background img

The New Stuff

إن سعيكم لشتى

رمضان غنيمة للمسلم بما اكتسبه من صيام أيامه وقيام لياليه، والانقطاع إلى الله عز وجل بالعبادة فيه..


حديث صحيح اصبر على قراءته وشرحه..
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه ما أتى على المسلمين شهر خير لهم من رمضان»، يعني: أقسم أبو هريرة بما حلف به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، «ولا أتى على المنافقين شهر شر لهم من رمضان؛ وذلك لما يعد المؤمنون فيه من القوة للعبادة، وما يعد فيه المنافقون من غفلات الناس وعوراتهم، هو غنم للمؤمن، يغتنمه الفاجر».
‫‏
وفي رواية، قال: «أظلكم شهركم هذا بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما مر بالمؤمنين شهر خير لهم منه ولا بالمنافقين شهر شر لهم منه، بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ليكتب أجره ونوافله من قبل أن يدخله، ويكتب إصره وشقاءه من قبل أن يدخله؛ وذاك لأن المؤمن يعد فيه القوة من النفقة للعبادة ويعد فيه المنافق اتباع غفلات المؤمنين واتباع عوراتهم، فهو غنم للمؤمن يغتنمه الفاجر»، وفي رواية البيهقي: «فهو غنم للمؤمن ونقمة للفاجر» (وهذا الحديث أخرجه البيهقي في السنن، والطبراني في الأوسط، وابن خزيمة، وسكت عنه المنذري، وقال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: إسناده صحيح).
‫
‏المعنى:
وقوله صلى الله عليه وسلم في الرواية الأولى: «أظلكم شهركم هذا» يعني: أشرف عليكم وقرب منكم، «بمحلوف رسول الله صلى عليه وسلم»، يعني: إني أحلف بما حلف عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، «ما مر بالمؤمنين شهر خير لهم منه، ولا بالمنافقين شهر شر لهم منه، إن الله عز وجل ليكتب أجره ونوافله من قبل أن يدخله، ويكتب إصره وشقاءه»، والإصر هنا الإثم والعقوبة، «من قبل أن يدخله» أي: الله عز وجل يعلم ما كان وما سيكون لا حدود لعلمه سبحانه وتعالى، فالله عز وجل يكتب قبل دخول الشهر أن فلانًا سيجني من هذا الشهر كذا وكذا من الطاعات والعبادات، وفلان سوف يجني كذا وكذا من الشقاء والإثم والإصر والإثم والعقاب.
قوله: «إن الله عز وجل ليكتب أجره ونوافله من قبل أن يدخله» إن المؤمن يستعد ويتهيأ لاستقبال رمضان قبل دخوله كما ذكرنا في إعداد النفقة وإعداد القوت وغير ذلك؛ حتى يتفرغ ويجتهد في طاعة الله عز وجل في رمضان، فإن الله عز وجل يكتب له أجره ونوافله، وما سيترتب على أعماله هذه من الثواب قبل أن يدخل عليه شهر رمضان.
قوله عليه الصلاة والسلام: «ما أتى على المسلمين شهر خير لهم من رمضان، ولا أتى على المنافقين شهر شر لهم من رمضان؛ وذلك لما يعد المؤمنون فيه من القوة للعبادة» يعني: يعد المؤمنون لرمضان ما يقويهم على العبادة، فهم يدخرون ما ينفقونه على العيال قبل أن يدخل رمضان، أيضاً كثير من الناس يخرجون زكواتهم في رمضان، وكثير من الناس يتهيئون لأداء العمرة في رمضان وغير ذلك، تجدهم يخصصون ويتأهبون لقدوم رمضان قبل دخوله، فهم يعدون قبل دخول رمضان ما يحتاجونه؛ حتى يتفرغوا لطاعة الله إذا دخل عليهم رمضان.
أما قوله: «وذلك أن المؤمن يعد فيه القوة من النفقة للعبادة»، يعني: أن المؤمنين بسبب اشتغالهم بالعبادة في رمضان فإن ذلك يمنعهم من تحصيل المعاش أو التقليل منه، فقيام الليل يستدعي النوم بالنهار، والاعتكاف يستدعي عدم الخروج من المسجد، وفي هذا تعطيل لأسباب المعاش، فهم يجمعون القوت وما يلزم لأولادهم في رمضان قبل حلوله؛ ليتفرغوا فيه للعبادة، وللإقبال على الله عز وجل، ولاجتناء ثمرة هذا الموسم فهو خير لهم مما أنفقوه؛ لما اكتسبوا فيه من الأجر العظيم والغفران العميم.
وقوله عليه الصلاة والسلام: «وما يعد فيه المنافقون من غفلات الناس وعوراتهم» يعني: هذا هو السبب في أن شهر رمضان شر على المنافقين، وما أكثر هؤلاء المنافقين من أعداء الله، من قطاع الطريق إلى الله، الذين يغتنمون فرصةالتوبة والإنابة، واستقامة الناس على طاعة الله وانفتاح أبواب الخيرات، حتى يصدوا الناس عن ذلك الخير، وتراهم يجلبون بخيلهم ورجلهم ليل نهار، في النهار يريدون أن يفسدوا صيام الناس بالمعاصي بالأفلام وباللهو والعبث والفجور، وفي الليل بالسهر والعكوف أمام االتلفزيون وأمثاله.
قوله عليه الصلاة والسلام في نهاية الحديث: «هو غنم للمؤمن يغتنمه الفاجر»، وفي رواية البيهقي: «فهو غنم للمؤمن ونقمة للفاجر»، والمعنى: أن الله عز وجل ينتقم من الفاجر ويذيقه العذاب الأليم؛ لسوء فعله وإيذائه المؤمنين وتتبع عوراتهم، فيكون نقمة له، وأما المسلم فرمضان غنيمة له؛ بما اكتسبه من صيام أيامه وقيام لياليه، والانقطاع إلى الله عز وجل بالعبادة فيه.

إن سعيكم لشتى

إن سعيكم لشتى

رمضان غنيمة للمسلم بما اكتسبه من صيام أيامه وقيام لياليه، والانقطاع إلى الله عز وجل بالعبادة فيه..


حديث صحيح اصبر على قراءته وشرحه..
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه ما أتى على المسلمين شهر خير لهم من رمضان»، يعني: أقسم أبو هريرة بما حلف به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، «ولا أتى على المنافقين شهر شر لهم من رمضان؛ وذلك لما يعد المؤمنون فيه من القوة للعبادة، وما يعد فيه المنافقون من غفلات الناس وعوراتهم، هو غنم للمؤمن، يغتنمه الفاجر».
‫‏
وفي رواية، قال: «أظلكم شهركم هذا بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما مر بالمؤمنين شهر خير لهم منه ولا بالمنافقين شهر شر لهم منه، بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ليكتب أجره ونوافله من قبل أن يدخله، ويكتب إصره وشقاءه من قبل أن يدخله؛ وذاك لأن المؤمن يعد فيه القوة من النفقة للعبادة ويعد فيه المنافق اتباع غفلات المؤمنين واتباع عوراتهم، فهو غنم للمؤمن يغتنمه الفاجر»، وفي رواية البيهقي: «فهو غنم للمؤمن ونقمة للفاجر» (وهذا الحديث أخرجه البيهقي في السنن، والطبراني في الأوسط، وابن خزيمة، وسكت عنه المنذري، وقال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: إسناده صحيح).
‫
‏المعنى:
وقوله صلى الله عليه وسلم في الرواية الأولى: «أظلكم شهركم هذا» يعني: أشرف عليكم وقرب منكم، «بمحلوف رسول الله صلى عليه وسلم»، يعني: إني أحلف بما حلف عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، «ما مر بالمؤمنين شهر خير لهم منه، ولا بالمنافقين شهر شر لهم منه، إن الله عز وجل ليكتب أجره ونوافله من قبل أن يدخله، ويكتب إصره وشقاءه»، والإصر هنا الإثم والعقوبة، «من قبل أن يدخله» أي: الله عز وجل يعلم ما كان وما سيكون لا حدود لعلمه سبحانه وتعالى، فالله عز وجل يكتب قبل دخول الشهر أن فلانًا سيجني من هذا الشهر كذا وكذا من الطاعات والعبادات، وفلان سوف يجني كذا وكذا من الشقاء والإثم والإصر والإثم والعقاب.
قوله: «إن الله عز وجل ليكتب أجره ونوافله من قبل أن يدخله» إن المؤمن يستعد ويتهيأ لاستقبال رمضان قبل دخوله كما ذكرنا في إعداد النفقة وإعداد القوت وغير ذلك؛ حتى يتفرغ ويجتهد في طاعة الله عز وجل في رمضان، فإن الله عز وجل يكتب له أجره ونوافله، وما سيترتب على أعماله هذه من الثواب قبل أن يدخل عليه شهر رمضان.
قوله عليه الصلاة والسلام: «ما أتى على المسلمين شهر خير لهم من رمضان، ولا أتى على المنافقين شهر شر لهم من رمضان؛ وذلك لما يعد المؤمنون فيه من القوة للعبادة» يعني: يعد المؤمنون لرمضان ما يقويهم على العبادة، فهم يدخرون ما ينفقونه على العيال قبل أن يدخل رمضان، أيضاً كثير من الناس يخرجون زكواتهم في رمضان، وكثير من الناس يتهيئون لأداء العمرة في رمضان وغير ذلك، تجدهم يخصصون ويتأهبون لقدوم رمضان قبل دخوله، فهم يعدون قبل دخول رمضان ما يحتاجونه؛ حتى يتفرغوا لطاعة الله إذا دخل عليهم رمضان.
أما قوله: «وذلك أن المؤمن يعد فيه القوة من النفقة للعبادة»، يعني: أن المؤمنين بسبب اشتغالهم بالعبادة في رمضان فإن ذلك يمنعهم من تحصيل المعاش أو التقليل منه، فقيام الليل يستدعي النوم بالنهار، والاعتكاف يستدعي عدم الخروج من المسجد، وفي هذا تعطيل لأسباب المعاش، فهم يجمعون القوت وما يلزم لأولادهم في رمضان قبل حلوله؛ ليتفرغوا فيه للعبادة، وللإقبال على الله عز وجل، ولاجتناء ثمرة هذا الموسم فهو خير لهم مما أنفقوه؛ لما اكتسبوا فيه من الأجر العظيم والغفران العميم.
وقوله عليه الصلاة والسلام: «وما يعد فيه المنافقون من غفلات الناس وعوراتهم» يعني: هذا هو السبب في أن شهر رمضان شر على المنافقين، وما أكثر هؤلاء المنافقين من أعداء الله، من قطاع الطريق إلى الله، الذين يغتنمون فرصةالتوبة والإنابة، واستقامة الناس على طاعة الله وانفتاح أبواب الخيرات، حتى يصدوا الناس عن ذلك الخير، وتراهم يجلبون بخيلهم ورجلهم ليل نهار، في النهار يريدون أن يفسدوا صيام الناس بالمعاصي بالأفلام وباللهو والعبث والفجور، وفي الليل بالسهر والعكوف أمام االتلفزيون وأمثاله.
قوله عليه الصلاة والسلام في نهاية الحديث: «هو غنم للمؤمن يغتنمه الفاجر»، وفي رواية البيهقي: «فهو غنم للمؤمن ونقمة للفاجر»، والمعنى: أن الله عز وجل ينتقم من الفاجر ويذيقه العذاب الأليم؛ لسوء فعله وإيذائه المؤمنين وتتبع عوراتهم، فيكون نقمة له، وأما المسلم فرمضان غنيمة له؛ بما اكتسبه من صيام أيامه وقيام لياليه، والانقطاع إلى الله عز وجل بالعبادة فيه.

صفة الصفوة لابن الجوزي

فإنك أيها الطالب الصادق، والمريد المُحقِّق، لما نظرتَ في كتاب: حلية الأولياء؛ لأبي نعيم الأصبهاني، أعجبك ذِكر الصالحين والأخيار، ورأيتَه دواءً لأدواء النفس، إلا أنك شكوتَ من إطالته بالأحاديث المُسنَدة التي لا تَليق به، وبكلام كثير عن بعض المذكورين فيه، قليل الفائدة، وسألتني أن أختَصِره لك، وأنتقي محاسنه، فقد أعجبني منك أنك أصبتَ في نظرك، إلا أنه لم يُكشَف لك كل الأمر، وأنا أكشِفه لك

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، أيها الإخوة، أيتها الأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
موضوع اليوم مقدِّمة كتاب (صفة الصفوة)، للإمام العلامة، الحافظ، الأصولي، المفسِّر، عالم العراق، وواعظ الآفاق، جمال الدين، أبي الفرج، عبدالرحمن بن علي الجوزي، الذي ينتهي نَسبه إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه والذي وُلِد سنة عشر وخمسمائة تقريبًا، وتوفّي سنة سبع وتسعين وخمسمائة.
ومن بدائع كلامه:
عقارب المنايا تَلسَع، وخَدَران جسم الأمل يمنع الإحساس، وماء الحياة في إناء العمر يرشح بالأنفاس، وقال لصاحب له: "أنت في أوسع العُذْر من التأخير عني لثِقتي بك، وفي أضيقه من شوقي إليك"، وقال له رجل: "ما نَمتُ البارحة من شوقي إلى مجلس وعظِك"، فأجابه: "لأنك تُريد الفُرْجة، وإنما ينبغي الليلة ألا تنام"، يريد من تأثُّرك من الوعظ، ومن كلامه: مَن قنَع طاب عيشُه، ومن طمِع طال طيشُه، وقال يَعِظ الخليفة: "يا أمير المؤمنين، إن تكلَّمتُ خفتُ منك، وإن سكتُّ خفتُ عليك، فأنا أقدِّم خوفي عليك على خوفي منك، أقول قول الناصح: اتقِ الله، خير من قول القائل: أنتم أهل بيت مغفور لكم".
كان ابن الجوزي لطيف الصورة، حُلو الشمائل، رخيم النغمة، موزون الحركات والنغمات، لذيذ المُفاكَهة، يحضُر مجلسَه الآلافُ، لا يُضيِّع من وقته شيئًا، وله في كل علمٍ مشارَكة، ولكنه كان في التفسير من الأعيان، وفي الحديث من الحفَّاظ، وفي التاريخ من المتوسِّعين، ولديه فقه كافٍ، وأما السجع الوعظي، فله فيه مَلَكة قويَّة، وكان يُراعي حفظَ صحَّته، وتلطيف مزاجه، وما يُفيد عقلَه قوةً، وذهنَه حِدةً، وله ذهنٌ وقَّادٌ، وجوابٌ حاضرٌ، ومُداعباتٌ حُلوةٌ، قال الإمام الذهبي عنه: "ما علِمتُ أحدًا من العلماء صنَّف ما صنَّف هذا الرجل"، وقال ابن النجار عنه: "وكان رحمه الله مع هذه الفضائل والعلوم الواسعة ذا أورادٍ وتألُّه، وله نصيبٌ من الأذواق الصحيحة، وحظٌّ من حلاوة المناجاة. وقد أشار هو إلى ذلك، ولا ريب أنّ كلامه في الوعظ والمعارف ليس بكلام ناقلٍ أجنبيٍّ مجرَّدٍ عن الذوق، بل كلام مشاركٍ فيه".
أيها الكرام، ونبدأ الآن بالاقتطاف من مقدمة كتاب (صفة الصفوة) التي افتتح بها ابن الجوزي رحمه الله كتابه قائلاً:
الحمد لله وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، حمدًا إذا قابَل النِّعم وفَى، وسلامًا إذا بلغ المصطفَيْنَ شفَى، وخصَّ الله بخاصة ذلك نبيَّنا المصطفى، ومَن احتذى حَذوه من أصحابه وأتباعه واقتفى، ووفَّقنا لسلوك طريقهم فإنه إذا وفَّق كفى.
أما بعد:
فإنك أيها الطالب الصادق، والمريد المُحقِّق، لمّا نظرتَ في كتاب (حلية الأولياء)؛ لأبي نعيم الأصبهاني، أعجبك ذِكر الصالحين والأخيار، ورأيتَه دواءً لأدواء النفس، إلا أنك شكوتَ من إطالته بالأحاديث المُسنَدة التي لا تَليق به، وبكلامٍ كثيرٍ عن بعض المذكورين فيه، قليل الفائدة، وسألتني أن أختَصِره لك، وأنتقي محاسنه، فقد أعجبني منك أنك أصبتَ في نظرك، إلا أنه لم يُكشَف لك كل الأمر، وأنا أكشِفه لك فأقول: اعلم أن كتاب الحلية قد حوى من الأحاديث والحكايات جملةً حسنةً، إلا أنه تكدَّر بأشياءَ، فالأشياء التي تَكدَّر بها عَشَرة -ويذهب ابن الجوزي رحمه الله يُعدِّد هذه العيوب، فيَذكُر منها-: أنّ أبا نعيم قصَد ما ينقل عن الرجل المذكور، ولم ينظر هل يليق بالكتاب أم لا؟ مِثل ما ملأ ترجمة مجاهد وعكرمة رحمهما الله بقِطعٍ من تفسيرهما، وترجمة كعب الأحبار بقطعة من التوراة، وليس هذا بموضِع هذه الأشياء، والثاني: إعادة أخبار كثيرة وتَكرارها، الثالث: إطالته بذِكر الأحاديث المرفوعة، ومعلومٌ أن مِثل كتابه الذي يُقصَد به مُداواة القلوب إنما وُضِع لبيان أخلاق القوم، لا الأحاديث، ولكل مقامٍ مقال، ثم لو كانت الأحاديث التي ذَكَرها من أحاديث الزُّهد اللائقة بالكتاب، لقَرُب الأمر، ولكنها من كل فن، وعمومها من أحاديث الأحكام والضعاف.
والمأخذ الرابع -أيها الكريم الذي أخذه ابن الجوزي على أبي نعيم-: أنه ذكَر في كتابه أحاديث كثيرةً باطلةً وموضوعةً، فقصد بذِكرها تكثير حديثه، وتنفيق رواياته، ولم يُبيِّن أنها موضوعة، ومعلومٌ أن جمهور المائلين إلى التبرُّر -وسلوك طريق تزكية النفس وتهذيبها- يخفى عليهم الصحيح من غيره، فسَتْرُ ذلك عنهم غِشٌ من الطبيب لا نُصْح.
والمأخذ الخامس: السجع البارِد في التراجم الذي لا يكاد يحتوي على معنىً صحيح، خصوصًا في ذِكر حدود التصوف، والسادس: إضافة التصوُّف إلى كبار السادات كالخلفاء الراشدين رضي الله عنهم والأئمة الأربعة رحمهم الله وليس عند هؤلاء القوم خبرٌ من التصوف، فإن قال قائلٌ: إنما عنى به الزهد في الدنيا، قلنا: التصوف مذهبٌ معروف عند أصحابه، لا يُقتَصر فيه على الزهد، بل له صفاتٌ وأخلاقٌ يعرفها أربابه، ولولا أنه أمرٌ زِيدَ على الزُّهد، ما نُقِل عن بعض هؤلاء المذكورين ذمُّه.
والمأخذ السابع: أنه ذكَر أشياء عن الصوفيَّة لا يجوز فِعْلها، فربما سمعها المبتدئ القليل العلم فظنَّها حسنةً فاحتذاها، مِثل: ما روى عن أبي حمزة الصوفيّ أنه وقع في بئرٍ، فجاء رجلان فطمَّاها، فلم يَنطِق؛ حملاً لنفسه على التوكُّل بزعمه، وسكوته في هذا المقام إعانةٌ على نفسه، وذلك لا يَحِلُّ له، ولو فَهم معنى التوكل لعلم أنه لا يُنافي استغاثته في تلك الحال، كما لم يَخرُجْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من التوكل بإخفائه الخروج من مكة، واستئجاره دليلًا، واستكتامه، واستتاره في الغار، وقوله لسراقة: "أخفِ عنا"، والتوكل إنما هو اعتماد القلب على الله سبحانه، وليس من ضرورته قطع الأسباب، ولو أن إنسانًا جاع فلم يأكل، أو احتاج فلم يسأل، أو عَرِي فلم يلبس، فمات، دخل النار؛ لأنه قد دلَّ على طريق السلامة، فإذا تَقاعَد عنها أعان على نفسه.
أيها الكرام:
والمأخذ الأخير الذي نختاره لنختم به ما عدَّده ابن الجوزي على كتاب الحلية لأبي نُعيم: أنه خلَط في ترتيب القوم، فقدَّم مَن ينبغي أن يؤخَّر، وأخَّر مَن ينبغي أن يُقدَّم، فعل ذلك في الصحابة وفيمن بعدهم، فلا هو ذكَرهم على ترتيب الفضائل، ولا على ترتيب المواليد، ولا جمَع أهل كل بلدٍ في مكان، وربما فعل هذا في وقت، ثم عاد فخلط، خصوصًا في أواخر الكتاب، فلا يكاد طالب الرجل يهتدي إلى موضِعه.
ويمضي ابن الجوزي في مقدمته قائلاً: وأما الأشياء التي فاتتْه، فأهمها ثلاثة:
أحدها: أنه لم يذكر سيد الزُّهاد، وقدوة الخَلْق، محمدًا صلى الله عليه وسلم ، والثاني: أنه ترك ذِكْر خلقٍ كثير قد نُقِل عنهم من التعبد والاجتهاد الكبير، ولا يجوز أن يُحمَل ذلك منه على أنه قصَد المشتهرين بالذِّكر دون غيرهم، فإنه قد ذكَر خلقًا لم يُعرَفوا بالزهد، ولم يُنقَل عنهم شيء، وربما ذكَر الرجل فأسنَد عنه أبيات شعر فحسب، ففعلُه يدل على أنه أراد الاستقصاء، وتقصيره في ذلك ظاهر.
والثالث: أنه لم يذكُر من عوابد النساء إلا عددًا قليلاً، ومعلوم أنّ ذِكر العابدات مع قصور الأنوثية يوثِّب المقصِّر من الذكور، فقد كان سفيان الثوري رحمه الله ينتفع برابعة العدويَّة، ويتأدَّب بكلامها.
ويمضي ابن الجوزي في مقدِّمته قائلاً:
وقد حداني جِدُّك أيها المريد في طلبِ أخبار الصالحين وأحوالهم أن أجمع لك كتابًا يُغنيك عن كتاب أبي نعيم، ويحصُل لك المقصود منه، ويَزيد عليه بذكر جماعة لم يذكرهم، وأخبار لم ينقُلها، وجماعة وُلِدوا بعد وفاته، ويَنقُص عنه بترك جماعة قد ذكرهم لم يَنقُل عنهم كبيرَ شيء، وحكايات قد ذكرها، فبعضها لا ينبغي التشاغل به، وبعضها لا يليق بالكتاب، على ما سبَق بيانه.
وإنما أنقُل عن القوم محاسن ما نقل مما يليق بهذا الكتاب، ولا أنقل كل ما نقل؛ إذ لكل شيء صناعة، وصناعة العقل حُسْن الاختيار، وكما أني لا أذكُر ما لا يَصلُح، لا أذكُر من لا يَصلُح أن يُقتدى به، ممن هو في صورة العلماء والزُّهاد، وقد تجوَّزتُ بذكر جماعةٍ من المتصوِّفة وردت عنهم كلمات مُنكَرة، وكلمات حِسان، فانتخبت من محاسن أقوالهم؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن، ومع تنقِّينا، وتوقِّينا، وحذف مَن لا يَصلُح، وما لا يَصلُح، فقد زاد عددُ مَن في كتابنا على ألف شخص، يَزيد الرجال على ثمانمائة، وتَزيد النساء على مائتين، ولم يبلُغ عدد رجال الحلية ستمائة، ولا أظنُّه ذكر في جميع الكتاب عشرين امرأة، وإلى الله أرغبُ في النفع بكلمات المتَّقين، واللحوق بدرجات أهل اليقين، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.
أيها الكرام:
بهذا ينتهي الإمام ابن الجوزي رحمه الله من تقديمه لكتابه (صفة الصفوة)، وننتهي نحن من حديث اليوم، فإلى المُلتقى مع مقدمة أخرى لكتاب آخر، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

صفة الصفوة لابن الجوزي

صفة الصفوة لابن الجوزي

فإنك أيها الطالب الصادق، والمريد المُحقِّق، لما نظرتَ في كتاب: حلية الأولياء؛ لأبي نعيم الأصبهاني، أعجبك ذِكر الصالحين والأخيار، ورأيتَه دواءً لأدواء النفس، إلا أنك شكوتَ من إطالته بالأحاديث المُسنَدة التي لا تَليق به، وبكلام كثير عن بعض المذكورين فيه، قليل الفائدة، وسألتني أن أختَصِره لك، وأنتقي محاسنه، فقد أعجبني منك أنك أصبتَ في نظرك، إلا أنه لم يُكشَف لك كل الأمر، وأنا أكشِفه لك

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، أيها الإخوة، أيتها الأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
موضوع اليوم مقدِّمة كتاب (صفة الصفوة)، للإمام العلامة، الحافظ، الأصولي، المفسِّر، عالم العراق، وواعظ الآفاق، جمال الدين، أبي الفرج، عبدالرحمن بن علي الجوزي، الذي ينتهي نَسبه إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه والذي وُلِد سنة عشر وخمسمائة تقريبًا، وتوفّي سنة سبع وتسعين وخمسمائة.
ومن بدائع كلامه:
عقارب المنايا تَلسَع، وخَدَران جسم الأمل يمنع الإحساس، وماء الحياة في إناء العمر يرشح بالأنفاس، وقال لصاحب له: "أنت في أوسع العُذْر من التأخير عني لثِقتي بك، وفي أضيقه من شوقي إليك"، وقال له رجل: "ما نَمتُ البارحة من شوقي إلى مجلس وعظِك"، فأجابه: "لأنك تُريد الفُرْجة، وإنما ينبغي الليلة ألا تنام"، يريد من تأثُّرك من الوعظ، ومن كلامه: مَن قنَع طاب عيشُه، ومن طمِع طال طيشُه، وقال يَعِظ الخليفة: "يا أمير المؤمنين، إن تكلَّمتُ خفتُ منك، وإن سكتُّ خفتُ عليك، فأنا أقدِّم خوفي عليك على خوفي منك، أقول قول الناصح: اتقِ الله، خير من قول القائل: أنتم أهل بيت مغفور لكم".
كان ابن الجوزي لطيف الصورة، حُلو الشمائل، رخيم النغمة، موزون الحركات والنغمات، لذيذ المُفاكَهة، يحضُر مجلسَه الآلافُ، لا يُضيِّع من وقته شيئًا، وله في كل علمٍ مشارَكة، ولكنه كان في التفسير من الأعيان، وفي الحديث من الحفَّاظ، وفي التاريخ من المتوسِّعين، ولديه فقه كافٍ، وأما السجع الوعظي، فله فيه مَلَكة قويَّة، وكان يُراعي حفظَ صحَّته، وتلطيف مزاجه، وما يُفيد عقلَه قوةً، وذهنَه حِدةً، وله ذهنٌ وقَّادٌ، وجوابٌ حاضرٌ، ومُداعباتٌ حُلوةٌ، قال الإمام الذهبي عنه: "ما علِمتُ أحدًا من العلماء صنَّف ما صنَّف هذا الرجل"، وقال ابن النجار عنه: "وكان رحمه الله مع هذه الفضائل والعلوم الواسعة ذا أورادٍ وتألُّه، وله نصيبٌ من الأذواق الصحيحة، وحظٌّ من حلاوة المناجاة. وقد أشار هو إلى ذلك، ولا ريب أنّ كلامه في الوعظ والمعارف ليس بكلام ناقلٍ أجنبيٍّ مجرَّدٍ عن الذوق، بل كلام مشاركٍ فيه".
أيها الكرام، ونبدأ الآن بالاقتطاف من مقدمة كتاب (صفة الصفوة) التي افتتح بها ابن الجوزي رحمه الله كتابه قائلاً:
الحمد لله وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، حمدًا إذا قابَل النِّعم وفَى، وسلامًا إذا بلغ المصطفَيْنَ شفَى، وخصَّ الله بخاصة ذلك نبيَّنا المصطفى، ومَن احتذى حَذوه من أصحابه وأتباعه واقتفى، ووفَّقنا لسلوك طريقهم فإنه إذا وفَّق كفى.
أما بعد:
فإنك أيها الطالب الصادق، والمريد المُحقِّق، لمّا نظرتَ في كتاب (حلية الأولياء)؛ لأبي نعيم الأصبهاني، أعجبك ذِكر الصالحين والأخيار، ورأيتَه دواءً لأدواء النفس، إلا أنك شكوتَ من إطالته بالأحاديث المُسنَدة التي لا تَليق به، وبكلامٍ كثيرٍ عن بعض المذكورين فيه، قليل الفائدة، وسألتني أن أختَصِره لك، وأنتقي محاسنه، فقد أعجبني منك أنك أصبتَ في نظرك، إلا أنه لم يُكشَف لك كل الأمر، وأنا أكشِفه لك فأقول: اعلم أن كتاب الحلية قد حوى من الأحاديث والحكايات جملةً حسنةً، إلا أنه تكدَّر بأشياءَ، فالأشياء التي تَكدَّر بها عَشَرة -ويذهب ابن الجوزي رحمه الله يُعدِّد هذه العيوب، فيَذكُر منها-: أنّ أبا نعيم قصَد ما ينقل عن الرجل المذكور، ولم ينظر هل يليق بالكتاب أم لا؟ مِثل ما ملأ ترجمة مجاهد وعكرمة رحمهما الله بقِطعٍ من تفسيرهما، وترجمة كعب الأحبار بقطعة من التوراة، وليس هذا بموضِع هذه الأشياء، والثاني: إعادة أخبار كثيرة وتَكرارها، الثالث: إطالته بذِكر الأحاديث المرفوعة، ومعلومٌ أن مِثل كتابه الذي يُقصَد به مُداواة القلوب إنما وُضِع لبيان أخلاق القوم، لا الأحاديث، ولكل مقامٍ مقال، ثم لو كانت الأحاديث التي ذَكَرها من أحاديث الزُّهد اللائقة بالكتاب، لقَرُب الأمر، ولكنها من كل فن، وعمومها من أحاديث الأحكام والضعاف.
والمأخذ الرابع -أيها الكريم الذي أخذه ابن الجوزي على أبي نعيم-: أنه ذكَر في كتابه أحاديث كثيرةً باطلةً وموضوعةً، فقصد بذِكرها تكثير حديثه، وتنفيق رواياته، ولم يُبيِّن أنها موضوعة، ومعلومٌ أن جمهور المائلين إلى التبرُّر -وسلوك طريق تزكية النفس وتهذيبها- يخفى عليهم الصحيح من غيره، فسَتْرُ ذلك عنهم غِشٌ من الطبيب لا نُصْح.
والمأخذ الخامس: السجع البارِد في التراجم الذي لا يكاد يحتوي على معنىً صحيح، خصوصًا في ذِكر حدود التصوف، والسادس: إضافة التصوُّف إلى كبار السادات كالخلفاء الراشدين رضي الله عنهم والأئمة الأربعة رحمهم الله وليس عند هؤلاء القوم خبرٌ من التصوف، فإن قال قائلٌ: إنما عنى به الزهد في الدنيا، قلنا: التصوف مذهبٌ معروف عند أصحابه، لا يُقتَصر فيه على الزهد، بل له صفاتٌ وأخلاقٌ يعرفها أربابه، ولولا أنه أمرٌ زِيدَ على الزُّهد، ما نُقِل عن بعض هؤلاء المذكورين ذمُّه.
والمأخذ السابع: أنه ذكَر أشياء عن الصوفيَّة لا يجوز فِعْلها، فربما سمعها المبتدئ القليل العلم فظنَّها حسنةً فاحتذاها، مِثل: ما روى عن أبي حمزة الصوفيّ أنه وقع في بئرٍ، فجاء رجلان فطمَّاها، فلم يَنطِق؛ حملاً لنفسه على التوكُّل بزعمه، وسكوته في هذا المقام إعانةٌ على نفسه، وذلك لا يَحِلُّ له، ولو فَهم معنى التوكل لعلم أنه لا يُنافي استغاثته في تلك الحال، كما لم يَخرُجْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من التوكل بإخفائه الخروج من مكة، واستئجاره دليلًا، واستكتامه، واستتاره في الغار، وقوله لسراقة: "أخفِ عنا"، والتوكل إنما هو اعتماد القلب على الله سبحانه، وليس من ضرورته قطع الأسباب، ولو أن إنسانًا جاع فلم يأكل، أو احتاج فلم يسأل، أو عَرِي فلم يلبس، فمات، دخل النار؛ لأنه قد دلَّ على طريق السلامة، فإذا تَقاعَد عنها أعان على نفسه.
أيها الكرام:
والمأخذ الأخير الذي نختاره لنختم به ما عدَّده ابن الجوزي على كتاب الحلية لأبي نُعيم: أنه خلَط في ترتيب القوم، فقدَّم مَن ينبغي أن يؤخَّر، وأخَّر مَن ينبغي أن يُقدَّم، فعل ذلك في الصحابة وفيمن بعدهم، فلا هو ذكَرهم على ترتيب الفضائل، ولا على ترتيب المواليد، ولا جمَع أهل كل بلدٍ في مكان، وربما فعل هذا في وقت، ثم عاد فخلط، خصوصًا في أواخر الكتاب، فلا يكاد طالب الرجل يهتدي إلى موضِعه.
ويمضي ابن الجوزي في مقدمته قائلاً: وأما الأشياء التي فاتتْه، فأهمها ثلاثة:
أحدها: أنه لم يذكر سيد الزُّهاد، وقدوة الخَلْق، محمدًا صلى الله عليه وسلم ، والثاني: أنه ترك ذِكْر خلقٍ كثير قد نُقِل عنهم من التعبد والاجتهاد الكبير، ولا يجوز أن يُحمَل ذلك منه على أنه قصَد المشتهرين بالذِّكر دون غيرهم، فإنه قد ذكَر خلقًا لم يُعرَفوا بالزهد، ولم يُنقَل عنهم شيء، وربما ذكَر الرجل فأسنَد عنه أبيات شعر فحسب، ففعلُه يدل على أنه أراد الاستقصاء، وتقصيره في ذلك ظاهر.
والثالث: أنه لم يذكُر من عوابد النساء إلا عددًا قليلاً، ومعلوم أنّ ذِكر العابدات مع قصور الأنوثية يوثِّب المقصِّر من الذكور، فقد كان سفيان الثوري رحمه الله ينتفع برابعة العدويَّة، ويتأدَّب بكلامها.
ويمضي ابن الجوزي في مقدِّمته قائلاً:
وقد حداني جِدُّك أيها المريد في طلبِ أخبار الصالحين وأحوالهم أن أجمع لك كتابًا يُغنيك عن كتاب أبي نعيم، ويحصُل لك المقصود منه، ويَزيد عليه بذكر جماعة لم يذكرهم، وأخبار لم ينقُلها، وجماعة وُلِدوا بعد وفاته، ويَنقُص عنه بترك جماعة قد ذكرهم لم يَنقُل عنهم كبيرَ شيء، وحكايات قد ذكرها، فبعضها لا ينبغي التشاغل به، وبعضها لا يليق بالكتاب، على ما سبَق بيانه.
وإنما أنقُل عن القوم محاسن ما نقل مما يليق بهذا الكتاب، ولا أنقل كل ما نقل؛ إذ لكل شيء صناعة، وصناعة العقل حُسْن الاختيار، وكما أني لا أذكُر ما لا يَصلُح، لا أذكُر من لا يَصلُح أن يُقتدى به، ممن هو في صورة العلماء والزُّهاد، وقد تجوَّزتُ بذكر جماعةٍ من المتصوِّفة وردت عنهم كلمات مُنكَرة، وكلمات حِسان، فانتخبت من محاسن أقوالهم؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن، ومع تنقِّينا، وتوقِّينا، وحذف مَن لا يَصلُح، وما لا يَصلُح، فقد زاد عددُ مَن في كتابنا على ألف شخص، يَزيد الرجال على ثمانمائة، وتَزيد النساء على مائتين، ولم يبلُغ عدد رجال الحلية ستمائة، ولا أظنُّه ذكر في جميع الكتاب عشرين امرأة، وإلى الله أرغبُ في النفع بكلمات المتَّقين، واللحوق بدرجات أهل اليقين، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.
أيها الكرام:
بهذا ينتهي الإمام ابن الجوزي رحمه الله من تقديمه لكتابه (صفة الصفوة)، وننتهي نحن من حديث اليوم، فإلى المُلتقى مع مقدمة أخرى لكتاب آخر، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أهل الحقّ مُبتَلون!

فمَن وجد اللهَ فماذا فقد؟! ومَن فقد اللهَ فماذا وجد؟! وما عند الله خيرٌ للأبرار!

وأهل الحقّ مُبتَلون؛ فاصبروا، وأبشروا ببَيعِكم الذي بايَعتم به!
في قوله تعالى:
{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ،الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة:155-156].
قال القاسمي رحمه الله:
"وكلّ قائمٍ بحقّ، وداعٍ إليه؛ مُعرّض للابتلاء بما ذُكر، كلّه أو بعضه، وإنما أخبر به قبل الوقوع؛ ليُوطّنوا عليه نفوسَهم، ويزداد يقينُهم عند مشاهدتهم له، حسبما أخبر به، وليعلموا أنه شيءٌ يسير، له عاقبة حميدة".
قال الراغب:
"هذه الآية مشتملة على مِحن الدنيا كلها".
(انظر: تفسير القاسمي).
قلتُ:
"فهنيئًا لمَن وطّن نفسَه على ذا، واحتسَب، وربح اللهَ والدار الآخرةَ، وإن فاته من الدنيا ما فات، وابتُلي فيها ما ابتُلي، فمَن وجد اللهَ فماذا فقد؟! ومَن فقد اللهَ فماذا وجد؟! وما عند الله خيرٌ للأبرار!"

أبو فهر المسلم

أهل الحقّ مُبتَلون!

فمَن وجد اللهَ فماذا فقد؟! ومَن فقد اللهَ فماذا وجد؟! وما عند الله خيرٌ للأبرار!

وأهل الحقّ مُبتَلون؛ فاصبروا، وأبشروا ببَيعِكم الذي بايَعتم به!
في قوله تعالى:
{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ،الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة:155-156].
قال القاسمي رحمه الله:
"وكلّ قائمٍ بحقّ، وداعٍ إليه؛ مُعرّض للابتلاء بما ذُكر، كلّه أو بعضه، وإنما أخبر به قبل الوقوع؛ ليُوطّنوا عليه نفوسَهم، ويزداد يقينُهم عند مشاهدتهم له، حسبما أخبر به، وليعلموا أنه شيءٌ يسير، له عاقبة حميدة".
قال الراغب:
"هذه الآية مشتملة على مِحن الدنيا كلها".
(انظر: تفسير القاسمي).
قلتُ:
"فهنيئًا لمَن وطّن نفسَه على ذا، واحتسَب، وربح اللهَ والدار الآخرةَ، وإن فاته من الدنيا ما فات، وابتُلي فيها ما ابتُلي، فمَن وجد اللهَ فماذا فقد؟! ومَن فقد اللهَ فماذا وجد؟! وما عند الله خيرٌ للأبرار!"

قبل أن تتهم

اعلم أن حفظ اللسان واجب، وأن إطلاقه بالباطل قد يوردك جهنم، خاصة في أوقات الفتن واشتداد المحن، أمسك عليك لسانك ولا تتكلم إلا بما تتاكد أنه في ميزان حسناتك..

قبل أن تتهم أي أحد بما ليس فيه، أو تطلق أوصاف مبالغ فيها على بعض المسلمين، اعلم أن حفظ اللسان واجب، وأن إطلاقه بالباطل قد يوردك جهنم، خاصة في أوقات الفتن واشتداد المحن، أمسك عليك لسانك ولا تتكلم إلا بما تتاكد أنه في ميزان حسناتك..
قال ابن حبان رحمه الله: "الواجب على العاقل أن يلزم الصمت إلى أن يلزمه التكلم، فما أكثر من ندم إذا نطق، وأقل من يندم إذا سكت، وأطول الناس شقاء وأعظمهم بلاء من ابتلى بلسان مطلق وفؤاد مطبق" (انتهى من روضة العقلاء ونزهة الفضلاء ص 43). 
وقال أيضًا: "الواجب على العاقل أن يُنصف أذنيه من فيه، ويعلم أنه إنما جعلت له أذنان وفم واحد، ليسمع أكثر مما يقول، لأنه إذا قال ربما ندم وإن لم يقل لم يندم، وهو على رد ما لم يقل، أقدر منه على رد ما قال، والكلمة إذا تكلم بها ملكَتْه، وإن لم يتكلم بها ملكها، والعجب ممن يتكلم بالكلمة إن هي رفعت ربما ضرته، وإن لم ترفع لم تضره، كيف لا يصمت، ورب كلمة سلبت نعمة؟!" (انتهى من روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، ص:45).
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: "حفظ اللسان عليه المدار، وهو مِلاك أمر العبد، فمتى ملك العبد لسانه ملك جميع أعضائه، ومتى ملكَه لسانُه فلم يصنه عن الكلام الضار، فإن أمره يختل في دينه ودنياه، فلا يتكلم بكلام إلا قد عرف نفعه في دينه أو دنياه، وكل كلام يحتمل أن يكون فيه انتقاد أو اعتذار فليدعه؛ فإنه إذا تكلم به ملكه الكلام، وصار أسيرًا له، وربما أحدث عليه ضررًا لا يتمكن من تلافيه" (انتهى من بهجة قلوب الأبرار، ص 168، 169).
اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك واسترنا أجمعين واحفظ علينا ديننا ودنيانا 

قبل أن تتهم

قبل أن تتهم

اعلم أن حفظ اللسان واجب، وأن إطلاقه بالباطل قد يوردك جهنم، خاصة في أوقات الفتن واشتداد المحن، أمسك عليك لسانك ولا تتكلم إلا بما تتاكد أنه في ميزان حسناتك..

قبل أن تتهم أي أحد بما ليس فيه، أو تطلق أوصاف مبالغ فيها على بعض المسلمين، اعلم أن حفظ اللسان واجب، وأن إطلاقه بالباطل قد يوردك جهنم، خاصة في أوقات الفتن واشتداد المحن، أمسك عليك لسانك ولا تتكلم إلا بما تتاكد أنه في ميزان حسناتك..
قال ابن حبان رحمه الله: "الواجب على العاقل أن يلزم الصمت إلى أن يلزمه التكلم، فما أكثر من ندم إذا نطق، وأقل من يندم إذا سكت، وأطول الناس شقاء وأعظمهم بلاء من ابتلى بلسان مطلق وفؤاد مطبق" (انتهى من روضة العقلاء ونزهة الفضلاء ص 43). 
وقال أيضًا: "الواجب على العاقل أن يُنصف أذنيه من فيه، ويعلم أنه إنما جعلت له أذنان وفم واحد، ليسمع أكثر مما يقول، لأنه إذا قال ربما ندم وإن لم يقل لم يندم، وهو على رد ما لم يقل، أقدر منه على رد ما قال، والكلمة إذا تكلم بها ملكَتْه، وإن لم يتكلم بها ملكها، والعجب ممن يتكلم بالكلمة إن هي رفعت ربما ضرته، وإن لم ترفع لم تضره، كيف لا يصمت، ورب كلمة سلبت نعمة؟!" (انتهى من روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، ص:45).
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: "حفظ اللسان عليه المدار، وهو مِلاك أمر العبد، فمتى ملك العبد لسانه ملك جميع أعضائه، ومتى ملكَه لسانُه فلم يصنه عن الكلام الضار، فإن أمره يختل في دينه ودنياه، فلا يتكلم بكلام إلا قد عرف نفعه في دينه أو دنياه، وكل كلام يحتمل أن يكون فيه انتقاد أو اعتذار فليدعه؛ فإنه إذا تكلم به ملكه الكلام، وصار أسيرًا له، وربما أحدث عليه ضررًا لا يتمكن من تلافيه" (انتهى من بهجة قلوب الأبرار، ص 168، 169).
اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك واسترنا أجمعين واحفظ علينا ديننا ودنيانا 

{أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ}

اعفُ متى قَدرتَ، واغفر متى استُرحمتَ، واصفَح متى طُلب منك، ما وجدتَ إلى ذلك سبيلًا!


{أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ}؟! أرجى آية في كتاب الله!
في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ} [النور من الآية:11].
قالت عائشة رضي الله عنها:
"لما أنزل الله هذا في برائتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، -وكان يُنفق على مِسطح بن أثاثة، لقرابته منه، وفقره-: والله لا أنفق على مِسطح شيئًا أبدًا، بعد الذي قال لعائشة ما قال، -وكان مِسطح ممَّن خاض في حادثة الإفك-.
فأنزل الله: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}؟! [النور:22]، قال أبو بكر: بلى والله إني أحبُّ أن يَغفر الله لي! فرجع إلى مِسطح النفقة التي كان يُنفق عليه.. وقال: والله لاأنزعها منه أبدًا" (متفق عليه).
وزاد مسلم في روايته:
"قال حبّان بن موسى: قال عبد الله بن المبارك: هذه أرجى آية في كتاب الله".
قلتُ:
فاعفُ متى قَدرتَ، واغفر متى استُرحمتَ، واصفَح متى طُلب منك، ما وجدتَ إلى ذلك سبيلًا!
وتعزَّ وتسلَّ بما واساك به الغفور الرحيم: {أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ}؟!!

{أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ}

{أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ}

اعفُ متى قَدرتَ، واغفر متى استُرحمتَ، واصفَح متى طُلب منك، ما وجدتَ إلى ذلك سبيلًا!


{أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ}؟! أرجى آية في كتاب الله!
في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ} [النور من الآية:11].
قالت عائشة رضي الله عنها:
"لما أنزل الله هذا في برائتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، -وكان يُنفق على مِسطح بن أثاثة، لقرابته منه، وفقره-: والله لا أنفق على مِسطح شيئًا أبدًا، بعد الذي قال لعائشة ما قال، -وكان مِسطح ممَّن خاض في حادثة الإفك-.
فأنزل الله: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}؟! [النور:22]، قال أبو بكر: بلى والله إني أحبُّ أن يَغفر الله لي! فرجع إلى مِسطح النفقة التي كان يُنفق عليه.. وقال: والله لاأنزعها منه أبدًا" (متفق عليه).
وزاد مسلم في روايته:
"قال حبّان بن موسى: قال عبد الله بن المبارك: هذه أرجى آية في كتاب الله".
قلتُ:
فاعفُ متى قَدرتَ، واغفر متى استُرحمتَ، واصفَح متى طُلب منك، ما وجدتَ إلى ذلك سبيلًا!
وتعزَّ وتسلَّ بما واساك به الغفور الرحيم: {أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ}؟!!

اعْلُ بهِمَّتك، وكُن جوادًا لا كريمًا!

ن تكون معطاءً مُنفقًا بغير سؤال؛ فذاك الجُود! ولا تردَّ سائلًا بغير عطاء فذاك الكرَم!

قال عبيد الله بن عباس لأخيه:
"إن أفضل العطيَّة ما أعطيتَ الرجلَ قبل المسألة!
فإذا سألَك؛ فإنما تُعطيه ثَمن وجهِه حين بذَلَه إليك" (انظر: قضاء الجوائح).
قلتُ:
وهذا أكمل الأحوال في البذل والتطوّع والنَّفقة!
أن تكون معطاءً مُنفقًا بغير سؤال؛ فذاك الجُود!
ولا تردَّ سائلًا بغير عطاء فذاك الكرَم!
وهكذا فرَّق العلماءُ بينهما -على خلاف-.
لذا وُصف نبينا عليه السلام بأكمل الحالَين -كما ثبت عن ابن عباس- قال: «وكان أجود ما يكون في رمضان.. فلرَسول الله أجود بالخير من الرِّيح المُرسلَة».

اعْلُ بهِمَّتك، وكُن جوادًا لا كريمًا!

اعْلُ بهِمَّتك، وكُن جوادًا لا كريمًا!

ن تكون معطاءً مُنفقًا بغير سؤال؛ فذاك الجُود! ولا تردَّ سائلًا بغير عطاء فذاك الكرَم!

قال عبيد الله بن عباس لأخيه:
"إن أفضل العطيَّة ما أعطيتَ الرجلَ قبل المسألة!
فإذا سألَك؛ فإنما تُعطيه ثَمن وجهِه حين بذَلَه إليك" (انظر: قضاء الجوائح).
قلتُ:
وهذا أكمل الأحوال في البذل والتطوّع والنَّفقة!
أن تكون معطاءً مُنفقًا بغير سؤال؛ فذاك الجُود!
ولا تردَّ سائلًا بغير عطاء فذاك الكرَم!
وهكذا فرَّق العلماءُ بينهما -على خلاف-.
لذا وُصف نبينا عليه السلام بأكمل الحالَين -كما ثبت عن ابن عباس- قال: «وكان أجود ما يكون في رمضان.. فلرَسول الله أجود بالخير من الرِّيح المُرسلَة».

من أهل الجنَّة!

لا يغرنَّك ثناءٌ أو مَحمدة، أو شهرةٌ أو مَنقبة، فكَم من معروفٍ بين الناس مجهول عند الله، وعكسًا بعكس! فذلّ نفسَك لخالقها، واخفض جناحَك للمؤمنين، فإن الجنة أقرب إلى الأخفياء، والله عند المُنكسرة قلوبهم.

تواضَع وانكسِر فالجنَّة أقرب إلى الأنقياء الأخفياء!
قال ابنُ رجب الحنبلي رحمه الله:
"وكان كثيرٌ من الصَّالِحين يشترطُ على أصحابه في السفر أنْ يخدُمَهم! وصَحب رجلٌ قومًا في الجهاد فاشترط عليهم أنْ يخدُمَهم، فكان إذا أرادَ أحدٌ منهم أنْ يغسل رأسَه أو ثوبه قال هذا مِن شَرطي فيفعله! فمات فجرَّدوهُ للغسل فرأَوا على يده مكتوبًا: من أهل الجنَّة! فنظروا فإذا هي كتابةٌ بين الجلد واللحم!" (انظر: جامع العلوم والحِكم).
قلتُ:
وصدق نبينا عليه السلام إذ يقول -كما في البخاري-:
«طُوبى لعبدٍ آخِذٍ بعَنان فَرسه فى سبيل الله، أشعثَ رأسُه، مُغبرةٍ قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة! وإن كان في الساقة كان في السَّاقة».
فدَع رياءَك وعُجبك وغرورَك وكِبرك!
ولا يغرنَّك ثناءٌ أو مَحمدة، أو شهرةٌ أو مَنقبة، فكَم من معروفٍ بين الناس مجهول عند الله، وعكسًا بعكس! فذلّ نفسَك لخالقها، واخفض جناحَك للمؤمنين، فإن الجنة أقرب إلى الأخفياء، والله عند المُنكسرة قلوبهم.

من أهل الجنَّة!

من أهل الجنَّة!

لا يغرنَّك ثناءٌ أو مَحمدة، أو شهرةٌ أو مَنقبة، فكَم من معروفٍ بين الناس مجهول عند الله، وعكسًا بعكس! فذلّ نفسَك لخالقها، واخفض جناحَك للمؤمنين، فإن الجنة أقرب إلى الأخفياء، والله عند المُنكسرة قلوبهم.

تواضَع وانكسِر فالجنَّة أقرب إلى الأنقياء الأخفياء!
قال ابنُ رجب الحنبلي رحمه الله:
"وكان كثيرٌ من الصَّالِحين يشترطُ على أصحابه في السفر أنْ يخدُمَهم! وصَحب رجلٌ قومًا في الجهاد فاشترط عليهم أنْ يخدُمَهم، فكان إذا أرادَ أحدٌ منهم أنْ يغسل رأسَه أو ثوبه قال هذا مِن شَرطي فيفعله! فمات فجرَّدوهُ للغسل فرأَوا على يده مكتوبًا: من أهل الجنَّة! فنظروا فإذا هي كتابةٌ بين الجلد واللحم!" (انظر: جامع العلوم والحِكم).
قلتُ:
وصدق نبينا عليه السلام إذ يقول -كما في البخاري-:
«طُوبى لعبدٍ آخِذٍ بعَنان فَرسه فى سبيل الله، أشعثَ رأسُه، مُغبرةٍ قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة! وإن كان في الساقة كان في السَّاقة».
فدَع رياءَك وعُجبك وغرورَك وكِبرك!
ولا يغرنَّك ثناءٌ أو مَحمدة، أو شهرةٌ أو مَنقبة، فكَم من معروفٍ بين الناس مجهول عند الله، وعكسًا بعكس! فذلّ نفسَك لخالقها، واخفض جناحَك للمؤمنين، فإن الجنة أقرب إلى الأخفياء، والله عند المُنكسرة قلوبهم.

Popular Posts