرة وكبيرة ما إن يدخل رمضان حتى يطرأ على الكون كلّه في السماء والأرض تحولات كثيرة ففي السماء تفتح أبواب الجنان وتغلق أبواب النيران وتفتح أبوب السماء روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ "
وفي السماء ينادى يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر في الأرض تصفد الشياطين
روى الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ وَيُنَادِي مُنَادٍ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ "
في المباحات يحرم الطعام والشراب والجماع من طلوع الشمس إلى غروبها في الفرائض يضاعف ثوابها قل النبي صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى :
" يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا " البخاري
في النفل يقلب ثوابها " من أدى في نافلة كان كمن أدى فريضة فيما سواه "
في الروائح ترتفع الرائحة البشعة من فم الصائم إلى درجات لتصل فتكون أعلى من المسك وينزل قيمة المسك فيكر للصائم أن يتعطر
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
" ِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ " البخاري
في البيت الحرام تقلب العمرة في رمضان لتصل إلى ثواب الحج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قَالَ : " فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً أَوْ حَجَّةً مَعِي " البخاري

إنها تحولات كبيرة يأمر الله سبحانه وتعالى بها الكون كله ليصير مساعدة على العبادة
إنها تحولات متنوعة وعديدة فيها مضاعفة للثواب وقلب له فيها وإغلاق لطرق الشر وفتح لطرق الخير فيها ربط للشياطين وتصفيد لهم
هذا التحول في الكون ماذا يقابله عند المسلمين ؟
إن التحول يقتضي تحولا وإن التغيير يقتضي تغيرا
والسؤال الذي يطرح نفسه من يطرق باب من ؟
هل نحن نطرق باب رمضان أم أن رمضان هو الذي يطرق بابنا ؟
سؤال قد يكون فلسفيا بعض الشيء لكنه مهم جدا وبتحديد الإجابة يتحدد المسار وبمعرفة الجواب يعرف الطريق الناس صنفان
صنف من الناس هو الذي يدق باب رمضان ويسعى إليه متشوقا مستعدا وهذا حال النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام الذين كانوا يقولون :
" اللهم بلغنا رمضان "
فهم متشوقون لهذا الشهر المبارك قد عرفوا قدره فشعروا بأهميته عرفوا انه كفارة لما بين الرمضانين فأقبلوا عليه ليغفر الله لهم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : " الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِر "َ مسلم
وعرفوا فيه الرحمة والرأفة فأسرعوا إليه
اشتاقوا إلى سحر يجلسون فيه مع الله سبحانه ويسمعون نداءه ويلبون هذا النداء هل من مستغفر فأغفر له
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ " البخاري

وصنف من الناس رمضان عندهم هو الذي يدق بابهم فيتفاجؤن به ويرتبكون لمجيئه وكأنه ضيف من البادية ثقيل سيقيم عندهم شهرا كاملا فيفكرون أن يقدموا له وجبتين من الطعام ويحاولون أن يذبحوا وقته ويزيلوا ملله بنوع من المسهيات والملهيات وتبدأ رحلة التفنن بهذه المسهيات والملهيات وتبدأ رحلة المسلسلات ورحلة الخيمات ورحلة السهرات ورحلة النوم الطويل يحاولون بذالك التخفيف على أنفسهم من هذا الضيف الثقيل
إننا لا بد أن نجيب عن هذا السؤال المهم
من يطرق باب من ؟
لأننا بالإجابة عليه نعرف من أي صنف نحن وأي طريق سنسلك ؟
اللهم بلغنا رمضان وأعنا فيه على الصيام والقيام وغض البصر وحفظ اللسان واجعله ياربنا شاهدا لنا وليس شاهدا علينا ياكريم أمين 


رمضان شهر التغير

إن لم نتغير في رمضان فمتى نتغير ؟!
وان لم نصلح حالنا في رمضان فهل عساه ينصلح من بعده ؟!
فرمضان فرصة ذهبية لمن أراد أصلاح الأحوال ، فالكل به عيوب والجميع تحيط به الذنوب وفتن كقطع الليل المظلم قد أحاطت بالناس من كل جانب ، وحب الدنيا تغلغل في القلوب فأصابها بالوهن وأقعدها عن طلب المعالي ، والمتع والشهوات خطفت الأبصار وجذبت الأنظار نحو المتاع الفانى ووسط هذا الظلام الدامس والسواد الحالك يأتي رمضان كومضة من الضوء مباركة تضيء للناس طريقهم وتهديهم سبلهم وترشدهم إلى الصراط المستقيم وتخرجهم من الظلمات إلى النور والفائز السعيد من يستغل هذه الفرصة العظيمة لانتشال نفسه من طين المادية إلى أفاق السعادة الأبدية ومن ظلمات البحر اللجي إلى نور السماوات والأرض ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ولكن الأمر ليس باليسر إلا من يسره الله عليه ، فالعوائق كثيرة والموانع كبيرة والأعداء يتربصون بنا الدوائر والشياطين تركوا جندهم ليكملوا المسيرة مسيرة الضلال والإضلال والفساد والإفساد من فر منها نجا وسعد ومن وقع فيها شقي وفسد ، مابين المسلسلات والأفلام والسهرات والأمسيات والخيمة والشيشة الرمضانية لقد انقلبت الموازين وتبدلت المعايير فبدلا من أن يكون رمضان شهرا للصيام جعلناه شهرا للطعام وبدلا من أن يكون شهر القيام أصبح شهر التسالي والآثام ولكن دوام الحال من المحال ولن نترك المجال للعابثين والفاسدين يعيثون في الأرض الفساد ، بل ينبغي أن نأخذ على أيديهم ونكفهم عن بغيهم ، بداية من كشف مخططاتهم وفضح ألاعيبهم حتى لايفسدوا الشهر الكريم على العباد ، ثم بصرف الناس عنهم وتحذيرهم من الوقوع في شراكهم وشباكهم ، حتى إذا ما وجدوا أنفسهم وحدهم في المستنقع الذي صنعوه بأيديهم تجرعوا كأس المرارة وعضوا أناملهم من الغيظ وعندئذ نقول لهم موتوا بغيظكم ، فأما أن تتوبوا وترجعوا عما أنتم فيه وأما أن تنتظروا مصيركم وعاقبة أعمالكم ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) 

رمضان شهر التغير


رمضان شهر التغير

إن لم نتغير في رمضان فمتى نتغير ؟!
وان لم نصلح حالنا في رمضان فهل عساه ينصلح من بعده ؟!
فرمضان فرصة ذهبية لمن أراد أصلاح الأحوال ، فالكل به عيوب والجميع تحيط به الذنوب وفتن كقطع الليل المظلم قد أحاطت بالناس من كل جانب ، وحب الدنيا تغلغل في القلوب فأصابها بالوهن وأقعدها عن طلب المعالي ، والمتع والشهوات خطفت الأبصار وجذبت الأنظار نحو المتاع الفانى ووسط هذا الظلام الدامس والسواد الحالك يأتي رمضان كومضة من الضوء مباركة تضيء للناس طريقهم وتهديهم سبلهم وترشدهم إلى الصراط المستقيم وتخرجهم من الظلمات إلى النور والفائز السعيد من يستغل هذه الفرصة العظيمة لانتشال نفسه من طين المادية إلى أفاق السعادة الأبدية ومن ظلمات البحر اللجي إلى نور السماوات والأرض ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ولكن الأمر ليس باليسر إلا من يسره الله عليه ، فالعوائق كثيرة والموانع كبيرة والأعداء يتربصون بنا الدوائر والشياطين تركوا جندهم ليكملوا المسيرة مسيرة الضلال والإضلال والفساد والإفساد من فر منها نجا وسعد ومن وقع فيها شقي وفسد ، مابين المسلسلات والأفلام والسهرات والأمسيات والخيمة والشيشة الرمضانية لقد انقلبت الموازين وتبدلت المعايير فبدلا من أن يكون رمضان شهرا للصيام جعلناه شهرا للطعام وبدلا من أن يكون شهر القيام أصبح شهر التسالي والآثام ولكن دوام الحال من المحال ولن نترك المجال للعابثين والفاسدين يعيثون في الأرض الفساد ، بل ينبغي أن نأخذ على أيديهم ونكفهم عن بغيهم ، بداية من كشف مخططاتهم وفضح ألاعيبهم حتى لايفسدوا الشهر الكريم على العباد ، ثم بصرف الناس عنهم وتحذيرهم من الوقوع في شراكهم وشباكهم ، حتى إذا ما وجدوا أنفسهم وحدهم في المستنقع الذي صنعوه بأيديهم تجرعوا كأس المرارة وعضوا أناملهم من الغيظ وعندئذ نقول لهم موتوا بغيظكم ، فأما أن تتوبوا وترجعوا عما أنتم فيه وأما أن تنتظروا مصيركم وعاقبة أعمالكم ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) 

التربية وتغيير الذات في رمضان (1)

أقبل علينا شهر رمضان بما فيه من الخير والبركات والرحمات فهو فرصة لمن أراد النجاخ في الدنيا والأخرة وغنيمة لمن أراد جمع الحسنات ليوم تكون فيه الحسرات على ضياع الأوقات ، فياسعادة من أحسن استغلال هذا الشهر ويا تعاسة من أساء استغلاله أو لم يخرج منه فائزا منتصرا ظافرا بمغفرة الله .

أحبتي في الله. إن من الواجب علينا في هذا الشهر هو أن لا يكون كأي شهر من الشهور بل يجب أن يكون شهرا خاصا نتخذه قنطرة للنجاح في سواه من الشهور ولهذا علينا أن نتربى في هذا الشهر وتبري أولادنا وأهلينا ونربي المجتمع من حولنا ، فرمضان فرصة كبيرة لإصلاح الذات وتغيير النفس والتخلص من الكثير من العادات السيئة والمعاصي المكررة والتي كثرت بين الكثير من أبناء هذه الأمة .

أحبتي في الله ... لا يستطيع الأنسان أن يذكر جميع فضائل هذا الشهر أو أن يحصرها ، ولأن هذا الأمر تحدث فيه الكثيرون فإني أريد أن أتعرض لأمر آخر وهو التربية وبناء النفس في رمضان وألخص ذلك في عدة نقاط :

أولا : التربية على الإخلاص في العمل :- 
أحبتي ..قد يقول قائل ماهو الإخلاص الذي يأتي في الكتاب والسنة وفي استعمال السلف الصالح رحمهم الله ..
فأقول : لقد تنوَّعت تعاريف العلماء للإخلاص ، ولكنها تصبُّ في معين واحد
ألا وهو أن يكون قصد الإنسان في سكناته وحركاته وعباداته الظاهرة والباطنة خالصة لوجه الله تعالى لا يريد بها شيئاً من حطام الدنيا أو ثناء الناس .
قال الفضل بن زياد : سألت أبا عبد الله ـ يعني الإمام أحمد بن حنبل ـ سألته عن النية في العمل ، قلت : كيف النية ، قال : يعالج نفسه إذا أراد عملاً لا يريد به الناس ..أن يعالج نفسه فإذا أراد عملاً لا يريد به إلا وجه الله تبارك تعالى ..
قال أحد العلماء : نظر الأكياس في تفسير الإخلاص فلم يجدوا غير هذا : أن تكون حركته وسكونه في سره وعلانيته لله تعالى لا يمازجه نفسٌ ولا هوىً ولا دنيا .
عباد الله ..
إنَّ شأن الإخلاص.. إنَّ شأن الإخلاص مع العبادات بل مع جميع الأعمال ، حتى المباحة لعجيب جداً ..
فبالإخلاص يعطي الله على القليل الكثير ، وبالرياء وترك الإخلاص لا يعطي الله على الكثير شيئاً ، ورُبَّ درهم سبق مئة ألف درهم ..
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : والنوع الواحد من العمل ... والنوع الواحد من العمل قد يفعله الإنسان على وجه يكمن فيه إخلاصه وعبوديته لله فيغفر الله به كبائر الذنوب ، كما في حديث البطاقة ..
وحديث البطاقة كما أخرجه الترمذي وحسنَّه النسائي وابن حبَّان والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : ( يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة .. يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فيُنشر له تسعة وتسعين سجلاً كل سجِّلٍ منها مدَّ البصر ، ثم يقال : أتنكر من هذا شيئاً !! أظلمك كتبتي الحافظون !! فيقول : لا يا ربي ، فيُقال : أفَلك عذر أو حسنة فيها ؟! فيقول الرجل : لا يا ربي ، فيُقال : بلى .إنَّ لك عندنا حسنة ..إنَّ لك عندنا حسنة ، وإنه لا ظلم عليك اليوم ، فيُخرج له بطاقة فيها : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، فيقول : يا ربّي ما هذه البطاقة !.. ما هذه البطاقة ، وما تصنع مع هذه السجلات من الذنوب ! ، فيُقال : إنك لا تظلم اليوم . فتوضع السجلات في كفة و البطاقة في كفة ، فتطيش السجلات وتثقل البطاقة ) صححه االذهبي رحمه الله .
وإليكم هذه الروابط :
http://www.sunna.info/Lessons/islam_434.html
http://saaid.net/Minute/123.htm
http://www.heartsactions.com/ref/bs.htm

ثانيا : التربية على الحياء من الله : 
المسلم عفيف حييي والحياء خلق له, والحياء من الأيمان والأيمان عقيدة المسلم وقوام حياته فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الأيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الأيمان " رواه البخاري ومسلم, وسر كون الحياء من الأيمان أن كلا منهما داع إلى الخير صارف عن الشر مُبعد عنه, فالأيمان يبعث المؤمن على فعل الطاعات وترك المعاصي, والحياء يمنع صاحبه من التقصير في الشكر للمنعم ومن التفريط في حق ذي الحق كما يمنع الحيي من فعل القبيح أو قواه اتقاء للزم والملامة, ومن هنا كان الحياء خيراًَ, ولا يأتي إلا بخير كما صح ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله " الحياء لا يأتي إلا بخير " رواه البخاري ومسلم عن عمران بن حصين.

قال بعض الحكماء: من كساه الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه.
قال بعض البلغاء العلماء: يا عجباًَ ! كيف لا تستحي من كثرة ما لا تستحي, وتتقي من طول مالا تتقي ؟!
وقال صالح بن عبد القدوس:
إذا قل ماء الوجه قل حياؤه *** ولا خير في وجه إذا قل ماؤه
حياءك فاحفظه عليك وإنما *** يدل على فعل الكريم حياؤه
قال الجنيد رحمه الله: الحياء رؤية الآلاء ورؤية التقصير فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء, وحقيقته خلق يبعث على ترك القبائح وبمنع من التفريط في حق صاحب الحق.
ومن كلام بعض الحكماء: أحيوا الحياء بمجالسة من يستحى منه, وعمارة القلب: بالهيبة والحياء فإذا ذهبا من القلب لم يبق فيه خير.
قال الفضيل بن عياض: خمس علامات من الشقوة: القسوة في القلب, وجمود العين, وقلة الحياء, والرغبة في الدنيا, وطول الأمل.
وقال يحيى بن معاذ: من استحيا من الله مطيعا استحيا الله منه وهو مذنب.
وكان يحي بن معاذ يقول: سبحان من يذنب عبده ويستحي هو.

ومن الآثار الإلهية:-
* يقول الله عز وجل: [ ابن آدم.. إنك ما استحييت مني أنسيت الناس عيوبك.. وأنسيت بقاع الأرض ذنوبك.. ومحوت من أم الكتاب زلاتك.. وإلا ناقشتك الحساب يوم القيامة ]
* ويقول الله عز وجل: [ ما أنصفني عبدي.. يدعوني فأستحي أن أرده ويعصيني ولا يستحي مني ]

وإليكم هذه الروابط عن الموضوع :
http://saaid.net/rasael/201.htm
http://www.islamway.com/?iw_s=Lesson&iw_a=view&lesson_id=21566
http://www.muslema.com/muslema/article.php?sid=291

ثالثا : التربية على الخشية من الله والبكاء من تلك الخشية :- 
فالبكاء سنة عظيمة وعادة لصالحي المؤمنين قديمة، ورثها أصحاب الرسل عنهم، كما ورثها أصحاب نبينا عن رسولنا الكريم عليه أفضل الصلوات والتسليم.. وقد خطبهم يوما فقال: (( عُرضت عليَّ الجنة والنار فلم أر كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً)) قال "أنس": فما أتى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أشد منه! قال: غطوا رؤوسهم ولهم خَنِينٌ)) [ رواه البخاري ومسلم ].

فهذا الصديق الأكبر لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم الوجع وأذن للصلاة قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس". فقالت عائشة: يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف – رقيق القلب – لا يملك دمعه إذا قام يصلي لم يسمع الناس من شدة بكائه. فقال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس". فأعادت. فقال: "إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس".
وكان أبو بكر يقول: ابكوا وإن لم تبكوا فتباكوا، تكلفوا ذلك فإن في ذلك النجاة لكم.
وهذا الذي قاله أبو بكر هو وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأمته كما روى ذلك ابن ماجه عن سعد بن أبي وقاص بسند جيد: "اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا".
وليس معنى ذلك أن يظهر الإنسان البكاء رئاء الناس ليحسبوه خاشعًا وليس هو كذلك، وإنما المراد حث النفس وتعويدها على البكاء حتى يصير عادة وسجية لها، وكما جاء في الحديث: "إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم". فكذلك إنما البكاء بالتباكي والتباكي يستجر البكاء، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله"[رواه الترمذي بسند حسن عن ابن عباس]. وقال: "لا يلج النار أحد بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع"[رواه الترمذي وأحمد بسند صحيح عن أبي هريرة].

وكما كان هذا حال أبي بكر كذلك كان حال عمر بن الخطاب الخليفة الراشد، فقد ورد عنه أنه كان يكثر من قراءة سورة يوسف في العشاء والفجر، وكان إذا قرأها يبكي حتى يسيل دمعه على ترقوته، وقرأها يومًا حتى بلغ قوله تعالى على لسان يعقوب: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ}[يوسف:86]. فبكى حتى سمع الناس نشيجه ونحيبه من خلف الصفوف.
وسمع يومًا آية فمرض أيامًا يعوده الناس لا يعرفون سبب مرضه.

وكان في وجه ابن عباس خطان أسودان من كثرة البكاء.
وخطب أبو موسى الأشعري رضي الله عنه الناس مرة بالبصرة : فذكر في خطبته النار، فبكى حتى سقطت دموعه على المنبر! وبكى الناس يومئذ بكاءً شديداً.
وإليكم هذه الروابط :
http://www.emanway.com/showmsg.php?cid=2&id=941
http://www.islamway.com/?iw_s=Lesson&iw_a=view&lesson_id=4075
http://www.alriyadh.com/2006/06/10/article161777.html
http://www.altawhed.com/Detail.asp?InNewsItemID=170964

رابعا التربية غلى محاسبة النفس :- 
فمحاسبة النفس أمر ضروري يعود بالنفع على صاحبه في الدنيا والآخرة، وهكذا كان هدي السلف الأبرار، والسابقين الأخيار، فهذا الحسن البصري يقول : "إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همته".

وقال ميمون بن مهران : "لا يكون العبد تقياً حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه"، ولهذا قيل : النفس كالشريك الخوان، إن لم تحاسبه ذهب بمالك .
وقال ميمون أيضا : "إن التقي أشد محاسبة لنفسه من سلطان عاص، ومن شريك شحيح" .

وذكر الإمام أحمد عن وهب قال : مكتوب في حكمة آل داود : "حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلي فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل، فإن في هذه الساعة عونا على تلك الساعات، وإجماما للقلوب".

وقال الحسن : المؤمن قوام على نفسه، يحاسب نفسه لله، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة. إن المؤمن يفاجئه الشيء ويعجبه، فيقول : والله إني لأشتهيك، وإنك لمن حاجتي، ولكن والله ما من صلة إليك، هيهات هيهات، حيل بيني وبينك. ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه، فيقول : ما أردت إلى هذا ؟ ما لي ولهذا ؟ والله لا أعود إلى هذا أبدا، إن المؤمنين قوم أوقفهم القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئا حتى يلقى الله، يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وفي بصره، وفي لسانه، وفي جوارحه، مأخوذ عليه في ذلك كله .

وقال مالك بن دينار : رحم الله عبدا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا ؟ ألست صاحبة كذا ؟ ثم ذمها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله عز وجل، فكان لها قائدا.

وهكذا يجب أن نتعلم محاسبة النقس ونتربى على ذلك ، وإذا كنا لا نتعلم ذلك في رمضان فمتى نعلم ؟ .
والكلام في محاسبة النفس أمر طويل ولهذا أذكر لك بعض الروابط التي تفيدك في ذلك :
http://www.emanway.com/showmsg.php?cid=2&id
http://www.kalemat.org/sections.php?so=va&aid=243=945
http://saaid.net/rasael/145.htm 

التربية وتغيير الذات في رمضان (1)

التربية وتغيير الذات في رمضان (1)

أقبل علينا شهر رمضان بما فيه من الخير والبركات والرحمات فهو فرصة لمن أراد النجاخ في الدنيا والأخرة وغنيمة لمن أراد جمع الحسنات ليوم تكون فيه الحسرات على ضياع الأوقات ، فياسعادة من أحسن استغلال هذا الشهر ويا تعاسة من أساء استغلاله أو لم يخرج منه فائزا منتصرا ظافرا بمغفرة الله .

أحبتي في الله. إن من الواجب علينا في هذا الشهر هو أن لا يكون كأي شهر من الشهور بل يجب أن يكون شهرا خاصا نتخذه قنطرة للنجاح في سواه من الشهور ولهذا علينا أن نتربى في هذا الشهر وتبري أولادنا وأهلينا ونربي المجتمع من حولنا ، فرمضان فرصة كبيرة لإصلاح الذات وتغيير النفس والتخلص من الكثير من العادات السيئة والمعاصي المكررة والتي كثرت بين الكثير من أبناء هذه الأمة .

أحبتي في الله ... لا يستطيع الأنسان أن يذكر جميع فضائل هذا الشهر أو أن يحصرها ، ولأن هذا الأمر تحدث فيه الكثيرون فإني أريد أن أتعرض لأمر آخر وهو التربية وبناء النفس في رمضان وألخص ذلك في عدة نقاط :

أولا : التربية على الإخلاص في العمل :- 
أحبتي ..قد يقول قائل ماهو الإخلاص الذي يأتي في الكتاب والسنة وفي استعمال السلف الصالح رحمهم الله ..
فأقول : لقد تنوَّعت تعاريف العلماء للإخلاص ، ولكنها تصبُّ في معين واحد
ألا وهو أن يكون قصد الإنسان في سكناته وحركاته وعباداته الظاهرة والباطنة خالصة لوجه الله تعالى لا يريد بها شيئاً من حطام الدنيا أو ثناء الناس .
قال الفضل بن زياد : سألت أبا عبد الله ـ يعني الإمام أحمد بن حنبل ـ سألته عن النية في العمل ، قلت : كيف النية ، قال : يعالج نفسه إذا أراد عملاً لا يريد به الناس ..أن يعالج نفسه فإذا أراد عملاً لا يريد به إلا وجه الله تبارك تعالى ..
قال أحد العلماء : نظر الأكياس في تفسير الإخلاص فلم يجدوا غير هذا : أن تكون حركته وسكونه في سره وعلانيته لله تعالى لا يمازجه نفسٌ ولا هوىً ولا دنيا .
عباد الله ..
إنَّ شأن الإخلاص.. إنَّ شأن الإخلاص مع العبادات بل مع جميع الأعمال ، حتى المباحة لعجيب جداً ..
فبالإخلاص يعطي الله على القليل الكثير ، وبالرياء وترك الإخلاص لا يعطي الله على الكثير شيئاً ، ورُبَّ درهم سبق مئة ألف درهم ..
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : والنوع الواحد من العمل ... والنوع الواحد من العمل قد يفعله الإنسان على وجه يكمن فيه إخلاصه وعبوديته لله فيغفر الله به كبائر الذنوب ، كما في حديث البطاقة ..
وحديث البطاقة كما أخرجه الترمذي وحسنَّه النسائي وابن حبَّان والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : ( يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة .. يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فيُنشر له تسعة وتسعين سجلاً كل سجِّلٍ منها مدَّ البصر ، ثم يقال : أتنكر من هذا شيئاً !! أظلمك كتبتي الحافظون !! فيقول : لا يا ربي ، فيُقال : أفَلك عذر أو حسنة فيها ؟! فيقول الرجل : لا يا ربي ، فيُقال : بلى .إنَّ لك عندنا حسنة ..إنَّ لك عندنا حسنة ، وإنه لا ظلم عليك اليوم ، فيُخرج له بطاقة فيها : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، فيقول : يا ربّي ما هذه البطاقة !.. ما هذه البطاقة ، وما تصنع مع هذه السجلات من الذنوب ! ، فيُقال : إنك لا تظلم اليوم . فتوضع السجلات في كفة و البطاقة في كفة ، فتطيش السجلات وتثقل البطاقة ) صححه االذهبي رحمه الله .
وإليكم هذه الروابط :
http://www.sunna.info/Lessons/islam_434.html
http://saaid.net/Minute/123.htm
http://www.heartsactions.com/ref/bs.htm

ثانيا : التربية على الحياء من الله : 
المسلم عفيف حييي والحياء خلق له, والحياء من الأيمان والأيمان عقيدة المسلم وقوام حياته فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الأيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الأيمان " رواه البخاري ومسلم, وسر كون الحياء من الأيمان أن كلا منهما داع إلى الخير صارف عن الشر مُبعد عنه, فالأيمان يبعث المؤمن على فعل الطاعات وترك المعاصي, والحياء يمنع صاحبه من التقصير في الشكر للمنعم ومن التفريط في حق ذي الحق كما يمنع الحيي من فعل القبيح أو قواه اتقاء للزم والملامة, ومن هنا كان الحياء خيراًَ, ولا يأتي إلا بخير كما صح ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله " الحياء لا يأتي إلا بخير " رواه البخاري ومسلم عن عمران بن حصين.

قال بعض الحكماء: من كساه الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه.
قال بعض البلغاء العلماء: يا عجباًَ ! كيف لا تستحي من كثرة ما لا تستحي, وتتقي من طول مالا تتقي ؟!
وقال صالح بن عبد القدوس:
إذا قل ماء الوجه قل حياؤه *** ولا خير في وجه إذا قل ماؤه
حياءك فاحفظه عليك وإنما *** يدل على فعل الكريم حياؤه
قال الجنيد رحمه الله: الحياء رؤية الآلاء ورؤية التقصير فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء, وحقيقته خلق يبعث على ترك القبائح وبمنع من التفريط في حق صاحب الحق.
ومن كلام بعض الحكماء: أحيوا الحياء بمجالسة من يستحى منه, وعمارة القلب: بالهيبة والحياء فإذا ذهبا من القلب لم يبق فيه خير.
قال الفضيل بن عياض: خمس علامات من الشقوة: القسوة في القلب, وجمود العين, وقلة الحياء, والرغبة في الدنيا, وطول الأمل.
وقال يحيى بن معاذ: من استحيا من الله مطيعا استحيا الله منه وهو مذنب.
وكان يحي بن معاذ يقول: سبحان من يذنب عبده ويستحي هو.

ومن الآثار الإلهية:-
* يقول الله عز وجل: [ ابن آدم.. إنك ما استحييت مني أنسيت الناس عيوبك.. وأنسيت بقاع الأرض ذنوبك.. ومحوت من أم الكتاب زلاتك.. وإلا ناقشتك الحساب يوم القيامة ]
* ويقول الله عز وجل: [ ما أنصفني عبدي.. يدعوني فأستحي أن أرده ويعصيني ولا يستحي مني ]

وإليكم هذه الروابط عن الموضوع :
http://saaid.net/rasael/201.htm
http://www.islamway.com/?iw_s=Lesson&iw_a=view&lesson_id=21566
http://www.muslema.com/muslema/article.php?sid=291

ثالثا : التربية على الخشية من الله والبكاء من تلك الخشية :- 
فالبكاء سنة عظيمة وعادة لصالحي المؤمنين قديمة، ورثها أصحاب الرسل عنهم، كما ورثها أصحاب نبينا عن رسولنا الكريم عليه أفضل الصلوات والتسليم.. وقد خطبهم يوما فقال: (( عُرضت عليَّ الجنة والنار فلم أر كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً)) قال "أنس": فما أتى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أشد منه! قال: غطوا رؤوسهم ولهم خَنِينٌ)) [ رواه البخاري ومسلم ].

فهذا الصديق الأكبر لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم الوجع وأذن للصلاة قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس". فقالت عائشة: يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف – رقيق القلب – لا يملك دمعه إذا قام يصلي لم يسمع الناس من شدة بكائه. فقال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس". فأعادت. فقال: "إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس".
وكان أبو بكر يقول: ابكوا وإن لم تبكوا فتباكوا، تكلفوا ذلك فإن في ذلك النجاة لكم.
وهذا الذي قاله أبو بكر هو وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأمته كما روى ذلك ابن ماجه عن سعد بن أبي وقاص بسند جيد: "اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا".
وليس معنى ذلك أن يظهر الإنسان البكاء رئاء الناس ليحسبوه خاشعًا وليس هو كذلك، وإنما المراد حث النفس وتعويدها على البكاء حتى يصير عادة وسجية لها، وكما جاء في الحديث: "إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم". فكذلك إنما البكاء بالتباكي والتباكي يستجر البكاء، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله"[رواه الترمذي بسند حسن عن ابن عباس]. وقال: "لا يلج النار أحد بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع"[رواه الترمذي وأحمد بسند صحيح عن أبي هريرة].

وكما كان هذا حال أبي بكر كذلك كان حال عمر بن الخطاب الخليفة الراشد، فقد ورد عنه أنه كان يكثر من قراءة سورة يوسف في العشاء والفجر، وكان إذا قرأها يبكي حتى يسيل دمعه على ترقوته، وقرأها يومًا حتى بلغ قوله تعالى على لسان يعقوب: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ}[يوسف:86]. فبكى حتى سمع الناس نشيجه ونحيبه من خلف الصفوف.
وسمع يومًا آية فمرض أيامًا يعوده الناس لا يعرفون سبب مرضه.

وكان في وجه ابن عباس خطان أسودان من كثرة البكاء.
وخطب أبو موسى الأشعري رضي الله عنه الناس مرة بالبصرة : فذكر في خطبته النار، فبكى حتى سقطت دموعه على المنبر! وبكى الناس يومئذ بكاءً شديداً.
وإليكم هذه الروابط :
http://www.emanway.com/showmsg.php?cid=2&id=941
http://www.islamway.com/?iw_s=Lesson&iw_a=view&lesson_id=4075
http://www.alriyadh.com/2006/06/10/article161777.html
http://www.altawhed.com/Detail.asp?InNewsItemID=170964

رابعا التربية غلى محاسبة النفس :- 
فمحاسبة النفس أمر ضروري يعود بالنفع على صاحبه في الدنيا والآخرة، وهكذا كان هدي السلف الأبرار، والسابقين الأخيار، فهذا الحسن البصري يقول : "إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همته".

وقال ميمون بن مهران : "لا يكون العبد تقياً حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه"، ولهذا قيل : النفس كالشريك الخوان، إن لم تحاسبه ذهب بمالك .
وقال ميمون أيضا : "إن التقي أشد محاسبة لنفسه من سلطان عاص، ومن شريك شحيح" .

وذكر الإمام أحمد عن وهب قال : مكتوب في حكمة آل داود : "حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلي فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل، فإن في هذه الساعة عونا على تلك الساعات، وإجماما للقلوب".

وقال الحسن : المؤمن قوام على نفسه، يحاسب نفسه لله، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة. إن المؤمن يفاجئه الشيء ويعجبه، فيقول : والله إني لأشتهيك، وإنك لمن حاجتي، ولكن والله ما من صلة إليك، هيهات هيهات، حيل بيني وبينك. ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه، فيقول : ما أردت إلى هذا ؟ ما لي ولهذا ؟ والله لا أعود إلى هذا أبدا، إن المؤمنين قوم أوقفهم القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئا حتى يلقى الله، يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وفي بصره، وفي لسانه، وفي جوارحه، مأخوذ عليه في ذلك كله .

وقال مالك بن دينار : رحم الله عبدا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا ؟ ألست صاحبة كذا ؟ ثم ذمها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله عز وجل، فكان لها قائدا.

وهكذا يجب أن نتعلم محاسبة النقس ونتربى على ذلك ، وإذا كنا لا نتعلم ذلك في رمضان فمتى نعلم ؟ .
والكلام في محاسبة النفس أمر طويل ولهذا أذكر لك بعض الروابط التي تفيدك في ذلك :
http://www.emanway.com/showmsg.php?cid=2&id
http://www.kalemat.org/sections.php?so=va&aid=243=945
http://saaid.net/rasael/145.htm 

أكسير رمضان وقصة مكالمة هاتفية

في أواخر شهر رمضان من كل عام, يظهر التباكي, وتبدو الحسرة, وتشاهد اللوعة على وجوه أهل الصيام, كُل ذلك حزناً على فراق شهر رمضان, هذا الشهر الذي خصه الله _تعالى_ بخصائص, وفضائل تميز بها عن سائر الشهور, وحُق لهؤلاء أن يبدوا عليهم ذلك, بل –والله- لو تفطرت أكبادهم حزناً على فراقه لما كانت –وربي- ملومة.

بيد أن هذا الشعور غالباً ما يختفي بعد أيام قليلة من شوال, بل ربما اختفى عند البعض يوم العيد –والله المستعان- لأسباب كثيرة ليس هذا موضع ذكرها !
إلا أن ثمة (إكسيراً) ودواءً استعمله البعض, فوجدوه يبقي موضوعاً مفعول هذا الشهر أشهراً طويلة تمتد إلى رمضان الذي يليه, إنه سر رمضان .. وجوهره .. وإكسيره .. إنه العيش مع القرآن الكريم: تلاوةً, وتدبراً .. العيش معه عيشة تملاً القلب, والسمع, والبصر: "إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ"(2) (قّ:37)

أذكر هذا في بدايات هذا الشهر الكريم, عسى أن يكون رمضان –الذي هو شهر القرآن- انطلاقة حقيقية لصلة وثيقة, وقوية مع هذا الكتاب العظيم, كما أذكره ليكون سلوة لمن حزن ويحزن على فراق رمضان, ومن هنا تبدأ مكالمتين هاتفيتين:

أما الأولى: وقعت في رمضان الماضي (1425 هـ), حيث اتصل بي شاب –وهو من طلابي, ويحفظ القرآن الكريم- وطلب مني لقاءً ليعرض مشكلة له في بيته مع زوجته, وثمرة هذه المشكلة أنه يريد أن يطلق زوجته !
وبعد أن سألته بعض الأسئلة التي تكشف وجه المشكلة, أدر كنت أن الخلل موجود في (قلبه) وليست في زوجته, فقلت له: كيف هي علاقتك مع القرآن ؟! فقال: لا بأس, وعندي بعض التقصير !
ظن الأخ أني أسأله عن مراجعته للحفظ, فقلت له: لست عن هذا أسألك, وإنما أسألك عن تدبرك للقرآن, وعيشك مع آياته ! فصمت قليلاً –وكأنني أطرح عليه مستحيلاً - !
فقال: لكن التدبر –ياشيخي- صعب, وليس بالسهل, ولا يدركه إلا العلماء ! فقلت له: يا أخي الذي لا يدركه إلا العلماء هو دقائق التفسير, أما التدبر فلا !

دهش صاحبي !! لكنني لم أدع دهشته تطول, بل قطعتها عليه بمثال بسيط يدركه أي عامي يعرف اللغة العربية البسيطة, فقلت له: تأمل معي آخر سورة النبأ (عمَّ): "إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً" (النبأ:40).
فقلت له: توقف قليلاً لمدة دقيقة واحدة فقط, واسأل نفسك: من هو المنذر هنا ؟ فقال: الله ! أتدري ما معنى أن يكون المنذر هو الله ؟ إن معناه أن الذي ينذرك هو الذي بيده الحياة والموت, وعنده الجنة والنار, وإذا أراد شيئاً قال له: كن, فيكون, فهل تعلم له سمياً ومثيلاً ؟!
ثم قلت له: انقل نفسك إلى مشهد القيامة, وعش هذا الموقف, وأنت تتخيل صحائف أعمالك قد نشرت, صحائف السيئات وصحائف الحسنات ! مالذي تتمناه تلك اللحظة ؟ قال: أن تستر السيئات, وألا يفضحني ربي على رؤوس الأشهاد !
فقلت له: فلماذا يتمنى الكافر أن يصير تراباً ؟ فأجبته: لأنه يرى الحيوانات تصير تراباً –بعد أن يقتص من بعضها لبعض- فهو يتمنى أنه كان كلباً, أو خنزيراً, فهو أهون عليه من هذا العذاب الذي ينتظره, وما أعظمه وأقساه ! ولو لم يكن إلا أنه عذاب دائم أبدي: "لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ" (الزخرف:75), قلت له: هذا التدبر الذي أريده منك في هذه المرحلة, هل هذا يحتاج إلى عالم ؟ قال: لا !

عدت إلى المشكلة ثانية، فقلت له: من حقي عليك, أن تتريث في قرار طلاقك أسبوعين على الأقل, خاصة وقد رزقك الله من زوجتك لؤلؤتين كريمتين, ودرتين مصونتين, وأنت تعيش شهر القرآن, فداو قلبك بتدبر ما تقرأ, ثم تعال ودعنا نتناقش في قرار الطلاق !
لم يمض إلا أقل من أسبوع –إي والله- حتى اتصل بي, وقال لي: لقد ألغيت قرار الطلاق ! قلت له: ما السبب ؟ قال: عرفت أن الداء في قلبي, فوجدت الدواء, وعرفت (الإكسير) !
ثم لما انصرم شهر رمضان, قال لي: ما مر علي مذ عقلت أحلى ولا أفضل من رمضان هذه السنة, والسبب هو العيش مع القرآن, ومحاولة تدبره قدر الطاقة, بدلاً من قراءة الهذرمة التي تربينا عليها !

وشاهد القصة .. أن هذا الأخ بشرني فيما بعد أن الأمر لم يتغير عليه كثيراً –بعد رمضان- والسبب هو العيش مع القرآن, حتى قال لي: إن قراءة الجزء الواحد قد تصل معي إلى ثلاث ساعات أحياناً بدل ثلث ساعة, وذلك أنني أخذت على نفسي ألا أترك آية إلا وأحاول أن أفهم ما فيها من خطاب وتوجيه, فأسأل الله لي وله الثبات.

أما قصة المكالمة الثانية: فهي لأخت اتصلت بأحد إخواني من طلبة العلم –وهو الذي حدثني بهذه القصة- قبل رمضان الماضي (1425 هـ) تشكو من أنها تتوب ثم تعود إلى المعصية, ثم تتوب وتعود, معللةً السبب بأن البيئة التي تعيش فيها بيئة مليئة بالمعاصي .. فكان السؤال المعتاد –الذي اتفقنا على طرحه على كل من يعاني من مشكلة قلبية-: كيف علاقتك بالقرآن ؟ فأبدت أنها مقصرة في القراءة, فضلاً عن التدبر والتأمل, وعلاج القلب بهذا القرآن !
وهنا مكمن المشكلة عند أكثر المسلمين الذي –وللأسف- لا يعرفون الاستشفاء بالقرآن إلا في جانب الرقية الشرعية, عند السحر والعين والصرع, مع أن علاج القلب من أمراضه المعنية كالقسوة والحسد والغل والشك والشرك, وهذه الأمراض والأعراض أعظم عند الله _تعالى_ من الأمراض النفسية بكثير.

فقال لها صاحبي: هل تتصورين أن أطلب منك بأن تعتزلي في غرفتك ؟ أو أطلب منك أن تخرجي من بيتك لوحدك في شقة لوحدك ؟ هذا غير ممكن .. أين أنت من امرأة فرعون ؟ التي ضربها الله مثلاً لأبي بكر, وعمر, وعثمان, وعلي, ولي ولك, ولكل مؤمن إلى يوم القيامة, تلك المرأة التي كانت تعيش في بيئة كفرية إلحادية, ومع ذلك هاجرت بقلبها إلى ربها لما لم تقدر على مفارقة جو المعصية ببدنها !

وبعد أيضاح لأثر هذه القصة تربوياً وإيماناً, أوصاها صاحبي بأن تتدبر القرآن, وشرح لها كيفية ذلك بما يناسب مستواها, وأوصاها بأن تركز على جزئي (تبارك وعمَّ).

اتصلت الأخت بعد ثلاثة أشهر تقريباً على صاحبي, وقالت له: أنا التي اتصلت بك قبل أشهر وشكوت لك كذا وكذا, وأنا الآن – يا شيخ- والله لا أجد الذي كنت أعانيه من العودة بعد التوبة, بل والله أصبحت –بعد عيشي مع القرآن ومحاولة تدبري له- لا أجد للمعصية طعماً ولا لذة, ولو وقعت فيها !

الله أكبر, صدق ربي إذ يقول: "قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ" (يونس:58), ألا ما أعظم توفيق الله للعبد حينما يأخذ دواء القرآن ليضعه على داء القلب !
ألم يقل الله: "وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ"(الاسراء: من الآية82) ؟

هل نتصور –أخي الكريم- أن أحداً يعيش مع القرآن, ويتأمله, ويتدبره, ويلتمس الشفاء به, ليصلح قلبه به, ويصلح أحوال بيته وأسرته به, كما فعل رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ هل نتصور أن مثل هذا يشقى ؟"مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى" (طـه:2), بل أنزله سعادة, وهداية, ورحمة, ونوراً، ودليلاً إلى الجنة.

وبعد: فلم أذكر في هذا المقام أمثلة من أحوال السلف الصالح –وهي كثيرة جداً- حتى لا يحتج محتج بأنهم لم يدركوا ما في زمننا من الفتن, والصواف عن القرآن, بل ذكرت قصتين فقط –ووقفت على أضعافها- لأناس أحياء, وشباب –أيضاً- لعل الله _تعالى_ أن يرزقنا الاعتبار والادكار, والحمد لله رب العالمين.
-------------------------
1. هي بمعنى كلمة: دواء.
2. لابن القيم _رحمه الله_ كلام نفيس في أول كتابه الفوائد: 3/ لتوضيح معنى هذه الآية, أرى أهمية ذكره:
فقوله: "إن في ذلك لذكرى" إشارة إلى ما تقدم من أول السورة إلى ههنا, وهذا هو المؤثر.
وقوله: "لمن كان له قلب" فهذا هو المحل القابل, والمراد به: القلب الحي الذي يعقل عن الله, كما قال _تعالى_: "إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً" أي: حي القلب.
وقوله: "أو ألقى السمع" أي: وجه سمعه وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له, وهذا شرط التآثر بالكلام.
وقوله: "وهو شهيد" أي: شاهد القلب, حاضر غير غائب.
قال ابن قتيبة: استمع كتاب الله, وهو شاهد القلب والفهم, ليس بغافل ولا ساه, وهو إشارة إلى المانع من حصول التأثير, وهو سهو القلب, وغيبته عن تعقل ما يقال له, والنظر فيه وتأمله.
فإذا حصل المؤثر وهو القرآن, والمحل القابل وهو القلب, ووجد الشرط وهو الإصغاء, وانتفى المانع وهو اشتغال القلب, وذهوله عن معنى الخطاب, وانصرافه عنه إلى شيء آخر, حصل الأثر وهو الانتفاع والتذكر

أكسير رمضان وقصة مكالمة هاتفية

أكسير رمضان وقصة مكالمة هاتفية

في أواخر شهر رمضان من كل عام, يظهر التباكي, وتبدو الحسرة, وتشاهد اللوعة على وجوه أهل الصيام, كُل ذلك حزناً على فراق شهر رمضان, هذا الشهر الذي خصه الله _تعالى_ بخصائص, وفضائل تميز بها عن سائر الشهور, وحُق لهؤلاء أن يبدوا عليهم ذلك, بل –والله- لو تفطرت أكبادهم حزناً على فراقه لما كانت –وربي- ملومة.

بيد أن هذا الشعور غالباً ما يختفي بعد أيام قليلة من شوال, بل ربما اختفى عند البعض يوم العيد –والله المستعان- لأسباب كثيرة ليس هذا موضع ذكرها !
إلا أن ثمة (إكسيراً) ودواءً استعمله البعض, فوجدوه يبقي موضوعاً مفعول هذا الشهر أشهراً طويلة تمتد إلى رمضان الذي يليه, إنه سر رمضان .. وجوهره .. وإكسيره .. إنه العيش مع القرآن الكريم: تلاوةً, وتدبراً .. العيش معه عيشة تملاً القلب, والسمع, والبصر: "إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ"(2) (قّ:37)

أذكر هذا في بدايات هذا الشهر الكريم, عسى أن يكون رمضان –الذي هو شهر القرآن- انطلاقة حقيقية لصلة وثيقة, وقوية مع هذا الكتاب العظيم, كما أذكره ليكون سلوة لمن حزن ويحزن على فراق رمضان, ومن هنا تبدأ مكالمتين هاتفيتين:

أما الأولى: وقعت في رمضان الماضي (1425 هـ), حيث اتصل بي شاب –وهو من طلابي, ويحفظ القرآن الكريم- وطلب مني لقاءً ليعرض مشكلة له في بيته مع زوجته, وثمرة هذه المشكلة أنه يريد أن يطلق زوجته !
وبعد أن سألته بعض الأسئلة التي تكشف وجه المشكلة, أدر كنت أن الخلل موجود في (قلبه) وليست في زوجته, فقلت له: كيف هي علاقتك مع القرآن ؟! فقال: لا بأس, وعندي بعض التقصير !
ظن الأخ أني أسأله عن مراجعته للحفظ, فقلت له: لست عن هذا أسألك, وإنما أسألك عن تدبرك للقرآن, وعيشك مع آياته ! فصمت قليلاً –وكأنني أطرح عليه مستحيلاً - !
فقال: لكن التدبر –ياشيخي- صعب, وليس بالسهل, ولا يدركه إلا العلماء ! فقلت له: يا أخي الذي لا يدركه إلا العلماء هو دقائق التفسير, أما التدبر فلا !

دهش صاحبي !! لكنني لم أدع دهشته تطول, بل قطعتها عليه بمثال بسيط يدركه أي عامي يعرف اللغة العربية البسيطة, فقلت له: تأمل معي آخر سورة النبأ (عمَّ): "إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً" (النبأ:40).
فقلت له: توقف قليلاً لمدة دقيقة واحدة فقط, واسأل نفسك: من هو المنذر هنا ؟ فقال: الله ! أتدري ما معنى أن يكون المنذر هو الله ؟ إن معناه أن الذي ينذرك هو الذي بيده الحياة والموت, وعنده الجنة والنار, وإذا أراد شيئاً قال له: كن, فيكون, فهل تعلم له سمياً ومثيلاً ؟!
ثم قلت له: انقل نفسك إلى مشهد القيامة, وعش هذا الموقف, وأنت تتخيل صحائف أعمالك قد نشرت, صحائف السيئات وصحائف الحسنات ! مالذي تتمناه تلك اللحظة ؟ قال: أن تستر السيئات, وألا يفضحني ربي على رؤوس الأشهاد !
فقلت له: فلماذا يتمنى الكافر أن يصير تراباً ؟ فأجبته: لأنه يرى الحيوانات تصير تراباً –بعد أن يقتص من بعضها لبعض- فهو يتمنى أنه كان كلباً, أو خنزيراً, فهو أهون عليه من هذا العذاب الذي ينتظره, وما أعظمه وأقساه ! ولو لم يكن إلا أنه عذاب دائم أبدي: "لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ" (الزخرف:75), قلت له: هذا التدبر الذي أريده منك في هذه المرحلة, هل هذا يحتاج إلى عالم ؟ قال: لا !

عدت إلى المشكلة ثانية، فقلت له: من حقي عليك, أن تتريث في قرار طلاقك أسبوعين على الأقل, خاصة وقد رزقك الله من زوجتك لؤلؤتين كريمتين, ودرتين مصونتين, وأنت تعيش شهر القرآن, فداو قلبك بتدبر ما تقرأ, ثم تعال ودعنا نتناقش في قرار الطلاق !
لم يمض إلا أقل من أسبوع –إي والله- حتى اتصل بي, وقال لي: لقد ألغيت قرار الطلاق ! قلت له: ما السبب ؟ قال: عرفت أن الداء في قلبي, فوجدت الدواء, وعرفت (الإكسير) !
ثم لما انصرم شهر رمضان, قال لي: ما مر علي مذ عقلت أحلى ولا أفضل من رمضان هذه السنة, والسبب هو العيش مع القرآن, ومحاولة تدبره قدر الطاقة, بدلاً من قراءة الهذرمة التي تربينا عليها !

وشاهد القصة .. أن هذا الأخ بشرني فيما بعد أن الأمر لم يتغير عليه كثيراً –بعد رمضان- والسبب هو العيش مع القرآن, حتى قال لي: إن قراءة الجزء الواحد قد تصل معي إلى ثلاث ساعات أحياناً بدل ثلث ساعة, وذلك أنني أخذت على نفسي ألا أترك آية إلا وأحاول أن أفهم ما فيها من خطاب وتوجيه, فأسأل الله لي وله الثبات.

أما قصة المكالمة الثانية: فهي لأخت اتصلت بأحد إخواني من طلبة العلم –وهو الذي حدثني بهذه القصة- قبل رمضان الماضي (1425 هـ) تشكو من أنها تتوب ثم تعود إلى المعصية, ثم تتوب وتعود, معللةً السبب بأن البيئة التي تعيش فيها بيئة مليئة بالمعاصي .. فكان السؤال المعتاد –الذي اتفقنا على طرحه على كل من يعاني من مشكلة قلبية-: كيف علاقتك بالقرآن ؟ فأبدت أنها مقصرة في القراءة, فضلاً عن التدبر والتأمل, وعلاج القلب بهذا القرآن !
وهنا مكمن المشكلة عند أكثر المسلمين الذي –وللأسف- لا يعرفون الاستشفاء بالقرآن إلا في جانب الرقية الشرعية, عند السحر والعين والصرع, مع أن علاج القلب من أمراضه المعنية كالقسوة والحسد والغل والشك والشرك, وهذه الأمراض والأعراض أعظم عند الله _تعالى_ من الأمراض النفسية بكثير.

فقال لها صاحبي: هل تتصورين أن أطلب منك بأن تعتزلي في غرفتك ؟ أو أطلب منك أن تخرجي من بيتك لوحدك في شقة لوحدك ؟ هذا غير ممكن .. أين أنت من امرأة فرعون ؟ التي ضربها الله مثلاً لأبي بكر, وعمر, وعثمان, وعلي, ولي ولك, ولكل مؤمن إلى يوم القيامة, تلك المرأة التي كانت تعيش في بيئة كفرية إلحادية, ومع ذلك هاجرت بقلبها إلى ربها لما لم تقدر على مفارقة جو المعصية ببدنها !

وبعد أيضاح لأثر هذه القصة تربوياً وإيماناً, أوصاها صاحبي بأن تتدبر القرآن, وشرح لها كيفية ذلك بما يناسب مستواها, وأوصاها بأن تركز على جزئي (تبارك وعمَّ).

اتصلت الأخت بعد ثلاثة أشهر تقريباً على صاحبي, وقالت له: أنا التي اتصلت بك قبل أشهر وشكوت لك كذا وكذا, وأنا الآن – يا شيخ- والله لا أجد الذي كنت أعانيه من العودة بعد التوبة, بل والله أصبحت –بعد عيشي مع القرآن ومحاولة تدبري له- لا أجد للمعصية طعماً ولا لذة, ولو وقعت فيها !

الله أكبر, صدق ربي إذ يقول: "قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ" (يونس:58), ألا ما أعظم توفيق الله للعبد حينما يأخذ دواء القرآن ليضعه على داء القلب !
ألم يقل الله: "وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ"(الاسراء: من الآية82) ؟

هل نتصور –أخي الكريم- أن أحداً يعيش مع القرآن, ويتأمله, ويتدبره, ويلتمس الشفاء به, ليصلح قلبه به, ويصلح أحوال بيته وأسرته به, كما فعل رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ هل نتصور أن مثل هذا يشقى ؟"مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى" (طـه:2), بل أنزله سعادة, وهداية, ورحمة, ونوراً، ودليلاً إلى الجنة.

وبعد: فلم أذكر في هذا المقام أمثلة من أحوال السلف الصالح –وهي كثيرة جداً- حتى لا يحتج محتج بأنهم لم يدركوا ما في زمننا من الفتن, والصواف عن القرآن, بل ذكرت قصتين فقط –ووقفت على أضعافها- لأناس أحياء, وشباب –أيضاً- لعل الله _تعالى_ أن يرزقنا الاعتبار والادكار, والحمد لله رب العالمين.
-------------------------
1. هي بمعنى كلمة: دواء.
2. لابن القيم _رحمه الله_ كلام نفيس في أول كتابه الفوائد: 3/ لتوضيح معنى هذه الآية, أرى أهمية ذكره:
فقوله: "إن في ذلك لذكرى" إشارة إلى ما تقدم من أول السورة إلى ههنا, وهذا هو المؤثر.
وقوله: "لمن كان له قلب" فهذا هو المحل القابل, والمراد به: القلب الحي الذي يعقل عن الله, كما قال _تعالى_: "إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً" أي: حي القلب.
وقوله: "أو ألقى السمع" أي: وجه سمعه وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له, وهذا شرط التآثر بالكلام.
وقوله: "وهو شهيد" أي: شاهد القلب, حاضر غير غائب.
قال ابن قتيبة: استمع كتاب الله, وهو شاهد القلب والفهم, ليس بغافل ولا ساه, وهو إشارة إلى المانع من حصول التأثير, وهو سهو القلب, وغيبته عن تعقل ما يقال له, والنظر فيه وتأمله.
فإذا حصل المؤثر وهو القرآن, والمحل القابل وهو القلب, ووجد الشرط وهو الإصغاء, وانتفى المانع وهو اشتغال القلب, وذهوله عن معنى الخطاب, وانصرافه عنه إلى شيء آخر, حصل الأثر وهو الانتفاع والتذكر


رمضان فرصة للتغيير
 الحمد لله الذي هيأ لعباده أسباب الهداية ، ويســــــــر لهم دروب الاستقامة ،وفتح لهم أبواب رحمته ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وهداية للخلق أجمعين وعلى من سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين .

أما بعد : فهاهو رمضان قد أقبل بنوره وعطره ، و جاء بخيره وطهره ، جاء ليربي في الناس قوة الإرادة ورباطة الجأش ، ويربي فيهم ملكة الصبر ، ويعودهم على احتمال الشدائد ، والجلد أمام العقبات ومصاعب الحياة .
فرمضان مدرسة تربوية (يتدرب بها المسلم المؤمن على تقوية الإرادة في الوقوف عند حدود ربه في كل شيء ، والتسليم لحكمه في كل شيء ، وتنفيذ أوامره وشريعته في كل شيء ، وترك ما يضره في دينه أو دنياه أو بدنه من كل شيء ، ليضبط جوارحه وأحاسيسه جميعاً عن كل ما لا ينبغي بتدربه الكامل في هذا الشهر المبارك ، ليحصل على تقوى الله في كل وقت وحين ، وفي أي حال ومكان ، وذلك إذا اجتهد على التحفظ في هذه المدرسة الرحمانية بمواصلة الليل مع النهار على ترك كل إثم وقبيح ، وضبط جوارحه كلها عما لا يجوز فعله . . لينجح من هذه المدرسة حقاً ، ويخرج ظافراً من جهاده لنفسه ، موفراً مواهبه الإنسانية وطاقاته المادية والمعنوية لجهاد أعدائه .) فحري بهذا الشهر أن يكون فرصة ذهبية ، للوقوف مع النفس ومحاسبتها لتصحيح ما فات ، واستدراك ما هو آت ، قبل أن تحل الزفرات ، وتبدأ الآهات ، وتشتد السكرات.

رمضان هلْ لي وقفة أستروحُ الذكرى وأرشـــــــف كلها المـعـسولا
رمضان ! هل لي وقفة أسترجع الماضي وأرتع في حمـاه جــذولا

فأذن - لي قارئي الكريم - أن أستقطع من وقتك الثمين جزءاً يسيراً لنتذاكر جميعاً ونتساءل: هل يمكننا أن نغير من أحوالنا ، ونحسن من أوضاعنا ، فنفكر في مآلنا ومصيرنا بعد فراق حياتنا ، فنمهد لأنفسنا قبل عثرة القدم ، وكثرة النـــدم ، فنتزود ليوم التناد بكامل الاستعداد .
فأسأل الله تعالى أن يبدل من أحوالنا ، ويقلب من شأننا ، حتى يصبح يومنا خيراً من أمسنا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .
وكتبه : محمد بن عبدالله الهبدان
1/8/1421هـ
ص .ب 120969 الرمز : 11689
البريد الإلكتروني : ahabdan@emel.com

لماذا رمـضـــان ؟!!
لأن رمضان فرصة العمر السانحة وموسم البضاعة الرابحة والكِفة الراجحة ولماحباه الله تعالى من المميزات فهو بحق مدرسة لإعداد الرجال وهو بصدق جامعة لتخريج الأبطال .

هنا مصنع الأبطال يصنع أمةً *** وينفخ فيها قــــوة الروح والـفــــــــكر
ويخلع عنها كل قيد يعــوقها *** ويعلي منار الحق والصدق والصبر

ولما يسر الله تعالى فيه ، من أسباب الخيرات ، وفعل الطاعات ، فالنفوس فيه مقبلة ، والقلوب إليه والهة .
ولأن رمضان تصفد فيه مردة الشياطين . فلا يصلون إلى ما كانوا يصلون إليه في غير رمضان ، وفي رمضان تفتح أبواب الجنان ، وتغلق أبواب النيران ، ولله في كل ليلة من رمضان عتقاء من النار ، وفي رمضان ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر ، فما أعظمها من بشارة ، لو تأملناها بوعي وإدراك لوجدتنا مسارعين إلى الخيرات ، متنافسين في القربات ، هاجرين للموبقات ،تاركين للشهوات.
• ورمضان فرصة للتغيير . . لما حصل فيه من الأحداث التي غيرت مسار التاريخ ، وقلبت ظهر المجن ، فنقلت الأمة من مواقع الغبراء ، إلى مواكب الجوزاء ، ورفعتها من مؤخرة الركب ، لتكون في محل الصدارة والريادة ففي معركة بدر الكبرى التقى جيشان عظيمان ، جيش محمد صلى الله عليه وسلم ، وجيش الكفر بقيادة أبي جهل في السنة الثانية من الهجرة وذلك في اليوم السابع عشر من رمضان ، وانتصر فيها جيش الإيمان على جيش الطغيان ، ومن تلك المعركة بدأ نجم الإسلام في صعود ، ونجم الكفر في أفول ، وأصبحت العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ، يقـــــول الله تعالى:{ وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [آل عمران:123] .
أبطـال بدر ياجباهاً شـــــــُرعت *** للشمس تحكي وجهها المصقولا
حطـمتم الشرك المصغر خده *** فارتد مشلول الخطى مخـذولا

وفي السنة الثامنة ، وفي شهر رمضان ، كان الفتح العظيم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحزبه الأمين ، واستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدى للعالمين من أيدي الكفار والمشركين ، وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء ، وضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء ، ودخل الناس به في دين الله أفواجا ، وأشرق به وجه الأرض ضياءً وابتهاجا .
وفي سنة ستمائة وثمانيةً وخمسين ، فعل التتار بأهل الشام مقتلة عظيمة ، وتشرد من المسلمين من تشرد ، وخربت الديار ، فقام الملك المظفر قطز ، بتجهيز الجيوش ، لقتال التتار ، حتى حان اللقاء في يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان وأمر ألا يقاتلوا حتى تزول الشمس ، وتفيء الظلال ، وتهب الرياح ، ويدعوا الخطباء والناس في صلاتهم ، ثم تقابل الصفان ، واقتتل الجيشان ، وحصلت معركة عظيمة ، سالت فيها دماء ، وتقطعت أشلاء ، ثم صارت الدائرة على القوم الكافرين ، وقطع دابر القوم الذين ظلموا ، والحمد لله رب العالمين .
كل هذه الأسباب جعلتنا نوقن بأن رمضان فرصة سانحة وغنيمة جاهزة ، لمن أراد التغيير في حياته . فالأسباب مهيأة ، والأبواب مشرعة وما بقي إلا العزيمة الصادقة ، والصحبة الصالحة ، والاستعانة بالله في أن يوفقك للخير والهداية .

رمضانُ أقبل قم بنا يا صاح *** هذا أوان تبتل وصـــلاح
واغنم ثواب صيامه وقيامه *** تسعد بخير دائم وفلاح
رمضان فرصة الجميع للتغيير
•  فرمضان فرصة للتغيير .. ليصبح العبد من المتقين الأخيار ، ومن الصالحين الأبرار . يقول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183] فقوله { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} تعليل لفرضية الصيام ؛ ببيان فائدته الكبرى ، وحكمته العظمى . وهي تقوى الله والتي سأل أميرُ المؤمنين عمرُ رضي الله عنه الصحابيَ الجليل ؛ أبيَ بن كعب رضي الله عنه عن معنى التقوى ومفهومها ؟ فقال يا أمير المؤمنين : أما سلكت طريقا ذا شوك ؟ قال : بلى .. قال : فما صنعت ؟ قال : شمرتُ واجتهدت .. أي اجتهدتُ في توقي الشوك والابتعاد عنه ، قال أبي: فذلك التقوى .إذن فالتقوى : حساسيةٌ في الضمير ، وشفافيةٌ في الشعور ، وخشيةٌ مستمرة ، وحذرٌ دائم ، وتوق لأشواكِ الطريق ؛طريقِ الحياة الذي تتجاذبُه أشواكُ الرغائبِ والشهوات ، وأشواكُ المخاوفِ والهواجس ، وأشواكُ الفتنِ والموبقات ، وأشواكُ الرجاءِ الكاذب فيمن لا يملكُ إجابةَ الرجاء ، وأشواكُ الخوف الكاذب ممن لا يملكُ نفعاً ولا ضراً ، وعشراتٌ غيرُها من الأشواك ..
خـــــل الـذنوب صغــــــــــيرها وكبيرها ذاك الـتقى
واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى
لا تـحـقـرن صـغيرةً إن الجبـــــــالَ من الحـــــــــــصى
هذا هو مفهوم التقوى .. فإذا لم تتضح لك بعد .. فاسمع إلى علي رضي الله عنه وهو يعبر عن التقوى بقوله : هي الخوفُ من الجليل ، والعملُ بالتنزيلُ ، والقناعةُ بالقليل ، والاستعدادُ ليوم الرحيل . هذه حقيقة التقوى ، وهذا مفهومها .
فأين نحن من هذه المعاني المشرقةِ المضيئة ؟ .. لقد كان المجتمعُ الإسلاميُ الأول مضربَ المثل في نزاهتهِ ، وعظمةِ أخلاقه ، وتسابقِ أفرادهِ إلى مرضاةِ ربهمِ جل جلاله ، وتقدست أسماؤه ، وكانت التقوى سمةً بارزة في محيا ذلكِ الجيلِ العظيم الذي سادَ الدنيا بشجاعتهِ وجهاده ، وسارت بأخلاقهِ وفضائلهِ الركبان مشرقاً ومغرباً ، فقد كان إمام المتقين عليه الصلاة والسلام قمةً في تقواه وورعهِ ، وشدةِ خوفهِ من ربهِ العظيمِ الجليل ، فكان يقومُ الليل يصلي ويتهجد حتى تفطرتْ قدماه الشريفتان ، وكان يُسمعُ لصدره أزيزٌ كأزيزِ المرجل من النشيجِ والبكاء ، وهو الذي غُفر له ذنبه ما تقدم وما تأخر .
وأما صاحبهُ المبجل ، وخليفته العظيم أبو بكر الصديق رضي الله عنه فكان يقول : يا ليتني كنت شجرةً تعضدُ ثم تؤكل !! وكان له خادمٌ يأتيه بالطعام ، وكان من عادةِ الصديق أن يسأله في كل مرة عن مصدرِ الطعام ؛ تحرزاً من الحرام !! فجاءه خادمُه مرةً بطعامه ، فنسي أن يسألَه كعادته فلما أكلَ منه لقمة قال له خادمُه : لمَ لم تسألني - يا خليفةَ رسولِ الله - كسؤالكِ في كلِ مرة ؟ قال أبو بكر : فمن أين الطعامُ يا غلام ؟ قال : دفعه إليَّ أناسٌ كنتُ أحسنتُ إليهم في الجاهلية بكهانةٍ صنعتُها لهم ، وهنا ارتعدتْ فرائصُ الصديق ، وأدخلَ يده في فمــه ، وقاء كلَّ ما في بطنهِ وقال : واللهِ لو لم تخرجْ تلك اللقمة إلا مع نفسي لأخرجتها ، كل ذلك من شدةِ خوفه وتقواه وتورعهِ عن الحرام ، وأما خوفُ عمر رضي الله عنه وشدةِ تقواه فعجبٌ من العجب ، سمع قارئاً يقرأُ قولَه تعالى: { يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً } [الطور:13] فمرض ثلاثاً يعـودهُ الناس . بل إنه قرأ مرةً قولَه تعالى : {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ } [الصافات:24] فمرض شهراً يعودُه الناسُ مريضاً ، وأما عليٌ رضي الله عنه فكان يقبض لحيته في ظلمة الليل ويقول : يا دنيا غُري غيري أليَّ تزينتِ أم إليَّ تشوقتِ طلقتك ثلاثاً لا رجعةَ فيهن زادُك قليل وعمرُك قصير ، وخرج ابن مسعود مرة في جماعة فقال لهم ألكم حاجة ؟! قالوا : لا ؛ ولكن حبُ المسيرِ معك !! قال : اذهبوا فإنه ذلٌ للتابع ، وفتنةٌ للمتبوع .
دعنا من الخلفاء الراشدين المكرمين ، ولنتجاوز الزمن سنين عدداً ، فهاهو هارون الرشيد الخليفةُ العباسيُ العظيم الذي أذلَّ القياصرة وكسرَ الأكاسرة والذي بلغت مملكته أقاصي البلاد شرقاً وغرباً يخرج يوما في موكبهِ وأبهته فيقول له يهودي:يا أمير المؤمنين : اتق الله !! فينـزل هارونُ من مركبه ويسجدُ على الأرض للهِ ربِ العالمين في تواضعٍ وخشوع ، ثم يأمرُ باليهودي ويقضي له حاجته ، فلما قيل له في ذلك !! قال : لما سمعت مقولتَه تذكـرتُ قولَه تعالى {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ } [البقرة:206] فخشيت أن أكون ذلك الرجل ، وكم من الناس اليوم من إذا قيل له اتق الله احــمرتْ عيناه ، وانتفختْ أوداجه ، غضباً وغروراً بشأنه ، قال ابن مسعود رضي الله عنه : كفى بالمرء إثماً أن يقال له: اتق الله فيقول:عليك نفسَك !! مثلكُ ينصحنُي !!
إذن فيوم عُمرت قلوبُ السلفِ بالتقوى ، جمعهم اللهُ بعد فرقة ، وأعزهم بعد ذلة ، وفُتحت لهم البلاد ومُصرت لهم الأمصار كل ذلك تحقيقا لـموعودِ الله تعالى : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [الأعراف:96] فليكن هذا الشهر بداية للباس التقوى ؛ ولباس التقوى خير لباس لو كانوا يعلمون {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ } [القمر:54-55].
إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى *** تجرد عريانا وإن كان كاسيا
وخير خصال المـرء طـاعة ربه *** ولا خير فيمن كان لله عاصيا
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن كان مفرطاً في صلاته ، فلا يصليها مطلقاً ، أو يؤخرها عن وقتها , أو يتخلف عن أدائها جماعة في المسجد . ليعلم المتهاون في صلاته ، أنه يرتكب خطأً قاتلاً ، وتصرفاً مهلكاً ، يتوقف عليه مصيره كله ، و إن لم يتدارك نفسه ، فهو آيل لا محالة إلى نهاية بائسة ، وليل مظلم ، وعذاب مخيف ، جاء في الحديث عن سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرؤيا قال :" أما الذي يثلغ رأسه بالحجر فإنه يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة " رواه البخاري (1143).
إن التهاون بأمر الصلاة والاستخفاف بها ، خطأ فادح بكل المقاييس ، وجناية مخزية بكل المعايير . لا ينفع معها ندم ولا اعتذار عند الوقوف بين يدي الواحد القهار ، إني أدعوك بكل شفقة وإخلاص ، أدعوك والألم يعتصر قلبي خوفاً عليك ورأفة بك ، أدعوك في مثل هذا الشهر المبارك إلى إعادة النظر في واقعك ، ومُجريات حياتك ، أدعوك إلى مراجعة نفسك ، وتأمل أوضاعك قبل فوات الأوان ، إني أنصحك ألا تخدعك المظاهر ، ولا يغرك ما أنت فيه ، من الصحة والعافية والشباب والقوة ، فما هي إلا سراب بقيعة ، يحسبه الظمآن ماءً ، أو كبرق خُلب ، سرعان ما يتلاشى ، و ينطفئ ويزول ، فالصحة سيعقبها السقم ، والشباب يلاحقه الهرم ، والقوة آيلة إلى الضعف ، ولكن أكثر الناس لا يتفكرون .
أخي الكريم : إن أصحابك الذين غروك بالتهاون بشأن الصلاة ، وزينوا لك إضاعتها ، إنهم لن يذرفوا عليك سوى دموع التماسيح ، يعودون بعدها ، إلى مزاميرهم وطربهم وأنسهم ، غير مكترثين بك ، ولا بألف من أمثالك ، إنهم أنانيو الطباع ، ميتو الإحساس ، لا همّ لهم إلا أنفسهم وملذاتهم ، ولو فقدوا الآباء والأمهات ، فضلاً عن الأصحاب والخِلان ، فاستيقظ يا هذا من غفلتك ، وتنبه من نومتك ، فالحياة قصيرة وإن طالت ، والفرحة ذاهبة وإن دامت ، واجعل من رمضان فرصة للمحافظة على هذه الصلاة العظيمة ، فقد وفقك الله للصلاة مع الجماعة ، وإلف المساجد ، وعمارتها بالذكر والتسبيح ، فاستعن بالله ، واعزم من الآن أن يكون هذا الشهر المبارك بداية للمحافظة على الصلاة ، والتبكير إليها يقول الله تعالى في وصــف المؤمنين:{الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ } [المعارج: 24] .
ويقول سبحانه : {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ } [المعارج:34-35] .
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن ابتلاه الله تعالى بتعاطي الحرام ، من خـمر ومخدرات ، أو دخان و مسكرات ، أن لا يفعل بعد إفطاره ما يخل بهذه العزيمة القوية ، أو يوهنها ، أو يقلل من شأنها ،تلك العزيمة التي جعلته يمسك طوال ساعات النهار ، فيهدم في ليله ما بناه في نهاره من قوة الإرادة التي صبر بسببها عن محبوباته ومألوفاته . فما أحزمه لو استغل شهر الصيام كمدرسة يتدرب بها على هجر ما يكرهه هو ، أو يكرهه الشارع ، من مألوفاته التي اعتاد أكلها ، أو شربها ، أو مقاربتها . تالله ما أحزمه لو واصل هذه الحمية عن ذلك بالليل ، كما عملها في النهار .
أخي الصائم : إني أشجع فيك إيمانك العظيم ، ويقينك بالله تعالى . فمن الذي جعلك تمتنع عن تعاطي هذه السموم في وقت الصيام إلا خوفك من الجبار ، ومراقبتك للواحد القهار . وإلا فمَنْ مِنَ الناس يعلم أنك صائم أو لا ؟!! ولكن شعورك بنظر الله إليك ، ومراقبته لك ، صرفك عن تعاطي الحرام في وقت الصيام

إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل *** خلــوت ولكن قل عليّ رقيب

وإني أتساءل بصدق . . الإرادة التي استطاعت أن تصوم لأكثر من اثنتي عشرة ساعة ، أتعجز عن مواصلة مسيرتها الإصلاحية ؟!! والعزيمة التي صمدت عن تعاطي هذا البلاء ، لهذه الفترة الطويلة أثناء النهار . . أتنهار في آخر لحظات الإسفار ، وإرخاء الليل الستار ؟!!
أين الهمة التي لا تقف أمامها الجبال الشامخات ؟ وأين العزيمة التي لا تصدها العاتيات !! استعن بالله تعالى على ترك هذا البلاء ، فالنصر صبر ساعة ، والفرج قريب ، وإن الله مع الصابرين .
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن كان مقصرًا في نوافل العبادات ؛ فلم يجعل له منها نصيباً ، ولم يأخذ لنفسه قسماً مفروضاً ، فيغير من حاله ، ويبدل من شأنه ، ففي رمضان تتهيأ النفوس ، وتقبل القلوب ، وتخشع الأفئدة ، فينتهز هذه الفرصة ، فيحافظ على شيء منها ، فهي مكملة لفرائضه ، متممة لها ، قال صلى الله عليه وسلم : " إن أول ما يحاسب به العبد المسلم يوم القيامة الصلاة المكتوبة فإن أتمها وإلا قيل انظروا هل له من تطوع فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك " رواه ابن ماجه (1425) .
وأقل الوتر ركعة ، وأقل الضحى ركعتان ، وعدد السنن الرواتب ثنتا عشرة ركعة ، ركعتان قبل الفجر ، وأربع ركعات قبل الظهر ، وركعتان بعدها ، وركعتان بعد المغرب ، وركعتان بعد العشاء ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعا غير فريضة إلا بنى الله له بيتا في الجنة أو إلا بني له بيت في الجنة " رواه مسلم ، ويقول صلى الله عليه وسلم : " أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل " رواه مسلم .
ولماذا لا تجعل من رمضان فرصة ، لأن يكون لك أيام تصومها لله رب العالمين فمن صام يوماً في سبيل الله باعد الله بينه وبين النار سبعين خريفاً ، فهذه ستة من شوال ، ويوم عاشوراء ، وعرفة ، وصوم الإثنين والخميس ، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر . فلا تحرم نفسك الدخول من باب الريان ، عندما ينعم عليهم المنان بدخول الجنان . . فبادر شبابك قبل هرمك . . وصحتك قبل سقمك . . وحياتك قبل موتك . . عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " رواه البخاري .
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن هجر القرآن قراءة وتدبراً ، وحفظاً وعملاً حتى أصبح القرآن نسياً منسياً ، أن يكون هذا الشهر بداية للتغيير ، فترتب لنفسك جزءاً من القرآن ، لا تنفك عنه بأي حال من الأحوال ، ولو كان هذا الجزء يسيراً ، فأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل ، وقليل دائم ،خير من كثير منقطع ، ولا تنس الفضل الجزيل لمن قرأ كلام الله الجليل يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف " رواه الترمذي (2910) وقال هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه .
والقرآن يشفع لك يوم القيامة يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة ، يقول الصيام : أي ربي إني منعته الطعام والشهوة ، فشفعني فيه ، ويقول القرآن : رب منعته النوم بالليل ، فشفعني فيه ، قال : فيشفعان " رواه أحمد . قال الألباني ـ رحمه الله ـ : ( أي يشفعهما الله فيه ويدخله الجنة ) .
ولقد أدرك سلفنا الصالح عظمة هذا القرآن ؛ فعاشوا معه ليلاً ونهاراً . . قال وهيب بن الورد : قيل لرجل ألا تنام ؟ قال : إن عجائب القـرآن أطرن نومي ، وقال أحمد بن الحواري : إني لأقرأ القرآن ، وانظر في آية ، فيحير عقلي بها ، وأعجب من حفاظ القرآن ، كيف يهنئهم النوم ، ويسعهم أن يشتغلوا بشيء من الدنيا وهم يتلون كلام الله ، أما إنهم لو فهموا ما يتلون ، وعرفوا حقه ، وتلذذوا به ، واستحلوا المناجاة به ، لذهب عنهم النوم فرحاً بما رزقوا .
ومن المفارقة العجيبة ، أن يدرك أعداؤنا من عظمة هذا القرآن ، ما لا ندركه ، وأن يعملوا جاهدين على طمس معالمه ، ومحو آثاره في العباد والبلاد ، لخوفهم الشديد من عودة الأمة إلى هذا القرآن الذي يؤثر في النفوس ، ويحييها ، ويبعث فيها العزة والكرامة . يقول غلادستون : مادام هذا القرآن موجودا في أيدي المسلمين ، فلن تستطيع أوربة السيطرة على الشرق ، ولا أن تكون هي نفسها في أمان ، وكان نشيد جيوش الاستعمار ،كان نشيدهم :أنا ذاهب لسحق الأمة الملعونة ، لأحارب الديانة الإسلامية ، ولأمحو القرآن بكل قوتي .(1)
فما موقفك أنت يا رعاك الله ؟ أدع الإجابة لك ، وأسأل الله أن يوفقك للخير وفعله .
• ورمضان فرصة للتغيير .. للمرأة المسلمة التي أصبح حجابها مهلهلاً ، وعباءتها مطرزة ، وثيابها فاتنة ، وعطرها يفوح و في كل يوم إلى الأسواق تروح . . قال صلى الله عليه وسلم :" أيما امرأة استعطرت فمرت بقوم ليجدوا ريحها فهي زانية " رواه أحمد .
ويزداد الأمر سوءاً ، إذا كان الخروج بلا محرم . . فتركب مع السائق وحدها وما خلا رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطـان ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم . فليـكن - يا أخية - رمضان فرصة لأن تتربى نفسك على البقاء ، في المنـزل وعدم الخروج منه إلا لحاجة ماسة ، وبضوابط الخروج الشرعية ، وليكن رمضان فرصة لضبط النفس في قضايا اللباس ، والموضة والاعتدال فيهما ، بدون إفراط ولا تفريط ، وليكن رمضان فرصة للحفاظ على الحجاب الشرعي ؛ طاعة لله ، وإغاظة للشيطان وحزبه .
• ورمضان فرصة للتغيير .. للرجل والفتاة اللذين عبثا بالهاتف طويلاً ، وتهاتفا بعبرات الحب والغرام ، والعشق والهيام ، والذي كله كذب وهراء ، ودجل وافتراء ، وتلاعب بالمشاعر والعواطف ، وقد تكون البداية قضاء وقت فراغ ، ثم يستدرجهما الشيطان للوقوع في الفاحشة البغيضة . . فتقع المصيبة وتحل الطامة العظيمة . . وينكسر الزجاج فأنى له أن يعود مرة أخرى !!
تقول إحدى المعاكسات : كانت البداية مكالمة هاتفية عفوية . تطورت إلى قصة حب وهمية ، أوهمني أنه يحبني ، وسيتقدم لخطبتي ، طلب رؤيتي ، رفضت . هددني بالهجر !! بقطع العلاقة !! ضعفت . . أرسلت له صورتي مع رسالة معطرة !! توالت الرسائل ، طلب مني أن أخرج معه . . رفضت بشدة . . هددني بالصور ، بالرسائل المعطرة ، بصوتي في الهاتف ـ وقد كان يسجل ـ خرجت معه على أن أعود في أسرع وقت ممكن . . لقد عدت ولكن عدت وأنا أحمل العار ، قلت له الزواج .. الفضيحة ،قال لي بكل احتقار وسخرية : إني لا أتزوج فاجرة !!
فاتق الله أيها الشاب ، واتقي الله أيتها الفتاة ، وليكن رمضان فرصة لتغيير المسار والابتعاد عن الأخطار ، وهتك الأعراض فالزنا دين كما قال الشاعر :
يا هاتكاً حرم الرجال وتابعاً *** طـــرق الفساد فأنت غير مكــرم
من يزن في قـوم بألفـي درهم *** في أهـــــــله يزنــي بربــــع الدرهـــــم
إن الزنى دين إذا استقرضته *** كان الوفا من أهل بيتك فاعلم
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن تعود على حياة المترفين ، ونشأ على حب الدعة واللين ، أن يأخذ من رمضان درسا في تربية النفس على المجاهدة والخشونة في أمر الحياة ، فربما تسلب النعمة ، و تحل النقمة . فالدنيا غدارة غرارة مناحة مناعة ، وإقبال الدنيا كإلمامة ضيف ، أو غمامة صيف ، أو زيارة طيف ،عن أبي عثمان النهـدي قال : أتانا كتاب عمر بن الخطاب : ( اخشوشنوا واخشوشبوا واخلولقوا وتمعددوا ـ التمعدد ـ أي العيش الخشن الذي تعرفه العرب ـ كأنكم معد وإياكم والتنعم وزي العجم.) ، و عن عروة بن رويم قال : قال صلى الله عليه وسلم :" شرار أمتي الذين ولدوا في النعيم وغذوا به همتهم ألوان الطعام وألوان الثياب يتشدقون في الكلام" .
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن كان يتابع الأكلات ، ويتتبع المطاعم ، فيوم هنا ، ويوم هناك ، حتى أصبح بطنه هو شغله الشاغل . ولو سألته عن أي مطعم في الشرق أو الغرب لأعطاك وصفة موجزة . ومفصلة بما تحتوي عليه تلك المطاعم وحسنها من قبيحها ، وجيدها من رديئها ، وما هكذا تورد الإبل يا سعد !! ولم نخلق من أجل أن نسعد بطوننا . . والطعام وسيلة لا غاية فافهم هذا حتى تبلغ الغاية ...
كيف تصفو روح مَـرْءٍ *** نفسه للـطـعـم ولهى

لقد ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى التقلل من الأكل كما في حديث المقدام قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطن ، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه ، فإن كان لابد محالة ، فثلث لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلثه لنفسه "
رواه الترمذي
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم منذ قدم المدينة من خبر برّ ثلاث ليال تباعا حتى قبــــــض . وصــــــــح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون ، وينذرون ولا يوفون ، ويظهر فيهم السمن " رواه البخاري ومسلم . ويقول عمر رضي الله عنه : إياكم والبطنة في الطعام والشراب ، فإنها مفسدة للجسد ، مورثة للسقم ، مكسلة عن الصلاة ، وعليكم بالقصد فيهما ، فإنه أصلح للجسد ، وأبعد عن السرف ، وإن الله تعالى ليبغض الحبر السمين ، وإن الرجل لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه "
قال الحارث بن كلدة الطبيب المشهور : الحمية رأس الدواء ، والبطنة رأس الداء . وقال غيره لو قيل لأهل القبور: ما كان سبب آجالكم ؟ لقالوا : التخم !!
وقلة الطعام توجب رقة القلب وقوة الفهم ، وانكسار النفس ، وضعف الهوى والغضب . وكثرة الطعام يوجب ضد ذلك .
عن عمرو بن قيس قال : إياكم والبطنة فإنها تقسي القلب . وعن سلمة بن سعيد قال : إن كان الرجل ليعير بالبطنة كما يعير بالذنب يعمله .
وعن مالك بن دينار قال : ما ينبغي للمؤمن أن يكون بطنه أكبر همه ، وأن تكون شهوته هي الغالبة عليه .
وقال سفيان الثوري : إن أردت أن يصح جسمك ، ويقل نومك ، فأقل من الأكل .
فليكن هذا الشهر المبارك بداية للتقلل من الطعام والاستمرار على ذلك على الدوام .
• ورمضان فرصة للتغيير .. من أخلاقنا . فمن جبل على الأنانية والشح وفقدان روح الشعور بالجسد الواحد ، فشهر الصوم مدرسة عملية ، له وهو أوقع في نفس الإنسان من نصح الناصح ، وخطبة الخطيب ، لأنه تذكير يسمعه ويتلقنه من صوت بطنه إذا جاع ، وأمعائه إذا خلت ، وكبده إذا احترت من العطش ، يحصل له من ذلك تذكير عملي بـجوع الجائعين ، وبؤس البائسين ، وحاجة المحتاجين ، فتسمح نفسه بأداء حق الله إليهم ، وقد يجود عليهم بزيادة ، فشهر الصيام شهر الجود والمواساة . .
الصوم يمنحنا مشاعر رحمة *** وتعاون وتعفف وسماح

فرمضان مدرسة للقضاء على صفة الأنانية والشح ، ومن ثم الشعور بالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. قال صلى الله عليه وسلم : " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " رواه مسلم (2586) .
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن كان قليل الصبر ، سريع الغضب ، أن يتعلم منه الصبر والأناة . فأنت الآن تصبر على الجوع والعطش والتعب والنصب ساعات طويلة ، ألا يمكنك - أيضاً - أن تعود نفسك من خلال شهر الصبر . . الصبر على الناس وتصرفاتهم وأخلاقهم ، وما يفعلونه تجاهك من أخطاء ، وليكن شعـــارك الدائم .{ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [آل عمران:134] وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضـَبِ " يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه ، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره في أي الحور شاء " رواه الترمذي .
. . فليكن هذا الشهر بداية لأن يكون الصبر شعارنا ، والحلم والأناة دثارنا.
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن ابتلاه الله تعالى بقلب قاسٍ كالصـخر الراسي ، لا تدمع له عين أن ينتهز فرصة هذا الشهر الذي تكون للنفوس فيه صولة . . وللقلوب فيه جولة . . فيحرص على ترقيق قلبه ، بصرفه عن الذنوب التي هي جالبة الخطوب ، و حاجبة القلوب عن علام الغيوب . قال عليه الصلاة والسلام : " تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ " رواه مسلم .
وما أحسن قول القائل :
رأيت الذنوب تميت القلوب *** وقد يورث الذل إدمانهـا
وترك الذنوب حياة القلوب *** وخـير لنفسك عصيانهـا

ومن أراد السعادة فليلزم عتبة العبادة ، وليجتنب الإساءة ..يقول أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه: ( لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام الله عز وجل ) و يقول الحسن البصري رحمه الله : ( إذا لم تقدر على قيام الليل ، ولا صيام النهار ، فاعلم أنك محروم ، قد كبلتك الخطايا والذنوب ) وليكن لك ما بين فينة وفينة زيارة للمقابر ، وتتأمل في أحوال أصحابها ..فإن القوم فيها صرعى ، والدود في عيونهم يرعى ،عن الحديث سكتوا ، وعن السلام صمتوا ، الظالم بجانب المظلوم ، والمنتصر بجانب المهزوم ، ذهب الحسن والجمال ، والجاه والمال ، وبقيت الأعمال ..أموات يتجاورون ، ولا يتزاورون .
سكتــــــــــوا وفي أعماقـهم أخــبارُ وجافاهــــــم الأصحـــــاب والزوار
وتغيرت تلك الوجوه وأصبحت بعد الجمال على الجفون غبار

ماذا أعددت لهذا الموقف ؟ يقول الله تعالى : { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} [المؤمنون:99].
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن كان يأكل الحرام من خلال أكل الربا أو التلاعب في البيع والشراء أو بيع المحرمات من دخان ومجلات فاسدة ، ومعسل وجراك ، أو بيع العباءات والنقابات المحرمة ، أو الملابس الفاضحة من بناطيل نسائية أو أشرطة غنائية أو أشرطة فيديو أو الأطباق السوداء ، أن يغير من حاله ، وأن يبدل من شأنه ، وأن يدع أكل الحرام . فإن الله تعالى يحاسب على النقير والقطـمير .فحـذار يرحمك الله أن تزل قـدم بعد ثبوتها !! يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يدخل الجنة لحم ودم نبتا على سحت ، النار أولى به "رواه ابن حبان وصححه.
وهل يسرك أن أهل الإيمان يرفعون أيديهم في صلاة التراويح والقيام يدعون الله تعالى ، ويستغيثون به ، ويسألونه من فضله ورحمته وجوده وبره ويستجاب لهم ..وأنت ترد عليك دعوتك ؟!! عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رســــول الله صلى الله عليه وسلم :" أيها الناس : إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } [المؤمنون:51] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب ، يا رب ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام ، فأنى يستجاب لذلك " رواه مسلم .
وتذكر أنه لن ينفعك أن الناس فعلوا ، أو أنهم يريدون ذلك ، فكل واحد منا سيقف بين يدي الواحد القهار ، ويسأله عن أعماله وأقواله الصغار ، والكبار ..فمن سيقف معك في ذلك الموقف العصيب ؟
يقول النبي صلى الله عليه وسلم  : " لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا ، وإن ظلموا ظلمنا ، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا ، وإن أساؤا فلا تظلموا " رواه الترمذي (2007) و قال :هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه .
وكن يا رعاك الله مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر فإن الدال على الخير كفاعله يقول الله تعالى : {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2].
• ورمضان فرصة للتغيير .. للكُتاب الذين تأثروا بعدوهم .. إننا نقول لهم : إن رمضان فرصة لهم للتغيير ، فالكلمة أمانة ، إنها مسؤولية ، نعم لمسؤولية الكلمة ، لا لحرية الكلمة المتجردة من تعاليم ديننا . وخليق بأدبائنا وشعرائنا أن يتفق أدبهم مع أدب دينهم ، وحري بالصحافة المسلمة أن تربأ بما ينشر على صفحاتها عما يتنافى مع عقيدتنا الإسلامية وتراثنا . قال تعالى:{ وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} [الإسراء:36].
ثم أيها الكاتب الموفق : ألم تقرأ ما سطره يهود في بروتوكولاتهم : ( الأدب والصحافة هما أعظم قوتين تعليميتين خطرتين ، ولهذا السبب ستشتري حكومتنا العدد الأكبر من الدوريات ..) وهل تتصور أن شراءهم لها من أجل الإصلاح ؟ أم من أجل إقامة العدل ؟ أم من أجل الدفاع عن حقوق المضطهدين ؟ كلا ؛ بل من أجل الإفساد ، ونشر الرذيلة بين الأمم كلها وخاصة أهل الإسلام لأنهم ألد الخصام لهم ، فهل ترضى لنفسك أن تكون عوناً لهؤلاء على أمتك ؟ هل ترضى أن تكون أداة إفساد في الأمة ـ من حيث تشعر أولا تشعر ـ هل ترضى أن تنشر في الأمة ما يؤثر على دينها وسلوكها ؟ قل لي بربك كيف تستسيغ أن تكتب بقلمك السيال ما يغضب ربك ؟ كيف تتجرأ أن تكتب بقلمك الرفيع ما يدعو إلى نشر الفاحشة في الذين آمنوا ؟ أو أن تضللهم أو تزيف الحقائق عليهم ؟ لقد وهبك الله تلك الموهبة ، وأسبغ عليك هذه النعمة فحري بك أن تستعملها في طاعة مولاك ، حري بك يا من آمنت بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد نبياً أن تسخر قلمك للصدع بكلمة الحق ، والمجاهرة بالفضيلة ، والدعوة إلى العفة والكرامة ، حري بك أن تكون منافحاً عما يُراد بأمتك ، حري بك أن تكون مكافحاً عما يخطط لأمتك .
وأخيرا أودعك وكلي رجاء أن تجد هذه الكلمات صداها في قلبك، وأن تلامس هذه النداءات شغاف نفسك، وأن نلتقي سويا على خدمة هذا الدين حتى نلقى الله سبحانه ونحن على ذلك ..وليكن شهر رمضان شهراً لمراجعة النفس والمنهج والفكر فمردة الشياطين تصفد ، وادع الله تعالى من قلب خاشع أن يريك الحق حقاً ، ويرزقك اتباعه ، والباطل باطلاً ، ويرزقك اجتنابه .وإن كنت تعلم الحق ولكن حب المال ، والجاه والشهرة ، والمنصب غلب عليك فإني أقول لك ستعرف غداً عاقبة أمرك . وشؤم فعلك على نفسك !!
• ورمضان فرصة للتغيير .. للدعاة الذين فترة همتهم ، وضعفت غيرتهم ، ..وتوانت عزائمهم ، فيشدوا من حالهم ، ويستيقظوا من رقدتهم ، ويتنبهوا من غفلتهم ، وينتهزوا فرصتهم ، بدعوة الناس إلى ربهم ، والذهاب إلى أماكن تواجدهم وتجمعهم . لتذكيرهم بالله تعالى ، وتخويفهم من ناره وجحيمه ، وترغيبهم بجنته ونعيمه ، والتفكير الجاد لمعرفة الأساليب المناسبة للإصلاح ، وليتذكر الدعاة إلى الله فضل الدعوة إلى الله ، والسهر من أجلها ، والتفاني لها ، وجزاء من تاب على أيديهم ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم " رواه البخاري .
ليكن رمضان محطة روحية تبعث فينا روح الجدية ..فيعد الداعية عدته ، ويأخذ أهبته ، ويملك عليه الفكر فيما هو فيه نواصي نفسه وجوانب قلبه ..فيكون دائم التفكير ، عظيم الاهتمام ، على قدم الاستعـداد أبدا ، إن دعي أجـــاب ، أو نودي لبى ، غدوه ورواحه وحديثه وكلامه ، وجده ولعبه لا يتعدى الميدان الذي أعد نفسه له !!
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن كان مذنباً ومسرفاً على نفسه بالخطايا والموبقات فإذا به يسمع الأغنيات بأصوات المغنين والمغنيات ، ويشاهد القنوات بصورها الفاضحات ، ويعاكس الفتيات ، ويسهر على الموبقات ، ويعاقر المنكرات ، أن يسارع إلى الإنابة ، ويبادر إلى الاستقامة ،قبل زوال النعم ،وحلـول النقم ، فهنالك لا تقـال العثرات ، ولا تستدرك الزلات .. {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [النور:31] ويكفي التائبين فخراً وعزاً ورفعة وشرفاً أن الله تعالى قال : {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } [البقرة:222] أليس من سعادة التائبين ..أن الله تعالى يفرح بأوبة الراجعين ..وإقبال المذنبين ..يقول صلى الله عليه وسلم : " لله أفرح بتوبة عبده من رجل نزل منزلا وبه مهلكة ، ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه ، فوضع رأسه فنام نومة ، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله قال :أرجع إلى مكاني ، فرجع فنام نومة ، ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده " رواه البخاري (6308) ، وفي مسلم : " فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح ".
فالتوبة ..التوبة ..فهي شعار المتقين ..ودأب الصالحين ..وحلية الصالحين ..أما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة " رواه مسلم .
فبادر يا رعاك الله إليها في مثل هذا الشهر المبارك ،فأبواب الجنة مشرعة ، وأبواب النار مغلقة ، ولله في كل ليلة عتقاء من النار ، فاجتهد أن تكون واحدا منهم ، جعلني الله وإياك ووالدينا ممن فاز بالرضا والرضوان والفوز بالجنان والنجاة من النيران .
وفي الختام .. آن لثياب العصيان ، أن تخلع في رمضان ، ليُلْبس الله العبد ثياب الرضوان ، وليجود عليه بتوبة تمحو ما كان من الذنب والبهتان ، وقد حان الأوان لفراق الخِلان ، وختم البيان بالصلاة والسلام على سيد ولد عدنان ، وعلى آله وأصحابه الشجعان ، وعلى من سار على نهجهم واقتفى أثرهم على مر الزمان .
 قاله وكتبه محمد بن عبدالله الهبدان ، في شهر شعبان ، لعام واحد وعشرين وأربعمائة بعد الألف من هجرة المصطفى خليل الرحمن .
رمضان فرصة للتغيير
محمد بن عبدالله الهبدان
 الحمد لله الذي هيأ لعباده أسباب الهداية ، ويســــــــر لهم دروب الاستقامة ،وفتح لهم أبواب رحمته ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وهداية للخلق أجمعين وعلى من سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين .

أما بعد : فهاهو رمضان قد أقبل بنوره وعطره ، و جاء بخيره وطهره ، جاء ليربي في الناس قوة الإرادة ورباطة الجأش ، ويربي فيهم ملكة الصبر ، ويعودهم على احتمال الشدائد ، والجلد أمام العقبات ومصاعب الحياة .
فرمضان مدرسة تربوية (يتدرب بها المسلم المؤمن على تقوية الإرادة في الوقوف عند حدود ربه في كل شيء ، والتسليم لحكمه في كل شيء ، وتنفيذ أوامره وشريعته في كل شيء ، وترك ما يضره في دينه أو دنياه أو بدنه من كل شيء ، ليضبط جوارحه وأحاسيسه جميعاً عن كل ما لا ينبغي بتدربه الكامل في هذا الشهر المبارك ، ليحصل على تقوى الله في كل وقت وحين ، وفي أي حال ومكان ، وذلك إذا اجتهد على التحفظ في هذه المدرسة الرحمانية بمواصلة الليل مع النهار على ترك كل إثم وقبيح ، وضبط جوارحه كلها عما لا يجوز فعله . . لينجح من هذه المدرسة حقاً ، ويخرج ظافراً من جهاده لنفسه ، موفراً مواهبه الإنسانية وطاقاته المادية والمعنوية لجهاد أعدائه .) فحري بهذا الشهر أن يكون فرصة ذهبية ، للوقوف مع النفس ومحاسبتها لتصحيح ما فات ، واستدراك ما هو آت ، قبل أن تحل الزفرات ، وتبدأ الآهات ، وتشتد السكرات.

رمضان هلْ لي وقفة أستروحُ الذكرى وأرشـــــــف كلها المـعـسولا
رمضان ! هل لي وقفة أسترجع الماضي وأرتع في حمـاه جــذولا

فأذن - لي قارئي الكريم - أن أستقطع من وقتك الثمين جزءاً يسيراً لنتذاكر جميعاً ونتساءل: هل يمكننا أن نغير من أحوالنا ، ونحسن من أوضاعنا ، فنفكر في مآلنا ومصيرنا بعد فراق حياتنا ، فنمهد لأنفسنا قبل عثرة القدم ، وكثرة النـــدم ، فنتزود ليوم التناد بكامل الاستعداد .
فأسأل الله تعالى أن يبدل من أحوالنا ، ويقلب من شأننا ، حتى يصبح يومنا خيراً من أمسنا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .
وكتبه : محمد بن عبدالله الهبدان
1/8/1421هـ
ص .ب 120969 الرمز : 11689
البريد الإلكتروني : ahabdan@emel.com

لماذا رمـضـــان ؟!!
لأن رمضان فرصة العمر السانحة وموسم البضاعة الرابحة والكِفة الراجحة ولماحباه الله تعالى من المميزات فهو بحق مدرسة لإعداد الرجال وهو بصدق جامعة لتخريج الأبطال .

هنا مصنع الأبطال يصنع أمةً *** وينفخ فيها قــــوة الروح والـفــــــــكر
ويخلع عنها كل قيد يعــوقها *** ويعلي منار الحق والصدق والصبر

ولما يسر الله تعالى فيه ، من أسباب الخيرات ، وفعل الطاعات ، فالنفوس فيه مقبلة ، والقلوب إليه والهة .
ولأن رمضان تصفد فيه مردة الشياطين . فلا يصلون إلى ما كانوا يصلون إليه في غير رمضان ، وفي رمضان تفتح أبواب الجنان ، وتغلق أبواب النيران ، ولله في كل ليلة من رمضان عتقاء من النار ، وفي رمضان ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر ، فما أعظمها من بشارة ، لو تأملناها بوعي وإدراك لوجدتنا مسارعين إلى الخيرات ، متنافسين في القربات ، هاجرين للموبقات ،تاركين للشهوات.
• ورمضان فرصة للتغيير . . لما حصل فيه من الأحداث التي غيرت مسار التاريخ ، وقلبت ظهر المجن ، فنقلت الأمة من مواقع الغبراء ، إلى مواكب الجوزاء ، ورفعتها من مؤخرة الركب ، لتكون في محل الصدارة والريادة ففي معركة بدر الكبرى التقى جيشان عظيمان ، جيش محمد صلى الله عليه وسلم ، وجيش الكفر بقيادة أبي جهل في السنة الثانية من الهجرة وذلك في اليوم السابع عشر من رمضان ، وانتصر فيها جيش الإيمان على جيش الطغيان ، ومن تلك المعركة بدأ نجم الإسلام في صعود ، ونجم الكفر في أفول ، وأصبحت العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ، يقـــــول الله تعالى:{ وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [آل عمران:123] .
أبطـال بدر ياجباهاً شـــــــُرعت *** للشمس تحكي وجهها المصقولا
حطـمتم الشرك المصغر خده *** فارتد مشلول الخطى مخـذولا

وفي السنة الثامنة ، وفي شهر رمضان ، كان الفتح العظيم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحزبه الأمين ، واستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدى للعالمين من أيدي الكفار والمشركين ، وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء ، وضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء ، ودخل الناس به في دين الله أفواجا ، وأشرق به وجه الأرض ضياءً وابتهاجا .
وفي سنة ستمائة وثمانيةً وخمسين ، فعل التتار بأهل الشام مقتلة عظيمة ، وتشرد من المسلمين من تشرد ، وخربت الديار ، فقام الملك المظفر قطز ، بتجهيز الجيوش ، لقتال التتار ، حتى حان اللقاء في يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان وأمر ألا يقاتلوا حتى تزول الشمس ، وتفيء الظلال ، وتهب الرياح ، ويدعوا الخطباء والناس في صلاتهم ، ثم تقابل الصفان ، واقتتل الجيشان ، وحصلت معركة عظيمة ، سالت فيها دماء ، وتقطعت أشلاء ، ثم صارت الدائرة على القوم الكافرين ، وقطع دابر القوم الذين ظلموا ، والحمد لله رب العالمين .
كل هذه الأسباب جعلتنا نوقن بأن رمضان فرصة سانحة وغنيمة جاهزة ، لمن أراد التغيير في حياته . فالأسباب مهيأة ، والأبواب مشرعة وما بقي إلا العزيمة الصادقة ، والصحبة الصالحة ، والاستعانة بالله في أن يوفقك للخير والهداية .

رمضانُ أقبل قم بنا يا صاح *** هذا أوان تبتل وصـــلاح
واغنم ثواب صيامه وقيامه *** تسعد بخير دائم وفلاح
رمضان فرصة الجميع للتغيير
•  فرمضان فرصة للتغيير .. ليصبح العبد من المتقين الأخيار ، ومن الصالحين الأبرار . يقول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183] فقوله { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} تعليل لفرضية الصيام ؛ ببيان فائدته الكبرى ، وحكمته العظمى . وهي تقوى الله والتي سأل أميرُ المؤمنين عمرُ رضي الله عنه الصحابيَ الجليل ؛ أبيَ بن كعب رضي الله عنه عن معنى التقوى ومفهومها ؟ فقال يا أمير المؤمنين : أما سلكت طريقا ذا شوك ؟ قال : بلى .. قال : فما صنعت ؟ قال : شمرتُ واجتهدت .. أي اجتهدتُ في توقي الشوك والابتعاد عنه ، قال أبي: فذلك التقوى .إذن فالتقوى : حساسيةٌ في الضمير ، وشفافيةٌ في الشعور ، وخشيةٌ مستمرة ، وحذرٌ دائم ، وتوق لأشواكِ الطريق ؛طريقِ الحياة الذي تتجاذبُه أشواكُ الرغائبِ والشهوات ، وأشواكُ المخاوفِ والهواجس ، وأشواكُ الفتنِ والموبقات ، وأشواكُ الرجاءِ الكاذب فيمن لا يملكُ إجابةَ الرجاء ، وأشواكُ الخوف الكاذب ممن لا يملكُ نفعاً ولا ضراً ، وعشراتٌ غيرُها من الأشواك ..
خـــــل الـذنوب صغــــــــــيرها وكبيرها ذاك الـتقى
واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى
لا تـحـقـرن صـغيرةً إن الجبـــــــالَ من الحـــــــــــصى
هذا هو مفهوم التقوى .. فإذا لم تتضح لك بعد .. فاسمع إلى علي رضي الله عنه وهو يعبر عن التقوى بقوله : هي الخوفُ من الجليل ، والعملُ بالتنزيلُ ، والقناعةُ بالقليل ، والاستعدادُ ليوم الرحيل . هذه حقيقة التقوى ، وهذا مفهومها .
فأين نحن من هذه المعاني المشرقةِ المضيئة ؟ .. لقد كان المجتمعُ الإسلاميُ الأول مضربَ المثل في نزاهتهِ ، وعظمةِ أخلاقه ، وتسابقِ أفرادهِ إلى مرضاةِ ربهمِ جل جلاله ، وتقدست أسماؤه ، وكانت التقوى سمةً بارزة في محيا ذلكِ الجيلِ العظيم الذي سادَ الدنيا بشجاعتهِ وجهاده ، وسارت بأخلاقهِ وفضائلهِ الركبان مشرقاً ومغرباً ، فقد كان إمام المتقين عليه الصلاة والسلام قمةً في تقواه وورعهِ ، وشدةِ خوفهِ من ربهِ العظيمِ الجليل ، فكان يقومُ الليل يصلي ويتهجد حتى تفطرتْ قدماه الشريفتان ، وكان يُسمعُ لصدره أزيزٌ كأزيزِ المرجل من النشيجِ والبكاء ، وهو الذي غُفر له ذنبه ما تقدم وما تأخر .
وأما صاحبهُ المبجل ، وخليفته العظيم أبو بكر الصديق رضي الله عنه فكان يقول : يا ليتني كنت شجرةً تعضدُ ثم تؤكل !! وكان له خادمٌ يأتيه بالطعام ، وكان من عادةِ الصديق أن يسأله في كل مرة عن مصدرِ الطعام ؛ تحرزاً من الحرام !! فجاءه خادمُه مرةً بطعامه ، فنسي أن يسألَه كعادته فلما أكلَ منه لقمة قال له خادمُه : لمَ لم تسألني - يا خليفةَ رسولِ الله - كسؤالكِ في كلِ مرة ؟ قال أبو بكر : فمن أين الطعامُ يا غلام ؟ قال : دفعه إليَّ أناسٌ كنتُ أحسنتُ إليهم في الجاهلية بكهانةٍ صنعتُها لهم ، وهنا ارتعدتْ فرائصُ الصديق ، وأدخلَ يده في فمــه ، وقاء كلَّ ما في بطنهِ وقال : واللهِ لو لم تخرجْ تلك اللقمة إلا مع نفسي لأخرجتها ، كل ذلك من شدةِ خوفه وتقواه وتورعهِ عن الحرام ، وأما خوفُ عمر رضي الله عنه وشدةِ تقواه فعجبٌ من العجب ، سمع قارئاً يقرأُ قولَه تعالى: { يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً } [الطور:13] فمرض ثلاثاً يعـودهُ الناس . بل إنه قرأ مرةً قولَه تعالى : {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ } [الصافات:24] فمرض شهراً يعودُه الناسُ مريضاً ، وأما عليٌ رضي الله عنه فكان يقبض لحيته في ظلمة الليل ويقول : يا دنيا غُري غيري أليَّ تزينتِ أم إليَّ تشوقتِ طلقتك ثلاثاً لا رجعةَ فيهن زادُك قليل وعمرُك قصير ، وخرج ابن مسعود مرة في جماعة فقال لهم ألكم حاجة ؟! قالوا : لا ؛ ولكن حبُ المسيرِ معك !! قال : اذهبوا فإنه ذلٌ للتابع ، وفتنةٌ للمتبوع .
دعنا من الخلفاء الراشدين المكرمين ، ولنتجاوز الزمن سنين عدداً ، فهاهو هارون الرشيد الخليفةُ العباسيُ العظيم الذي أذلَّ القياصرة وكسرَ الأكاسرة والذي بلغت مملكته أقاصي البلاد شرقاً وغرباً يخرج يوما في موكبهِ وأبهته فيقول له يهودي:يا أمير المؤمنين : اتق الله !! فينـزل هارونُ من مركبه ويسجدُ على الأرض للهِ ربِ العالمين في تواضعٍ وخشوع ، ثم يأمرُ باليهودي ويقضي له حاجته ، فلما قيل له في ذلك !! قال : لما سمعت مقولتَه تذكـرتُ قولَه تعالى {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ } [البقرة:206] فخشيت أن أكون ذلك الرجل ، وكم من الناس اليوم من إذا قيل له اتق الله احــمرتْ عيناه ، وانتفختْ أوداجه ، غضباً وغروراً بشأنه ، قال ابن مسعود رضي الله عنه : كفى بالمرء إثماً أن يقال له: اتق الله فيقول:عليك نفسَك !! مثلكُ ينصحنُي !!
إذن فيوم عُمرت قلوبُ السلفِ بالتقوى ، جمعهم اللهُ بعد فرقة ، وأعزهم بعد ذلة ، وفُتحت لهم البلاد ومُصرت لهم الأمصار كل ذلك تحقيقا لـموعودِ الله تعالى : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [الأعراف:96] فليكن هذا الشهر بداية للباس التقوى ؛ ولباس التقوى خير لباس لو كانوا يعلمون {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ } [القمر:54-55].
إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى *** تجرد عريانا وإن كان كاسيا
وخير خصال المـرء طـاعة ربه *** ولا خير فيمن كان لله عاصيا
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن كان مفرطاً في صلاته ، فلا يصليها مطلقاً ، أو يؤخرها عن وقتها , أو يتخلف عن أدائها جماعة في المسجد . ليعلم المتهاون في صلاته ، أنه يرتكب خطأً قاتلاً ، وتصرفاً مهلكاً ، يتوقف عليه مصيره كله ، و إن لم يتدارك نفسه ، فهو آيل لا محالة إلى نهاية بائسة ، وليل مظلم ، وعذاب مخيف ، جاء في الحديث عن سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرؤيا قال :" أما الذي يثلغ رأسه بالحجر فإنه يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة " رواه البخاري (1143).
إن التهاون بأمر الصلاة والاستخفاف بها ، خطأ فادح بكل المقاييس ، وجناية مخزية بكل المعايير . لا ينفع معها ندم ولا اعتذار عند الوقوف بين يدي الواحد القهار ، إني أدعوك بكل شفقة وإخلاص ، أدعوك والألم يعتصر قلبي خوفاً عليك ورأفة بك ، أدعوك في مثل هذا الشهر المبارك إلى إعادة النظر في واقعك ، ومُجريات حياتك ، أدعوك إلى مراجعة نفسك ، وتأمل أوضاعك قبل فوات الأوان ، إني أنصحك ألا تخدعك المظاهر ، ولا يغرك ما أنت فيه ، من الصحة والعافية والشباب والقوة ، فما هي إلا سراب بقيعة ، يحسبه الظمآن ماءً ، أو كبرق خُلب ، سرعان ما يتلاشى ، و ينطفئ ويزول ، فالصحة سيعقبها السقم ، والشباب يلاحقه الهرم ، والقوة آيلة إلى الضعف ، ولكن أكثر الناس لا يتفكرون .
أخي الكريم : إن أصحابك الذين غروك بالتهاون بشأن الصلاة ، وزينوا لك إضاعتها ، إنهم لن يذرفوا عليك سوى دموع التماسيح ، يعودون بعدها ، إلى مزاميرهم وطربهم وأنسهم ، غير مكترثين بك ، ولا بألف من أمثالك ، إنهم أنانيو الطباع ، ميتو الإحساس ، لا همّ لهم إلا أنفسهم وملذاتهم ، ولو فقدوا الآباء والأمهات ، فضلاً عن الأصحاب والخِلان ، فاستيقظ يا هذا من غفلتك ، وتنبه من نومتك ، فالحياة قصيرة وإن طالت ، والفرحة ذاهبة وإن دامت ، واجعل من رمضان فرصة للمحافظة على هذه الصلاة العظيمة ، فقد وفقك الله للصلاة مع الجماعة ، وإلف المساجد ، وعمارتها بالذكر والتسبيح ، فاستعن بالله ، واعزم من الآن أن يكون هذا الشهر المبارك بداية للمحافظة على الصلاة ، والتبكير إليها يقول الله تعالى في وصــف المؤمنين:{الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ } [المعارج: 24] .
ويقول سبحانه : {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ } [المعارج:34-35] .
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن ابتلاه الله تعالى بتعاطي الحرام ، من خـمر ومخدرات ، أو دخان و مسكرات ، أن لا يفعل بعد إفطاره ما يخل بهذه العزيمة القوية ، أو يوهنها ، أو يقلل من شأنها ،تلك العزيمة التي جعلته يمسك طوال ساعات النهار ، فيهدم في ليله ما بناه في نهاره من قوة الإرادة التي صبر بسببها عن محبوباته ومألوفاته . فما أحزمه لو استغل شهر الصيام كمدرسة يتدرب بها على هجر ما يكرهه هو ، أو يكرهه الشارع ، من مألوفاته التي اعتاد أكلها ، أو شربها ، أو مقاربتها . تالله ما أحزمه لو واصل هذه الحمية عن ذلك بالليل ، كما عملها في النهار .
أخي الصائم : إني أشجع فيك إيمانك العظيم ، ويقينك بالله تعالى . فمن الذي جعلك تمتنع عن تعاطي هذه السموم في وقت الصيام إلا خوفك من الجبار ، ومراقبتك للواحد القهار . وإلا فمَنْ مِنَ الناس يعلم أنك صائم أو لا ؟!! ولكن شعورك بنظر الله إليك ، ومراقبته لك ، صرفك عن تعاطي الحرام في وقت الصيام

إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل *** خلــوت ولكن قل عليّ رقيب

وإني أتساءل بصدق . . الإرادة التي استطاعت أن تصوم لأكثر من اثنتي عشرة ساعة ، أتعجز عن مواصلة مسيرتها الإصلاحية ؟!! والعزيمة التي صمدت عن تعاطي هذا البلاء ، لهذه الفترة الطويلة أثناء النهار . . أتنهار في آخر لحظات الإسفار ، وإرخاء الليل الستار ؟!!
أين الهمة التي لا تقف أمامها الجبال الشامخات ؟ وأين العزيمة التي لا تصدها العاتيات !! استعن بالله تعالى على ترك هذا البلاء ، فالنصر صبر ساعة ، والفرج قريب ، وإن الله مع الصابرين .
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن كان مقصرًا في نوافل العبادات ؛ فلم يجعل له منها نصيباً ، ولم يأخذ لنفسه قسماً مفروضاً ، فيغير من حاله ، ويبدل من شأنه ، ففي رمضان تتهيأ النفوس ، وتقبل القلوب ، وتخشع الأفئدة ، فينتهز هذه الفرصة ، فيحافظ على شيء منها ، فهي مكملة لفرائضه ، متممة لها ، قال صلى الله عليه وسلم : " إن أول ما يحاسب به العبد المسلم يوم القيامة الصلاة المكتوبة فإن أتمها وإلا قيل انظروا هل له من تطوع فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك " رواه ابن ماجه (1425) .
وأقل الوتر ركعة ، وأقل الضحى ركعتان ، وعدد السنن الرواتب ثنتا عشرة ركعة ، ركعتان قبل الفجر ، وأربع ركعات قبل الظهر ، وركعتان بعدها ، وركعتان بعد المغرب ، وركعتان بعد العشاء ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعا غير فريضة إلا بنى الله له بيتا في الجنة أو إلا بني له بيت في الجنة " رواه مسلم ، ويقول صلى الله عليه وسلم : " أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل " رواه مسلم .
ولماذا لا تجعل من رمضان فرصة ، لأن يكون لك أيام تصومها لله رب العالمين فمن صام يوماً في سبيل الله باعد الله بينه وبين النار سبعين خريفاً ، فهذه ستة من شوال ، ويوم عاشوراء ، وعرفة ، وصوم الإثنين والخميس ، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر . فلا تحرم نفسك الدخول من باب الريان ، عندما ينعم عليهم المنان بدخول الجنان . . فبادر شبابك قبل هرمك . . وصحتك قبل سقمك . . وحياتك قبل موتك . . عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " رواه البخاري .
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن هجر القرآن قراءة وتدبراً ، وحفظاً وعملاً حتى أصبح القرآن نسياً منسياً ، أن يكون هذا الشهر بداية للتغيير ، فترتب لنفسك جزءاً من القرآن ، لا تنفك عنه بأي حال من الأحوال ، ولو كان هذا الجزء يسيراً ، فأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل ، وقليل دائم ،خير من كثير منقطع ، ولا تنس الفضل الجزيل لمن قرأ كلام الله الجليل يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف " رواه الترمذي (2910) وقال هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه .
والقرآن يشفع لك يوم القيامة يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة ، يقول الصيام : أي ربي إني منعته الطعام والشهوة ، فشفعني فيه ، ويقول القرآن : رب منعته النوم بالليل ، فشفعني فيه ، قال : فيشفعان " رواه أحمد . قال الألباني ـ رحمه الله ـ : ( أي يشفعهما الله فيه ويدخله الجنة ) .
ولقد أدرك سلفنا الصالح عظمة هذا القرآن ؛ فعاشوا معه ليلاً ونهاراً . . قال وهيب بن الورد : قيل لرجل ألا تنام ؟ قال : إن عجائب القـرآن أطرن نومي ، وقال أحمد بن الحواري : إني لأقرأ القرآن ، وانظر في آية ، فيحير عقلي بها ، وأعجب من حفاظ القرآن ، كيف يهنئهم النوم ، ويسعهم أن يشتغلوا بشيء من الدنيا وهم يتلون كلام الله ، أما إنهم لو فهموا ما يتلون ، وعرفوا حقه ، وتلذذوا به ، واستحلوا المناجاة به ، لذهب عنهم النوم فرحاً بما رزقوا .
ومن المفارقة العجيبة ، أن يدرك أعداؤنا من عظمة هذا القرآن ، ما لا ندركه ، وأن يعملوا جاهدين على طمس معالمه ، ومحو آثاره في العباد والبلاد ، لخوفهم الشديد من عودة الأمة إلى هذا القرآن الذي يؤثر في النفوس ، ويحييها ، ويبعث فيها العزة والكرامة . يقول غلادستون : مادام هذا القرآن موجودا في أيدي المسلمين ، فلن تستطيع أوربة السيطرة على الشرق ، ولا أن تكون هي نفسها في أمان ، وكان نشيد جيوش الاستعمار ،كان نشيدهم :أنا ذاهب لسحق الأمة الملعونة ، لأحارب الديانة الإسلامية ، ولأمحو القرآن بكل قوتي .(1)
فما موقفك أنت يا رعاك الله ؟ أدع الإجابة لك ، وأسأل الله أن يوفقك للخير وفعله .
• ورمضان فرصة للتغيير .. للمرأة المسلمة التي أصبح حجابها مهلهلاً ، وعباءتها مطرزة ، وثيابها فاتنة ، وعطرها يفوح و في كل يوم إلى الأسواق تروح . . قال صلى الله عليه وسلم :" أيما امرأة استعطرت فمرت بقوم ليجدوا ريحها فهي زانية " رواه أحمد .
ويزداد الأمر سوءاً ، إذا كان الخروج بلا محرم . . فتركب مع السائق وحدها وما خلا رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطـان ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم . فليـكن - يا أخية - رمضان فرصة لأن تتربى نفسك على البقاء ، في المنـزل وعدم الخروج منه إلا لحاجة ماسة ، وبضوابط الخروج الشرعية ، وليكن رمضان فرصة لضبط النفس في قضايا اللباس ، والموضة والاعتدال فيهما ، بدون إفراط ولا تفريط ، وليكن رمضان فرصة للحفاظ على الحجاب الشرعي ؛ طاعة لله ، وإغاظة للشيطان وحزبه .
• ورمضان فرصة للتغيير .. للرجل والفتاة اللذين عبثا بالهاتف طويلاً ، وتهاتفا بعبرات الحب والغرام ، والعشق والهيام ، والذي كله كذب وهراء ، ودجل وافتراء ، وتلاعب بالمشاعر والعواطف ، وقد تكون البداية قضاء وقت فراغ ، ثم يستدرجهما الشيطان للوقوع في الفاحشة البغيضة . . فتقع المصيبة وتحل الطامة العظيمة . . وينكسر الزجاج فأنى له أن يعود مرة أخرى !!
تقول إحدى المعاكسات : كانت البداية مكالمة هاتفية عفوية . تطورت إلى قصة حب وهمية ، أوهمني أنه يحبني ، وسيتقدم لخطبتي ، طلب رؤيتي ، رفضت . هددني بالهجر !! بقطع العلاقة !! ضعفت . . أرسلت له صورتي مع رسالة معطرة !! توالت الرسائل ، طلب مني أن أخرج معه . . رفضت بشدة . . هددني بالصور ، بالرسائل المعطرة ، بصوتي في الهاتف ـ وقد كان يسجل ـ خرجت معه على أن أعود في أسرع وقت ممكن . . لقد عدت ولكن عدت وأنا أحمل العار ، قلت له الزواج .. الفضيحة ،قال لي بكل احتقار وسخرية : إني لا أتزوج فاجرة !!
فاتق الله أيها الشاب ، واتقي الله أيتها الفتاة ، وليكن رمضان فرصة لتغيير المسار والابتعاد عن الأخطار ، وهتك الأعراض فالزنا دين كما قال الشاعر :
يا هاتكاً حرم الرجال وتابعاً *** طـــرق الفساد فأنت غير مكــرم
من يزن في قـوم بألفـي درهم *** في أهـــــــله يزنــي بربــــع الدرهـــــم
إن الزنى دين إذا استقرضته *** كان الوفا من أهل بيتك فاعلم
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن تعود على حياة المترفين ، ونشأ على حب الدعة واللين ، أن يأخذ من رمضان درسا في تربية النفس على المجاهدة والخشونة في أمر الحياة ، فربما تسلب النعمة ، و تحل النقمة . فالدنيا غدارة غرارة مناحة مناعة ، وإقبال الدنيا كإلمامة ضيف ، أو غمامة صيف ، أو زيارة طيف ،عن أبي عثمان النهـدي قال : أتانا كتاب عمر بن الخطاب : ( اخشوشنوا واخشوشبوا واخلولقوا وتمعددوا ـ التمعدد ـ أي العيش الخشن الذي تعرفه العرب ـ كأنكم معد وإياكم والتنعم وزي العجم.) ، و عن عروة بن رويم قال : قال صلى الله عليه وسلم :" شرار أمتي الذين ولدوا في النعيم وغذوا به همتهم ألوان الطعام وألوان الثياب يتشدقون في الكلام" .
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن كان يتابع الأكلات ، ويتتبع المطاعم ، فيوم هنا ، ويوم هناك ، حتى أصبح بطنه هو شغله الشاغل . ولو سألته عن أي مطعم في الشرق أو الغرب لأعطاك وصفة موجزة . ومفصلة بما تحتوي عليه تلك المطاعم وحسنها من قبيحها ، وجيدها من رديئها ، وما هكذا تورد الإبل يا سعد !! ولم نخلق من أجل أن نسعد بطوننا . . والطعام وسيلة لا غاية فافهم هذا حتى تبلغ الغاية ...
كيف تصفو روح مَـرْءٍ *** نفسه للـطـعـم ولهى

لقد ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى التقلل من الأكل كما في حديث المقدام قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطن ، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه ، فإن كان لابد محالة ، فثلث لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلثه لنفسه "
رواه الترمذي
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم منذ قدم المدينة من خبر برّ ثلاث ليال تباعا حتى قبــــــض . وصــــــــح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون ، وينذرون ولا يوفون ، ويظهر فيهم السمن " رواه البخاري ومسلم . ويقول عمر رضي الله عنه : إياكم والبطنة في الطعام والشراب ، فإنها مفسدة للجسد ، مورثة للسقم ، مكسلة عن الصلاة ، وعليكم بالقصد فيهما ، فإنه أصلح للجسد ، وأبعد عن السرف ، وإن الله تعالى ليبغض الحبر السمين ، وإن الرجل لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه "
قال الحارث بن كلدة الطبيب المشهور : الحمية رأس الدواء ، والبطنة رأس الداء . وقال غيره لو قيل لأهل القبور: ما كان سبب آجالكم ؟ لقالوا : التخم !!
وقلة الطعام توجب رقة القلب وقوة الفهم ، وانكسار النفس ، وضعف الهوى والغضب . وكثرة الطعام يوجب ضد ذلك .
عن عمرو بن قيس قال : إياكم والبطنة فإنها تقسي القلب . وعن سلمة بن سعيد قال : إن كان الرجل ليعير بالبطنة كما يعير بالذنب يعمله .
وعن مالك بن دينار قال : ما ينبغي للمؤمن أن يكون بطنه أكبر همه ، وأن تكون شهوته هي الغالبة عليه .
وقال سفيان الثوري : إن أردت أن يصح جسمك ، ويقل نومك ، فأقل من الأكل .
فليكن هذا الشهر المبارك بداية للتقلل من الطعام والاستمرار على ذلك على الدوام .
• ورمضان فرصة للتغيير .. من أخلاقنا . فمن جبل على الأنانية والشح وفقدان روح الشعور بالجسد الواحد ، فشهر الصوم مدرسة عملية ، له وهو أوقع في نفس الإنسان من نصح الناصح ، وخطبة الخطيب ، لأنه تذكير يسمعه ويتلقنه من صوت بطنه إذا جاع ، وأمعائه إذا خلت ، وكبده إذا احترت من العطش ، يحصل له من ذلك تذكير عملي بـجوع الجائعين ، وبؤس البائسين ، وحاجة المحتاجين ، فتسمح نفسه بأداء حق الله إليهم ، وقد يجود عليهم بزيادة ، فشهر الصيام شهر الجود والمواساة . .
الصوم يمنحنا مشاعر رحمة *** وتعاون وتعفف وسماح

فرمضان مدرسة للقضاء على صفة الأنانية والشح ، ومن ثم الشعور بالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. قال صلى الله عليه وسلم : " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " رواه مسلم (2586) .
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن كان قليل الصبر ، سريع الغضب ، أن يتعلم منه الصبر والأناة . فأنت الآن تصبر على الجوع والعطش والتعب والنصب ساعات طويلة ، ألا يمكنك - أيضاً - أن تعود نفسك من خلال شهر الصبر . . الصبر على الناس وتصرفاتهم وأخلاقهم ، وما يفعلونه تجاهك من أخطاء ، وليكن شعـــارك الدائم .{ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [آل عمران:134] وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضـَبِ " يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه ، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره في أي الحور شاء " رواه الترمذي .
. . فليكن هذا الشهر بداية لأن يكون الصبر شعارنا ، والحلم والأناة دثارنا.
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن ابتلاه الله تعالى بقلب قاسٍ كالصـخر الراسي ، لا تدمع له عين أن ينتهز فرصة هذا الشهر الذي تكون للنفوس فيه صولة . . وللقلوب فيه جولة . . فيحرص على ترقيق قلبه ، بصرفه عن الذنوب التي هي جالبة الخطوب ، و حاجبة القلوب عن علام الغيوب . قال عليه الصلاة والسلام : " تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ " رواه مسلم .
وما أحسن قول القائل :
رأيت الذنوب تميت القلوب *** وقد يورث الذل إدمانهـا
وترك الذنوب حياة القلوب *** وخـير لنفسك عصيانهـا

ومن أراد السعادة فليلزم عتبة العبادة ، وليجتنب الإساءة ..يقول أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه: ( لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام الله عز وجل ) و يقول الحسن البصري رحمه الله : ( إذا لم تقدر على قيام الليل ، ولا صيام النهار ، فاعلم أنك محروم ، قد كبلتك الخطايا والذنوب ) وليكن لك ما بين فينة وفينة زيارة للمقابر ، وتتأمل في أحوال أصحابها ..فإن القوم فيها صرعى ، والدود في عيونهم يرعى ،عن الحديث سكتوا ، وعن السلام صمتوا ، الظالم بجانب المظلوم ، والمنتصر بجانب المهزوم ، ذهب الحسن والجمال ، والجاه والمال ، وبقيت الأعمال ..أموات يتجاورون ، ولا يتزاورون .
سكتــــــــــوا وفي أعماقـهم أخــبارُ وجافاهــــــم الأصحـــــاب والزوار
وتغيرت تلك الوجوه وأصبحت بعد الجمال على الجفون غبار

ماذا أعددت لهذا الموقف ؟ يقول الله تعالى : { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} [المؤمنون:99].
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن كان يأكل الحرام من خلال أكل الربا أو التلاعب في البيع والشراء أو بيع المحرمات من دخان ومجلات فاسدة ، ومعسل وجراك ، أو بيع العباءات والنقابات المحرمة ، أو الملابس الفاضحة من بناطيل نسائية أو أشرطة غنائية أو أشرطة فيديو أو الأطباق السوداء ، أن يغير من حاله ، وأن يبدل من شأنه ، وأن يدع أكل الحرام . فإن الله تعالى يحاسب على النقير والقطـمير .فحـذار يرحمك الله أن تزل قـدم بعد ثبوتها !! يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يدخل الجنة لحم ودم نبتا على سحت ، النار أولى به "رواه ابن حبان وصححه.
وهل يسرك أن أهل الإيمان يرفعون أيديهم في صلاة التراويح والقيام يدعون الله تعالى ، ويستغيثون به ، ويسألونه من فضله ورحمته وجوده وبره ويستجاب لهم ..وأنت ترد عليك دعوتك ؟!! عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رســــول الله صلى الله عليه وسلم :" أيها الناس : إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } [المؤمنون:51] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب ، يا رب ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام ، فأنى يستجاب لذلك " رواه مسلم .
وتذكر أنه لن ينفعك أن الناس فعلوا ، أو أنهم يريدون ذلك ، فكل واحد منا سيقف بين يدي الواحد القهار ، ويسأله عن أعماله وأقواله الصغار ، والكبار ..فمن سيقف معك في ذلك الموقف العصيب ؟
يقول النبي صلى الله عليه وسلم  : " لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا ، وإن ظلموا ظلمنا ، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا ، وإن أساؤا فلا تظلموا " رواه الترمذي (2007) و قال :هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه .
وكن يا رعاك الله مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر فإن الدال على الخير كفاعله يقول الله تعالى : {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2].
• ورمضان فرصة للتغيير .. للكُتاب الذين تأثروا بعدوهم .. إننا نقول لهم : إن رمضان فرصة لهم للتغيير ، فالكلمة أمانة ، إنها مسؤولية ، نعم لمسؤولية الكلمة ، لا لحرية الكلمة المتجردة من تعاليم ديننا . وخليق بأدبائنا وشعرائنا أن يتفق أدبهم مع أدب دينهم ، وحري بالصحافة المسلمة أن تربأ بما ينشر على صفحاتها عما يتنافى مع عقيدتنا الإسلامية وتراثنا . قال تعالى:{ وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} [الإسراء:36].
ثم أيها الكاتب الموفق : ألم تقرأ ما سطره يهود في بروتوكولاتهم : ( الأدب والصحافة هما أعظم قوتين تعليميتين خطرتين ، ولهذا السبب ستشتري حكومتنا العدد الأكبر من الدوريات ..) وهل تتصور أن شراءهم لها من أجل الإصلاح ؟ أم من أجل إقامة العدل ؟ أم من أجل الدفاع عن حقوق المضطهدين ؟ كلا ؛ بل من أجل الإفساد ، ونشر الرذيلة بين الأمم كلها وخاصة أهل الإسلام لأنهم ألد الخصام لهم ، فهل ترضى لنفسك أن تكون عوناً لهؤلاء على أمتك ؟ هل ترضى أن تكون أداة إفساد في الأمة ـ من حيث تشعر أولا تشعر ـ هل ترضى أن تنشر في الأمة ما يؤثر على دينها وسلوكها ؟ قل لي بربك كيف تستسيغ أن تكتب بقلمك السيال ما يغضب ربك ؟ كيف تتجرأ أن تكتب بقلمك الرفيع ما يدعو إلى نشر الفاحشة في الذين آمنوا ؟ أو أن تضللهم أو تزيف الحقائق عليهم ؟ لقد وهبك الله تلك الموهبة ، وأسبغ عليك هذه النعمة فحري بك أن تستعملها في طاعة مولاك ، حري بك يا من آمنت بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد نبياً أن تسخر قلمك للصدع بكلمة الحق ، والمجاهرة بالفضيلة ، والدعوة إلى العفة والكرامة ، حري بك أن تكون منافحاً عما يُراد بأمتك ، حري بك أن تكون مكافحاً عما يخطط لأمتك .
وأخيرا أودعك وكلي رجاء أن تجد هذه الكلمات صداها في قلبك، وأن تلامس هذه النداءات شغاف نفسك، وأن نلتقي سويا على خدمة هذا الدين حتى نلقى الله سبحانه ونحن على ذلك ..وليكن شهر رمضان شهراً لمراجعة النفس والمنهج والفكر فمردة الشياطين تصفد ، وادع الله تعالى من قلب خاشع أن يريك الحق حقاً ، ويرزقك اتباعه ، والباطل باطلاً ، ويرزقك اجتنابه .وإن كنت تعلم الحق ولكن حب المال ، والجاه والشهرة ، والمنصب غلب عليك فإني أقول لك ستعرف غداً عاقبة أمرك . وشؤم فعلك على نفسك !!
• ورمضان فرصة للتغيير .. للدعاة الذين فترة همتهم ، وضعفت غيرتهم ، ..وتوانت عزائمهم ، فيشدوا من حالهم ، ويستيقظوا من رقدتهم ، ويتنبهوا من غفلتهم ، وينتهزوا فرصتهم ، بدعوة الناس إلى ربهم ، والذهاب إلى أماكن تواجدهم وتجمعهم . لتذكيرهم بالله تعالى ، وتخويفهم من ناره وجحيمه ، وترغيبهم بجنته ونعيمه ، والتفكير الجاد لمعرفة الأساليب المناسبة للإصلاح ، وليتذكر الدعاة إلى الله فضل الدعوة إلى الله ، والسهر من أجلها ، والتفاني لها ، وجزاء من تاب على أيديهم ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم " رواه البخاري .
ليكن رمضان محطة روحية تبعث فينا روح الجدية ..فيعد الداعية عدته ، ويأخذ أهبته ، ويملك عليه الفكر فيما هو فيه نواصي نفسه وجوانب قلبه ..فيكون دائم التفكير ، عظيم الاهتمام ، على قدم الاستعـداد أبدا ، إن دعي أجـــاب ، أو نودي لبى ، غدوه ورواحه وحديثه وكلامه ، وجده ولعبه لا يتعدى الميدان الذي أعد نفسه له !!
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن كان مذنباً ومسرفاً على نفسه بالخطايا والموبقات فإذا به يسمع الأغنيات بأصوات المغنين والمغنيات ، ويشاهد القنوات بصورها الفاضحات ، ويعاكس الفتيات ، ويسهر على الموبقات ، ويعاقر المنكرات ، أن يسارع إلى الإنابة ، ويبادر إلى الاستقامة ،قبل زوال النعم ،وحلـول النقم ، فهنالك لا تقـال العثرات ، ولا تستدرك الزلات .. {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [النور:31] ويكفي التائبين فخراً وعزاً ورفعة وشرفاً أن الله تعالى قال : {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } [البقرة:222] أليس من سعادة التائبين ..أن الله تعالى يفرح بأوبة الراجعين ..وإقبال المذنبين ..يقول صلى الله عليه وسلم : " لله أفرح بتوبة عبده من رجل نزل منزلا وبه مهلكة ، ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه ، فوضع رأسه فنام نومة ، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله قال :أرجع إلى مكاني ، فرجع فنام نومة ، ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده " رواه البخاري (6308) ، وفي مسلم : " فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح ".
فالتوبة ..التوبة ..فهي شعار المتقين ..ودأب الصالحين ..وحلية الصالحين ..أما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة " رواه مسلم .
فبادر يا رعاك الله إليها في مثل هذا الشهر المبارك ،فأبواب الجنة مشرعة ، وأبواب النار مغلقة ، ولله في كل ليلة عتقاء من النار ، فاجتهد أن تكون واحدا منهم ، جعلني الله وإياك ووالدينا ممن فاز بالرضا والرضوان والفوز بالجنان والنجاة من النيران .
وفي الختام .. آن لثياب العصيان ، أن تخلع في رمضان ، ليُلْبس الله العبد ثياب الرضوان ، وليجود عليه بتوبة تمحو ما كان من الذنب والبهتان ، وقد حان الأوان لفراق الخِلان ، وختم البيان بالصلاة والسلام على سيد ولد عدنان ، وعلى آله وأصحابه الشجعان ، وعلى من سار على نهجهم واقتفى أثرهم على مر الزمان .

رمضان فرصة للتغيير


رمضان فرصة للتغيير
 الحمد لله الذي هيأ لعباده أسباب الهداية ، ويســــــــر لهم دروب الاستقامة ،وفتح لهم أبواب رحمته ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وهداية للخلق أجمعين وعلى من سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين .

أما بعد : فهاهو رمضان قد أقبل بنوره وعطره ، و جاء بخيره وطهره ، جاء ليربي في الناس قوة الإرادة ورباطة الجأش ، ويربي فيهم ملكة الصبر ، ويعودهم على احتمال الشدائد ، والجلد أمام العقبات ومصاعب الحياة .
فرمضان مدرسة تربوية (يتدرب بها المسلم المؤمن على تقوية الإرادة في الوقوف عند حدود ربه في كل شيء ، والتسليم لحكمه في كل شيء ، وتنفيذ أوامره وشريعته في كل شيء ، وترك ما يضره في دينه أو دنياه أو بدنه من كل شيء ، ليضبط جوارحه وأحاسيسه جميعاً عن كل ما لا ينبغي بتدربه الكامل في هذا الشهر المبارك ، ليحصل على تقوى الله في كل وقت وحين ، وفي أي حال ومكان ، وذلك إذا اجتهد على التحفظ في هذه المدرسة الرحمانية بمواصلة الليل مع النهار على ترك كل إثم وقبيح ، وضبط جوارحه كلها عما لا يجوز فعله . . لينجح من هذه المدرسة حقاً ، ويخرج ظافراً من جهاده لنفسه ، موفراً مواهبه الإنسانية وطاقاته المادية والمعنوية لجهاد أعدائه .) فحري بهذا الشهر أن يكون فرصة ذهبية ، للوقوف مع النفس ومحاسبتها لتصحيح ما فات ، واستدراك ما هو آت ، قبل أن تحل الزفرات ، وتبدأ الآهات ، وتشتد السكرات.

رمضان هلْ لي وقفة أستروحُ الذكرى وأرشـــــــف كلها المـعـسولا
رمضان ! هل لي وقفة أسترجع الماضي وأرتع في حمـاه جــذولا

فأذن - لي قارئي الكريم - أن أستقطع من وقتك الثمين جزءاً يسيراً لنتذاكر جميعاً ونتساءل: هل يمكننا أن نغير من أحوالنا ، ونحسن من أوضاعنا ، فنفكر في مآلنا ومصيرنا بعد فراق حياتنا ، فنمهد لأنفسنا قبل عثرة القدم ، وكثرة النـــدم ، فنتزود ليوم التناد بكامل الاستعداد .
فأسأل الله تعالى أن يبدل من أحوالنا ، ويقلب من شأننا ، حتى يصبح يومنا خيراً من أمسنا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .
وكتبه : محمد بن عبدالله الهبدان
1/8/1421هـ
ص .ب 120969 الرمز : 11689
البريد الإلكتروني : ahabdan@emel.com

لماذا رمـضـــان ؟!!
لأن رمضان فرصة العمر السانحة وموسم البضاعة الرابحة والكِفة الراجحة ولماحباه الله تعالى من المميزات فهو بحق مدرسة لإعداد الرجال وهو بصدق جامعة لتخريج الأبطال .

هنا مصنع الأبطال يصنع أمةً *** وينفخ فيها قــــوة الروح والـفــــــــكر
ويخلع عنها كل قيد يعــوقها *** ويعلي منار الحق والصدق والصبر

ولما يسر الله تعالى فيه ، من أسباب الخيرات ، وفعل الطاعات ، فالنفوس فيه مقبلة ، والقلوب إليه والهة .
ولأن رمضان تصفد فيه مردة الشياطين . فلا يصلون إلى ما كانوا يصلون إليه في غير رمضان ، وفي رمضان تفتح أبواب الجنان ، وتغلق أبواب النيران ، ولله في كل ليلة من رمضان عتقاء من النار ، وفي رمضان ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر ، فما أعظمها من بشارة ، لو تأملناها بوعي وإدراك لوجدتنا مسارعين إلى الخيرات ، متنافسين في القربات ، هاجرين للموبقات ،تاركين للشهوات.
• ورمضان فرصة للتغيير . . لما حصل فيه من الأحداث التي غيرت مسار التاريخ ، وقلبت ظهر المجن ، فنقلت الأمة من مواقع الغبراء ، إلى مواكب الجوزاء ، ورفعتها من مؤخرة الركب ، لتكون في محل الصدارة والريادة ففي معركة بدر الكبرى التقى جيشان عظيمان ، جيش محمد صلى الله عليه وسلم ، وجيش الكفر بقيادة أبي جهل في السنة الثانية من الهجرة وذلك في اليوم السابع عشر من رمضان ، وانتصر فيها جيش الإيمان على جيش الطغيان ، ومن تلك المعركة بدأ نجم الإسلام في صعود ، ونجم الكفر في أفول ، وأصبحت العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ، يقـــــول الله تعالى:{ وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [آل عمران:123] .
أبطـال بدر ياجباهاً شـــــــُرعت *** للشمس تحكي وجهها المصقولا
حطـمتم الشرك المصغر خده *** فارتد مشلول الخطى مخـذولا

وفي السنة الثامنة ، وفي شهر رمضان ، كان الفتح العظيم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحزبه الأمين ، واستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدى للعالمين من أيدي الكفار والمشركين ، وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء ، وضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء ، ودخل الناس به في دين الله أفواجا ، وأشرق به وجه الأرض ضياءً وابتهاجا .
وفي سنة ستمائة وثمانيةً وخمسين ، فعل التتار بأهل الشام مقتلة عظيمة ، وتشرد من المسلمين من تشرد ، وخربت الديار ، فقام الملك المظفر قطز ، بتجهيز الجيوش ، لقتال التتار ، حتى حان اللقاء في يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان وأمر ألا يقاتلوا حتى تزول الشمس ، وتفيء الظلال ، وتهب الرياح ، ويدعوا الخطباء والناس في صلاتهم ، ثم تقابل الصفان ، واقتتل الجيشان ، وحصلت معركة عظيمة ، سالت فيها دماء ، وتقطعت أشلاء ، ثم صارت الدائرة على القوم الكافرين ، وقطع دابر القوم الذين ظلموا ، والحمد لله رب العالمين .
كل هذه الأسباب جعلتنا نوقن بأن رمضان فرصة سانحة وغنيمة جاهزة ، لمن أراد التغيير في حياته . فالأسباب مهيأة ، والأبواب مشرعة وما بقي إلا العزيمة الصادقة ، والصحبة الصالحة ، والاستعانة بالله في أن يوفقك للخير والهداية .

رمضانُ أقبل قم بنا يا صاح *** هذا أوان تبتل وصـــلاح
واغنم ثواب صيامه وقيامه *** تسعد بخير دائم وفلاح
رمضان فرصة الجميع للتغيير
•  فرمضان فرصة للتغيير .. ليصبح العبد من المتقين الأخيار ، ومن الصالحين الأبرار . يقول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183] فقوله { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} تعليل لفرضية الصيام ؛ ببيان فائدته الكبرى ، وحكمته العظمى . وهي تقوى الله والتي سأل أميرُ المؤمنين عمرُ رضي الله عنه الصحابيَ الجليل ؛ أبيَ بن كعب رضي الله عنه عن معنى التقوى ومفهومها ؟ فقال يا أمير المؤمنين : أما سلكت طريقا ذا شوك ؟ قال : بلى .. قال : فما صنعت ؟ قال : شمرتُ واجتهدت .. أي اجتهدتُ في توقي الشوك والابتعاد عنه ، قال أبي: فذلك التقوى .إذن فالتقوى : حساسيةٌ في الضمير ، وشفافيةٌ في الشعور ، وخشيةٌ مستمرة ، وحذرٌ دائم ، وتوق لأشواكِ الطريق ؛طريقِ الحياة الذي تتجاذبُه أشواكُ الرغائبِ والشهوات ، وأشواكُ المخاوفِ والهواجس ، وأشواكُ الفتنِ والموبقات ، وأشواكُ الرجاءِ الكاذب فيمن لا يملكُ إجابةَ الرجاء ، وأشواكُ الخوف الكاذب ممن لا يملكُ نفعاً ولا ضراً ، وعشراتٌ غيرُها من الأشواك ..
خـــــل الـذنوب صغــــــــــيرها وكبيرها ذاك الـتقى
واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى
لا تـحـقـرن صـغيرةً إن الجبـــــــالَ من الحـــــــــــصى
هذا هو مفهوم التقوى .. فإذا لم تتضح لك بعد .. فاسمع إلى علي رضي الله عنه وهو يعبر عن التقوى بقوله : هي الخوفُ من الجليل ، والعملُ بالتنزيلُ ، والقناعةُ بالقليل ، والاستعدادُ ليوم الرحيل . هذه حقيقة التقوى ، وهذا مفهومها .
فأين نحن من هذه المعاني المشرقةِ المضيئة ؟ .. لقد كان المجتمعُ الإسلاميُ الأول مضربَ المثل في نزاهتهِ ، وعظمةِ أخلاقه ، وتسابقِ أفرادهِ إلى مرضاةِ ربهمِ جل جلاله ، وتقدست أسماؤه ، وكانت التقوى سمةً بارزة في محيا ذلكِ الجيلِ العظيم الذي سادَ الدنيا بشجاعتهِ وجهاده ، وسارت بأخلاقهِ وفضائلهِ الركبان مشرقاً ومغرباً ، فقد كان إمام المتقين عليه الصلاة والسلام قمةً في تقواه وورعهِ ، وشدةِ خوفهِ من ربهِ العظيمِ الجليل ، فكان يقومُ الليل يصلي ويتهجد حتى تفطرتْ قدماه الشريفتان ، وكان يُسمعُ لصدره أزيزٌ كأزيزِ المرجل من النشيجِ والبكاء ، وهو الذي غُفر له ذنبه ما تقدم وما تأخر .
وأما صاحبهُ المبجل ، وخليفته العظيم أبو بكر الصديق رضي الله عنه فكان يقول : يا ليتني كنت شجرةً تعضدُ ثم تؤكل !! وكان له خادمٌ يأتيه بالطعام ، وكان من عادةِ الصديق أن يسأله في كل مرة عن مصدرِ الطعام ؛ تحرزاً من الحرام !! فجاءه خادمُه مرةً بطعامه ، فنسي أن يسألَه كعادته فلما أكلَ منه لقمة قال له خادمُه : لمَ لم تسألني - يا خليفةَ رسولِ الله - كسؤالكِ في كلِ مرة ؟ قال أبو بكر : فمن أين الطعامُ يا غلام ؟ قال : دفعه إليَّ أناسٌ كنتُ أحسنتُ إليهم في الجاهلية بكهانةٍ صنعتُها لهم ، وهنا ارتعدتْ فرائصُ الصديق ، وأدخلَ يده في فمــه ، وقاء كلَّ ما في بطنهِ وقال : واللهِ لو لم تخرجْ تلك اللقمة إلا مع نفسي لأخرجتها ، كل ذلك من شدةِ خوفه وتقواه وتورعهِ عن الحرام ، وأما خوفُ عمر رضي الله عنه وشدةِ تقواه فعجبٌ من العجب ، سمع قارئاً يقرأُ قولَه تعالى: { يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً } [الطور:13] فمرض ثلاثاً يعـودهُ الناس . بل إنه قرأ مرةً قولَه تعالى : {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ } [الصافات:24] فمرض شهراً يعودُه الناسُ مريضاً ، وأما عليٌ رضي الله عنه فكان يقبض لحيته في ظلمة الليل ويقول : يا دنيا غُري غيري أليَّ تزينتِ أم إليَّ تشوقتِ طلقتك ثلاثاً لا رجعةَ فيهن زادُك قليل وعمرُك قصير ، وخرج ابن مسعود مرة في جماعة فقال لهم ألكم حاجة ؟! قالوا : لا ؛ ولكن حبُ المسيرِ معك !! قال : اذهبوا فإنه ذلٌ للتابع ، وفتنةٌ للمتبوع .
دعنا من الخلفاء الراشدين المكرمين ، ولنتجاوز الزمن سنين عدداً ، فهاهو هارون الرشيد الخليفةُ العباسيُ العظيم الذي أذلَّ القياصرة وكسرَ الأكاسرة والذي بلغت مملكته أقاصي البلاد شرقاً وغرباً يخرج يوما في موكبهِ وأبهته فيقول له يهودي:يا أمير المؤمنين : اتق الله !! فينـزل هارونُ من مركبه ويسجدُ على الأرض للهِ ربِ العالمين في تواضعٍ وخشوع ، ثم يأمرُ باليهودي ويقضي له حاجته ، فلما قيل له في ذلك !! قال : لما سمعت مقولتَه تذكـرتُ قولَه تعالى {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ } [البقرة:206] فخشيت أن أكون ذلك الرجل ، وكم من الناس اليوم من إذا قيل له اتق الله احــمرتْ عيناه ، وانتفختْ أوداجه ، غضباً وغروراً بشأنه ، قال ابن مسعود رضي الله عنه : كفى بالمرء إثماً أن يقال له: اتق الله فيقول:عليك نفسَك !! مثلكُ ينصحنُي !!
إذن فيوم عُمرت قلوبُ السلفِ بالتقوى ، جمعهم اللهُ بعد فرقة ، وأعزهم بعد ذلة ، وفُتحت لهم البلاد ومُصرت لهم الأمصار كل ذلك تحقيقا لـموعودِ الله تعالى : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [الأعراف:96] فليكن هذا الشهر بداية للباس التقوى ؛ ولباس التقوى خير لباس لو كانوا يعلمون {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ } [القمر:54-55].
إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى *** تجرد عريانا وإن كان كاسيا
وخير خصال المـرء طـاعة ربه *** ولا خير فيمن كان لله عاصيا
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن كان مفرطاً في صلاته ، فلا يصليها مطلقاً ، أو يؤخرها عن وقتها , أو يتخلف عن أدائها جماعة في المسجد . ليعلم المتهاون في صلاته ، أنه يرتكب خطأً قاتلاً ، وتصرفاً مهلكاً ، يتوقف عليه مصيره كله ، و إن لم يتدارك نفسه ، فهو آيل لا محالة إلى نهاية بائسة ، وليل مظلم ، وعذاب مخيف ، جاء في الحديث عن سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرؤيا قال :" أما الذي يثلغ رأسه بالحجر فإنه يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة " رواه البخاري (1143).
إن التهاون بأمر الصلاة والاستخفاف بها ، خطأ فادح بكل المقاييس ، وجناية مخزية بكل المعايير . لا ينفع معها ندم ولا اعتذار عند الوقوف بين يدي الواحد القهار ، إني أدعوك بكل شفقة وإخلاص ، أدعوك والألم يعتصر قلبي خوفاً عليك ورأفة بك ، أدعوك في مثل هذا الشهر المبارك إلى إعادة النظر في واقعك ، ومُجريات حياتك ، أدعوك إلى مراجعة نفسك ، وتأمل أوضاعك قبل فوات الأوان ، إني أنصحك ألا تخدعك المظاهر ، ولا يغرك ما أنت فيه ، من الصحة والعافية والشباب والقوة ، فما هي إلا سراب بقيعة ، يحسبه الظمآن ماءً ، أو كبرق خُلب ، سرعان ما يتلاشى ، و ينطفئ ويزول ، فالصحة سيعقبها السقم ، والشباب يلاحقه الهرم ، والقوة آيلة إلى الضعف ، ولكن أكثر الناس لا يتفكرون .
أخي الكريم : إن أصحابك الذين غروك بالتهاون بشأن الصلاة ، وزينوا لك إضاعتها ، إنهم لن يذرفوا عليك سوى دموع التماسيح ، يعودون بعدها ، إلى مزاميرهم وطربهم وأنسهم ، غير مكترثين بك ، ولا بألف من أمثالك ، إنهم أنانيو الطباع ، ميتو الإحساس ، لا همّ لهم إلا أنفسهم وملذاتهم ، ولو فقدوا الآباء والأمهات ، فضلاً عن الأصحاب والخِلان ، فاستيقظ يا هذا من غفلتك ، وتنبه من نومتك ، فالحياة قصيرة وإن طالت ، والفرحة ذاهبة وإن دامت ، واجعل من رمضان فرصة للمحافظة على هذه الصلاة العظيمة ، فقد وفقك الله للصلاة مع الجماعة ، وإلف المساجد ، وعمارتها بالذكر والتسبيح ، فاستعن بالله ، واعزم من الآن أن يكون هذا الشهر المبارك بداية للمحافظة على الصلاة ، والتبكير إليها يقول الله تعالى في وصــف المؤمنين:{الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ } [المعارج: 24] .
ويقول سبحانه : {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ } [المعارج:34-35] .
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن ابتلاه الله تعالى بتعاطي الحرام ، من خـمر ومخدرات ، أو دخان و مسكرات ، أن لا يفعل بعد إفطاره ما يخل بهذه العزيمة القوية ، أو يوهنها ، أو يقلل من شأنها ،تلك العزيمة التي جعلته يمسك طوال ساعات النهار ، فيهدم في ليله ما بناه في نهاره من قوة الإرادة التي صبر بسببها عن محبوباته ومألوفاته . فما أحزمه لو استغل شهر الصيام كمدرسة يتدرب بها على هجر ما يكرهه هو ، أو يكرهه الشارع ، من مألوفاته التي اعتاد أكلها ، أو شربها ، أو مقاربتها . تالله ما أحزمه لو واصل هذه الحمية عن ذلك بالليل ، كما عملها في النهار .
أخي الصائم : إني أشجع فيك إيمانك العظيم ، ويقينك بالله تعالى . فمن الذي جعلك تمتنع عن تعاطي هذه السموم في وقت الصيام إلا خوفك من الجبار ، ومراقبتك للواحد القهار . وإلا فمَنْ مِنَ الناس يعلم أنك صائم أو لا ؟!! ولكن شعورك بنظر الله إليك ، ومراقبته لك ، صرفك عن تعاطي الحرام في وقت الصيام

إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل *** خلــوت ولكن قل عليّ رقيب

وإني أتساءل بصدق . . الإرادة التي استطاعت أن تصوم لأكثر من اثنتي عشرة ساعة ، أتعجز عن مواصلة مسيرتها الإصلاحية ؟!! والعزيمة التي صمدت عن تعاطي هذا البلاء ، لهذه الفترة الطويلة أثناء النهار . . أتنهار في آخر لحظات الإسفار ، وإرخاء الليل الستار ؟!!
أين الهمة التي لا تقف أمامها الجبال الشامخات ؟ وأين العزيمة التي لا تصدها العاتيات !! استعن بالله تعالى على ترك هذا البلاء ، فالنصر صبر ساعة ، والفرج قريب ، وإن الله مع الصابرين .
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن كان مقصرًا في نوافل العبادات ؛ فلم يجعل له منها نصيباً ، ولم يأخذ لنفسه قسماً مفروضاً ، فيغير من حاله ، ويبدل من شأنه ، ففي رمضان تتهيأ النفوس ، وتقبل القلوب ، وتخشع الأفئدة ، فينتهز هذه الفرصة ، فيحافظ على شيء منها ، فهي مكملة لفرائضه ، متممة لها ، قال صلى الله عليه وسلم : " إن أول ما يحاسب به العبد المسلم يوم القيامة الصلاة المكتوبة فإن أتمها وإلا قيل انظروا هل له من تطوع فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك " رواه ابن ماجه (1425) .
وأقل الوتر ركعة ، وأقل الضحى ركعتان ، وعدد السنن الرواتب ثنتا عشرة ركعة ، ركعتان قبل الفجر ، وأربع ركعات قبل الظهر ، وركعتان بعدها ، وركعتان بعد المغرب ، وركعتان بعد العشاء ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعا غير فريضة إلا بنى الله له بيتا في الجنة أو إلا بني له بيت في الجنة " رواه مسلم ، ويقول صلى الله عليه وسلم : " أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل " رواه مسلم .
ولماذا لا تجعل من رمضان فرصة ، لأن يكون لك أيام تصومها لله رب العالمين فمن صام يوماً في سبيل الله باعد الله بينه وبين النار سبعين خريفاً ، فهذه ستة من شوال ، ويوم عاشوراء ، وعرفة ، وصوم الإثنين والخميس ، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر . فلا تحرم نفسك الدخول من باب الريان ، عندما ينعم عليهم المنان بدخول الجنان . . فبادر شبابك قبل هرمك . . وصحتك قبل سقمك . . وحياتك قبل موتك . . عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " رواه البخاري .
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن هجر القرآن قراءة وتدبراً ، وحفظاً وعملاً حتى أصبح القرآن نسياً منسياً ، أن يكون هذا الشهر بداية للتغيير ، فترتب لنفسك جزءاً من القرآن ، لا تنفك عنه بأي حال من الأحوال ، ولو كان هذا الجزء يسيراً ، فأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل ، وقليل دائم ،خير من كثير منقطع ، ولا تنس الفضل الجزيل لمن قرأ كلام الله الجليل يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف " رواه الترمذي (2910) وقال هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه .
والقرآن يشفع لك يوم القيامة يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة ، يقول الصيام : أي ربي إني منعته الطعام والشهوة ، فشفعني فيه ، ويقول القرآن : رب منعته النوم بالليل ، فشفعني فيه ، قال : فيشفعان " رواه أحمد . قال الألباني ـ رحمه الله ـ : ( أي يشفعهما الله فيه ويدخله الجنة ) .
ولقد أدرك سلفنا الصالح عظمة هذا القرآن ؛ فعاشوا معه ليلاً ونهاراً . . قال وهيب بن الورد : قيل لرجل ألا تنام ؟ قال : إن عجائب القـرآن أطرن نومي ، وقال أحمد بن الحواري : إني لأقرأ القرآن ، وانظر في آية ، فيحير عقلي بها ، وأعجب من حفاظ القرآن ، كيف يهنئهم النوم ، ويسعهم أن يشتغلوا بشيء من الدنيا وهم يتلون كلام الله ، أما إنهم لو فهموا ما يتلون ، وعرفوا حقه ، وتلذذوا به ، واستحلوا المناجاة به ، لذهب عنهم النوم فرحاً بما رزقوا .
ومن المفارقة العجيبة ، أن يدرك أعداؤنا من عظمة هذا القرآن ، ما لا ندركه ، وأن يعملوا جاهدين على طمس معالمه ، ومحو آثاره في العباد والبلاد ، لخوفهم الشديد من عودة الأمة إلى هذا القرآن الذي يؤثر في النفوس ، ويحييها ، ويبعث فيها العزة والكرامة . يقول غلادستون : مادام هذا القرآن موجودا في أيدي المسلمين ، فلن تستطيع أوربة السيطرة على الشرق ، ولا أن تكون هي نفسها في أمان ، وكان نشيد جيوش الاستعمار ،كان نشيدهم :أنا ذاهب لسحق الأمة الملعونة ، لأحارب الديانة الإسلامية ، ولأمحو القرآن بكل قوتي .(1)
فما موقفك أنت يا رعاك الله ؟ أدع الإجابة لك ، وأسأل الله أن يوفقك للخير وفعله .
• ورمضان فرصة للتغيير .. للمرأة المسلمة التي أصبح حجابها مهلهلاً ، وعباءتها مطرزة ، وثيابها فاتنة ، وعطرها يفوح و في كل يوم إلى الأسواق تروح . . قال صلى الله عليه وسلم :" أيما امرأة استعطرت فمرت بقوم ليجدوا ريحها فهي زانية " رواه أحمد .
ويزداد الأمر سوءاً ، إذا كان الخروج بلا محرم . . فتركب مع السائق وحدها وما خلا رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطـان ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم . فليـكن - يا أخية - رمضان فرصة لأن تتربى نفسك على البقاء ، في المنـزل وعدم الخروج منه إلا لحاجة ماسة ، وبضوابط الخروج الشرعية ، وليكن رمضان فرصة لضبط النفس في قضايا اللباس ، والموضة والاعتدال فيهما ، بدون إفراط ولا تفريط ، وليكن رمضان فرصة للحفاظ على الحجاب الشرعي ؛ طاعة لله ، وإغاظة للشيطان وحزبه .
• ورمضان فرصة للتغيير .. للرجل والفتاة اللذين عبثا بالهاتف طويلاً ، وتهاتفا بعبرات الحب والغرام ، والعشق والهيام ، والذي كله كذب وهراء ، ودجل وافتراء ، وتلاعب بالمشاعر والعواطف ، وقد تكون البداية قضاء وقت فراغ ، ثم يستدرجهما الشيطان للوقوع في الفاحشة البغيضة . . فتقع المصيبة وتحل الطامة العظيمة . . وينكسر الزجاج فأنى له أن يعود مرة أخرى !!
تقول إحدى المعاكسات : كانت البداية مكالمة هاتفية عفوية . تطورت إلى قصة حب وهمية ، أوهمني أنه يحبني ، وسيتقدم لخطبتي ، طلب رؤيتي ، رفضت . هددني بالهجر !! بقطع العلاقة !! ضعفت . . أرسلت له صورتي مع رسالة معطرة !! توالت الرسائل ، طلب مني أن أخرج معه . . رفضت بشدة . . هددني بالصور ، بالرسائل المعطرة ، بصوتي في الهاتف ـ وقد كان يسجل ـ خرجت معه على أن أعود في أسرع وقت ممكن . . لقد عدت ولكن عدت وأنا أحمل العار ، قلت له الزواج .. الفضيحة ،قال لي بكل احتقار وسخرية : إني لا أتزوج فاجرة !!
فاتق الله أيها الشاب ، واتقي الله أيتها الفتاة ، وليكن رمضان فرصة لتغيير المسار والابتعاد عن الأخطار ، وهتك الأعراض فالزنا دين كما قال الشاعر :
يا هاتكاً حرم الرجال وتابعاً *** طـــرق الفساد فأنت غير مكــرم
من يزن في قـوم بألفـي درهم *** في أهـــــــله يزنــي بربــــع الدرهـــــم
إن الزنى دين إذا استقرضته *** كان الوفا من أهل بيتك فاعلم
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن تعود على حياة المترفين ، ونشأ على حب الدعة واللين ، أن يأخذ من رمضان درسا في تربية النفس على المجاهدة والخشونة في أمر الحياة ، فربما تسلب النعمة ، و تحل النقمة . فالدنيا غدارة غرارة مناحة مناعة ، وإقبال الدنيا كإلمامة ضيف ، أو غمامة صيف ، أو زيارة طيف ،عن أبي عثمان النهـدي قال : أتانا كتاب عمر بن الخطاب : ( اخشوشنوا واخشوشبوا واخلولقوا وتمعددوا ـ التمعدد ـ أي العيش الخشن الذي تعرفه العرب ـ كأنكم معد وإياكم والتنعم وزي العجم.) ، و عن عروة بن رويم قال : قال صلى الله عليه وسلم :" شرار أمتي الذين ولدوا في النعيم وغذوا به همتهم ألوان الطعام وألوان الثياب يتشدقون في الكلام" .
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن كان يتابع الأكلات ، ويتتبع المطاعم ، فيوم هنا ، ويوم هناك ، حتى أصبح بطنه هو شغله الشاغل . ولو سألته عن أي مطعم في الشرق أو الغرب لأعطاك وصفة موجزة . ومفصلة بما تحتوي عليه تلك المطاعم وحسنها من قبيحها ، وجيدها من رديئها ، وما هكذا تورد الإبل يا سعد !! ولم نخلق من أجل أن نسعد بطوننا . . والطعام وسيلة لا غاية فافهم هذا حتى تبلغ الغاية ...
كيف تصفو روح مَـرْءٍ *** نفسه للـطـعـم ولهى

لقد ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى التقلل من الأكل كما في حديث المقدام قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطن ، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه ، فإن كان لابد محالة ، فثلث لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلثه لنفسه "
رواه الترمذي
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم منذ قدم المدينة من خبر برّ ثلاث ليال تباعا حتى قبــــــض . وصــــــــح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون ، وينذرون ولا يوفون ، ويظهر فيهم السمن " رواه البخاري ومسلم . ويقول عمر رضي الله عنه : إياكم والبطنة في الطعام والشراب ، فإنها مفسدة للجسد ، مورثة للسقم ، مكسلة عن الصلاة ، وعليكم بالقصد فيهما ، فإنه أصلح للجسد ، وأبعد عن السرف ، وإن الله تعالى ليبغض الحبر السمين ، وإن الرجل لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه "
قال الحارث بن كلدة الطبيب المشهور : الحمية رأس الدواء ، والبطنة رأس الداء . وقال غيره لو قيل لأهل القبور: ما كان سبب آجالكم ؟ لقالوا : التخم !!
وقلة الطعام توجب رقة القلب وقوة الفهم ، وانكسار النفس ، وضعف الهوى والغضب . وكثرة الطعام يوجب ضد ذلك .
عن عمرو بن قيس قال : إياكم والبطنة فإنها تقسي القلب . وعن سلمة بن سعيد قال : إن كان الرجل ليعير بالبطنة كما يعير بالذنب يعمله .
وعن مالك بن دينار قال : ما ينبغي للمؤمن أن يكون بطنه أكبر همه ، وأن تكون شهوته هي الغالبة عليه .
وقال سفيان الثوري : إن أردت أن يصح جسمك ، ويقل نومك ، فأقل من الأكل .
فليكن هذا الشهر المبارك بداية للتقلل من الطعام والاستمرار على ذلك على الدوام .
• ورمضان فرصة للتغيير .. من أخلاقنا . فمن جبل على الأنانية والشح وفقدان روح الشعور بالجسد الواحد ، فشهر الصوم مدرسة عملية ، له وهو أوقع في نفس الإنسان من نصح الناصح ، وخطبة الخطيب ، لأنه تذكير يسمعه ويتلقنه من صوت بطنه إذا جاع ، وأمعائه إذا خلت ، وكبده إذا احترت من العطش ، يحصل له من ذلك تذكير عملي بـجوع الجائعين ، وبؤس البائسين ، وحاجة المحتاجين ، فتسمح نفسه بأداء حق الله إليهم ، وقد يجود عليهم بزيادة ، فشهر الصيام شهر الجود والمواساة . .
الصوم يمنحنا مشاعر رحمة *** وتعاون وتعفف وسماح

فرمضان مدرسة للقضاء على صفة الأنانية والشح ، ومن ثم الشعور بالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. قال صلى الله عليه وسلم : " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " رواه مسلم (2586) .
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن كان قليل الصبر ، سريع الغضب ، أن يتعلم منه الصبر والأناة . فأنت الآن تصبر على الجوع والعطش والتعب والنصب ساعات طويلة ، ألا يمكنك - أيضاً - أن تعود نفسك من خلال شهر الصبر . . الصبر على الناس وتصرفاتهم وأخلاقهم ، وما يفعلونه تجاهك من أخطاء ، وليكن شعـــارك الدائم .{ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [آل عمران:134] وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضـَبِ " يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه ، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره في أي الحور شاء " رواه الترمذي .
. . فليكن هذا الشهر بداية لأن يكون الصبر شعارنا ، والحلم والأناة دثارنا.
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن ابتلاه الله تعالى بقلب قاسٍ كالصـخر الراسي ، لا تدمع له عين أن ينتهز فرصة هذا الشهر الذي تكون للنفوس فيه صولة . . وللقلوب فيه جولة . . فيحرص على ترقيق قلبه ، بصرفه عن الذنوب التي هي جالبة الخطوب ، و حاجبة القلوب عن علام الغيوب . قال عليه الصلاة والسلام : " تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ " رواه مسلم .
وما أحسن قول القائل :
رأيت الذنوب تميت القلوب *** وقد يورث الذل إدمانهـا
وترك الذنوب حياة القلوب *** وخـير لنفسك عصيانهـا

ومن أراد السعادة فليلزم عتبة العبادة ، وليجتنب الإساءة ..يقول أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه: ( لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام الله عز وجل ) و يقول الحسن البصري رحمه الله : ( إذا لم تقدر على قيام الليل ، ولا صيام النهار ، فاعلم أنك محروم ، قد كبلتك الخطايا والذنوب ) وليكن لك ما بين فينة وفينة زيارة للمقابر ، وتتأمل في أحوال أصحابها ..فإن القوم فيها صرعى ، والدود في عيونهم يرعى ،عن الحديث سكتوا ، وعن السلام صمتوا ، الظالم بجانب المظلوم ، والمنتصر بجانب المهزوم ، ذهب الحسن والجمال ، والجاه والمال ، وبقيت الأعمال ..أموات يتجاورون ، ولا يتزاورون .
سكتــــــــــوا وفي أعماقـهم أخــبارُ وجافاهــــــم الأصحـــــاب والزوار
وتغيرت تلك الوجوه وأصبحت بعد الجمال على الجفون غبار

ماذا أعددت لهذا الموقف ؟ يقول الله تعالى : { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} [المؤمنون:99].
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن كان يأكل الحرام من خلال أكل الربا أو التلاعب في البيع والشراء أو بيع المحرمات من دخان ومجلات فاسدة ، ومعسل وجراك ، أو بيع العباءات والنقابات المحرمة ، أو الملابس الفاضحة من بناطيل نسائية أو أشرطة غنائية أو أشرطة فيديو أو الأطباق السوداء ، أن يغير من حاله ، وأن يبدل من شأنه ، وأن يدع أكل الحرام . فإن الله تعالى يحاسب على النقير والقطـمير .فحـذار يرحمك الله أن تزل قـدم بعد ثبوتها !! يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يدخل الجنة لحم ودم نبتا على سحت ، النار أولى به "رواه ابن حبان وصححه.
وهل يسرك أن أهل الإيمان يرفعون أيديهم في صلاة التراويح والقيام يدعون الله تعالى ، ويستغيثون به ، ويسألونه من فضله ورحمته وجوده وبره ويستجاب لهم ..وأنت ترد عليك دعوتك ؟!! عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رســــول الله صلى الله عليه وسلم :" أيها الناس : إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } [المؤمنون:51] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب ، يا رب ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام ، فأنى يستجاب لذلك " رواه مسلم .
وتذكر أنه لن ينفعك أن الناس فعلوا ، أو أنهم يريدون ذلك ، فكل واحد منا سيقف بين يدي الواحد القهار ، ويسأله عن أعماله وأقواله الصغار ، والكبار ..فمن سيقف معك في ذلك الموقف العصيب ؟
يقول النبي صلى الله عليه وسلم  : " لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا ، وإن ظلموا ظلمنا ، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا ، وإن أساؤا فلا تظلموا " رواه الترمذي (2007) و قال :هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه .
وكن يا رعاك الله مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر فإن الدال على الخير كفاعله يقول الله تعالى : {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2].
• ورمضان فرصة للتغيير .. للكُتاب الذين تأثروا بعدوهم .. إننا نقول لهم : إن رمضان فرصة لهم للتغيير ، فالكلمة أمانة ، إنها مسؤولية ، نعم لمسؤولية الكلمة ، لا لحرية الكلمة المتجردة من تعاليم ديننا . وخليق بأدبائنا وشعرائنا أن يتفق أدبهم مع أدب دينهم ، وحري بالصحافة المسلمة أن تربأ بما ينشر على صفحاتها عما يتنافى مع عقيدتنا الإسلامية وتراثنا . قال تعالى:{ وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} [الإسراء:36].
ثم أيها الكاتب الموفق : ألم تقرأ ما سطره يهود في بروتوكولاتهم : ( الأدب والصحافة هما أعظم قوتين تعليميتين خطرتين ، ولهذا السبب ستشتري حكومتنا العدد الأكبر من الدوريات ..) وهل تتصور أن شراءهم لها من أجل الإصلاح ؟ أم من أجل إقامة العدل ؟ أم من أجل الدفاع عن حقوق المضطهدين ؟ كلا ؛ بل من أجل الإفساد ، ونشر الرذيلة بين الأمم كلها وخاصة أهل الإسلام لأنهم ألد الخصام لهم ، فهل ترضى لنفسك أن تكون عوناً لهؤلاء على أمتك ؟ هل ترضى أن تكون أداة إفساد في الأمة ـ من حيث تشعر أولا تشعر ـ هل ترضى أن تنشر في الأمة ما يؤثر على دينها وسلوكها ؟ قل لي بربك كيف تستسيغ أن تكتب بقلمك السيال ما يغضب ربك ؟ كيف تتجرأ أن تكتب بقلمك الرفيع ما يدعو إلى نشر الفاحشة في الذين آمنوا ؟ أو أن تضللهم أو تزيف الحقائق عليهم ؟ لقد وهبك الله تلك الموهبة ، وأسبغ عليك هذه النعمة فحري بك أن تستعملها في طاعة مولاك ، حري بك يا من آمنت بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد نبياً أن تسخر قلمك للصدع بكلمة الحق ، والمجاهرة بالفضيلة ، والدعوة إلى العفة والكرامة ، حري بك أن تكون منافحاً عما يُراد بأمتك ، حري بك أن تكون مكافحاً عما يخطط لأمتك .
وأخيرا أودعك وكلي رجاء أن تجد هذه الكلمات صداها في قلبك، وأن تلامس هذه النداءات شغاف نفسك، وأن نلتقي سويا على خدمة هذا الدين حتى نلقى الله سبحانه ونحن على ذلك ..وليكن شهر رمضان شهراً لمراجعة النفس والمنهج والفكر فمردة الشياطين تصفد ، وادع الله تعالى من قلب خاشع أن يريك الحق حقاً ، ويرزقك اتباعه ، والباطل باطلاً ، ويرزقك اجتنابه .وإن كنت تعلم الحق ولكن حب المال ، والجاه والشهرة ، والمنصب غلب عليك فإني أقول لك ستعرف غداً عاقبة أمرك . وشؤم فعلك على نفسك !!
• ورمضان فرصة للتغيير .. للدعاة الذين فترة همتهم ، وضعفت غيرتهم ، ..وتوانت عزائمهم ، فيشدوا من حالهم ، ويستيقظوا من رقدتهم ، ويتنبهوا من غفلتهم ، وينتهزوا فرصتهم ، بدعوة الناس إلى ربهم ، والذهاب إلى أماكن تواجدهم وتجمعهم . لتذكيرهم بالله تعالى ، وتخويفهم من ناره وجحيمه ، وترغيبهم بجنته ونعيمه ، والتفكير الجاد لمعرفة الأساليب المناسبة للإصلاح ، وليتذكر الدعاة إلى الله فضل الدعوة إلى الله ، والسهر من أجلها ، والتفاني لها ، وجزاء من تاب على أيديهم ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم " رواه البخاري .
ليكن رمضان محطة روحية تبعث فينا روح الجدية ..فيعد الداعية عدته ، ويأخذ أهبته ، ويملك عليه الفكر فيما هو فيه نواصي نفسه وجوانب قلبه ..فيكون دائم التفكير ، عظيم الاهتمام ، على قدم الاستعـداد أبدا ، إن دعي أجـــاب ، أو نودي لبى ، غدوه ورواحه وحديثه وكلامه ، وجده ولعبه لا يتعدى الميدان الذي أعد نفسه له !!
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن كان مذنباً ومسرفاً على نفسه بالخطايا والموبقات فإذا به يسمع الأغنيات بأصوات المغنين والمغنيات ، ويشاهد القنوات بصورها الفاضحات ، ويعاكس الفتيات ، ويسهر على الموبقات ، ويعاقر المنكرات ، أن يسارع إلى الإنابة ، ويبادر إلى الاستقامة ،قبل زوال النعم ،وحلـول النقم ، فهنالك لا تقـال العثرات ، ولا تستدرك الزلات .. {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [النور:31] ويكفي التائبين فخراً وعزاً ورفعة وشرفاً أن الله تعالى قال : {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } [البقرة:222] أليس من سعادة التائبين ..أن الله تعالى يفرح بأوبة الراجعين ..وإقبال المذنبين ..يقول صلى الله عليه وسلم : " لله أفرح بتوبة عبده من رجل نزل منزلا وبه مهلكة ، ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه ، فوضع رأسه فنام نومة ، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله قال :أرجع إلى مكاني ، فرجع فنام نومة ، ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده " رواه البخاري (6308) ، وفي مسلم : " فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح ".
فالتوبة ..التوبة ..فهي شعار المتقين ..ودأب الصالحين ..وحلية الصالحين ..أما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة " رواه مسلم .
فبادر يا رعاك الله إليها في مثل هذا الشهر المبارك ،فأبواب الجنة مشرعة ، وأبواب النار مغلقة ، ولله في كل ليلة عتقاء من النار ، فاجتهد أن تكون واحدا منهم ، جعلني الله وإياك ووالدينا ممن فاز بالرضا والرضوان والفوز بالجنان والنجاة من النيران .
وفي الختام .. آن لثياب العصيان ، أن تخلع في رمضان ، ليُلْبس الله العبد ثياب الرضوان ، وليجود عليه بتوبة تمحو ما كان من الذنب والبهتان ، وقد حان الأوان لفراق الخِلان ، وختم البيان بالصلاة والسلام على سيد ولد عدنان ، وعلى آله وأصحابه الشجعان ، وعلى من سار على نهجهم واقتفى أثرهم على مر الزمان .
 قاله وكتبه محمد بن عبدالله الهبدان ، في شهر شعبان ، لعام واحد وعشرين وأربعمائة بعد الألف من هجرة المصطفى خليل الرحمن .
رمضان فرصة للتغيير
محمد بن عبدالله الهبدان
 الحمد لله الذي هيأ لعباده أسباب الهداية ، ويســــــــر لهم دروب الاستقامة ،وفتح لهم أبواب رحمته ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وهداية للخلق أجمعين وعلى من سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين .

أما بعد : فهاهو رمضان قد أقبل بنوره وعطره ، و جاء بخيره وطهره ، جاء ليربي في الناس قوة الإرادة ورباطة الجأش ، ويربي فيهم ملكة الصبر ، ويعودهم على احتمال الشدائد ، والجلد أمام العقبات ومصاعب الحياة .
فرمضان مدرسة تربوية (يتدرب بها المسلم المؤمن على تقوية الإرادة في الوقوف عند حدود ربه في كل شيء ، والتسليم لحكمه في كل شيء ، وتنفيذ أوامره وشريعته في كل شيء ، وترك ما يضره في دينه أو دنياه أو بدنه من كل شيء ، ليضبط جوارحه وأحاسيسه جميعاً عن كل ما لا ينبغي بتدربه الكامل في هذا الشهر المبارك ، ليحصل على تقوى الله في كل وقت وحين ، وفي أي حال ومكان ، وذلك إذا اجتهد على التحفظ في هذه المدرسة الرحمانية بمواصلة الليل مع النهار على ترك كل إثم وقبيح ، وضبط جوارحه كلها عما لا يجوز فعله . . لينجح من هذه المدرسة حقاً ، ويخرج ظافراً من جهاده لنفسه ، موفراً مواهبه الإنسانية وطاقاته المادية والمعنوية لجهاد أعدائه .) فحري بهذا الشهر أن يكون فرصة ذهبية ، للوقوف مع النفس ومحاسبتها لتصحيح ما فات ، واستدراك ما هو آت ، قبل أن تحل الزفرات ، وتبدأ الآهات ، وتشتد السكرات.

رمضان هلْ لي وقفة أستروحُ الذكرى وأرشـــــــف كلها المـعـسولا
رمضان ! هل لي وقفة أسترجع الماضي وأرتع في حمـاه جــذولا

فأذن - لي قارئي الكريم - أن أستقطع من وقتك الثمين جزءاً يسيراً لنتذاكر جميعاً ونتساءل: هل يمكننا أن نغير من أحوالنا ، ونحسن من أوضاعنا ، فنفكر في مآلنا ومصيرنا بعد فراق حياتنا ، فنمهد لأنفسنا قبل عثرة القدم ، وكثرة النـــدم ، فنتزود ليوم التناد بكامل الاستعداد .
فأسأل الله تعالى أن يبدل من أحوالنا ، ويقلب من شأننا ، حتى يصبح يومنا خيراً من أمسنا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .
وكتبه : محمد بن عبدالله الهبدان
1/8/1421هـ
ص .ب 120969 الرمز : 11689
البريد الإلكتروني : ahabdan@emel.com

لماذا رمـضـــان ؟!!
لأن رمضان فرصة العمر السانحة وموسم البضاعة الرابحة والكِفة الراجحة ولماحباه الله تعالى من المميزات فهو بحق مدرسة لإعداد الرجال وهو بصدق جامعة لتخريج الأبطال .

هنا مصنع الأبطال يصنع أمةً *** وينفخ فيها قــــوة الروح والـفــــــــكر
ويخلع عنها كل قيد يعــوقها *** ويعلي منار الحق والصدق والصبر

ولما يسر الله تعالى فيه ، من أسباب الخيرات ، وفعل الطاعات ، فالنفوس فيه مقبلة ، والقلوب إليه والهة .
ولأن رمضان تصفد فيه مردة الشياطين . فلا يصلون إلى ما كانوا يصلون إليه في غير رمضان ، وفي رمضان تفتح أبواب الجنان ، وتغلق أبواب النيران ، ولله في كل ليلة من رمضان عتقاء من النار ، وفي رمضان ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر ، فما أعظمها من بشارة ، لو تأملناها بوعي وإدراك لوجدتنا مسارعين إلى الخيرات ، متنافسين في القربات ، هاجرين للموبقات ،تاركين للشهوات.
• ورمضان فرصة للتغيير . . لما حصل فيه من الأحداث التي غيرت مسار التاريخ ، وقلبت ظهر المجن ، فنقلت الأمة من مواقع الغبراء ، إلى مواكب الجوزاء ، ورفعتها من مؤخرة الركب ، لتكون في محل الصدارة والريادة ففي معركة بدر الكبرى التقى جيشان عظيمان ، جيش محمد صلى الله عليه وسلم ، وجيش الكفر بقيادة أبي جهل في السنة الثانية من الهجرة وذلك في اليوم السابع عشر من رمضان ، وانتصر فيها جيش الإيمان على جيش الطغيان ، ومن تلك المعركة بدأ نجم الإسلام في صعود ، ونجم الكفر في أفول ، وأصبحت العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ، يقـــــول الله تعالى:{ وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [آل عمران:123] .
أبطـال بدر ياجباهاً شـــــــُرعت *** للشمس تحكي وجهها المصقولا
حطـمتم الشرك المصغر خده *** فارتد مشلول الخطى مخـذولا

وفي السنة الثامنة ، وفي شهر رمضان ، كان الفتح العظيم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحزبه الأمين ، واستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدى للعالمين من أيدي الكفار والمشركين ، وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء ، وضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء ، ودخل الناس به في دين الله أفواجا ، وأشرق به وجه الأرض ضياءً وابتهاجا .
وفي سنة ستمائة وثمانيةً وخمسين ، فعل التتار بأهل الشام مقتلة عظيمة ، وتشرد من المسلمين من تشرد ، وخربت الديار ، فقام الملك المظفر قطز ، بتجهيز الجيوش ، لقتال التتار ، حتى حان اللقاء في يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان وأمر ألا يقاتلوا حتى تزول الشمس ، وتفيء الظلال ، وتهب الرياح ، ويدعوا الخطباء والناس في صلاتهم ، ثم تقابل الصفان ، واقتتل الجيشان ، وحصلت معركة عظيمة ، سالت فيها دماء ، وتقطعت أشلاء ، ثم صارت الدائرة على القوم الكافرين ، وقطع دابر القوم الذين ظلموا ، والحمد لله رب العالمين .
كل هذه الأسباب جعلتنا نوقن بأن رمضان فرصة سانحة وغنيمة جاهزة ، لمن أراد التغيير في حياته . فالأسباب مهيأة ، والأبواب مشرعة وما بقي إلا العزيمة الصادقة ، والصحبة الصالحة ، والاستعانة بالله في أن يوفقك للخير والهداية .

رمضانُ أقبل قم بنا يا صاح *** هذا أوان تبتل وصـــلاح
واغنم ثواب صيامه وقيامه *** تسعد بخير دائم وفلاح
رمضان فرصة الجميع للتغيير
•  فرمضان فرصة للتغيير .. ليصبح العبد من المتقين الأخيار ، ومن الصالحين الأبرار . يقول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183] فقوله { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} تعليل لفرضية الصيام ؛ ببيان فائدته الكبرى ، وحكمته العظمى . وهي تقوى الله والتي سأل أميرُ المؤمنين عمرُ رضي الله عنه الصحابيَ الجليل ؛ أبيَ بن كعب رضي الله عنه عن معنى التقوى ومفهومها ؟ فقال يا أمير المؤمنين : أما سلكت طريقا ذا شوك ؟ قال : بلى .. قال : فما صنعت ؟ قال : شمرتُ واجتهدت .. أي اجتهدتُ في توقي الشوك والابتعاد عنه ، قال أبي: فذلك التقوى .إذن فالتقوى : حساسيةٌ في الضمير ، وشفافيةٌ في الشعور ، وخشيةٌ مستمرة ، وحذرٌ دائم ، وتوق لأشواكِ الطريق ؛طريقِ الحياة الذي تتجاذبُه أشواكُ الرغائبِ والشهوات ، وأشواكُ المخاوفِ والهواجس ، وأشواكُ الفتنِ والموبقات ، وأشواكُ الرجاءِ الكاذب فيمن لا يملكُ إجابةَ الرجاء ، وأشواكُ الخوف الكاذب ممن لا يملكُ نفعاً ولا ضراً ، وعشراتٌ غيرُها من الأشواك ..
خـــــل الـذنوب صغــــــــــيرها وكبيرها ذاك الـتقى
واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى
لا تـحـقـرن صـغيرةً إن الجبـــــــالَ من الحـــــــــــصى
هذا هو مفهوم التقوى .. فإذا لم تتضح لك بعد .. فاسمع إلى علي رضي الله عنه وهو يعبر عن التقوى بقوله : هي الخوفُ من الجليل ، والعملُ بالتنزيلُ ، والقناعةُ بالقليل ، والاستعدادُ ليوم الرحيل . هذه حقيقة التقوى ، وهذا مفهومها .
فأين نحن من هذه المعاني المشرقةِ المضيئة ؟ .. لقد كان المجتمعُ الإسلاميُ الأول مضربَ المثل في نزاهتهِ ، وعظمةِ أخلاقه ، وتسابقِ أفرادهِ إلى مرضاةِ ربهمِ جل جلاله ، وتقدست أسماؤه ، وكانت التقوى سمةً بارزة في محيا ذلكِ الجيلِ العظيم الذي سادَ الدنيا بشجاعتهِ وجهاده ، وسارت بأخلاقهِ وفضائلهِ الركبان مشرقاً ومغرباً ، فقد كان إمام المتقين عليه الصلاة والسلام قمةً في تقواه وورعهِ ، وشدةِ خوفهِ من ربهِ العظيمِ الجليل ، فكان يقومُ الليل يصلي ويتهجد حتى تفطرتْ قدماه الشريفتان ، وكان يُسمعُ لصدره أزيزٌ كأزيزِ المرجل من النشيجِ والبكاء ، وهو الذي غُفر له ذنبه ما تقدم وما تأخر .
وأما صاحبهُ المبجل ، وخليفته العظيم أبو بكر الصديق رضي الله عنه فكان يقول : يا ليتني كنت شجرةً تعضدُ ثم تؤكل !! وكان له خادمٌ يأتيه بالطعام ، وكان من عادةِ الصديق أن يسأله في كل مرة عن مصدرِ الطعام ؛ تحرزاً من الحرام !! فجاءه خادمُه مرةً بطعامه ، فنسي أن يسألَه كعادته فلما أكلَ منه لقمة قال له خادمُه : لمَ لم تسألني - يا خليفةَ رسولِ الله - كسؤالكِ في كلِ مرة ؟ قال أبو بكر : فمن أين الطعامُ يا غلام ؟ قال : دفعه إليَّ أناسٌ كنتُ أحسنتُ إليهم في الجاهلية بكهانةٍ صنعتُها لهم ، وهنا ارتعدتْ فرائصُ الصديق ، وأدخلَ يده في فمــه ، وقاء كلَّ ما في بطنهِ وقال : واللهِ لو لم تخرجْ تلك اللقمة إلا مع نفسي لأخرجتها ، كل ذلك من شدةِ خوفه وتقواه وتورعهِ عن الحرام ، وأما خوفُ عمر رضي الله عنه وشدةِ تقواه فعجبٌ من العجب ، سمع قارئاً يقرأُ قولَه تعالى: { يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً } [الطور:13] فمرض ثلاثاً يعـودهُ الناس . بل إنه قرأ مرةً قولَه تعالى : {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ } [الصافات:24] فمرض شهراً يعودُه الناسُ مريضاً ، وأما عليٌ رضي الله عنه فكان يقبض لحيته في ظلمة الليل ويقول : يا دنيا غُري غيري أليَّ تزينتِ أم إليَّ تشوقتِ طلقتك ثلاثاً لا رجعةَ فيهن زادُك قليل وعمرُك قصير ، وخرج ابن مسعود مرة في جماعة فقال لهم ألكم حاجة ؟! قالوا : لا ؛ ولكن حبُ المسيرِ معك !! قال : اذهبوا فإنه ذلٌ للتابع ، وفتنةٌ للمتبوع .
دعنا من الخلفاء الراشدين المكرمين ، ولنتجاوز الزمن سنين عدداً ، فهاهو هارون الرشيد الخليفةُ العباسيُ العظيم الذي أذلَّ القياصرة وكسرَ الأكاسرة والذي بلغت مملكته أقاصي البلاد شرقاً وغرباً يخرج يوما في موكبهِ وأبهته فيقول له يهودي:يا أمير المؤمنين : اتق الله !! فينـزل هارونُ من مركبه ويسجدُ على الأرض للهِ ربِ العالمين في تواضعٍ وخشوع ، ثم يأمرُ باليهودي ويقضي له حاجته ، فلما قيل له في ذلك !! قال : لما سمعت مقولتَه تذكـرتُ قولَه تعالى {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ } [البقرة:206] فخشيت أن أكون ذلك الرجل ، وكم من الناس اليوم من إذا قيل له اتق الله احــمرتْ عيناه ، وانتفختْ أوداجه ، غضباً وغروراً بشأنه ، قال ابن مسعود رضي الله عنه : كفى بالمرء إثماً أن يقال له: اتق الله فيقول:عليك نفسَك !! مثلكُ ينصحنُي !!
إذن فيوم عُمرت قلوبُ السلفِ بالتقوى ، جمعهم اللهُ بعد فرقة ، وأعزهم بعد ذلة ، وفُتحت لهم البلاد ومُصرت لهم الأمصار كل ذلك تحقيقا لـموعودِ الله تعالى : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [الأعراف:96] فليكن هذا الشهر بداية للباس التقوى ؛ ولباس التقوى خير لباس لو كانوا يعلمون {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ } [القمر:54-55].
إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى *** تجرد عريانا وإن كان كاسيا
وخير خصال المـرء طـاعة ربه *** ولا خير فيمن كان لله عاصيا
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن كان مفرطاً في صلاته ، فلا يصليها مطلقاً ، أو يؤخرها عن وقتها , أو يتخلف عن أدائها جماعة في المسجد . ليعلم المتهاون في صلاته ، أنه يرتكب خطأً قاتلاً ، وتصرفاً مهلكاً ، يتوقف عليه مصيره كله ، و إن لم يتدارك نفسه ، فهو آيل لا محالة إلى نهاية بائسة ، وليل مظلم ، وعذاب مخيف ، جاء في الحديث عن سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرؤيا قال :" أما الذي يثلغ رأسه بالحجر فإنه يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة " رواه البخاري (1143).
إن التهاون بأمر الصلاة والاستخفاف بها ، خطأ فادح بكل المقاييس ، وجناية مخزية بكل المعايير . لا ينفع معها ندم ولا اعتذار عند الوقوف بين يدي الواحد القهار ، إني أدعوك بكل شفقة وإخلاص ، أدعوك والألم يعتصر قلبي خوفاً عليك ورأفة بك ، أدعوك في مثل هذا الشهر المبارك إلى إعادة النظر في واقعك ، ومُجريات حياتك ، أدعوك إلى مراجعة نفسك ، وتأمل أوضاعك قبل فوات الأوان ، إني أنصحك ألا تخدعك المظاهر ، ولا يغرك ما أنت فيه ، من الصحة والعافية والشباب والقوة ، فما هي إلا سراب بقيعة ، يحسبه الظمآن ماءً ، أو كبرق خُلب ، سرعان ما يتلاشى ، و ينطفئ ويزول ، فالصحة سيعقبها السقم ، والشباب يلاحقه الهرم ، والقوة آيلة إلى الضعف ، ولكن أكثر الناس لا يتفكرون .
أخي الكريم : إن أصحابك الذين غروك بالتهاون بشأن الصلاة ، وزينوا لك إضاعتها ، إنهم لن يذرفوا عليك سوى دموع التماسيح ، يعودون بعدها ، إلى مزاميرهم وطربهم وأنسهم ، غير مكترثين بك ، ولا بألف من أمثالك ، إنهم أنانيو الطباع ، ميتو الإحساس ، لا همّ لهم إلا أنفسهم وملذاتهم ، ولو فقدوا الآباء والأمهات ، فضلاً عن الأصحاب والخِلان ، فاستيقظ يا هذا من غفلتك ، وتنبه من نومتك ، فالحياة قصيرة وإن طالت ، والفرحة ذاهبة وإن دامت ، واجعل من رمضان فرصة للمحافظة على هذه الصلاة العظيمة ، فقد وفقك الله للصلاة مع الجماعة ، وإلف المساجد ، وعمارتها بالذكر والتسبيح ، فاستعن بالله ، واعزم من الآن أن يكون هذا الشهر المبارك بداية للمحافظة على الصلاة ، والتبكير إليها يقول الله تعالى في وصــف المؤمنين:{الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ } [المعارج: 24] .
ويقول سبحانه : {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ } [المعارج:34-35] .
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن ابتلاه الله تعالى بتعاطي الحرام ، من خـمر ومخدرات ، أو دخان و مسكرات ، أن لا يفعل بعد إفطاره ما يخل بهذه العزيمة القوية ، أو يوهنها ، أو يقلل من شأنها ،تلك العزيمة التي جعلته يمسك طوال ساعات النهار ، فيهدم في ليله ما بناه في نهاره من قوة الإرادة التي صبر بسببها عن محبوباته ومألوفاته . فما أحزمه لو استغل شهر الصيام كمدرسة يتدرب بها على هجر ما يكرهه هو ، أو يكرهه الشارع ، من مألوفاته التي اعتاد أكلها ، أو شربها ، أو مقاربتها . تالله ما أحزمه لو واصل هذه الحمية عن ذلك بالليل ، كما عملها في النهار .
أخي الصائم : إني أشجع فيك إيمانك العظيم ، ويقينك بالله تعالى . فمن الذي جعلك تمتنع عن تعاطي هذه السموم في وقت الصيام إلا خوفك من الجبار ، ومراقبتك للواحد القهار . وإلا فمَنْ مِنَ الناس يعلم أنك صائم أو لا ؟!! ولكن شعورك بنظر الله إليك ، ومراقبته لك ، صرفك عن تعاطي الحرام في وقت الصيام

إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل *** خلــوت ولكن قل عليّ رقيب

وإني أتساءل بصدق . . الإرادة التي استطاعت أن تصوم لأكثر من اثنتي عشرة ساعة ، أتعجز عن مواصلة مسيرتها الإصلاحية ؟!! والعزيمة التي صمدت عن تعاطي هذا البلاء ، لهذه الفترة الطويلة أثناء النهار . . أتنهار في آخر لحظات الإسفار ، وإرخاء الليل الستار ؟!!
أين الهمة التي لا تقف أمامها الجبال الشامخات ؟ وأين العزيمة التي لا تصدها العاتيات !! استعن بالله تعالى على ترك هذا البلاء ، فالنصر صبر ساعة ، والفرج قريب ، وإن الله مع الصابرين .
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن كان مقصرًا في نوافل العبادات ؛ فلم يجعل له منها نصيباً ، ولم يأخذ لنفسه قسماً مفروضاً ، فيغير من حاله ، ويبدل من شأنه ، ففي رمضان تتهيأ النفوس ، وتقبل القلوب ، وتخشع الأفئدة ، فينتهز هذه الفرصة ، فيحافظ على شيء منها ، فهي مكملة لفرائضه ، متممة لها ، قال صلى الله عليه وسلم : " إن أول ما يحاسب به العبد المسلم يوم القيامة الصلاة المكتوبة فإن أتمها وإلا قيل انظروا هل له من تطوع فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك " رواه ابن ماجه (1425) .
وأقل الوتر ركعة ، وأقل الضحى ركعتان ، وعدد السنن الرواتب ثنتا عشرة ركعة ، ركعتان قبل الفجر ، وأربع ركعات قبل الظهر ، وركعتان بعدها ، وركعتان بعد المغرب ، وركعتان بعد العشاء ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعا غير فريضة إلا بنى الله له بيتا في الجنة أو إلا بني له بيت في الجنة " رواه مسلم ، ويقول صلى الله عليه وسلم : " أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل " رواه مسلم .
ولماذا لا تجعل من رمضان فرصة ، لأن يكون لك أيام تصومها لله رب العالمين فمن صام يوماً في سبيل الله باعد الله بينه وبين النار سبعين خريفاً ، فهذه ستة من شوال ، ويوم عاشوراء ، وعرفة ، وصوم الإثنين والخميس ، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر . فلا تحرم نفسك الدخول من باب الريان ، عندما ينعم عليهم المنان بدخول الجنان . . فبادر شبابك قبل هرمك . . وصحتك قبل سقمك . . وحياتك قبل موتك . . عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " رواه البخاري .
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن هجر القرآن قراءة وتدبراً ، وحفظاً وعملاً حتى أصبح القرآن نسياً منسياً ، أن يكون هذا الشهر بداية للتغيير ، فترتب لنفسك جزءاً من القرآن ، لا تنفك عنه بأي حال من الأحوال ، ولو كان هذا الجزء يسيراً ، فأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل ، وقليل دائم ،خير من كثير منقطع ، ولا تنس الفضل الجزيل لمن قرأ كلام الله الجليل يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف " رواه الترمذي (2910) وقال هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه .
والقرآن يشفع لك يوم القيامة يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة ، يقول الصيام : أي ربي إني منعته الطعام والشهوة ، فشفعني فيه ، ويقول القرآن : رب منعته النوم بالليل ، فشفعني فيه ، قال : فيشفعان " رواه أحمد . قال الألباني ـ رحمه الله ـ : ( أي يشفعهما الله فيه ويدخله الجنة ) .
ولقد أدرك سلفنا الصالح عظمة هذا القرآن ؛ فعاشوا معه ليلاً ونهاراً . . قال وهيب بن الورد : قيل لرجل ألا تنام ؟ قال : إن عجائب القـرآن أطرن نومي ، وقال أحمد بن الحواري : إني لأقرأ القرآن ، وانظر في آية ، فيحير عقلي بها ، وأعجب من حفاظ القرآن ، كيف يهنئهم النوم ، ويسعهم أن يشتغلوا بشيء من الدنيا وهم يتلون كلام الله ، أما إنهم لو فهموا ما يتلون ، وعرفوا حقه ، وتلذذوا به ، واستحلوا المناجاة به ، لذهب عنهم النوم فرحاً بما رزقوا .
ومن المفارقة العجيبة ، أن يدرك أعداؤنا من عظمة هذا القرآن ، ما لا ندركه ، وأن يعملوا جاهدين على طمس معالمه ، ومحو آثاره في العباد والبلاد ، لخوفهم الشديد من عودة الأمة إلى هذا القرآن الذي يؤثر في النفوس ، ويحييها ، ويبعث فيها العزة والكرامة . يقول غلادستون : مادام هذا القرآن موجودا في أيدي المسلمين ، فلن تستطيع أوربة السيطرة على الشرق ، ولا أن تكون هي نفسها في أمان ، وكان نشيد جيوش الاستعمار ،كان نشيدهم :أنا ذاهب لسحق الأمة الملعونة ، لأحارب الديانة الإسلامية ، ولأمحو القرآن بكل قوتي .(1)
فما موقفك أنت يا رعاك الله ؟ أدع الإجابة لك ، وأسأل الله أن يوفقك للخير وفعله .
• ورمضان فرصة للتغيير .. للمرأة المسلمة التي أصبح حجابها مهلهلاً ، وعباءتها مطرزة ، وثيابها فاتنة ، وعطرها يفوح و في كل يوم إلى الأسواق تروح . . قال صلى الله عليه وسلم :" أيما امرأة استعطرت فمرت بقوم ليجدوا ريحها فهي زانية " رواه أحمد .
ويزداد الأمر سوءاً ، إذا كان الخروج بلا محرم . . فتركب مع السائق وحدها وما خلا رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطـان ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم . فليـكن - يا أخية - رمضان فرصة لأن تتربى نفسك على البقاء ، في المنـزل وعدم الخروج منه إلا لحاجة ماسة ، وبضوابط الخروج الشرعية ، وليكن رمضان فرصة لضبط النفس في قضايا اللباس ، والموضة والاعتدال فيهما ، بدون إفراط ولا تفريط ، وليكن رمضان فرصة للحفاظ على الحجاب الشرعي ؛ طاعة لله ، وإغاظة للشيطان وحزبه .
• ورمضان فرصة للتغيير .. للرجل والفتاة اللذين عبثا بالهاتف طويلاً ، وتهاتفا بعبرات الحب والغرام ، والعشق والهيام ، والذي كله كذب وهراء ، ودجل وافتراء ، وتلاعب بالمشاعر والعواطف ، وقد تكون البداية قضاء وقت فراغ ، ثم يستدرجهما الشيطان للوقوع في الفاحشة البغيضة . . فتقع المصيبة وتحل الطامة العظيمة . . وينكسر الزجاج فأنى له أن يعود مرة أخرى !!
تقول إحدى المعاكسات : كانت البداية مكالمة هاتفية عفوية . تطورت إلى قصة حب وهمية ، أوهمني أنه يحبني ، وسيتقدم لخطبتي ، طلب رؤيتي ، رفضت . هددني بالهجر !! بقطع العلاقة !! ضعفت . . أرسلت له صورتي مع رسالة معطرة !! توالت الرسائل ، طلب مني أن أخرج معه . . رفضت بشدة . . هددني بالصور ، بالرسائل المعطرة ، بصوتي في الهاتف ـ وقد كان يسجل ـ خرجت معه على أن أعود في أسرع وقت ممكن . . لقد عدت ولكن عدت وأنا أحمل العار ، قلت له الزواج .. الفضيحة ،قال لي بكل احتقار وسخرية : إني لا أتزوج فاجرة !!
فاتق الله أيها الشاب ، واتقي الله أيتها الفتاة ، وليكن رمضان فرصة لتغيير المسار والابتعاد عن الأخطار ، وهتك الأعراض فالزنا دين كما قال الشاعر :
يا هاتكاً حرم الرجال وتابعاً *** طـــرق الفساد فأنت غير مكــرم
من يزن في قـوم بألفـي درهم *** في أهـــــــله يزنــي بربــــع الدرهـــــم
إن الزنى دين إذا استقرضته *** كان الوفا من أهل بيتك فاعلم
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن تعود على حياة المترفين ، ونشأ على حب الدعة واللين ، أن يأخذ من رمضان درسا في تربية النفس على المجاهدة والخشونة في أمر الحياة ، فربما تسلب النعمة ، و تحل النقمة . فالدنيا غدارة غرارة مناحة مناعة ، وإقبال الدنيا كإلمامة ضيف ، أو غمامة صيف ، أو زيارة طيف ،عن أبي عثمان النهـدي قال : أتانا كتاب عمر بن الخطاب : ( اخشوشنوا واخشوشبوا واخلولقوا وتمعددوا ـ التمعدد ـ أي العيش الخشن الذي تعرفه العرب ـ كأنكم معد وإياكم والتنعم وزي العجم.) ، و عن عروة بن رويم قال : قال صلى الله عليه وسلم :" شرار أمتي الذين ولدوا في النعيم وغذوا به همتهم ألوان الطعام وألوان الثياب يتشدقون في الكلام" .
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن كان يتابع الأكلات ، ويتتبع المطاعم ، فيوم هنا ، ويوم هناك ، حتى أصبح بطنه هو شغله الشاغل . ولو سألته عن أي مطعم في الشرق أو الغرب لأعطاك وصفة موجزة . ومفصلة بما تحتوي عليه تلك المطاعم وحسنها من قبيحها ، وجيدها من رديئها ، وما هكذا تورد الإبل يا سعد !! ولم نخلق من أجل أن نسعد بطوننا . . والطعام وسيلة لا غاية فافهم هذا حتى تبلغ الغاية ...
كيف تصفو روح مَـرْءٍ *** نفسه للـطـعـم ولهى

لقد ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى التقلل من الأكل كما في حديث المقدام قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطن ، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه ، فإن كان لابد محالة ، فثلث لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلثه لنفسه "
رواه الترمذي
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم منذ قدم المدينة من خبر برّ ثلاث ليال تباعا حتى قبــــــض . وصــــــــح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون ، وينذرون ولا يوفون ، ويظهر فيهم السمن " رواه البخاري ومسلم . ويقول عمر رضي الله عنه : إياكم والبطنة في الطعام والشراب ، فإنها مفسدة للجسد ، مورثة للسقم ، مكسلة عن الصلاة ، وعليكم بالقصد فيهما ، فإنه أصلح للجسد ، وأبعد عن السرف ، وإن الله تعالى ليبغض الحبر السمين ، وإن الرجل لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه "
قال الحارث بن كلدة الطبيب المشهور : الحمية رأس الدواء ، والبطنة رأس الداء . وقال غيره لو قيل لأهل القبور: ما كان سبب آجالكم ؟ لقالوا : التخم !!
وقلة الطعام توجب رقة القلب وقوة الفهم ، وانكسار النفس ، وضعف الهوى والغضب . وكثرة الطعام يوجب ضد ذلك .
عن عمرو بن قيس قال : إياكم والبطنة فإنها تقسي القلب . وعن سلمة بن سعيد قال : إن كان الرجل ليعير بالبطنة كما يعير بالذنب يعمله .
وعن مالك بن دينار قال : ما ينبغي للمؤمن أن يكون بطنه أكبر همه ، وأن تكون شهوته هي الغالبة عليه .
وقال سفيان الثوري : إن أردت أن يصح جسمك ، ويقل نومك ، فأقل من الأكل .
فليكن هذا الشهر المبارك بداية للتقلل من الطعام والاستمرار على ذلك على الدوام .
• ورمضان فرصة للتغيير .. من أخلاقنا . فمن جبل على الأنانية والشح وفقدان روح الشعور بالجسد الواحد ، فشهر الصوم مدرسة عملية ، له وهو أوقع في نفس الإنسان من نصح الناصح ، وخطبة الخطيب ، لأنه تذكير يسمعه ويتلقنه من صوت بطنه إذا جاع ، وأمعائه إذا خلت ، وكبده إذا احترت من العطش ، يحصل له من ذلك تذكير عملي بـجوع الجائعين ، وبؤس البائسين ، وحاجة المحتاجين ، فتسمح نفسه بأداء حق الله إليهم ، وقد يجود عليهم بزيادة ، فشهر الصيام شهر الجود والمواساة . .
الصوم يمنحنا مشاعر رحمة *** وتعاون وتعفف وسماح

فرمضان مدرسة للقضاء على صفة الأنانية والشح ، ومن ثم الشعور بالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. قال صلى الله عليه وسلم : " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " رواه مسلم (2586) .
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن كان قليل الصبر ، سريع الغضب ، أن يتعلم منه الصبر والأناة . فأنت الآن تصبر على الجوع والعطش والتعب والنصب ساعات طويلة ، ألا يمكنك - أيضاً - أن تعود نفسك من خلال شهر الصبر . . الصبر على الناس وتصرفاتهم وأخلاقهم ، وما يفعلونه تجاهك من أخطاء ، وليكن شعـــارك الدائم .{ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [آل عمران:134] وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضـَبِ " يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه ، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره في أي الحور شاء " رواه الترمذي .
. . فليكن هذا الشهر بداية لأن يكون الصبر شعارنا ، والحلم والأناة دثارنا.
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن ابتلاه الله تعالى بقلب قاسٍ كالصـخر الراسي ، لا تدمع له عين أن ينتهز فرصة هذا الشهر الذي تكون للنفوس فيه صولة . . وللقلوب فيه جولة . . فيحرص على ترقيق قلبه ، بصرفه عن الذنوب التي هي جالبة الخطوب ، و حاجبة القلوب عن علام الغيوب . قال عليه الصلاة والسلام : " تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ " رواه مسلم .
وما أحسن قول القائل :
رأيت الذنوب تميت القلوب *** وقد يورث الذل إدمانهـا
وترك الذنوب حياة القلوب *** وخـير لنفسك عصيانهـا

ومن أراد السعادة فليلزم عتبة العبادة ، وليجتنب الإساءة ..يقول أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه: ( لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام الله عز وجل ) و يقول الحسن البصري رحمه الله : ( إذا لم تقدر على قيام الليل ، ولا صيام النهار ، فاعلم أنك محروم ، قد كبلتك الخطايا والذنوب ) وليكن لك ما بين فينة وفينة زيارة للمقابر ، وتتأمل في أحوال أصحابها ..فإن القوم فيها صرعى ، والدود في عيونهم يرعى ،عن الحديث سكتوا ، وعن السلام صمتوا ، الظالم بجانب المظلوم ، والمنتصر بجانب المهزوم ، ذهب الحسن والجمال ، والجاه والمال ، وبقيت الأعمال ..أموات يتجاورون ، ولا يتزاورون .
سكتــــــــــوا وفي أعماقـهم أخــبارُ وجافاهــــــم الأصحـــــاب والزوار
وتغيرت تلك الوجوه وأصبحت بعد الجمال على الجفون غبار

ماذا أعددت لهذا الموقف ؟ يقول الله تعالى : { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} [المؤمنون:99].
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن كان يأكل الحرام من خلال أكل الربا أو التلاعب في البيع والشراء أو بيع المحرمات من دخان ومجلات فاسدة ، ومعسل وجراك ، أو بيع العباءات والنقابات المحرمة ، أو الملابس الفاضحة من بناطيل نسائية أو أشرطة غنائية أو أشرطة فيديو أو الأطباق السوداء ، أن يغير من حاله ، وأن يبدل من شأنه ، وأن يدع أكل الحرام . فإن الله تعالى يحاسب على النقير والقطـمير .فحـذار يرحمك الله أن تزل قـدم بعد ثبوتها !! يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يدخل الجنة لحم ودم نبتا على سحت ، النار أولى به "رواه ابن حبان وصححه.
وهل يسرك أن أهل الإيمان يرفعون أيديهم في صلاة التراويح والقيام يدعون الله تعالى ، ويستغيثون به ، ويسألونه من فضله ورحمته وجوده وبره ويستجاب لهم ..وأنت ترد عليك دعوتك ؟!! عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رســــول الله صلى الله عليه وسلم :" أيها الناس : إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } [المؤمنون:51] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب ، يا رب ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام ، فأنى يستجاب لذلك " رواه مسلم .
وتذكر أنه لن ينفعك أن الناس فعلوا ، أو أنهم يريدون ذلك ، فكل واحد منا سيقف بين يدي الواحد القهار ، ويسأله عن أعماله وأقواله الصغار ، والكبار ..فمن سيقف معك في ذلك الموقف العصيب ؟
يقول النبي صلى الله عليه وسلم  : " لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا ، وإن ظلموا ظلمنا ، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا ، وإن أساؤا فلا تظلموا " رواه الترمذي (2007) و قال :هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه .
وكن يا رعاك الله مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر فإن الدال على الخير كفاعله يقول الله تعالى : {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2].
• ورمضان فرصة للتغيير .. للكُتاب الذين تأثروا بعدوهم .. إننا نقول لهم : إن رمضان فرصة لهم للتغيير ، فالكلمة أمانة ، إنها مسؤولية ، نعم لمسؤولية الكلمة ، لا لحرية الكلمة المتجردة من تعاليم ديننا . وخليق بأدبائنا وشعرائنا أن يتفق أدبهم مع أدب دينهم ، وحري بالصحافة المسلمة أن تربأ بما ينشر على صفحاتها عما يتنافى مع عقيدتنا الإسلامية وتراثنا . قال تعالى:{ وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} [الإسراء:36].
ثم أيها الكاتب الموفق : ألم تقرأ ما سطره يهود في بروتوكولاتهم : ( الأدب والصحافة هما أعظم قوتين تعليميتين خطرتين ، ولهذا السبب ستشتري حكومتنا العدد الأكبر من الدوريات ..) وهل تتصور أن شراءهم لها من أجل الإصلاح ؟ أم من أجل إقامة العدل ؟ أم من أجل الدفاع عن حقوق المضطهدين ؟ كلا ؛ بل من أجل الإفساد ، ونشر الرذيلة بين الأمم كلها وخاصة أهل الإسلام لأنهم ألد الخصام لهم ، فهل ترضى لنفسك أن تكون عوناً لهؤلاء على أمتك ؟ هل ترضى أن تكون أداة إفساد في الأمة ـ من حيث تشعر أولا تشعر ـ هل ترضى أن تنشر في الأمة ما يؤثر على دينها وسلوكها ؟ قل لي بربك كيف تستسيغ أن تكتب بقلمك السيال ما يغضب ربك ؟ كيف تتجرأ أن تكتب بقلمك الرفيع ما يدعو إلى نشر الفاحشة في الذين آمنوا ؟ أو أن تضللهم أو تزيف الحقائق عليهم ؟ لقد وهبك الله تلك الموهبة ، وأسبغ عليك هذه النعمة فحري بك أن تستعملها في طاعة مولاك ، حري بك يا من آمنت بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد نبياً أن تسخر قلمك للصدع بكلمة الحق ، والمجاهرة بالفضيلة ، والدعوة إلى العفة والكرامة ، حري بك أن تكون منافحاً عما يُراد بأمتك ، حري بك أن تكون مكافحاً عما يخطط لأمتك .
وأخيرا أودعك وكلي رجاء أن تجد هذه الكلمات صداها في قلبك، وأن تلامس هذه النداءات شغاف نفسك، وأن نلتقي سويا على خدمة هذا الدين حتى نلقى الله سبحانه ونحن على ذلك ..وليكن شهر رمضان شهراً لمراجعة النفس والمنهج والفكر فمردة الشياطين تصفد ، وادع الله تعالى من قلب خاشع أن يريك الحق حقاً ، ويرزقك اتباعه ، والباطل باطلاً ، ويرزقك اجتنابه .وإن كنت تعلم الحق ولكن حب المال ، والجاه والشهرة ، والمنصب غلب عليك فإني أقول لك ستعرف غداً عاقبة أمرك . وشؤم فعلك على نفسك !!
• ورمضان فرصة للتغيير .. للدعاة الذين فترة همتهم ، وضعفت غيرتهم ، ..وتوانت عزائمهم ، فيشدوا من حالهم ، ويستيقظوا من رقدتهم ، ويتنبهوا من غفلتهم ، وينتهزوا فرصتهم ، بدعوة الناس إلى ربهم ، والذهاب إلى أماكن تواجدهم وتجمعهم . لتذكيرهم بالله تعالى ، وتخويفهم من ناره وجحيمه ، وترغيبهم بجنته ونعيمه ، والتفكير الجاد لمعرفة الأساليب المناسبة للإصلاح ، وليتذكر الدعاة إلى الله فضل الدعوة إلى الله ، والسهر من أجلها ، والتفاني لها ، وجزاء من تاب على أيديهم ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم " رواه البخاري .
ليكن رمضان محطة روحية تبعث فينا روح الجدية ..فيعد الداعية عدته ، ويأخذ أهبته ، ويملك عليه الفكر فيما هو فيه نواصي نفسه وجوانب قلبه ..فيكون دائم التفكير ، عظيم الاهتمام ، على قدم الاستعـداد أبدا ، إن دعي أجـــاب ، أو نودي لبى ، غدوه ورواحه وحديثه وكلامه ، وجده ولعبه لا يتعدى الميدان الذي أعد نفسه له !!
• ورمضان فرصة للتغيير .. لمن كان مذنباً ومسرفاً على نفسه بالخطايا والموبقات فإذا به يسمع الأغنيات بأصوات المغنين والمغنيات ، ويشاهد القنوات بصورها الفاضحات ، ويعاكس الفتيات ، ويسهر على الموبقات ، ويعاقر المنكرات ، أن يسارع إلى الإنابة ، ويبادر إلى الاستقامة ،قبل زوال النعم ،وحلـول النقم ، فهنالك لا تقـال العثرات ، ولا تستدرك الزلات .. {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [النور:31] ويكفي التائبين فخراً وعزاً ورفعة وشرفاً أن الله تعالى قال : {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } [البقرة:222] أليس من سعادة التائبين ..أن الله تعالى يفرح بأوبة الراجعين ..وإقبال المذنبين ..يقول صلى الله عليه وسلم : " لله أفرح بتوبة عبده من رجل نزل منزلا وبه مهلكة ، ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه ، فوضع رأسه فنام نومة ، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله قال :أرجع إلى مكاني ، فرجع فنام نومة ، ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده " رواه البخاري (6308) ، وفي مسلم : " فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح ".
فالتوبة ..التوبة ..فهي شعار المتقين ..ودأب الصالحين ..وحلية الصالحين ..أما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة " رواه مسلم .
فبادر يا رعاك الله إليها في مثل هذا الشهر المبارك ،فأبواب الجنة مشرعة ، وأبواب النار مغلقة ، ولله في كل ليلة عتقاء من النار ، فاجتهد أن تكون واحدا منهم ، جعلني الله وإياك ووالدينا ممن فاز بالرضا والرضوان والفوز بالجنان والنجاة من النيران .
وفي الختام .. آن لثياب العصيان ، أن تخلع في رمضان ، ليُلْبس الله العبد ثياب الرضوان ، وليجود عليه بتوبة تمحو ما كان من الذنب والبهتان ، وقد حان الأوان لفراق الخِلان ، وختم البيان بالصلاة والسلام على سيد ولد عدنان ، وعلى آله وأصحابه الشجعان ، وعلى من سار على نهجهم واقتفى أثرهم على مر الزمان .



الأهم في رمضان.. ونصر الأمة!
(اجعل رمضان انطلاقةً للنصر)

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

تمر أمتنا حالياً بفترة هي من أشد وأحرج الفترات التي مرت عليها على مدى تاريخها,....وكل الأمة مسؤولة عن هذا الواقع, وعليها أن تسارع وتبذل الجهود للتغيير ولإعادة الأمة إلى عزها ووضعها الطبيعي الذي يفترض أن تعيشه بين الأمم..أمة قائدة لا تابعة.. عزيزة لا ذليلة.. تحمي أبناءها وتحفظهم بإذن الله من كيد الأعداء وتنكيلهم.

وإن أهم جانب تقوم به الأمة لتُصلِح أوضاعها هو انطلاقتها القوية في العودة الصادقة إلى الله وتوبتها من أي ذنب وأي أمر لا يرضاه, وبذلها الجهود للواجب الكبير واجب الدعوة أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر وتبصيرا وهداية للغير ممن غفل عن الحق والهدى, وهذا هو الطريق الذي سيوصل الأمة إلى العزة والقوة والجهاد والنصر فيه بإذن الله, قال تعالى (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ) (محمد:7),
وقال سبحانه (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)..الآية(الرعد:11),
وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن ابن عمر ( إذا تبايعتم بالعينة, وأخذتم أذناب البقر, ورضيتم بالزرع, وتركتم الجهاد, سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه عنكم حتى ترجعـوا إلى دينكم) (سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني).

وهنا يأتي دوري ودورك أخي المسلم في أن نبدأ هذا المسير وهذه الانطلاقة.

وفريضة صيام شهر رمضان هذه الفريضة العظيمة والركن الهام من أركان الدين حكمتها الأساس تحقيق التوبة والتقوى والابتعاد عما لا يرضي الله والمسارعة إلى ما يحبه ويأمر به, قال تعالى:( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقـون)(البقرة:183).
وتحقيق التقوى بالتزام أوامر الدين وواجباته (ومنها واجب الدعوة الذي تزداد أهميته ووجوبه في مثل هذا العصر الذي بعدت فيه الأمة) وترك ما يحرمه هو أهم ما يحبه الله في رمضان وفي أي وقت آخر, وأهم مـن الازدياد في الأعمال الصالحة المستحبة, وفي الحديث القدسي الصحيح: (وما تقرب إلي عبدي بشيءٍ أحب إليَّ مما افترضت عليه..) رواه البخاري وإبن حبان, وفي الحديث أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: (اتق المحارم تكن أعبد الناس) رواه الترمذي وحسنه الألباني, وفي الأثر عن ابن عمر رضي الله عنه ) :لََرَدُّ دَانِـقٍ من حرام أحب إلى الله من إنفاق مائة ألفٍ في سبيل الله).

وإذا تمعنت أخي المسلم الغيورحكمة الصيام ثم تأملت واقع الأمة وآلامها والذبح والإذلال والمخاطر التي تتعرض لها في شتى بقاع الأرض, لا نشك في أن قلبك الطيب وفكرك النير سيستشعر بإذن الله ضرورة ووجوب وأهمية وحتمية وفرضية انطلاقتنا لتغيير ما بأنفسنا وإصلاح وتذكير من حولنا لتَصْلُح أحوالنا ويأتينا النصر ونفلح في دنيانا وآخرتنا.

أخي المسلـم:

 إن نياح الثكالى,
وبكاء اليتامى,
وآلام الجرحى,
وصرخات المعذبين,
وحسرات المشردين,
ومعاناة المأسورين,

كلها تدعوك لهذا التغيير وهذه الانطلاقة.
جراحُ المسلمينَ أسىً كئيبُ ----- فما لكَ لا تُحسُّ ولا تُنيبُ !وما لكَ لا تبالي بالمخازي ----- تجلِّلهم !! فما هذا الغـروبُ ؟!
لياليهم مآس ٍ فـي مـآسي ----- فلا فجرٌ بعيدٌ أو قـريبُ
وقد أضحى ثراهم دونَ حام ٍ----- وبينَ بيوتهمْ شبَّ اللهيبُ
تلفُّهمُ الهمومُ بكلِّ حدب ٍ ----- ولولا الصبرُ ما كانت تطيبُ
كأنَّ مصائب الدنيا جبالٌ----- رستْ فوقَ القلـوب ِ فلا تغيـبُ
يكادُ الصخرُ منْ حـَزَن ٍ عليهمْ ----- يذوبُ وأنتَ قلبكَ لا يذوبُأتغفو؟؟ ما خُلقتَ لمثل ِ هذا ----- وقلبكَ لم يؤجـجهُ الوجيبُ
أأنتَ وريثُ منْ أحيوا بعلم ٍ----- عقولَ النـاس ِ فكراً, لو تجيـبُ
فليتكَ والهمومُ مخيماتٌ ----- إلى الإيمان ِ والتقـوى تؤوبُولـو لمْ تكنْ منا لهانـتْ----- مصيبتنا بمثلـكَ يا حبيبُ
فإن لمْ تستجـبْ منْ بعدِ هذا ----- فلسـتُ أخالُ أنكَ تستجيبُ(1)
 
 فهلا جعلت أخي المسلم شهر رمضان الكريم الذي يمر في هذه الأيام وامتنا في هذه المعاناة بداية المسير للصلاح والإصلاح, ولعمل كل ما يرضي الله وكل خير وكل ما يعين الأمة على استعادة مجدها في أي جانب من جوانب الحياة.

ابدأ أخي ولا تتأخر فالعمر قصير والواقع مرير, والأمة تنتظر نصرك فلا تخذلها!.
قال تعالى( وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) ( النور:31),
وقال سبحانه: ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين).. الآية (التوبة:119) .

وتذكر أجرك الكبير باستجابتك لأمر خالقك واجتهادك في طاعته, فالجائزة جنة الخلد, ودرجاتها ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض.
قال تعالى(ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون) (الأعراف:43).

خطوات عملية تعين على الانطلاقة والثبات عليها:

1- عليك بالصحبة الصالحة واحرص عليها, ومنها!! الشريط النافع تسمعه في سيارتك أو بيتك.
2- ابتعد عن الصحبة التي لا تعينك على الاستقامة, ومنها!! أي وسيلة تعرض وتُسهِّل ما لا يرضاه العظيم سبحانه, وتذكر قوله تعالى (الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) (الزخرف:67).
3- استشعر وذكِّر نفسك دائمـــا بواقع الأمة وآلامها,.. كي لا يضعف العزم وحتى يتجدد الحماس للتمسك ولبذل الجهد للدعوة,... وتذكَّر أنك تؤخـــــــر نصرها بتقصيرك!.
4- ادعُ الله وألح في دعائك بأن يعينك على الهدى وأن يحفظك من كيد الشياطين.
5- تذكر أيها الغيور أن الإنكباب على الترفيه ولو بالحلال في مثل هذا الواقع الذي تعيشه الأمة غير مستساغ, فكيف باللهو بما يحرم ولا يجوز شرعاً.
6- تأمل دائماً حقارة الدنيا وقصرها وسرعة انقضائها.
7- تذكَّر قرب الموت منا, وأنه قد يفجؤنا في أي لحظة,..وتذكر القبر وما فيه!, والجنة وعظمة نعيمها, والنار وشدة عذابها.
8- وأخيــــــرا تذكر أيها المبتغي رحمة الله وفضله والدرجات العلى أن من علامـــــــــات قبول عملك في رمضان وغيره أن تكون فيـه وبعـــــــده أحسن حالاً تائبا منيباً مجتهداً في كل خير بعيدا عن كل شر.

الأهم في رمضان.. ونصر الأمة! (اجعل رمضان انطلاقةً للنصر)


الأهم في رمضان.. ونصر الأمة!
(اجعل رمضان انطلاقةً للنصر)

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

تمر أمتنا حالياً بفترة هي من أشد وأحرج الفترات التي مرت عليها على مدى تاريخها,....وكل الأمة مسؤولة عن هذا الواقع, وعليها أن تسارع وتبذل الجهود للتغيير ولإعادة الأمة إلى عزها ووضعها الطبيعي الذي يفترض أن تعيشه بين الأمم..أمة قائدة لا تابعة.. عزيزة لا ذليلة.. تحمي أبناءها وتحفظهم بإذن الله من كيد الأعداء وتنكيلهم.

وإن أهم جانب تقوم به الأمة لتُصلِح أوضاعها هو انطلاقتها القوية في العودة الصادقة إلى الله وتوبتها من أي ذنب وأي أمر لا يرضاه, وبذلها الجهود للواجب الكبير واجب الدعوة أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر وتبصيرا وهداية للغير ممن غفل عن الحق والهدى, وهذا هو الطريق الذي سيوصل الأمة إلى العزة والقوة والجهاد والنصر فيه بإذن الله, قال تعالى (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ) (محمد:7),
وقال سبحانه (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)..الآية(الرعد:11),
وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن ابن عمر ( إذا تبايعتم بالعينة, وأخذتم أذناب البقر, ورضيتم بالزرع, وتركتم الجهاد, سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه عنكم حتى ترجعـوا إلى دينكم) (سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني).

وهنا يأتي دوري ودورك أخي المسلم في أن نبدأ هذا المسير وهذه الانطلاقة.

وفريضة صيام شهر رمضان هذه الفريضة العظيمة والركن الهام من أركان الدين حكمتها الأساس تحقيق التوبة والتقوى والابتعاد عما لا يرضي الله والمسارعة إلى ما يحبه ويأمر به, قال تعالى:( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقـون)(البقرة:183).
وتحقيق التقوى بالتزام أوامر الدين وواجباته (ومنها واجب الدعوة الذي تزداد أهميته ووجوبه في مثل هذا العصر الذي بعدت فيه الأمة) وترك ما يحرمه هو أهم ما يحبه الله في رمضان وفي أي وقت آخر, وأهم مـن الازدياد في الأعمال الصالحة المستحبة, وفي الحديث القدسي الصحيح: (وما تقرب إلي عبدي بشيءٍ أحب إليَّ مما افترضت عليه..) رواه البخاري وإبن حبان, وفي الحديث أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: (اتق المحارم تكن أعبد الناس) رواه الترمذي وحسنه الألباني, وفي الأثر عن ابن عمر رضي الله عنه ) :لََرَدُّ دَانِـقٍ من حرام أحب إلى الله من إنفاق مائة ألفٍ في سبيل الله).

وإذا تمعنت أخي المسلم الغيورحكمة الصيام ثم تأملت واقع الأمة وآلامها والذبح والإذلال والمخاطر التي تتعرض لها في شتى بقاع الأرض, لا نشك في أن قلبك الطيب وفكرك النير سيستشعر بإذن الله ضرورة ووجوب وأهمية وحتمية وفرضية انطلاقتنا لتغيير ما بأنفسنا وإصلاح وتذكير من حولنا لتَصْلُح أحوالنا ويأتينا النصر ونفلح في دنيانا وآخرتنا.

أخي المسلـم:

 إن نياح الثكالى,
وبكاء اليتامى,
وآلام الجرحى,
وصرخات المعذبين,
وحسرات المشردين,
ومعاناة المأسورين,

كلها تدعوك لهذا التغيير وهذه الانطلاقة.
جراحُ المسلمينَ أسىً كئيبُ ----- فما لكَ لا تُحسُّ ولا تُنيبُ !وما لكَ لا تبالي بالمخازي ----- تجلِّلهم !! فما هذا الغـروبُ ؟!
لياليهم مآس ٍ فـي مـآسي ----- فلا فجرٌ بعيدٌ أو قـريبُ
وقد أضحى ثراهم دونَ حام ٍ----- وبينَ بيوتهمْ شبَّ اللهيبُ
تلفُّهمُ الهمومُ بكلِّ حدب ٍ ----- ولولا الصبرُ ما كانت تطيبُ
كأنَّ مصائب الدنيا جبالٌ----- رستْ فوقَ القلـوب ِ فلا تغيـبُ
يكادُ الصخرُ منْ حـَزَن ٍ عليهمْ ----- يذوبُ وأنتَ قلبكَ لا يذوبُأتغفو؟؟ ما خُلقتَ لمثل ِ هذا ----- وقلبكَ لم يؤجـجهُ الوجيبُ
أأنتَ وريثُ منْ أحيوا بعلم ٍ----- عقولَ النـاس ِ فكراً, لو تجيـبُ
فليتكَ والهمومُ مخيماتٌ ----- إلى الإيمان ِ والتقـوى تؤوبُولـو لمْ تكنْ منا لهانـتْ----- مصيبتنا بمثلـكَ يا حبيبُ
فإن لمْ تستجـبْ منْ بعدِ هذا ----- فلسـتُ أخالُ أنكَ تستجيبُ(1)
 
 فهلا جعلت أخي المسلم شهر رمضان الكريم الذي يمر في هذه الأيام وامتنا في هذه المعاناة بداية المسير للصلاح والإصلاح, ولعمل كل ما يرضي الله وكل خير وكل ما يعين الأمة على استعادة مجدها في أي جانب من جوانب الحياة.

ابدأ أخي ولا تتأخر فالعمر قصير والواقع مرير, والأمة تنتظر نصرك فلا تخذلها!.
قال تعالى( وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) ( النور:31),
وقال سبحانه: ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين).. الآية (التوبة:119) .

وتذكر أجرك الكبير باستجابتك لأمر خالقك واجتهادك في طاعته, فالجائزة جنة الخلد, ودرجاتها ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض.
قال تعالى(ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون) (الأعراف:43).

خطوات عملية تعين على الانطلاقة والثبات عليها:

1- عليك بالصحبة الصالحة واحرص عليها, ومنها!! الشريط النافع تسمعه في سيارتك أو بيتك.
2- ابتعد عن الصحبة التي لا تعينك على الاستقامة, ومنها!! أي وسيلة تعرض وتُسهِّل ما لا يرضاه العظيم سبحانه, وتذكر قوله تعالى (الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) (الزخرف:67).
3- استشعر وذكِّر نفسك دائمـــا بواقع الأمة وآلامها,.. كي لا يضعف العزم وحتى يتجدد الحماس للتمسك ولبذل الجهد للدعوة,... وتذكَّر أنك تؤخـــــــر نصرها بتقصيرك!.
4- ادعُ الله وألح في دعائك بأن يعينك على الهدى وأن يحفظك من كيد الشياطين.
5- تذكر أيها الغيور أن الإنكباب على الترفيه ولو بالحلال في مثل هذا الواقع الذي تعيشه الأمة غير مستساغ, فكيف باللهو بما يحرم ولا يجوز شرعاً.
6- تأمل دائماً حقارة الدنيا وقصرها وسرعة انقضائها.
7- تذكَّر قرب الموت منا, وأنه قد يفجؤنا في أي لحظة,..وتذكر القبر وما فيه!, والجنة وعظمة نعيمها, والنار وشدة عذابها.
8- وأخيــــــرا تذكر أيها المبتغي رحمة الله وفضله والدرجات العلى أن من علامـــــــــات قبول عملك في رمضان وغيره أن تكون فيـه وبعـــــــده أحسن حالاً تائبا منيباً مجتهداً في كل خير بعيدا عن كل شر.


Popular Posts