background img

The New Stuff

إمتاع الخلان بفوائد مجالس العلوان - (5) فوائد عن أحاديث الرسول (الصيام)

يجب الصيام برؤية الهلال وعليه لا عبرة بالحساب ولا بأقوال الفلكيين، وهذا الذي دلت عليه الأحاديث الصحاح وتواترت عليه الأدلة، والقول بأن الحساب أضبط غير صحيح والواقع شاهد على اضطرابهم.


فوائد واختيارات الشيخ من فقه الصيام.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد..
استكمالًا لما سبق، هذه المجموعة الخامسة (خمسون فائدة) من سلسلة فوائد شيخنا سليمان العلوان، وهي خاصة في فقه الصيام، اسأل الله لي ولك العلم النافع والعمل الصالح، وإليك أخي القارئ ما سطرته من فوائد شيخنا..

1- (الأكل والشرب، والجماع، وخروج الحيض من المرأة)، هذه الأربع مجمع عليها كونها من المفطرات، وما سواها مختلف فيه.

2- الإمساك يبدأ من طلوع الفجر الثاني، ولا يصح الإمساك بعده وما جاء عن بعض السلف من الإمساك مع الإسفار اجتهاد لا دليل عليه، ومن فعله فعليه القضاء، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» (صحيح مسلم:1092).

3- اختلف الفقهاء في حكم من ترك الصيام متعمدًا، هل يكفر؟ على قولين:
• ذهبت طائفة: "أنه كافر ولو لم يجحد وجوب الصيام"، وهذا قول سعيد بن جبير وابن حبيب من فقهاء المالكية، ورواية عن أحمد.

• وذهب جماهير العلماء إلى: "أنه لا يكفر"؛ لأن الزكاة أعظم ومع ذلك لا يكفر تاركها، لما جاء في صحيح مسلم بعد ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم تارك الزكاة، قال: «ثم يرى سبيله إما إلى الجنة أو إلى النار» ولو كان كافرًا لم يكن له سبيل إلى الجنة، فإذا كان تارك الزكاة لا يكفر، فتارك الصيام لا يكفر من باب أولى.

4- يجب الصيام برؤية الهلال وعليه لا عبرة بالحساب ولا بأقوال الفلكيين، وهذا الذي دلت عليه الأحاديث الصحاح وتواترت عليه الأدلة، والقول بأن الحساب أضبط غير صحيح والواقع شاهد على اضطرابهم.

5- الصواب أن لكل أهل مطلع رؤيته وإن كان اليوم لكل أهل بلد يحكمها حاكم رؤيتهم وهذا لا بأس به، ولكن الصواب أن العبرة بالمطالع، وعليه لو اختلفت مطالع البلد الواحد وعملوا على ما اعتدت به حكومة البلد فلا بأس به كما يعمل به في بلادنا ففي بلادنا تتعدد المطالع ومع ذلك نعمل بحكم الحاكم في المطلع والذي وصله وهذا لا بأس به.

6- من ليس لهم رؤية فإنهم يعتبرون أقرب بلد على مطلعهم، وكذلك الذين يصومون في بلاد الكفار، وكذلك السجين في بلاد الكفار فإنه يسأل عن أقرب بلد على مطلعه، وهذا القول هو أقوى الأقوال وهو الذي نصره ابن تيمية وهو أن العبرة باختلاف المطالع وليس عليه عمل الناس في هذا العصر.

7- الهلال إذا رآه رجل واحد عدل يكفي ويعتد بقوله، والمقصود بالعدالة الصدق، ويدل على ذلك حديث ابن عمر حيث رأى الهلال فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم برؤيته فأمر الناس بالصيام، والحديث رواه أبوداود وسنده قوي، وذهبت طائفة إلى أنه لا بد من شاهدين واستدلوا بحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وفيه: «فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا» والحديث (رواه النسائي وغيره وفي إسناده الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف)، وكل طريق لهذا الحديث من دون ذكر الحجاج فهو غلط ومعلول، أما خروج الشهر وبقية الشهور ودخولها فلا بد من شاهدين، فيستثنى من ذلك فقط دخول رمضان يكفي فيه شاهد واحد، وما سوى ذلك فلا بد من شاهدين.

8- هل تقبل شهادة المرأة؟ فيه قولان أصحهما الجواز، وأما خروج رمضان ففيه خلاف والجمهور أنها لا تقبل شهادتها، وذهبت طائفة إلى قبول شهادة امرأتين ورجل، وذهبت طائفة إلى قبول شهادة المرأة وحدها وهو مذهب ابن حزم.

9- حديث "لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله" خبر موضوع لا قيمة له، وأسماء الله توقيفية لا تقبل إلا بخبر صحيح، فلو جاءنا خبر ضعيف لم يقبل فيها؛ فكيف بخبر موضوع؟

10- نسبة وجوب صيام يوم الشك للإمام أحمد غلط، ولا أصل لها، وكل من نسب ذلك إلى الإمام أحمد ومنهم صاحب الزاد وصاحب حاشية الروض وغيرهما وكثير من المتأخرين فقد أخطأ على الإمام أحمد، وهذا نتيجة عدم تحرير رواياته، والصواب نسبته لطائفة من أصحابه لا له.

11- اختلف في يوم الشك، فقيل: "واجب" وهو مذهب الحنابلة ومنسوب إلى الإمام أحمد، وتقدم أن النسبة له غلط ولا يصح ذلك ولا في رواية عنه فلا بد من التنبه لهذا، وقيل: "استحباب صومه"، وقيل: أنه ينهى عن صومه سواء نهي تنزيه على قول طائفة أو نهي تحريم وهو الصواب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك في أحاديث صحاح، وليس في الإسلام صوم يوم الشك فهذا لا أصل له عن النبي صلى الله عليه وسلم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا» ولما رواه البخاري في صحيحه معلقًا ووصله الخمسة: «من صام اليوم الذي يُشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم».

وهذا يحتمل أحد أمرين: إما أنه فهم من عمار بما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون في ذلك نص عند عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا: فمن صام هذا اليوم فإن صيامه يعتبر تطوعًا، وذهبت طائفة أن هذا التطوع لا يصح وهو قول قوي؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين «لاتقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين»، والنهي في هذا الموضع يقتضي الفساد وهذا هو الصواب، فمن صام قبل رمضان احتياطًا فصيامه باطل، وإذا أتى التحريم على نفس العمل أو شرط من شروطه اقتضى الفساد.

12- الآثار الواردة في صيام يوم الشك عن الصحابة والسلف على قسمين: (قسم ضعيف، وقسم صحيح)، وما صح في هذا ليس فيه أنهم يوجبونه وإنما كانوا يفعلون ذلك احتياطًا.

13- من صام يوم الشك احتياطًا، وبان من الغد أنه من رمضان فلا يجزئه ولا يقبل منه وعليه القضاء على الصحيح، لأنه عقد النية على صيام محرم.

14- الحديث الوارد في انتفاخ الأهلة: «من أشراط الساعة أن يروا الهلال ابن ليلة يقولون ابن ليلتين...» الحديث وهو خبر معلول وإن كان معناه صحيح.

15- إذا صمنا برؤية واحد ثم في آخر الشهر لم نر الهلال وأكملنا ثلاثين يومًا فإننا نصوم واحدًا وثلاثين؛ لأن هذا دليل على غلط الرائي بدخول الشهر؛ لأنه لا يمكن أن نفطر ولم يشهد شاهدان، بخلاف لو شهد شاهدان بدخول شهر رمضان فإننا لا نصوم واحدًا وثلاثين؛ لأنه لا يوجد شهر 31 فيجب أن نفطر ولو لم نر الهلال.

16- إذا أسلم الشخص أثناء اليوم من رمضان فإنه يمسك بقية يومه، ويصوم ما يستقبل أجماعًا، وهل يقضي اليوم الذي أسلم فيه ولم يمسك من أوله؟ على قولين:

القول الأول: أنه يقضي هذا اليوم وهي رواية عن أحمد، واستدل هؤلاء بما جاء في الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلًا أن أذن في الناس أن من أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يأكل فليصم فإن اليوم يوم عاشوراء» (متفق عليه)، وعند أبي داود: «واقضوا يومًا مكانه».

القول الثاني: أنه لا يقضي، لأنه أسلم في ذات اليوم ولم يكن مخاطبًا، والشرائع تتبع العلم، وهذا هو الصواب، أما رواية أبي داود فهي منكرة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سلمة «فليتم بقية يومه» ولم يقل (فليقض) دليل قوي على عدم وجوب القضاء.

17- ومن ذلك الصبي والجارية إذا حاضت أي بلغت أثناء النهار، فإنهم لا يقضون هذا اليوم، ومن الغد الحائض تقضي ما أفطرته حال حيضها؛ لأنها أصبحت مخاطبة.

18- من الأفضل أمر الصبي بالصيام ولو لم يكن واجبًا عليه، وإنما من أجل تدريبه وتعليمه، وقد ورد ذلك عن طائفة من الصحابة، وحين رأى عمر بن الخطاب سكرانًا في رمضان ضربه وقال: "وصبياننا صيام؟!" فالأفضل تعويد الصبيان أن يصوموا ولو بعض النهار شيئًا فشيئًا حتى يتعودوا.

19- الجنون مع الصيام مراتب:
الأولى: أن يكون الجنون لازمًا له، فهذا لا صيام عليه بالإجماع.
الثانية: أن يكون الجنون طارئًا ثم لازمه، فهذا بمنزلة القسم الأول.
الثالثة: أن يكون الجنون طرأ عليه ولم يلازمه، وإنما يفيق تارة ويجن تارة، فهذا إذا أفاق في جميع اليوم في رمضان فإنه يؤمر بصيامه، وأما إذا كان يجن في بعض اليوم ويفيق في بعضه فقيل: "يؤمر"، وقيل: "لا يؤمر"، وعليه من كان له أب أو مريض قد خرف فإنه يأمره حال إفاقته ويتركه إن أكل، ولعل الأول أرجح ما دام أنه لم يفق كل اليوم فلا صيام عليه.

20- اختلف الفقهاء فيمن رأى رجلًا يفطر في نهار رمضان ناسيًا هل ينكر عليه؟ قولان عند العلماء:
الأول: أن الإنكار واجب ولو كان يعلم أنه ناسيًا؛ لأنه خالف في ظاهره.
الثاني: أنه لا ينكر عليه؛ لأن الله أطعمه وسقاه، وما دام أن الله عفا عنه فاعف عنه.
وفصَّل بعضهم فقال: "إذا كان أمام مرأى من الناس فإنه ينكر عليه؛ لئلا يظن أحدًا به السوء ويحصل بذلك مفسده، وأما إذا كان وحده فإنه يدعه ولا ينكر"، وهذا قول قوي وهو الصواب؛ لأن الله أطعمه وسقاه.

21- إذا أصبح الناس مفطرين في اليوم الثلاثين من شعبان، وجاء خبر رمضان في نفس اليوم من النهار بأن الهلال رؤي البارحة ففي هذه الحالة يمسكون وجوبًا، واختلفوا هل يقضون هذا اليوم؟
• قيل: يجب القضاء عليهم وهو قول الأئمة الأربعة؛ لأنه أفطر يومًا من رمضان؛ ولأنه لو نقص رمضان صام الناس ثمانية وعشرين يومًا ولا شهر دون تسعة وعشرين يومًا.

• وقيل: "لا يجب عليهم القضاء" واختاره ابن تيمية، واستدل بحديث سلمة ابن الأكوع السابق في الصحيحين، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من أكل يوم عاشوراء أن يتم صومه ولم يأمرهم بالقضاء، وهذا يدل على أن النية تتبع العلم.

وردَّ أصحاب القول الأول بأنه: "هناك فرق بين رجل جاهل بشرعية صيام اليوم، وبين من جهل دخول الصيام"، وأجابوا عن حديث سلمة بأنهم: "ما كانوا يعلمون الوجوب أصلًا"، ومذهب الجمهور أحوط، وقول ابن تيمية أقوى دليلًا؛ لأن صيام عاشوراء فرض وما أمرهم بالقضاء، فدل هذا على أن الشرائع لا تلزم إلا بالعلم.

22- من زال عذره أثناء النهار، كمريض شفي، وحائض طهرت، ومسافر وصل محل إقامته، الصواب من قولي أهل العلم أنه لا يلزمهم الإمساك بعد زوال العذر، وهو المشهور عن ابن مسعود ورواية عن أحمد.

23- لا دليل على جواز الفطر قبل مفارقة البنيان لمن أراد السفر، والآثار الواردة عن أنس وغيره لا تصح لا مرفوعة ولا موقوفة، فهي آثار مضطربة لا يصح منها شيء.

24- الكبير الذي لا يرجى برؤه فإنه يطعم عن كل يوم مسكينًا، وهذا ثابت عن جمع من الصحابة منهم أنس، فحين كبر كان يطعم عن كل يوم مسكينًا، وأفتى به ابن عباس، واختلف العلماء هل له أن يطعم مسكينًا واحدًا ثلاثين مرة عن الشهر، أو لا بد من ثلاثين مسكين؟ والصواب لو أطعم مسكينًا طعام ثلاثين مسكين فلا حرج، والأحوط ألا يفعل ذلك.

25- الصواب من قولي أهل العلم أنه لا يشترط في الإطعام التمليك، وإنما لو جمعهم وغداهم أو عشاهم يصح خلافًا لمن اشترط ذلك من الفقهاء، والقدر المجزئ من ذلك هو قدر الإشباع، ولا يلزم أن يأكل حتى يشبع وإنما يعطيه قدر ما يشبعه.

26- المريض له حالتان:
الأولى: أن يكون ممن لا يرجى برؤه، فلا خلاف أنه لا قضاء عليه؛ لأنه غير قادر كالشيخ الكبير، وفي هذه الحالة يطعم عن كل يوم مسكينا.
الثانية: أن يكون ممن يرجى برؤه فإن هذا لا يطعم بل ينتظر حتى يبرأ.

27- اختلف الفقهاء في قدر المرض المسوِّغ للفطر، فقالت طائفة: "كل مرض يجوز لصاحبه أن يفطر" وفي هذا نظر، لأنه على هذا القول من أصابه وجع أصبع أو صداع أفطر وهذا غير صحيح، وقالت طائفة: "المقصود هو المرض الذي يضره ويحتاج معه العلاج".

28- المسافر يقصر ويفطر ولو كان سفره لا مشقة معه، هذا هو الصواب فالفطر والقصر ليس مربوطًا بالمشقة، وإنما يقصر بمجرد الضرب في الأرض لقوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ..} [النساء:101]، جعل الله تعالى مجرد الضرب في الأرض مبيح للقصر.

29- الصوم في السفر له مراتب:
الأولى: أن يشق عليه الصوم في السفر دون ضرر، فالصواب أنه يستحب له الفطر؛ لأن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه.

الثانية: أن يلحقه ضرر فهذا يحرم معه الصوم.
الثالثة: أن يكون الضرر على غيره، كالصوم في الجهاد بحيث يضعفه أما العدو وحماية الثغور فهذا يكون آثمًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أولئك العصاة أولئك العصاة» (صحيح مسلم:1114)، وقال: «ليس من البر الصوم في السفر» (صحيح البخاري:1946).

الرابعة: أن يستوي عنده الطرفان الفطر والصيام، ففي هذا خلاف، فقالت طائفة أن الفطر أفضل لأن الله يحب أن تؤتى رخصه، وقالت طائفة: هذا يرجع لحال الشخص إن كان في المستقبل يشق عليه القضاء فإن الصوم أفضل، وقالت طائفة: إن لم يشق عليه فالصوم أفضل لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أما حديث "إن الله يحب أن تؤتى رخصه" قالوا هي الرخصة التي تتعلق بالمشقة، وفرقوا بين الفطر والقصر فقالوا: إن القصر أصل في السفر وأيضًا لم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم يتم في السفر لكنه ورد أنه يفطر في السفر، وهذه الأدلة كما هي ظاهرة قوية.

30- اختلف فيمن سافر لأجل أن يفطر:
• قيل: له أن يفطر؛ لأن السفر هو المبيح للفطر، فإذا سافر بقصد الفطر أو الجماع فله ذلك.
• وقيل: لا يجوز له أن يسافر ليفطر؛ لأن هذا احتيال ولا يجوز الاحتيال في الشرع، وهو قول الإمام أحمد وطائفة من الأئمة، فهو يعامل بنقيض قصده ولهذا نظائر في الشرع وهذا هو الصواب.

31- ذكر ابن القيم مسوغات الفطر وأنها أربعة: المرض، والسفر، والحيض، والخوف.
32- "من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له" ورد مرفوعًا وموقوفًا، والصواب أن المرفوع لا يصح منه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، والثابت هو الموقوف.

33- الصواب أن من جامع من نهار رمضان وجبت عليه الكفارة، وإذا جامع من الغد ولم يكفِّر عن الأولى تجب عليه كفارتين على الصواب، ولو جامع جميع الشهر وجبت عليه ثلاثين كفارة، خلافًا لمن قال تكفي كفارة واحدة مادام أنه لم يكفر عما سبق من جماعه، والصواب أن لكل يوم كفارة مطلقا؛ لأن لكل يوم حرمته؛ ولأنه أفسد أكثر من يوم فوجبت عليه أكثر من كفارة؛ ولأنه بمنزلة من قتل رجلين.

34- التلفظ بالنية كأن يقول اللهم إني نويت أن أصوم غدا أو أصوم شهر رمضان بدعة، فلا دليل على ذلك.
35- اختلف أهل العلم هل تصح نية صيام النفل من النهار على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن النفل كالفرض لا يصح إلا بالليل، وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد ونصر هذا القول ابن حزم.

القول الثاني: أن صيام النفل يصح بنية قبل الزوال ولا يصح بعده، وهؤلاء يعللون بأنه لو كان بعد الزوال لم ينو أكثر اليوم وهذا لا يصح.

القول الثالث: يصح بنية قبل الزوال وبعده، وهو مذهب أحمد وهو مروي عن جماعة من الصحابة ويستدلون بحديثعائشة عند مسلم: "«أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على عائشة فقال: هل عندكم شيء قالت: لا، قال فإني إذًا صائم»".

ونوقش هذا الاستدلال بأنه ليس بصريح أنه أحدث النية من هذا الوقت، فلعله صائم من الأصل وعلق النية إن وجد طعامًا، ورُدَّت هذه المناقشة بأن هذا التخريج يستدعي أن نيته في الصيام لم تكن جازمة من الأصل، والصيام لا بد له من نية جازمة، والأحوط للمسلم أن ينوي النفل من الليل قبل طلوع الفجر الثاني، لكن النفل المطلق الأمر فيه واسع وأنه يصح بنية من النهار وهو قول جمهور العلماء، أما النفل المقيد فلا يصح إلا بنية من الليل، ومن نوى المقيد من النهار كيوم عاشوراء أو يوم عرفة فلا يصدق عليه أنه صام يوم عرفة أو عاشوراء، لا يصح منه ذلك ولا يقبل.

36- الصحيح أن الاعتكاف لا يصح بأقل من يوم؛ لأنه أقل ما وردت به النصوص، وأقل من ذلك يسمى رباطًا لا اعتكافًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أدلكم على ما يمحو به الله الخطايا ويرفع به الدرجات.. وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط» (صحيح مسلم:251)، ولم يقل فذلكم الاعتكاف.

37- شخص عليه قضاء من رمضان ثم نوى الأكل والشرب ولم يفعل ثم قلب نيته إلى نفل صح ذلك؛ لأنه لم ينو الفطر؛ لأنه لو نوى الفطر أفطر بمجرد النية، لكنه نوى الأكل والشرب ولم يفعل فيصح أن ينويه نفلاً.

38- الصواب في التحميلات التي توضع عن طريق الدبر أنها لا تفطر ولا تضر الصوم؛ لأنها ليست بمنزلة الأكل والشرب.

39- الكحل عند الحنابلة يفطر، والقول الثاني أنه لايفطر وهو رواية عن أحمد ونصره ابن تيمية، حتى لو أحس بطعم الكحل في حلقه هذا هو الصواب، فهذا لا يلزم من كونه مفطرًا، فإن الشري لو وطئه الشخص بقدمه أحس بمرارته، والكحل كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ويستعمله كثير من الناس ولو كان مفطرًا لبينه النبي صلى الله عليه وسلم.
40- المرأة إذا أجرت منظارًا عن طريق الفرج الصواب أن هذا لا يفطر.

41- الطيب ليس مفطرًا ولم يقل أحد من العلماء أنه مفطرًا، بل ولا كراهة في ذلك بل هو محمود حتى حال الصيام، والخلاف في البخور فإن بخَّر ثيابه أو ملابسه فلا حرج من ذلك، والممنوع هو استنشاق البخور كما يمنع الصائم المبالغة في الاستنشاق حال الوضوء، أما البخور من دون استنشاق وتكبب له وإنما فقط لتبخير الثياب والملابس فلا حرج، والصحابة كانوا يطبخون في النهار على نار ذات دخان، فالممنوع هو تقصد الاستنشاق، أما من ابتلي بشرب الدخان فشربه يفطر لأنه هذا شرب له.

42- من استقاء رغمًا عنه فلا يفسد صيامه، أما تعمد القيء فهذا يفطر في قول جمهور العلماء من الأئمة الأربعة وغيرهم لحديث: «...ومن استقاء فليفطر»، لكن هذا الخبر معلول وقد غلط فيه عيسى بن يونس، وأنكره أهل البصرة والبخاري، وكان أبوهريرة يرى أن القيء لا يفطر ولو تعمد، ولا يمكن أن يفتي أبوهريرة بخلاف ما روى، وهو قول ابن عباس وعكرمة وطائفة من التابعين والأئمة وهو الصواب؛ لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن القيء يفطر، وأما حديث ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم "قاء فأفطر" فهذا الحديث فيه اختلاف على لفظه، فقد جاء أنه: "قاء فتوضأ" وحتى لو قيل بثبوتها فإنه لا دلالة على أنه أفطر من أجل القيء، والخلاف في ترجيح اللفظين قوي والصواب أن القيء عمدًا لا يفطر، وورد عن أبي هريرة وابن عباس أن الفطر مما دخل لا مما خرج.

43- جماهير العلماء أن استدعاء خروج المني مفطر، وقالوا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال، قال الله تعالى: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي» والشهوة الجماع وخروج المني منه، وذهبت جماعة إلى أنه لا يفطر استصحابًا للبراءة الأصلية بعدم الدليل، وقول أبي هريرة وابن عباس أن الفطر مما دخل لا مما خرج، ولأن المقصود بالشهوة في الحديث الجماع، لأنه لو أريد به ما ذكروه لدخلت كل شهوة كالنظر المحرم ونحوه، وقول الجمهور أحوط وعليه من استفتى فإنه يؤمر بالقضاء لكن لا كفارة عليه، بخلاف المذي فعند أحمد روايتين فيه الفطر وعدمه، والصواب أنه لا يفطر؛ لأنه لا دليل على ذلك.

44- اختلف في الحجامة هل تفطر؟
ذهبت طائفة أنها تفطر لقوله صلى الله عليه وسلم: «أفطر الحاجم والمحجوم» وذهب إلى هذا إسحاق بن راهويه ونصره ابن تيمية وابن القيم، وحكى ابن تيمية هذا القول عن جمهور أهل الحديث، وذهبت جماعة أن الحجامة لا تفطر، وهؤلاء يضعفون أحاديث الفطر بالحجامة، ومنهم من قال هي منسوخة كالشافعي، ويقولون جاءت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الحجامة لا تفطر ومن ذلك: ما جاء عند أبي خزيمة عن أبي سعيد موقوفًا "رخص للصائم في القبلة والحجامة".

ومعلوم أن الذي يرخص هو النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الأثر سنده صحيح، وما رواه البخاري: "أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم"، وما رواه أبو داود بسند صحيح عن عبدالرحمن بن أبي ليلى "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه"، وفي البخاري عن ثابت قيل لأنس: "أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ فقال لا إلا من أجل الضعف"، ولذلك كان ابن عمر والإسناد إليه صحيح يحتجم نهارًا فلما ضعف احتجم ليلا، وهذا يدل على أنه لا يرى الفطر بالحجامة، وهذا هو الصواب أن الحجامة لا تفطر ولكن من كانت تضعفه فإنه يتجنبها.

• وعليه فالتبرع بالدم في نهار رمضان وأخذ التحليل ونحوه لا يفطر هذا هو الصحيح، وهذا الذي دلت عليه أكثر الأخبار وأكثر الأحاديث.

45- الصواب في البصاق وكذلك النخامة أنها لا تفطر؛ لأنه لم يستجلب شيئًا خارجًا عنه.
46- من استاك وابتلع طعم السواك فإنه لا يفطر، لكنه يتجنب السواك المضاف إليه نكهات كطعم الليمون ونحوه.
47- من بالغ في الاستنشاق حال الصيام فإنه خالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لو دخل شيء من غير قصده فإنه لا يفطر.

48- إذا أذن المؤذن وكان مخطئًا بالوقت ثم أكل شخص، ثم تبين له أن المؤذن أخطأ بالتوقيت فأمسك الصواب أن صيامه صحيح، وهذا الذي نصره ابن تيمية.

49- بالنسبة لتقويم أم القرى فإن الصائم يمسك على هذا التقويم احتياطًا، وأما الصلاة فإنه يتأخر احتياطًا لأن التقويم متقدم.

50- سئل عن حكم الشرب أثناء الأذان؟ فقال: إذا كان المؤذن يتقدم فلا بأس، أما إذا كان يؤذن على الوقت فينبغي أن يتعجل الإمساك، وإذا كان بيده شيء فليشربه، لقول أبي هريرة: "إذا أذن المؤذن وفي يد أحدكم إناء فلا يضعه حتى يقضي نهمته"، وهذا جاء مرفوعا وموقوفًا والصواب وقفه.

إمتاع الخلان بفوائد مجالس العلوان - (5) فوائد عن أحاديث الرسول (الصيام)

إمتاع الخلان بفوائد مجالس العلوان - (5) فوائد عن أحاديث الرسول (الصيام)

يجب الصيام برؤية الهلال وعليه لا عبرة بالحساب ولا بأقوال الفلكيين، وهذا الذي دلت عليه الأحاديث الصحاح وتواترت عليه الأدلة، والقول بأن الحساب أضبط غير صحيح والواقع شاهد على اضطرابهم.


فوائد واختيارات الشيخ من فقه الصيام.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد..
استكمالًا لما سبق، هذه المجموعة الخامسة (خمسون فائدة) من سلسلة فوائد شيخنا سليمان العلوان، وهي خاصة في فقه الصيام، اسأل الله لي ولك العلم النافع والعمل الصالح، وإليك أخي القارئ ما سطرته من فوائد شيخنا..

1- (الأكل والشرب، والجماع، وخروج الحيض من المرأة)، هذه الأربع مجمع عليها كونها من المفطرات، وما سواها مختلف فيه.

2- الإمساك يبدأ من طلوع الفجر الثاني، ولا يصح الإمساك بعده وما جاء عن بعض السلف من الإمساك مع الإسفار اجتهاد لا دليل عليه، ومن فعله فعليه القضاء، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» (صحيح مسلم:1092).

3- اختلف الفقهاء في حكم من ترك الصيام متعمدًا، هل يكفر؟ على قولين:
• ذهبت طائفة: "أنه كافر ولو لم يجحد وجوب الصيام"، وهذا قول سعيد بن جبير وابن حبيب من فقهاء المالكية، ورواية عن أحمد.

• وذهب جماهير العلماء إلى: "أنه لا يكفر"؛ لأن الزكاة أعظم ومع ذلك لا يكفر تاركها، لما جاء في صحيح مسلم بعد ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم تارك الزكاة، قال: «ثم يرى سبيله إما إلى الجنة أو إلى النار» ولو كان كافرًا لم يكن له سبيل إلى الجنة، فإذا كان تارك الزكاة لا يكفر، فتارك الصيام لا يكفر من باب أولى.

4- يجب الصيام برؤية الهلال وعليه لا عبرة بالحساب ولا بأقوال الفلكيين، وهذا الذي دلت عليه الأحاديث الصحاح وتواترت عليه الأدلة، والقول بأن الحساب أضبط غير صحيح والواقع شاهد على اضطرابهم.

5- الصواب أن لكل أهل مطلع رؤيته وإن كان اليوم لكل أهل بلد يحكمها حاكم رؤيتهم وهذا لا بأس به، ولكن الصواب أن العبرة بالمطالع، وعليه لو اختلفت مطالع البلد الواحد وعملوا على ما اعتدت به حكومة البلد فلا بأس به كما يعمل به في بلادنا ففي بلادنا تتعدد المطالع ومع ذلك نعمل بحكم الحاكم في المطلع والذي وصله وهذا لا بأس به.

6- من ليس لهم رؤية فإنهم يعتبرون أقرب بلد على مطلعهم، وكذلك الذين يصومون في بلاد الكفار، وكذلك السجين في بلاد الكفار فإنه يسأل عن أقرب بلد على مطلعه، وهذا القول هو أقوى الأقوال وهو الذي نصره ابن تيمية وهو أن العبرة باختلاف المطالع وليس عليه عمل الناس في هذا العصر.

7- الهلال إذا رآه رجل واحد عدل يكفي ويعتد بقوله، والمقصود بالعدالة الصدق، ويدل على ذلك حديث ابن عمر حيث رأى الهلال فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم برؤيته فأمر الناس بالصيام، والحديث رواه أبوداود وسنده قوي، وذهبت طائفة إلى أنه لا بد من شاهدين واستدلوا بحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وفيه: «فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا» والحديث (رواه النسائي وغيره وفي إسناده الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف)، وكل طريق لهذا الحديث من دون ذكر الحجاج فهو غلط ومعلول، أما خروج الشهر وبقية الشهور ودخولها فلا بد من شاهدين، فيستثنى من ذلك فقط دخول رمضان يكفي فيه شاهد واحد، وما سوى ذلك فلا بد من شاهدين.

8- هل تقبل شهادة المرأة؟ فيه قولان أصحهما الجواز، وأما خروج رمضان ففيه خلاف والجمهور أنها لا تقبل شهادتها، وذهبت طائفة إلى قبول شهادة امرأتين ورجل، وذهبت طائفة إلى قبول شهادة المرأة وحدها وهو مذهب ابن حزم.

9- حديث "لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله" خبر موضوع لا قيمة له، وأسماء الله توقيفية لا تقبل إلا بخبر صحيح، فلو جاءنا خبر ضعيف لم يقبل فيها؛ فكيف بخبر موضوع؟

10- نسبة وجوب صيام يوم الشك للإمام أحمد غلط، ولا أصل لها، وكل من نسب ذلك إلى الإمام أحمد ومنهم صاحب الزاد وصاحب حاشية الروض وغيرهما وكثير من المتأخرين فقد أخطأ على الإمام أحمد، وهذا نتيجة عدم تحرير رواياته، والصواب نسبته لطائفة من أصحابه لا له.

11- اختلف في يوم الشك، فقيل: "واجب" وهو مذهب الحنابلة ومنسوب إلى الإمام أحمد، وتقدم أن النسبة له غلط ولا يصح ذلك ولا في رواية عنه فلا بد من التنبه لهذا، وقيل: "استحباب صومه"، وقيل: أنه ينهى عن صومه سواء نهي تنزيه على قول طائفة أو نهي تحريم وهو الصواب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك في أحاديث صحاح، وليس في الإسلام صوم يوم الشك فهذا لا أصل له عن النبي صلى الله عليه وسلم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا» ولما رواه البخاري في صحيحه معلقًا ووصله الخمسة: «من صام اليوم الذي يُشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم».

وهذا يحتمل أحد أمرين: إما أنه فهم من عمار بما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون في ذلك نص عند عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا: فمن صام هذا اليوم فإن صيامه يعتبر تطوعًا، وذهبت طائفة أن هذا التطوع لا يصح وهو قول قوي؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين «لاتقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين»، والنهي في هذا الموضع يقتضي الفساد وهذا هو الصواب، فمن صام قبل رمضان احتياطًا فصيامه باطل، وإذا أتى التحريم على نفس العمل أو شرط من شروطه اقتضى الفساد.

12- الآثار الواردة في صيام يوم الشك عن الصحابة والسلف على قسمين: (قسم ضعيف، وقسم صحيح)، وما صح في هذا ليس فيه أنهم يوجبونه وإنما كانوا يفعلون ذلك احتياطًا.

13- من صام يوم الشك احتياطًا، وبان من الغد أنه من رمضان فلا يجزئه ولا يقبل منه وعليه القضاء على الصحيح، لأنه عقد النية على صيام محرم.

14- الحديث الوارد في انتفاخ الأهلة: «من أشراط الساعة أن يروا الهلال ابن ليلة يقولون ابن ليلتين...» الحديث وهو خبر معلول وإن كان معناه صحيح.

15- إذا صمنا برؤية واحد ثم في آخر الشهر لم نر الهلال وأكملنا ثلاثين يومًا فإننا نصوم واحدًا وثلاثين؛ لأن هذا دليل على غلط الرائي بدخول الشهر؛ لأنه لا يمكن أن نفطر ولم يشهد شاهدان، بخلاف لو شهد شاهدان بدخول شهر رمضان فإننا لا نصوم واحدًا وثلاثين؛ لأنه لا يوجد شهر 31 فيجب أن نفطر ولو لم نر الهلال.

16- إذا أسلم الشخص أثناء اليوم من رمضان فإنه يمسك بقية يومه، ويصوم ما يستقبل أجماعًا، وهل يقضي اليوم الذي أسلم فيه ولم يمسك من أوله؟ على قولين:

القول الأول: أنه يقضي هذا اليوم وهي رواية عن أحمد، واستدل هؤلاء بما جاء في الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلًا أن أذن في الناس أن من أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يأكل فليصم فإن اليوم يوم عاشوراء» (متفق عليه)، وعند أبي داود: «واقضوا يومًا مكانه».

القول الثاني: أنه لا يقضي، لأنه أسلم في ذات اليوم ولم يكن مخاطبًا، والشرائع تتبع العلم، وهذا هو الصواب، أما رواية أبي داود فهي منكرة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سلمة «فليتم بقية يومه» ولم يقل (فليقض) دليل قوي على عدم وجوب القضاء.

17- ومن ذلك الصبي والجارية إذا حاضت أي بلغت أثناء النهار، فإنهم لا يقضون هذا اليوم، ومن الغد الحائض تقضي ما أفطرته حال حيضها؛ لأنها أصبحت مخاطبة.

18- من الأفضل أمر الصبي بالصيام ولو لم يكن واجبًا عليه، وإنما من أجل تدريبه وتعليمه، وقد ورد ذلك عن طائفة من الصحابة، وحين رأى عمر بن الخطاب سكرانًا في رمضان ضربه وقال: "وصبياننا صيام؟!" فالأفضل تعويد الصبيان أن يصوموا ولو بعض النهار شيئًا فشيئًا حتى يتعودوا.

19- الجنون مع الصيام مراتب:
الأولى: أن يكون الجنون لازمًا له، فهذا لا صيام عليه بالإجماع.
الثانية: أن يكون الجنون طارئًا ثم لازمه، فهذا بمنزلة القسم الأول.
الثالثة: أن يكون الجنون طرأ عليه ولم يلازمه، وإنما يفيق تارة ويجن تارة، فهذا إذا أفاق في جميع اليوم في رمضان فإنه يؤمر بصيامه، وأما إذا كان يجن في بعض اليوم ويفيق في بعضه فقيل: "يؤمر"، وقيل: "لا يؤمر"، وعليه من كان له أب أو مريض قد خرف فإنه يأمره حال إفاقته ويتركه إن أكل، ولعل الأول أرجح ما دام أنه لم يفق كل اليوم فلا صيام عليه.

20- اختلف الفقهاء فيمن رأى رجلًا يفطر في نهار رمضان ناسيًا هل ينكر عليه؟ قولان عند العلماء:
الأول: أن الإنكار واجب ولو كان يعلم أنه ناسيًا؛ لأنه خالف في ظاهره.
الثاني: أنه لا ينكر عليه؛ لأن الله أطعمه وسقاه، وما دام أن الله عفا عنه فاعف عنه.
وفصَّل بعضهم فقال: "إذا كان أمام مرأى من الناس فإنه ينكر عليه؛ لئلا يظن أحدًا به السوء ويحصل بذلك مفسده، وأما إذا كان وحده فإنه يدعه ولا ينكر"، وهذا قول قوي وهو الصواب؛ لأن الله أطعمه وسقاه.

21- إذا أصبح الناس مفطرين في اليوم الثلاثين من شعبان، وجاء خبر رمضان في نفس اليوم من النهار بأن الهلال رؤي البارحة ففي هذه الحالة يمسكون وجوبًا، واختلفوا هل يقضون هذا اليوم؟
• قيل: يجب القضاء عليهم وهو قول الأئمة الأربعة؛ لأنه أفطر يومًا من رمضان؛ ولأنه لو نقص رمضان صام الناس ثمانية وعشرين يومًا ولا شهر دون تسعة وعشرين يومًا.

• وقيل: "لا يجب عليهم القضاء" واختاره ابن تيمية، واستدل بحديث سلمة ابن الأكوع السابق في الصحيحين، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من أكل يوم عاشوراء أن يتم صومه ولم يأمرهم بالقضاء، وهذا يدل على أن النية تتبع العلم.

وردَّ أصحاب القول الأول بأنه: "هناك فرق بين رجل جاهل بشرعية صيام اليوم، وبين من جهل دخول الصيام"، وأجابوا عن حديث سلمة بأنهم: "ما كانوا يعلمون الوجوب أصلًا"، ومذهب الجمهور أحوط، وقول ابن تيمية أقوى دليلًا؛ لأن صيام عاشوراء فرض وما أمرهم بالقضاء، فدل هذا على أن الشرائع لا تلزم إلا بالعلم.

22- من زال عذره أثناء النهار، كمريض شفي، وحائض طهرت، ومسافر وصل محل إقامته، الصواب من قولي أهل العلم أنه لا يلزمهم الإمساك بعد زوال العذر، وهو المشهور عن ابن مسعود ورواية عن أحمد.

23- لا دليل على جواز الفطر قبل مفارقة البنيان لمن أراد السفر، والآثار الواردة عن أنس وغيره لا تصح لا مرفوعة ولا موقوفة، فهي آثار مضطربة لا يصح منها شيء.

24- الكبير الذي لا يرجى برؤه فإنه يطعم عن كل يوم مسكينًا، وهذا ثابت عن جمع من الصحابة منهم أنس، فحين كبر كان يطعم عن كل يوم مسكينًا، وأفتى به ابن عباس، واختلف العلماء هل له أن يطعم مسكينًا واحدًا ثلاثين مرة عن الشهر، أو لا بد من ثلاثين مسكين؟ والصواب لو أطعم مسكينًا طعام ثلاثين مسكين فلا حرج، والأحوط ألا يفعل ذلك.

25- الصواب من قولي أهل العلم أنه لا يشترط في الإطعام التمليك، وإنما لو جمعهم وغداهم أو عشاهم يصح خلافًا لمن اشترط ذلك من الفقهاء، والقدر المجزئ من ذلك هو قدر الإشباع، ولا يلزم أن يأكل حتى يشبع وإنما يعطيه قدر ما يشبعه.

26- المريض له حالتان:
الأولى: أن يكون ممن لا يرجى برؤه، فلا خلاف أنه لا قضاء عليه؛ لأنه غير قادر كالشيخ الكبير، وفي هذه الحالة يطعم عن كل يوم مسكينا.
الثانية: أن يكون ممن يرجى برؤه فإن هذا لا يطعم بل ينتظر حتى يبرأ.

27- اختلف الفقهاء في قدر المرض المسوِّغ للفطر، فقالت طائفة: "كل مرض يجوز لصاحبه أن يفطر" وفي هذا نظر، لأنه على هذا القول من أصابه وجع أصبع أو صداع أفطر وهذا غير صحيح، وقالت طائفة: "المقصود هو المرض الذي يضره ويحتاج معه العلاج".

28- المسافر يقصر ويفطر ولو كان سفره لا مشقة معه، هذا هو الصواب فالفطر والقصر ليس مربوطًا بالمشقة، وإنما يقصر بمجرد الضرب في الأرض لقوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ..} [النساء:101]، جعل الله تعالى مجرد الضرب في الأرض مبيح للقصر.

29- الصوم في السفر له مراتب:
الأولى: أن يشق عليه الصوم في السفر دون ضرر، فالصواب أنه يستحب له الفطر؛ لأن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه.

الثانية: أن يلحقه ضرر فهذا يحرم معه الصوم.
الثالثة: أن يكون الضرر على غيره، كالصوم في الجهاد بحيث يضعفه أما العدو وحماية الثغور فهذا يكون آثمًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أولئك العصاة أولئك العصاة» (صحيح مسلم:1114)، وقال: «ليس من البر الصوم في السفر» (صحيح البخاري:1946).

الرابعة: أن يستوي عنده الطرفان الفطر والصيام، ففي هذا خلاف، فقالت طائفة أن الفطر أفضل لأن الله يحب أن تؤتى رخصه، وقالت طائفة: هذا يرجع لحال الشخص إن كان في المستقبل يشق عليه القضاء فإن الصوم أفضل، وقالت طائفة: إن لم يشق عليه فالصوم أفضل لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أما حديث "إن الله يحب أن تؤتى رخصه" قالوا هي الرخصة التي تتعلق بالمشقة، وفرقوا بين الفطر والقصر فقالوا: إن القصر أصل في السفر وأيضًا لم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم يتم في السفر لكنه ورد أنه يفطر في السفر، وهذه الأدلة كما هي ظاهرة قوية.

30- اختلف فيمن سافر لأجل أن يفطر:
• قيل: له أن يفطر؛ لأن السفر هو المبيح للفطر، فإذا سافر بقصد الفطر أو الجماع فله ذلك.
• وقيل: لا يجوز له أن يسافر ليفطر؛ لأن هذا احتيال ولا يجوز الاحتيال في الشرع، وهو قول الإمام أحمد وطائفة من الأئمة، فهو يعامل بنقيض قصده ولهذا نظائر في الشرع وهذا هو الصواب.

31- ذكر ابن القيم مسوغات الفطر وأنها أربعة: المرض، والسفر، والحيض، والخوف.
32- "من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له" ورد مرفوعًا وموقوفًا، والصواب أن المرفوع لا يصح منه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، والثابت هو الموقوف.

33- الصواب أن من جامع من نهار رمضان وجبت عليه الكفارة، وإذا جامع من الغد ولم يكفِّر عن الأولى تجب عليه كفارتين على الصواب، ولو جامع جميع الشهر وجبت عليه ثلاثين كفارة، خلافًا لمن قال تكفي كفارة واحدة مادام أنه لم يكفر عما سبق من جماعه، والصواب أن لكل يوم كفارة مطلقا؛ لأن لكل يوم حرمته؛ ولأنه أفسد أكثر من يوم فوجبت عليه أكثر من كفارة؛ ولأنه بمنزلة من قتل رجلين.

34- التلفظ بالنية كأن يقول اللهم إني نويت أن أصوم غدا أو أصوم شهر رمضان بدعة، فلا دليل على ذلك.
35- اختلف أهل العلم هل تصح نية صيام النفل من النهار على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن النفل كالفرض لا يصح إلا بالليل، وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد ونصر هذا القول ابن حزم.

القول الثاني: أن صيام النفل يصح بنية قبل الزوال ولا يصح بعده، وهؤلاء يعللون بأنه لو كان بعد الزوال لم ينو أكثر اليوم وهذا لا يصح.

القول الثالث: يصح بنية قبل الزوال وبعده، وهو مذهب أحمد وهو مروي عن جماعة من الصحابة ويستدلون بحديثعائشة عند مسلم: "«أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على عائشة فقال: هل عندكم شيء قالت: لا، قال فإني إذًا صائم»".

ونوقش هذا الاستدلال بأنه ليس بصريح أنه أحدث النية من هذا الوقت، فلعله صائم من الأصل وعلق النية إن وجد طعامًا، ورُدَّت هذه المناقشة بأن هذا التخريج يستدعي أن نيته في الصيام لم تكن جازمة من الأصل، والصيام لا بد له من نية جازمة، والأحوط للمسلم أن ينوي النفل من الليل قبل طلوع الفجر الثاني، لكن النفل المطلق الأمر فيه واسع وأنه يصح بنية من النهار وهو قول جمهور العلماء، أما النفل المقيد فلا يصح إلا بنية من الليل، ومن نوى المقيد من النهار كيوم عاشوراء أو يوم عرفة فلا يصدق عليه أنه صام يوم عرفة أو عاشوراء، لا يصح منه ذلك ولا يقبل.

36- الصحيح أن الاعتكاف لا يصح بأقل من يوم؛ لأنه أقل ما وردت به النصوص، وأقل من ذلك يسمى رباطًا لا اعتكافًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أدلكم على ما يمحو به الله الخطايا ويرفع به الدرجات.. وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط» (صحيح مسلم:251)، ولم يقل فذلكم الاعتكاف.

37- شخص عليه قضاء من رمضان ثم نوى الأكل والشرب ولم يفعل ثم قلب نيته إلى نفل صح ذلك؛ لأنه لم ينو الفطر؛ لأنه لو نوى الفطر أفطر بمجرد النية، لكنه نوى الأكل والشرب ولم يفعل فيصح أن ينويه نفلاً.

38- الصواب في التحميلات التي توضع عن طريق الدبر أنها لا تفطر ولا تضر الصوم؛ لأنها ليست بمنزلة الأكل والشرب.

39- الكحل عند الحنابلة يفطر، والقول الثاني أنه لايفطر وهو رواية عن أحمد ونصره ابن تيمية، حتى لو أحس بطعم الكحل في حلقه هذا هو الصواب، فهذا لا يلزم من كونه مفطرًا، فإن الشري لو وطئه الشخص بقدمه أحس بمرارته، والكحل كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ويستعمله كثير من الناس ولو كان مفطرًا لبينه النبي صلى الله عليه وسلم.
40- المرأة إذا أجرت منظارًا عن طريق الفرج الصواب أن هذا لا يفطر.

41- الطيب ليس مفطرًا ولم يقل أحد من العلماء أنه مفطرًا، بل ولا كراهة في ذلك بل هو محمود حتى حال الصيام، والخلاف في البخور فإن بخَّر ثيابه أو ملابسه فلا حرج من ذلك، والممنوع هو استنشاق البخور كما يمنع الصائم المبالغة في الاستنشاق حال الوضوء، أما البخور من دون استنشاق وتكبب له وإنما فقط لتبخير الثياب والملابس فلا حرج، والصحابة كانوا يطبخون في النهار على نار ذات دخان، فالممنوع هو تقصد الاستنشاق، أما من ابتلي بشرب الدخان فشربه يفطر لأنه هذا شرب له.

42- من استقاء رغمًا عنه فلا يفسد صيامه، أما تعمد القيء فهذا يفطر في قول جمهور العلماء من الأئمة الأربعة وغيرهم لحديث: «...ومن استقاء فليفطر»، لكن هذا الخبر معلول وقد غلط فيه عيسى بن يونس، وأنكره أهل البصرة والبخاري، وكان أبوهريرة يرى أن القيء لا يفطر ولو تعمد، ولا يمكن أن يفتي أبوهريرة بخلاف ما روى، وهو قول ابن عباس وعكرمة وطائفة من التابعين والأئمة وهو الصواب؛ لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن القيء يفطر، وأما حديث ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم "قاء فأفطر" فهذا الحديث فيه اختلاف على لفظه، فقد جاء أنه: "قاء فتوضأ" وحتى لو قيل بثبوتها فإنه لا دلالة على أنه أفطر من أجل القيء، والخلاف في ترجيح اللفظين قوي والصواب أن القيء عمدًا لا يفطر، وورد عن أبي هريرة وابن عباس أن الفطر مما دخل لا مما خرج.

43- جماهير العلماء أن استدعاء خروج المني مفطر، وقالوا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال، قال الله تعالى: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي» والشهوة الجماع وخروج المني منه، وذهبت جماعة إلى أنه لا يفطر استصحابًا للبراءة الأصلية بعدم الدليل، وقول أبي هريرة وابن عباس أن الفطر مما دخل لا مما خرج، ولأن المقصود بالشهوة في الحديث الجماع، لأنه لو أريد به ما ذكروه لدخلت كل شهوة كالنظر المحرم ونحوه، وقول الجمهور أحوط وعليه من استفتى فإنه يؤمر بالقضاء لكن لا كفارة عليه، بخلاف المذي فعند أحمد روايتين فيه الفطر وعدمه، والصواب أنه لا يفطر؛ لأنه لا دليل على ذلك.

44- اختلف في الحجامة هل تفطر؟
ذهبت طائفة أنها تفطر لقوله صلى الله عليه وسلم: «أفطر الحاجم والمحجوم» وذهب إلى هذا إسحاق بن راهويه ونصره ابن تيمية وابن القيم، وحكى ابن تيمية هذا القول عن جمهور أهل الحديث، وذهبت جماعة أن الحجامة لا تفطر، وهؤلاء يضعفون أحاديث الفطر بالحجامة، ومنهم من قال هي منسوخة كالشافعي، ويقولون جاءت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الحجامة لا تفطر ومن ذلك: ما جاء عند أبي خزيمة عن أبي سعيد موقوفًا "رخص للصائم في القبلة والحجامة".

ومعلوم أن الذي يرخص هو النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الأثر سنده صحيح، وما رواه البخاري: "أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم"، وما رواه أبو داود بسند صحيح عن عبدالرحمن بن أبي ليلى "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه"، وفي البخاري عن ثابت قيل لأنس: "أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ فقال لا إلا من أجل الضعف"، ولذلك كان ابن عمر والإسناد إليه صحيح يحتجم نهارًا فلما ضعف احتجم ليلا، وهذا يدل على أنه لا يرى الفطر بالحجامة، وهذا هو الصواب أن الحجامة لا تفطر ولكن من كانت تضعفه فإنه يتجنبها.

• وعليه فالتبرع بالدم في نهار رمضان وأخذ التحليل ونحوه لا يفطر هذا هو الصحيح، وهذا الذي دلت عليه أكثر الأخبار وأكثر الأحاديث.

45- الصواب في البصاق وكذلك النخامة أنها لا تفطر؛ لأنه لم يستجلب شيئًا خارجًا عنه.
46- من استاك وابتلع طعم السواك فإنه لا يفطر، لكنه يتجنب السواك المضاف إليه نكهات كطعم الليمون ونحوه.
47- من بالغ في الاستنشاق حال الصيام فإنه خالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لو دخل شيء من غير قصده فإنه لا يفطر.

48- إذا أذن المؤذن وكان مخطئًا بالوقت ثم أكل شخص، ثم تبين له أن المؤذن أخطأ بالتوقيت فأمسك الصواب أن صيامه صحيح، وهذا الذي نصره ابن تيمية.

49- بالنسبة لتقويم أم القرى فإن الصائم يمسك على هذا التقويم احتياطًا، وأما الصلاة فإنه يتأخر احتياطًا لأن التقويم متقدم.

50- سئل عن حكم الشرب أثناء الأذان؟ فقال: إذا كان المؤذن يتقدم فلا بأس، أما إذا كان يؤذن على الوقت فينبغي أن يتعجل الإمساك، وإذا كان بيده شيء فليشربه، لقول أبي هريرة: "إذا أذن المؤذن وفي يد أحدكم إناء فلا يضعه حتى يقضي نهمته"، وهذا جاء مرفوعا وموقوفًا والصواب وقفه.

من صفات الخوارج

قراءاة تحليلة لـ بحث بعنوان: أسمى المطالب في سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه للكاتب: الصلابي، يُبيِّن فيه صفات فرقة الخوارج الضالة...

أثناء تصفحي لسيرة أميرالمؤمنين "علي ابن أبي طالب"، رضي الله عنه "للصلابي" وقد وُسِمَ البحث بأسمى المطالب في سيرة أمير المؤمنين "علي بن أبي طالب" رضي الله عنه وما عاناه أثناء حكمه من الخوارج، وغيرهم؛ لفت انتباهي هذه الفقرات، التي تتكلم عن بعض صفات الخوارج، كما جمعها الباحث فنقلتها للفائده.
حيث ينقل الصلابي فيقول: "إن الباحث في تاريخ فرقة الخوارج يلاحظ عدة صفات اتُصِفَ بها أتباع هذه الفرقة منها:
1- الغلو في الدين:
مما لا شك فيه أن الخوارج أهل طاعة، وعبادة، فقد كانوا حريصين كل الحرص على التمسك بالدين، وتطبيق أحكامه، والابتعاد عن جميع ما نهى عنه الإسلام، وكذلك التحرُّز التام عن الوقوع في أي معصية أو خطيئة تخالف الإسلام، حتى أصبح ذلك سِمَة بارزة في هذه الطائفة لا يدانيهم في ذلك أحد، ولا أدل على ذلك من قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء».
وقال ابن عباس رضي الله عنهما يصفهم حينما دخل عليهم لمناظرتهم: "دخلت على قوم لم أر قط أشد منهم اجتهادًا، جباههم قرحة من السجود، وأياديهم كأنها ثفن الإبل، وعليهم قمص مرحضة مشمرين، مسهمة وجهوههم من السهر".
وعن جندب الأزدي قال: "لمَّا عدلنا إلى الخوارج ونحن مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فانتهينا إلى معسكرهم، فإذا لهم دوي كدوي النحل من قراءة القرآن".
فقد كانوا أهل صيام وصلاة وتلاوة للقرآن، لكنهم تجاوزوا حد الاعتدال، إلى درجة الغلو والتشدُّد، حيث قادهم هذا التشدُّد إلى مخالفة قواعد الإسلام، بما تُملِيه عليهم عقولهم، كالقول بتكفير صاحب الكبيرة، وستأتي مناقشة عقائدهم وأفكارهم بإذن الله تعالى.
ومنهم من بالغ في ذلك حتى على كل من ارتكب ذنبًا، من الذنوب ولو كان صغيرًا، فإنه كافر مشرك مُخلّد في النار، وكان من نتيجة هذا التشدُّد الذي خرج بهم عن حدود الدين وأهدافه السامية، أن كفَّروا كل من لم ير رأيهم من المسلمين ورموهم بالكفر أو النفاق، حتى إنهم استباحوا دماء مخالفيهم، ومنهم من استباح قتل النساء والأطفال من مخالفيه، كالأزارقة مثلًا.
ولا شك أن الخوارج بما اتُصّفوا به من الجهل والتشدُّد والجفاء قد شوَّهوا محاسن الدين الإسلامي، تشويهًا غريبًا، فإن هذا الإغراق في التأويل والاجتهاد، أخرجهم عن روح الإسلام وجماله واعتداله.
وهم في تعمُّقِهم قد سلكوا طريقًا ما قال به محمد صلى الله عليه وسلم، ولا دعا إليه القرآن الكريم؛ وأما التقوى التي كانوا يظهرون بها فهي من قبيل التقوى العمياء والصلاح الذي كانوا يتزيَّنون به في الظاهر، كان ظاهر التأويل بادي الزخرفة.
وقد طمِعوا في الجنة وأرادوا السعي لها عن طريق التعمُّق والتشدُّد والغلو في الدين غلوًا أخرجهم عن الحد الصحيح، ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من التعمُّق والتشدُّد في الدين، لأنه مخالفة للاعتدال وسماحة الإسلام، وأخبر أن المتنطِّع مستحق للهلاك والخسران، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هلك المتنطِّعون» قالها ثلاثًا، فبهذا يتبيَّن لنا شذوذ الخوارج، وكذلك من سار على منهجهم المبني على التعسُّف والتشدُّد المخالِف لسماحة الإسلام ويُسرِه، فإن الإسلام دين اليسر والسماحة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن الدين يسر، ولن يُشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا» (رواه البخاري ومسلم).
2- الجهل بالدين:
إن من كبرى آفات الخوارج صفة الجهل بالكتاب، والسُّنة، وسوء فهمهم، وقلة تدبُّرِهم، وتعقُّلِهم، وعدم إنزال النصوص منازلها الصحيحة، وكان "ابن عمر رضي الله عنهما" يراهم شرار خلق الله، وقال: "إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين"، وكان ابن عمر إذا سُئل عن الحرورية؟ قال: "يُكفِّرون المسلمين ويستحلِّون دماءهم وأموالهم، وينكحون النساء في عُدَدِهِم، وتأتيهم المرأة فينكحها الرجل منهم ولها زوج، فلا أعلم أحدًا أحق بالقتال منهم".
ومن جهلهم بشرع الله؛ رأوا أن التحكيم معصية تستوجب الكُفر، فيلزم من وقع فيه أن يعترف على نفسه بالكُفر، ثم يستقبل التوبة، وهذا ما طالبوا به عليًا رضي الله عنه، إذ طلبوا منه أن يُقرَّ على نفسه بالكفر ثم يستقبل التوبة، فتخطئة الخوارج له ولمن معه من المهاجرين والأنصار، واعتقادهم أنهم أعلم منهم وأولى منهم بالرأي، هي والله عين الجهل والضلال.
ومن جهالاتهم الشنيعة أنهم وجدوا "عبد الله بن خباب" رضي الله عنّه ومعه "أم ولد" حُبلى، فناقشوه في أمور، ثّم سألوه رأيه في "عثمان" و"علي" رضي الله عنهما، فأثنى عليهما خيرًا، فنقموا عليه، وتوعَّدوه بأن يقتلوه شرّ قتلة فقتلوه وبقروا بطن المرأة، ومرَّ بهم خنزير لأهل الذمة فقتله أحدهم، فتحرَّجوا من ذلك وبحثوا عن صاحب الخنزير وأرضوه في خنزيره، فيا للعجب! أتكون الخنازير أشد حرمة من المسلمين عند أحد يدَّعي الإسلام! لكنها عبادة الجُهّال، التي أملاها عليهم الهوى والشيطان.
قال ابن حجر: "إن الخوارج لما حكموا بكفر من خالفهم استباحوا دماءهم وتركوا أهل الذمة!" فقالوا: نفي لهم بعهدهم وتركوا قتال المشركين، واشتغلوا بقتال المسلمين، وهذا كله من آثار عبادة الجُهَّال، الذي لم تنشرح صدورهم بنورالعلم، ولم يتمسكوا بحبل وثيق منه، وكفى أن رأسهم رد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره ونسبه إلى الجور، نسأل الله السلامة.
وقال عنهم ابن تيمية: "هم جُهَّال فارَقوا السُّنة والجماعة عن جهل".
وبهذا يتبيَّن أن الجهل كان من الصفات البارزة في تلك الطائفة التي هي إحدى الطوائف المنتسبة إلى الإسلام، فالجهل مرضٌ عضال، يُهلِك صاحبه من حيث لا يشعر، بل قد يريد الخير فيقع في ضده.
3- شق عصا الطاعة:
قال ابن تيمية رحمه الله: "فهؤلاء من ضلالهم اعتقادهم في أئمة الهدى وجماعة المسلمين أنهم خارِجون عن العدل، وأنهم ضالون، وهذا مأخذ الخارجين عن السنُّة من الرافضة ونحوهم، ثم يعدون ما يرون أنه ظلم عندهم كفرًا ثم يرتبون على الكفر أحكامًا ابتدعوها، هذا وقد شقوا عصا الطاعة وسعوا في تفريق كلمة المسلمين".
ويوضح ذلك موقفهم مع أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، حيث تخلّوا عنه وخالفوه في أحرج المواقف وعصوا أمره، وظلت تلك الصفة من صفاتهم على مدار التاريخ، كل من خالفهم في أمرٍ عادوه ونبذوه، حتى إنهم تفرَّقوا هم أنفسهم إلى عدة فرق يُكّفر بعضها بعضًا، ولذلك كثر فيهم الغارات، والشقاق، والثورات.
4- التكفير بالذنوب واستحلال دماء المسلمين وأموالهم:
قال ابن تيمية: "والفرق الثاني في الخوارج وأهل البدع، أنهم يُكفِّرون بالذنوب، والسيئات، ويترتَّب على تكفيرهم بالذنوب استحلال دماء المسلمين، وأموالهم، وأن دار الإسلام دار حرب، ودارهم هي دار الإيمان، وكذلك يقول جمهور الرافضة".
فهذا أصل البدع التي ثبتت بنص سنُّة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإجماع السلف أنها بدعة، وهو جعل العفو سيئة، وجعل السيئة كُفرًا، وقد تميّز الخوارج بآراء خاصة فارَقوا بها جماعة المسلمين، ورأوها من الدين الذي لا يقبل الله غيره، ومن خالفهم فيها فقد خرج من الدين في زعمهم، فأوجبوا البراءة منه، بل إن منهم من غلا في ذلك، فأوجبوا قتال من خالفهم، واستحلوا دماءهم فمن ذلك أنهم قتلوا "عبد الله بن خباب رضي الله عنه"، بغير سبب غير أنه لم يوافقهم على رأيهم.
وقال ابن كثير: "فجعلوا يقتلون النساء والولدان، ويبقرون بطون الحبالى، ويفعلوا أفعالًا لم يفعلها غيرهم".
قال ابن تيمية: "وكانت البدعة الأولى مثل بدعة الخوارج، إنما هي من سوء فهمهم للقرآن، لم يقصدوا معارضته، لكن فهموا منه ما لم يدل عليه، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب، إذ كان المؤمن هو البر التقي، قالوا: فمن لم يكن برًا تقيًا فهو كافر وهو مُخلد في النار. ثم قالوا: و"عثمان" و"علي" ومن والاهما ليسوا بمؤمنين؛ لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله، فكانت بدعتهم لها مقدمتان:
الأولى: أن من خالف القرآن بعمل أو برأي أخطأ فيه فهو كافر.
والثانية: أن "عثمان" و"عليًا" ومن والاهما كانوا كذلك، ولهذا يجب الاحتراز من تكفير المؤمنين بالذنوب والخطايا، فإنها أول بدعة ظهرت في الإسلام فكفَّروا أهلها المسلمين، واستحلوا دماءهم، وأموالهم، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث صحيحة في ذمِّهم والأمر بقتالهم.
5- تجويزهم على النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يجوز في حقه (كالجور):
قال ابن تيمية: "والخوارج جوزوا على الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه أن يجور ويضل في سُنته، ولم يُوجِبوا طاعته ومتابعته، وإنما صدّقوه فيما بلَّغه من القرآن، دون ما شرعه من السُّنة، التي تخالف -بزعمهم- ظاهر القرآن، وغالب أهل البدع والخوارج يتابعونهم في الحقيقة على هذا، فإنهم يرون أن الرسول لو قال بخلاف مقالتهم لما اتبعوه. وإنما يدفعون عن نفوسهم الحجة، إما برد النقل، وإما بتأويل المنقول، فيطعنون تارةً في الإسناد، وتارةً في المتن، وإلا فهم ليسوا متبعين ولا مؤتمين بحقيقة السُّنة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم، بل ولا بحقيقة القرآن.
6 - الطعن والتضليل:
من أبرز صفات الخوارج الطعن في أئمة الهدى وتضليلهم، والحكم عليهم بالخروج عن العدل والصواب، وقد تجلَّت هذه الصفة في موقف "ذي الخويصرة" مع رسول الهُدى صلى الله عليه وسلم، حيث قال ذو الخويصرة: "يا رسول الله اعدِل"!، فقد عَدَّ "ذو الخويصرة" نفسه أورع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجور والخروج عن العدل في القسمة، وإن هذه الصفة قد لازمَتهم عبر التاريخ، وقد كان لها أسوأ الأثر لما ترتَّب عليها من أحكام وأعمال.
7 - سوء الظن:
هذه صفة أخرى للخوارج، تجلت في حكم "ذي الخويصرة" الجهول على رسول الهُدى صلى الله عليه وسلم بعدمالإخلاص، حيث قال: "والله إن هذه لقسمة ما عُدِلَ فيها، وما أُرِيدَ فيها وجه الله"!
فذو الخويصرة الجهول لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطى السادة الأغنياء، ولم يُعطِ الفقراء، لم يحمل هذا التصرُّف على المَحمَل الحَسن، وهذا شيء عجيب خصوصًا أن دواعيه كثيرة، فلو لم يكن إلا أن صاحب هذا التصرُّف هو رسول الهُدى صلى الله عليه وسلم، لكفى به داعيًا إلى حسن الظن، ولكن "ذا الخويصرة" أبى ذلك، وأساء الظن لمرضه النفسي، وحاول أن يستر هذه العلة بستار العدل، وبذلك ضحك منه إبليس، واحتال عليه، فأوقعه في مصايده.
فينبغي للمرء أن يُراقِب نفسه، وأن يُدقِّق في دوافع سلوكه، ومقاصده، وأن يحذر هواه، وأن يكون منتبهًا لحيل إبليس لأنه كثيرًا ما يُزيِّن العمل السيئ بغلافٍ حسنٍ برَّاق، ويُبرِّر السلوك القبيح باسم مبادئ الحق، ومما يُعين المرء على وقاية نفسه، والنجاة لها من حيل الشيطان ومصايده؛ العلم.. فذو الخويصرة لو كان عنده أثارة من عِلم، أو ذرة من فِهم لما سقط في هذا المزلَق.
8- الشدة على المسلمين:
عُرِفَ الخوارج بالغلظة والجفوة، وقد كانوا شديدي القسوة والعنف على المسلمين، وقد بلغت شدتهم حدًا فظيعًا، فاستحلوا دماء المسلمين، وأموالهم، وأعراضهم، فروَّعوهم وقتَّلوهم، أما أعداء الإسلام من أهل الأوثان، وغيرهم فقد تركوهم! ووادعوهم فلم يؤذوهم!
ولقد سجَّل التاريخ صحائف سوداء للخوارج في هذا السبيل، وما قصة "عبد الله بن خباب رضي الله عنه" ومقتله عنَّا ببعيد، فمعاملة الخوارج للمسلمين مصحوبة بالقسوة، والشدة، والعنف، وأما للكافرين فلين، وموادعة، ولطف، فقد وصف الشارع الشريعة بأنها سهلة سمحة، وإنما ندب إلى الشدة على الكفار، وإلى الرأفة بالمؤمنين.
فعكس ذلك الخوارج، قال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح من الآية:29]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَّرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} [المائدة من الآية:54] فالخوارج عكسوا الآيات، فأرهبوا المسلمين وروَّعوهم.
هذه بعض الصفات التي اشتُهِرَ بها الخوارج.

من صفات الخوارج

من صفات الخوارج

قراءاة تحليلة لـ بحث بعنوان: أسمى المطالب في سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه للكاتب: الصلابي، يُبيِّن فيه صفات فرقة الخوارج الضالة...

أثناء تصفحي لسيرة أميرالمؤمنين "علي ابن أبي طالب"، رضي الله عنه "للصلابي" وقد وُسِمَ البحث بأسمى المطالب في سيرة أمير المؤمنين "علي بن أبي طالب" رضي الله عنه وما عاناه أثناء حكمه من الخوارج، وغيرهم؛ لفت انتباهي هذه الفقرات، التي تتكلم عن بعض صفات الخوارج، كما جمعها الباحث فنقلتها للفائده.
حيث ينقل الصلابي فيقول: "إن الباحث في تاريخ فرقة الخوارج يلاحظ عدة صفات اتُصِفَ بها أتباع هذه الفرقة منها:
1- الغلو في الدين:
مما لا شك فيه أن الخوارج أهل طاعة، وعبادة، فقد كانوا حريصين كل الحرص على التمسك بالدين، وتطبيق أحكامه، والابتعاد عن جميع ما نهى عنه الإسلام، وكذلك التحرُّز التام عن الوقوع في أي معصية أو خطيئة تخالف الإسلام، حتى أصبح ذلك سِمَة بارزة في هذه الطائفة لا يدانيهم في ذلك أحد، ولا أدل على ذلك من قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء».
وقال ابن عباس رضي الله عنهما يصفهم حينما دخل عليهم لمناظرتهم: "دخلت على قوم لم أر قط أشد منهم اجتهادًا، جباههم قرحة من السجود، وأياديهم كأنها ثفن الإبل، وعليهم قمص مرحضة مشمرين، مسهمة وجهوههم من السهر".
وعن جندب الأزدي قال: "لمَّا عدلنا إلى الخوارج ونحن مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فانتهينا إلى معسكرهم، فإذا لهم دوي كدوي النحل من قراءة القرآن".
فقد كانوا أهل صيام وصلاة وتلاوة للقرآن، لكنهم تجاوزوا حد الاعتدال، إلى درجة الغلو والتشدُّد، حيث قادهم هذا التشدُّد إلى مخالفة قواعد الإسلام، بما تُملِيه عليهم عقولهم، كالقول بتكفير صاحب الكبيرة، وستأتي مناقشة عقائدهم وأفكارهم بإذن الله تعالى.
ومنهم من بالغ في ذلك حتى على كل من ارتكب ذنبًا، من الذنوب ولو كان صغيرًا، فإنه كافر مشرك مُخلّد في النار، وكان من نتيجة هذا التشدُّد الذي خرج بهم عن حدود الدين وأهدافه السامية، أن كفَّروا كل من لم ير رأيهم من المسلمين ورموهم بالكفر أو النفاق، حتى إنهم استباحوا دماء مخالفيهم، ومنهم من استباح قتل النساء والأطفال من مخالفيه، كالأزارقة مثلًا.
ولا شك أن الخوارج بما اتُصّفوا به من الجهل والتشدُّد والجفاء قد شوَّهوا محاسن الدين الإسلامي، تشويهًا غريبًا، فإن هذا الإغراق في التأويل والاجتهاد، أخرجهم عن روح الإسلام وجماله واعتداله.
وهم في تعمُّقِهم قد سلكوا طريقًا ما قال به محمد صلى الله عليه وسلم، ولا دعا إليه القرآن الكريم؛ وأما التقوى التي كانوا يظهرون بها فهي من قبيل التقوى العمياء والصلاح الذي كانوا يتزيَّنون به في الظاهر، كان ظاهر التأويل بادي الزخرفة.
وقد طمِعوا في الجنة وأرادوا السعي لها عن طريق التعمُّق والتشدُّد والغلو في الدين غلوًا أخرجهم عن الحد الصحيح، ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من التعمُّق والتشدُّد في الدين، لأنه مخالفة للاعتدال وسماحة الإسلام، وأخبر أن المتنطِّع مستحق للهلاك والخسران، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هلك المتنطِّعون» قالها ثلاثًا، فبهذا يتبيَّن لنا شذوذ الخوارج، وكذلك من سار على منهجهم المبني على التعسُّف والتشدُّد المخالِف لسماحة الإسلام ويُسرِه، فإن الإسلام دين اليسر والسماحة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن الدين يسر، ولن يُشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا» (رواه البخاري ومسلم).
2- الجهل بالدين:
إن من كبرى آفات الخوارج صفة الجهل بالكتاب، والسُّنة، وسوء فهمهم، وقلة تدبُّرِهم، وتعقُّلِهم، وعدم إنزال النصوص منازلها الصحيحة، وكان "ابن عمر رضي الله عنهما" يراهم شرار خلق الله، وقال: "إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين"، وكان ابن عمر إذا سُئل عن الحرورية؟ قال: "يُكفِّرون المسلمين ويستحلِّون دماءهم وأموالهم، وينكحون النساء في عُدَدِهِم، وتأتيهم المرأة فينكحها الرجل منهم ولها زوج، فلا أعلم أحدًا أحق بالقتال منهم".
ومن جهلهم بشرع الله؛ رأوا أن التحكيم معصية تستوجب الكُفر، فيلزم من وقع فيه أن يعترف على نفسه بالكُفر، ثم يستقبل التوبة، وهذا ما طالبوا به عليًا رضي الله عنه، إذ طلبوا منه أن يُقرَّ على نفسه بالكفر ثم يستقبل التوبة، فتخطئة الخوارج له ولمن معه من المهاجرين والأنصار، واعتقادهم أنهم أعلم منهم وأولى منهم بالرأي، هي والله عين الجهل والضلال.
ومن جهالاتهم الشنيعة أنهم وجدوا "عبد الله بن خباب" رضي الله عنّه ومعه "أم ولد" حُبلى، فناقشوه في أمور، ثّم سألوه رأيه في "عثمان" و"علي" رضي الله عنهما، فأثنى عليهما خيرًا، فنقموا عليه، وتوعَّدوه بأن يقتلوه شرّ قتلة فقتلوه وبقروا بطن المرأة، ومرَّ بهم خنزير لأهل الذمة فقتله أحدهم، فتحرَّجوا من ذلك وبحثوا عن صاحب الخنزير وأرضوه في خنزيره، فيا للعجب! أتكون الخنازير أشد حرمة من المسلمين عند أحد يدَّعي الإسلام! لكنها عبادة الجُهّال، التي أملاها عليهم الهوى والشيطان.
قال ابن حجر: "إن الخوارج لما حكموا بكفر من خالفهم استباحوا دماءهم وتركوا أهل الذمة!" فقالوا: نفي لهم بعهدهم وتركوا قتال المشركين، واشتغلوا بقتال المسلمين، وهذا كله من آثار عبادة الجُهَّال، الذي لم تنشرح صدورهم بنورالعلم، ولم يتمسكوا بحبل وثيق منه، وكفى أن رأسهم رد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره ونسبه إلى الجور، نسأل الله السلامة.
وقال عنهم ابن تيمية: "هم جُهَّال فارَقوا السُّنة والجماعة عن جهل".
وبهذا يتبيَّن أن الجهل كان من الصفات البارزة في تلك الطائفة التي هي إحدى الطوائف المنتسبة إلى الإسلام، فالجهل مرضٌ عضال، يُهلِك صاحبه من حيث لا يشعر، بل قد يريد الخير فيقع في ضده.
3- شق عصا الطاعة:
قال ابن تيمية رحمه الله: "فهؤلاء من ضلالهم اعتقادهم في أئمة الهدى وجماعة المسلمين أنهم خارِجون عن العدل، وأنهم ضالون، وهذا مأخذ الخارجين عن السنُّة من الرافضة ونحوهم، ثم يعدون ما يرون أنه ظلم عندهم كفرًا ثم يرتبون على الكفر أحكامًا ابتدعوها، هذا وقد شقوا عصا الطاعة وسعوا في تفريق كلمة المسلمين".
ويوضح ذلك موقفهم مع أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، حيث تخلّوا عنه وخالفوه في أحرج المواقف وعصوا أمره، وظلت تلك الصفة من صفاتهم على مدار التاريخ، كل من خالفهم في أمرٍ عادوه ونبذوه، حتى إنهم تفرَّقوا هم أنفسهم إلى عدة فرق يُكّفر بعضها بعضًا، ولذلك كثر فيهم الغارات، والشقاق، والثورات.
4- التكفير بالذنوب واستحلال دماء المسلمين وأموالهم:
قال ابن تيمية: "والفرق الثاني في الخوارج وأهل البدع، أنهم يُكفِّرون بالذنوب، والسيئات، ويترتَّب على تكفيرهم بالذنوب استحلال دماء المسلمين، وأموالهم، وأن دار الإسلام دار حرب، ودارهم هي دار الإيمان، وكذلك يقول جمهور الرافضة".
فهذا أصل البدع التي ثبتت بنص سنُّة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإجماع السلف أنها بدعة، وهو جعل العفو سيئة، وجعل السيئة كُفرًا، وقد تميّز الخوارج بآراء خاصة فارَقوا بها جماعة المسلمين، ورأوها من الدين الذي لا يقبل الله غيره، ومن خالفهم فيها فقد خرج من الدين في زعمهم، فأوجبوا البراءة منه، بل إن منهم من غلا في ذلك، فأوجبوا قتال من خالفهم، واستحلوا دماءهم فمن ذلك أنهم قتلوا "عبد الله بن خباب رضي الله عنه"، بغير سبب غير أنه لم يوافقهم على رأيهم.
وقال ابن كثير: "فجعلوا يقتلون النساء والولدان، ويبقرون بطون الحبالى، ويفعلوا أفعالًا لم يفعلها غيرهم".
قال ابن تيمية: "وكانت البدعة الأولى مثل بدعة الخوارج، إنما هي من سوء فهمهم للقرآن، لم يقصدوا معارضته، لكن فهموا منه ما لم يدل عليه، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب، إذ كان المؤمن هو البر التقي، قالوا: فمن لم يكن برًا تقيًا فهو كافر وهو مُخلد في النار. ثم قالوا: و"عثمان" و"علي" ومن والاهما ليسوا بمؤمنين؛ لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله، فكانت بدعتهم لها مقدمتان:
الأولى: أن من خالف القرآن بعمل أو برأي أخطأ فيه فهو كافر.
والثانية: أن "عثمان" و"عليًا" ومن والاهما كانوا كذلك، ولهذا يجب الاحتراز من تكفير المؤمنين بالذنوب والخطايا، فإنها أول بدعة ظهرت في الإسلام فكفَّروا أهلها المسلمين، واستحلوا دماءهم، وأموالهم، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث صحيحة في ذمِّهم والأمر بقتالهم.
5- تجويزهم على النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يجوز في حقه (كالجور):
قال ابن تيمية: "والخوارج جوزوا على الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه أن يجور ويضل في سُنته، ولم يُوجِبوا طاعته ومتابعته، وإنما صدّقوه فيما بلَّغه من القرآن، دون ما شرعه من السُّنة، التي تخالف -بزعمهم- ظاهر القرآن، وغالب أهل البدع والخوارج يتابعونهم في الحقيقة على هذا، فإنهم يرون أن الرسول لو قال بخلاف مقالتهم لما اتبعوه. وإنما يدفعون عن نفوسهم الحجة، إما برد النقل، وإما بتأويل المنقول، فيطعنون تارةً في الإسناد، وتارةً في المتن، وإلا فهم ليسوا متبعين ولا مؤتمين بحقيقة السُّنة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم، بل ولا بحقيقة القرآن.
6 - الطعن والتضليل:
من أبرز صفات الخوارج الطعن في أئمة الهدى وتضليلهم، والحكم عليهم بالخروج عن العدل والصواب، وقد تجلَّت هذه الصفة في موقف "ذي الخويصرة" مع رسول الهُدى صلى الله عليه وسلم، حيث قال ذو الخويصرة: "يا رسول الله اعدِل"!، فقد عَدَّ "ذو الخويصرة" نفسه أورع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجور والخروج عن العدل في القسمة، وإن هذه الصفة قد لازمَتهم عبر التاريخ، وقد كان لها أسوأ الأثر لما ترتَّب عليها من أحكام وأعمال.
7 - سوء الظن:
هذه صفة أخرى للخوارج، تجلت في حكم "ذي الخويصرة" الجهول على رسول الهُدى صلى الله عليه وسلم بعدمالإخلاص، حيث قال: "والله إن هذه لقسمة ما عُدِلَ فيها، وما أُرِيدَ فيها وجه الله"!
فذو الخويصرة الجهول لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطى السادة الأغنياء، ولم يُعطِ الفقراء، لم يحمل هذا التصرُّف على المَحمَل الحَسن، وهذا شيء عجيب خصوصًا أن دواعيه كثيرة، فلو لم يكن إلا أن صاحب هذا التصرُّف هو رسول الهُدى صلى الله عليه وسلم، لكفى به داعيًا إلى حسن الظن، ولكن "ذا الخويصرة" أبى ذلك، وأساء الظن لمرضه النفسي، وحاول أن يستر هذه العلة بستار العدل، وبذلك ضحك منه إبليس، واحتال عليه، فأوقعه في مصايده.
فينبغي للمرء أن يُراقِب نفسه، وأن يُدقِّق في دوافع سلوكه، ومقاصده، وأن يحذر هواه، وأن يكون منتبهًا لحيل إبليس لأنه كثيرًا ما يُزيِّن العمل السيئ بغلافٍ حسنٍ برَّاق، ويُبرِّر السلوك القبيح باسم مبادئ الحق، ومما يُعين المرء على وقاية نفسه، والنجاة لها من حيل الشيطان ومصايده؛ العلم.. فذو الخويصرة لو كان عنده أثارة من عِلم، أو ذرة من فِهم لما سقط في هذا المزلَق.
8- الشدة على المسلمين:
عُرِفَ الخوارج بالغلظة والجفوة، وقد كانوا شديدي القسوة والعنف على المسلمين، وقد بلغت شدتهم حدًا فظيعًا، فاستحلوا دماء المسلمين، وأموالهم، وأعراضهم، فروَّعوهم وقتَّلوهم، أما أعداء الإسلام من أهل الأوثان، وغيرهم فقد تركوهم! ووادعوهم فلم يؤذوهم!
ولقد سجَّل التاريخ صحائف سوداء للخوارج في هذا السبيل، وما قصة "عبد الله بن خباب رضي الله عنه" ومقتله عنَّا ببعيد، فمعاملة الخوارج للمسلمين مصحوبة بالقسوة، والشدة، والعنف، وأما للكافرين فلين، وموادعة، ولطف، فقد وصف الشارع الشريعة بأنها سهلة سمحة، وإنما ندب إلى الشدة على الكفار، وإلى الرأفة بالمؤمنين.
فعكس ذلك الخوارج، قال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح من الآية:29]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَّرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} [المائدة من الآية:54] فالخوارج عكسوا الآيات، فأرهبوا المسلمين وروَّعوهم.
هذه بعض الصفات التي اشتُهِرَ بها الخوارج.

ليس من الدعاء (سيؤتينا الله من فضله إنا إلى الله راغبون)

ليس فيها دعاء وإنما فيها الإخبار عن بعض المنافقين الذين همهم الدنيا فيرضون إذا أُعطوا شيئاً منها ويسخطون إذا لم يُعطوا، فأرشدوا إلى الرضا بما آتاهم الله وجعل رسوله

بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه إلي يوم الدين.
أما بعد، فقد اطلعت على ورقة توزع كُتب فيها بالأحرف الكبيرة ما يلي: (حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله إنا إلى الله راغبون، يقول ابن باز: والله! ما دعوت بهذا الدعاء بعد التشهد الأخير في أمر عسير إلا تيسر)!! وبلغني أنها موجودة في مواقع كثيرة من شبكة المعلومات، وسمعت تسجيلاً لأحد المشايخ قال فيه: (إذا ضيِّق عليك في الرزق قل: حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله إنا إلى الله راغبون، أعيد: إذا ضيِّق عليك في الرزق قل: حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله إنا إلى الله راغبون، إن قال لك أحد: هذا الشيخ مبتدع، أين الدليل عليها؟ قل: إن الله قال في حق المنافقين: (ولو أنهم قالوا (كذا) حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله) الرسول مات الآن لا نقول (حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون)، فإذا ضيق عليك قل هذا: حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله إنا إلى الله راغبون، هذا تعليم الله لعباده وأوليائه، جعلنا الله وإياكم منهم.

وأعلق على ذلك بما يلي:
1.هذه الآية والتي قبلها في طائفة من المنافقين، قال الله عز وجل: {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ.وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ} [التوبة:58-59]، وليس فيها دعاء وإنما فيها الإخبار عن بعض المنافقين الذين همهم الدنيافيرضون إذا أُعطوا شيئاً منها ويسخطون إذا لم يُعطوا، فأرشدوا إلى الرضا بما آتاهم الله وجعل رسوله صلى الله عليه وسلم سبباً في ذلك، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا قاسم والله يعطي» (رواه البخاري (71) ومسلم (2392))، والتوكل على الله بأن يقولوا: حسبنا الله، وأما قولهم: سيؤتينا الله من فضله ورسوله فليس بدعاء، وإنما فيه إخبار عما يؤمِّلونه ويحصل لهم من الله ورسوله من الإيتاء في المستقبل كما حصل في الماضي في قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ} [التوبة:59]، وجواب لو محذوف تقديره: لكان خيراً لهم كما قال الشوكاني في تفسيره، وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: "لسلموا من النفاق ولهدوا إلى الإيمان والأحوال العالية"، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (10/36): "وقد ذكر الله هذه الكلمة (حسبي الله) في جلب المنفعة تارة، وفي دفع المضرة أخرى، فالأولى في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ} الآية، والثانية في قوله: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران:173]، وفي قوله تعالى: {وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِين} [الأنفال:62]، وقوله: وَلَوْ {أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ} [التوبة:59] يتضمن الأمر بالرضا والتوكل"، والتعليم في هذه الآية الكريمة إنما هو للمنافقين، وليس فيها تعليم هذا الدعاء لعباد الله وأوليائه مع حذف كلمة {وَرَسُولُهُ} وليس في كلام شيخ الإسلام المتقدم الإشارة إلى ذلك، ولم أقف على نسبة الدعاء بهذا إلى أحد من السلف، بل إن الإمام ابن جرير في تفسيره وكذا السيوطي في الدر المنثور ـ مع عنايتهما بجمع الآثارـ لم يذكرا شيئاً منها في تفسير هذه الآية، وخير من الاهتمام بهذا الدعاء الذي لم يثبت وشغل الناس به التنبيه إلى الدعاء الوارد في القران الكريم الجامع لخير الدنيا والآخرة من الرزق وغيره، وهو: «اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة ، وقنا عذاب النار» وفي صحيح مسلم (6840) بإسناده إلى عبد العزيز بن صهيب «قال: سأل قتادة أنساً: أي دعوة كان يدعو بها النبي صلى الله عليه وسلم أكثر؟ قال: كان أكثر دعوة يدعوا بها يقول: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، قال وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، فإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه»، ورواه البخاري (6389) عن أنس رضي الله عنه قال: «كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»، وهو من الأدعية الثابتة في الطواف بالبيت، ففي سنن أبي داود (1892) ومسند الإمام أحمد (15398) بإسناد حسن عن عبد الله بن السائب قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما بين الركنين: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار».

2. أما نسبة هذا الدعاء في التشهد الأخير إلى شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله مع إقسامه على نفعه فلا يصح ذلك عنه، ومن الخطأ البيِّن نسبته إليه، ولو كان من نسبه إليه صادقاً لبيَّن مستنده في ذلك من كلامه المقروء والمسموع، ولم يذكره رحمه الله في رسالته: (تحفة الأخيار ببيان جملة نافعة من مما ورد في الكتاب والسنة من الأدعية والأذكار)، ولا في رسالته: (كيفية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم) فإنه ذكر فيها في آخر الصلاة التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والاستعاذة من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال ولم يذكر هذا الدعاء، ولم يذكره في الأدعية التي أوردها في منسكه للدعاء بها في عرفة وغيرها، وقد حرصت على جمع الأدعية والأذكار الواردة في القرآن الكريم، فذكرت في كتاب: (تبصير الناسك بأحكام المناسك على ضوء الكتاب والسنة والمأثور عن الصحابة) تحت عنوان: (أدعية وأذكار من الكتاب والسنة الصحيحة يُدعى بها في عرفة وغيرها) ذكرت خمسة وثلاثين ذكراً ودعاء ولم يخطر ببالي ذكر هذا الدعاء لأنه ليس من أدعية القرآن لاسيما مع حصول التعديل فيه بالحذف منه، إلا {حَسْبَكَ اللّهُ} فإنها توكل على الله ورد في الكتاب والسنة.

3. ونظير هذا الدعاء المنتزع من الآية الخاصة بالمنافقين استدلال بعض الناس بقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} [النساء:64]، على المجيء إلى قبره صلى الله عليه وسلم وطلب الاستغفار منه، وهو استدلال غير صحيح، فإن هذه الآية جاءت في المنافقين لأن ما قبلها وما بعدها فيهم، وليس المراد المجيء إلى قبره صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، بل المراد المجيء إليه في حياته صلى الله عليه وسلم كما فهمه الصحابة رضي الله عنهم، فإنهم رضي الله عنهم في حياته يطلبون منه الدعاء فيدعوا لهم، وبعد موته صلى الله عليه وسلم في حياته البرزخية ما كانوا يذهبون إلى قبره صلى الله عليه وسلم فيطلبون منه الدعاء، ولهذا لما حصل الجدب في زمن عمر رضي الله عنه استسقى بالعباس رضي الله عنه وطلب منه الدعاء، فقد روى البخاري في صحيحه (1010) عن أنس أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: "اللهم إنا كنّا نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه وسلم فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيُسقون"، ولو كان طلب الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته سائغاً لما عدل عنه عمر رضي الله عنه إلى الاستسقاء بالعباس، ويدل أيضاً لكون النبي صلى الله عليه وسلم لا يُطلب منه الدعاء والاستغفار بعد موته ما رواه البخاري في صحيحه (7217) عن عائشةرضي الله عنها أنها قالت: «وا رأساه! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك، فقالت عائشة: وا ثكلياه! والله إني لأظنك تحب موتي...» الحديث، فلو كان يحصل منه الدعاء والاستغفار بعد موته صلى الله عليه وسلم لم يكن هناك فرق بين أن تموت قبله أو يموت قبلها صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث مبيِّن لهذه الآية الكريمة وأن المجيء إليه وحصول الاستغفار والدعاء منه إنما يكون في حياته وليس بعد موته صلى الله عليه وسلم، والسّنّة تفسر القرآن وتبيِّنه وتوضّحه.

وأسأل الله عز وجل أن يوفق المسلمين للفقه في دينهم والثبات على الحق الذي جاء في كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ليس من الدعاء (سيؤتينا الله من فضله إنا إلى الله راغبون)

ليس من الدعاء (سيؤتينا الله من فضله إنا إلى الله راغبون)

ليس فيها دعاء وإنما فيها الإخبار عن بعض المنافقين الذين همهم الدنيا فيرضون إذا أُعطوا شيئاً منها ويسخطون إذا لم يُعطوا، فأرشدوا إلى الرضا بما آتاهم الله وجعل رسوله

بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه إلي يوم الدين.
أما بعد، فقد اطلعت على ورقة توزع كُتب فيها بالأحرف الكبيرة ما يلي: (حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله إنا إلى الله راغبون، يقول ابن باز: والله! ما دعوت بهذا الدعاء بعد التشهد الأخير في أمر عسير إلا تيسر)!! وبلغني أنها موجودة في مواقع كثيرة من شبكة المعلومات، وسمعت تسجيلاً لأحد المشايخ قال فيه: (إذا ضيِّق عليك في الرزق قل: حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله إنا إلى الله راغبون، أعيد: إذا ضيِّق عليك في الرزق قل: حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله إنا إلى الله راغبون، إن قال لك أحد: هذا الشيخ مبتدع، أين الدليل عليها؟ قل: إن الله قال في حق المنافقين: (ولو أنهم قالوا (كذا) حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله) الرسول مات الآن لا نقول (حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون)، فإذا ضيق عليك قل هذا: حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله إنا إلى الله راغبون، هذا تعليم الله لعباده وأوليائه، جعلنا الله وإياكم منهم.

وأعلق على ذلك بما يلي:
1.هذه الآية والتي قبلها في طائفة من المنافقين، قال الله عز وجل: {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ.وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ} [التوبة:58-59]، وليس فيها دعاء وإنما فيها الإخبار عن بعض المنافقين الذين همهم الدنيافيرضون إذا أُعطوا شيئاً منها ويسخطون إذا لم يُعطوا، فأرشدوا إلى الرضا بما آتاهم الله وجعل رسوله صلى الله عليه وسلم سبباً في ذلك، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا قاسم والله يعطي» (رواه البخاري (71) ومسلم (2392))، والتوكل على الله بأن يقولوا: حسبنا الله، وأما قولهم: سيؤتينا الله من فضله ورسوله فليس بدعاء، وإنما فيه إخبار عما يؤمِّلونه ويحصل لهم من الله ورسوله من الإيتاء في المستقبل كما حصل في الماضي في قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ} [التوبة:59]، وجواب لو محذوف تقديره: لكان خيراً لهم كما قال الشوكاني في تفسيره، وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: "لسلموا من النفاق ولهدوا إلى الإيمان والأحوال العالية"، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (10/36): "وقد ذكر الله هذه الكلمة (حسبي الله) في جلب المنفعة تارة، وفي دفع المضرة أخرى، فالأولى في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ} الآية، والثانية في قوله: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران:173]، وفي قوله تعالى: {وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِين} [الأنفال:62]، وقوله: وَلَوْ {أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ} [التوبة:59] يتضمن الأمر بالرضا والتوكل"، والتعليم في هذه الآية الكريمة إنما هو للمنافقين، وليس فيها تعليم هذا الدعاء لعباد الله وأوليائه مع حذف كلمة {وَرَسُولُهُ} وليس في كلام شيخ الإسلام المتقدم الإشارة إلى ذلك، ولم أقف على نسبة الدعاء بهذا إلى أحد من السلف، بل إن الإمام ابن جرير في تفسيره وكذا السيوطي في الدر المنثور ـ مع عنايتهما بجمع الآثارـ لم يذكرا شيئاً منها في تفسير هذه الآية، وخير من الاهتمام بهذا الدعاء الذي لم يثبت وشغل الناس به التنبيه إلى الدعاء الوارد في القران الكريم الجامع لخير الدنيا والآخرة من الرزق وغيره، وهو: «اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة ، وقنا عذاب النار» وفي صحيح مسلم (6840) بإسناده إلى عبد العزيز بن صهيب «قال: سأل قتادة أنساً: أي دعوة كان يدعو بها النبي صلى الله عليه وسلم أكثر؟ قال: كان أكثر دعوة يدعوا بها يقول: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، قال وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، فإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه»، ورواه البخاري (6389) عن أنس رضي الله عنه قال: «كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»، وهو من الأدعية الثابتة في الطواف بالبيت، ففي سنن أبي داود (1892) ومسند الإمام أحمد (15398) بإسناد حسن عن عبد الله بن السائب قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما بين الركنين: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار».

2. أما نسبة هذا الدعاء في التشهد الأخير إلى شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله مع إقسامه على نفعه فلا يصح ذلك عنه، ومن الخطأ البيِّن نسبته إليه، ولو كان من نسبه إليه صادقاً لبيَّن مستنده في ذلك من كلامه المقروء والمسموع، ولم يذكره رحمه الله في رسالته: (تحفة الأخيار ببيان جملة نافعة من مما ورد في الكتاب والسنة من الأدعية والأذكار)، ولا في رسالته: (كيفية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم) فإنه ذكر فيها في آخر الصلاة التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والاستعاذة من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال ولم يذكر هذا الدعاء، ولم يذكره في الأدعية التي أوردها في منسكه للدعاء بها في عرفة وغيرها، وقد حرصت على جمع الأدعية والأذكار الواردة في القرآن الكريم، فذكرت في كتاب: (تبصير الناسك بأحكام المناسك على ضوء الكتاب والسنة والمأثور عن الصحابة) تحت عنوان: (أدعية وأذكار من الكتاب والسنة الصحيحة يُدعى بها في عرفة وغيرها) ذكرت خمسة وثلاثين ذكراً ودعاء ولم يخطر ببالي ذكر هذا الدعاء لأنه ليس من أدعية القرآن لاسيما مع حصول التعديل فيه بالحذف منه، إلا {حَسْبَكَ اللّهُ} فإنها توكل على الله ورد في الكتاب والسنة.

3. ونظير هذا الدعاء المنتزع من الآية الخاصة بالمنافقين استدلال بعض الناس بقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} [النساء:64]، على المجيء إلى قبره صلى الله عليه وسلم وطلب الاستغفار منه، وهو استدلال غير صحيح، فإن هذه الآية جاءت في المنافقين لأن ما قبلها وما بعدها فيهم، وليس المراد المجيء إلى قبره صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، بل المراد المجيء إليه في حياته صلى الله عليه وسلم كما فهمه الصحابة رضي الله عنهم، فإنهم رضي الله عنهم في حياته يطلبون منه الدعاء فيدعوا لهم، وبعد موته صلى الله عليه وسلم في حياته البرزخية ما كانوا يذهبون إلى قبره صلى الله عليه وسلم فيطلبون منه الدعاء، ولهذا لما حصل الجدب في زمن عمر رضي الله عنه استسقى بالعباس رضي الله عنه وطلب منه الدعاء، فقد روى البخاري في صحيحه (1010) عن أنس أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: "اللهم إنا كنّا نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه وسلم فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيُسقون"، ولو كان طلب الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته سائغاً لما عدل عنه عمر رضي الله عنه إلى الاستسقاء بالعباس، ويدل أيضاً لكون النبي صلى الله عليه وسلم لا يُطلب منه الدعاء والاستغفار بعد موته ما رواه البخاري في صحيحه (7217) عن عائشةرضي الله عنها أنها قالت: «وا رأساه! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك، فقالت عائشة: وا ثكلياه! والله إني لأظنك تحب موتي...» الحديث، فلو كان يحصل منه الدعاء والاستغفار بعد موته صلى الله عليه وسلم لم يكن هناك فرق بين أن تموت قبله أو يموت قبلها صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث مبيِّن لهذه الآية الكريمة وأن المجيء إليه وحصول الاستغفار والدعاء منه إنما يكون في حياته وليس بعد موته صلى الله عليه وسلم، والسّنّة تفسر القرآن وتبيِّنه وتوضّحه.

وأسأل الله عز وجل أن يوفق المسلمين للفقه في دينهم والثبات على الحق الذي جاء في كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

Popular Posts