background img

The New Stuff

أدلــة تحريم الغنـــــاء والموسيـــقى من الكتاب والسنة

{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا ۚ أُولَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}


أدلة التحريم من القرآن الكريم

قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا ۚ أُولَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } [سورة لقمان:6].

قال حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما: هو الغناء، وقال مجاهد رحمه الله: اللهو: الطبل (تفسير الطبري) وقال الحسن البصري رحمه الله: "نزلت هذه الآية في الغناء والمزامير" (تفسير ابن كثير).

قال ابن القيم رحمه الله: "ويكفي تفسير الصحابة والتابعين للهو الحديث بأنه الغناء فقد صح ذلك عن ابن عباس وابن مسعود، قال أبو الصهباء: سألت ابن مسعود عن قوله تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ}، فقال: والله الذي لا إله غيره هو الغناء -يرددها ثلاث مرات-، وصح عن ابن عمر رضي الله عنهما أيضا أنه الغناء.." (إغاثة اللهفان لابن القيم).

وكذلك قال جابر وعكرمة وسعيد بن جبير ومكحول وميمون بن مهران وعمرو بن شعيب وعلي بن بديمة و غيرهم في تفسير هذه الآية الكريمة. قال الواحدي رحمه الله: وهذه الآية على هذا التفسير تدل على تحريم الغناء (إغاثة اللهفان).

ولقد قال الحاكم في مستدركه عن تفسير الصحابي: "ليعلم طالب هذا العلم أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي و التنزيل عند الشيخين حديث مسند". وقال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه إغاثة اللهفان معلقا على كلام الحاكم: "وهذا وإن كان فيه نظر فلا ريب أنه أولى بالقبول من تفسير من بعدهم، فهم أعلم الأمة بمراد الله من كتابه، فعليهم نزل وهم أول من خوطب به من الأمة، وقد شاهدوا تفسيره من الرسول علما وعملا، وهم العرب الفصحاء على الحقيقة فلا يعدل عن تفسيرهم ما وجد إليه سبيل".
وقال تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [سورة الإسراء:64].


جاء في تفسير الجلالين: (واستفزز): استخف، (صوتك): بدعائك بالغناء والمزامير وكل داع إلى المعصية وهذا أيضا ما ذكره ابن كثير والطبري عن مجاهد. وقال القرطبي في تفسيره: "في الآية ما يدل على تحريم المزامير والغناء واللهو.. وما كان من صوت الشيطان أو فعله وما يستحسنه فواجب التنزه عنه".

و قال الله عز وجل: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا } [الفرقان: 72].

وقد ذكر ابن كثير في تفسيره ما جاء عن محمد بن الحنفية أنه قال: الزور هنا الغناء، وجاء عند القرطبي والطبري عن مجاهد في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ } قال: لا يسمعون الغناء. وجاء عن الطبري في تفسيره: "قال أبو جعفر: وأصل الزور تحسين الشيء، ووصفه بخلاف صفته، حتى يخيل إلى من يسمعه أو يراه، أنه خلاف ما هو به، والشرك قد يدخل في ذلك لأنه محسن لأهله، حتى قد ظنوا أنه حق وهو باطل، ويدخل فيه الغناء لأنه أيضا مما يحسنه ترجيع الصوت حتى يستحلي سامعه سماعه" (تفسير الطبري).

وفي قوله عز وجل: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا } قال الإمام الطبري في تفسيره: (وإذا مروا بالباطل فسمعوه أو رأوه، مروا كراما. مرورهم كراما في بعض ذلك بأن لا يسمعوه، وذلك كالغناء).
 

أدلة التحريم من السنة النبوية الشريفة:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر و الحرير و الخمر و المعازف، و لينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم لحاجة، فيقولون: ارجع إلينا غدا، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة » (رواه البخاري تعليقا برقم 5590، ووصله الطبراني والبيهقي، وراجع السلسلة الصحيحة للألباني 91).

وقد أقرّ بصحة هذا الحديث أكابر أهل العلم منهم الإمام ابن حبان، والإسماعيلي، وابن صلاح، وابن حجر العسقلاني، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والطحاوي، وابن القيم، والصنعاني، وغيرهم كثير.

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: "ولم يصنع من قدح في صحة هذا الحديث شيئا كابن حزم نصرة لمذهبه الباطل في إباحة الملاهي، وزعم أنه منقطع لأن البخاري لم يصل سنده به". وقال العلامة ابن صلاح رحمه الله: "ولا التفات إليه (أي ابن حزم) في رده ذلك.. وأخطأ في ذلك من وجوه.. والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح" (غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب لإمام السفاريني).

وفي الحديث دليل على تحريم آلات العزف والطرب من وجهين:

أولاهماقوله صلى الله عليه وسلم: "يستحلون"، فإنه صريح بأن المذكورات ومنها المعازف هي في الشرع محرمة، فيستحلها أولئك القوم.

ثانيا: قرن المعازف مع ما تم حرمته وهو الزنا والخمر والحرير، ولو لم تكن محرمة - أي المعازف - لما قرنها معها" (السلسلة الصحيحة للألباني 1/140-141 بتصرف). قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فدل هذا الحديث على تحريم المعازف، والمعازف هي آلات اللهو عند أهل اللغة، وهذا اسم يتناول هذه الآلات كلها" (المجموع).

وروى الترمذي في سننه عن جابر رضي الله عنه قال: « خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن عوف إلى النخيل، فإذا ابنه إبراهيم يجود بنفسه، فوضعه في حجره ففاضت عيناه، فقال عبد الرحمن: أتبكي وأنت تنهى عن البكاء؟ قال: إني لم أنه عن البكاء، وإنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة: خمش وجوه وشق جيوب ورنة » (قال الترمذي: هذا الحديث حسن، وحسنه الألبانيصحيح الجامع 5194).
 

وقال صلى الله عليه و سلم: « صوتان ملعونان، صوت مزمار عند نعمة، و صوت ويل عند مصيبة » (إسناده حسن، السلسلة الصحيحة 427)

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « ليكونن في هذه الأمة خسف، وقذف، ومسخ، وذلك إذا شربوا الخمور، واتخذوا القينات، وضربوا بالمعازف» (صحيح بمجموع طرقه، السلسلة الصحيحة 2203)
 

قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله حرم على أمتي الخمر، والميسر، والمزر، والكوبة، والقنين، وزادني صلاة الوتر » (صحيح، صحيح الجامع 1708). الكوبة هي الطبل، أما القنين هو الطنبور بالحبشية (غذاء الألباب).

وروى أبو داوود في سننه عن نافع أنه قال: « سمع ابن عمر مزمارا، قال: فوضع أصبعيه على أذنيه، ونأى عن الطريق، وقال لي: يا نافع هل تسمع شيئا؟ قال: فقلت: لا ! قال: فرفع أصبعيه من أذنيه، وقال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فسمع مثل هذا! فصنع مثل هذا » (حديث صحيح، صحيح أبي داوود 4116).

و علق على هذا الحديث الإمام القرطبي قائلا: "قال علماؤنا: إذا كان هذا فعلهم في حق صوت لا يخرج عن الاعتدال، فكيف بغناء أهل هذا الزمان وزمرهم؟!" (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي).

 
أقوال أئمة أهل العلم:

قال الإمام عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: الغناء مبدؤه من الشيطان وعاقبته سخط الرحمن (غذاء الألباب)، ولقد نقل الإجماع على حرمة الاستماع إلى الموسيقى والمعازف جمع من العلماء منهم: الإمام القرطبي وابن الصلاح وابن رجب الحنبلي. فقال الإمام أبو العباس القرطبي: الغناء ممنوع بالكتاب والسنة وقال أيضا: "أما المزامير والأوتار والكوبة (الطبل) فلا يختلف في تحريم استماعها ولم أسمع عن أحد ممن يعتبر قوله من السلف وأئمة الخلف من يبيح ذلك، وكيف لا يحرم وهو شعار أهل الخمور والفسوق ومهيج الشهوات والفساد والمجون؟ وما كان كذلك لم يشك في تحريمه ولا تفسيق فاعله وتأثيمه" (الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيثمي). وقال ابن الصلاح: الإجماع على تحريمه ولم يثبت عن أحد ممن يعتد بقوله في الإجماع والاختلاف أنه أباح الغناء..

قال القاسم بن محمد رحمه الله: الغناء باطل، والباطل في النار.

وقال الحسن البصري رحمه الله: إن كان في الوليمة لهو -أي غناء و لعب-، فلا دعوة لهم (الجامع للقيرواني).

قال النحاس رحمه الله: هو ممنوع بالكتاب والسنة، وقال الطبري: وقد أجمع علماء الأمصار على كراهة الغناء، والمنع منه. و يقول الإمام الأوزاعي رحمه الله: لا تدخل وليمة فيها طبل ومعازف.

قال ابن القيم رحمه الله في بيان مذهب الإمام أبي حنيفة: "وقد صرح أصحابه بتحريم سماع الملاهي كلها كالمزمار والدف، حتى الضرب بالقضيب، وصرحوا بأنه معصية توجب الفسق وترد بها الشهادة، وأبلغ من ذلك قالوا: إن السماع فسق والتلذذ به كفر، وورد في ذلك حديث لا يصح رفعه، قالوا ويجب عليه أن يجتهد في أن لا يسمعه إذا مر به أو كان في جواره" (إغاثة اللهفان).
 

وروي عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: الغناء من أكبر الذنوب التي يجب تركها فورا. وقد قال الإمام السفاريني في كتابه غذاء الألباب معلقا على مذهب الإمام أبي حنيفة: "وأما أبو حنيفة فإنه يكره الغناء ويجعله من الذنوب، وكذلك مذهب أهل الكوفة سفيان وحماد وإبراهيم والشعبي وغيرهم لا اختلاف بينهم في ذلك، ولا نعلم خلافا بين أهل البصرة في المنع منه".

وقد قال القاضي أبو يوسف تلميذ الإمام أبي حنيفة حينما سئل عن رجل سمع صوت المزامير من داخل أحد البيوت فقال: "ادخل عليهم بغير إذنهم لأن النهي عن المنكر فرض".

أما الإمام مالك فإنه نهى عن الغناء و عن استماعه، وقال رحمه الله عندما سئل عن الغناء و الضرب على المعازف: "هل من عاقل يقول بأن الغناء حق؟ إنما يفعله عندنا الفساق" (تفسير القرطبي). والفاسق في حكم الإسلام لا تقبل له شهادة ولا يصلي عليه الأخيار إن مات، بل يصلي عليه غوغاء الناس وعامتهم.
 

قال ابن القيم رحمه الله في بيان مذهب الإمام الشافعي رحمه الله: "وصرح أصحابه -أي أصحاب الإمام الشافعي- العارفون بمذهبه بتحريمه وأنكروا على من نسب إليه حله كالقاضي أبي الطيب الطبري والشيخ أبي إسحاق وابن الصباغ" (إغاثة اللهفان). وسئل الشافعي رضي الله عنه عن هذا؟ فقال: أول من أحدثه الزنادقة في العراق حتى يلهوا الناس عن الصلاة وعن الذكر (الزواجر عن اقتراف الكبائر).

قال ابن القيم رحمه الله: "وأما مذهب الإمام أحمد فقال عبد الله ابنه: سألت أبي عن الغناء فقال: الغناء ينبت النفاقبالقلب، لا يعجبني، ثم ذكر قول مالك: إنما يفعله عندنا الفساق" (إغاثة اللهفان). وسئل رضي الله عنه عن رجل مات وخلف ولدا وجارية مغنية فاحتاج الصبي إلى بيعها فقال: تباع على أنها ساذجة لا على أنها مغنية، فقيل له: إنها تساوي ثلاثين ألفا، ولعلها إن بيعت ساذجة تساوي عشرين ألفا، فقال: لاتباع إلا أنها ساذجة. قال ابن الجوزي: "وهذا دليل على أن الغناء محظور، إذ لو لم يكن محظورا ما جاز تفويت المال على اليتيم" (الجامع لأحكام القرآن).

ونص الإمام أحمد رحمه الله على كسر آلات اللهو كالطنبور وغيره إذا رآها مكشوفة، وأمكنه كسرها (إغاثة اللهفان).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "مذهب الأئمة الأربعة أن آلات اللهو كلها حرام... ولم يذكر أحد من أتباع الأئمة في آلات اللهو نزاعا" (المجموع). وقال أيضا: "فاعلم أنه لم يكن في عنفوان القرون الثلاثة المفضلة لا بالحجاز ولا بالشام ولا باليمن ولا مصر ولا المغرب ولا العراق ولا خراسان من أهل الدين والصلاح والزهد والعبادة من يجتمع على مثل سماع المكاء والتصدية لا بدف ولا بكف ولا بقضيب وإنما أحدث هذا بعد ذلك في أواخر المائة الثانية فلما رآه الأئمة أنكروه" وقال في موضع آخر: "المعازف خمر النفوس، تفعل بالنفوس أعظم مما تفعل حميا الكؤوس" (المجموع).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بيان حال من اعتاد سماع الغناء: "ولهذا يوجد من اعتاده واغتذى به لا يحن على سماع القرآن، ولا يفرح به، ولا يجد في سماع الآيات كما يجد في سماع الأبيات، بل إذا سمعوا القرآن سمعوه بقلوب لاهية وألسن لاغية، وإذا سمعوا المكاء والتصدية خشعت الأصوات وسكنت الحركات وأصغت القلوب" (المجموع).

قال الألباني رحمه الله: "اتفقت المذاهب الأربعة على تحريم آلات الطرب كلها" (السلسلة الصحيحة 1/145).

 
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "إنك لا تجد أحدا عني بالغناء وسماع آلاته إلا وفيه ضلال عن طريق الهدى علما وعملا، وفيه رغبة عن استماع القرآن إلى استماع الغناء". وقال عن الغناء: "فإنه رقية الزنا، وشرك الشيطان، وخمرة العقول، ويصد عن القرآن أكثر من غيره من الكلام الباطل لشدة ميل النفوس إليه ورغبتها فيه". وقال رحمه الله:

 
حب القرآن وحب ألحان الغنا
في قلب عبد ليس يجتمعان
والله ما سلم الذي هو دأبه
أبدا من الإشراك بالرحمن
وإذا تعلق بالسماع أصاره
عبدا لكـل فـلانة وفلان


و بذلك يتبين لنا أقوال أئمة العلماء وإقرارهم على حرمية الغناء والموسيقى والمنع منهما.

الاستثناء:

ويستثنى من ذلك الدف -بغير خلخال- في الأعياد والنكاح للنساء، وقد دلت عليه الأدلة الصحيحة، قال شيخ الإسلام رحمه الله: "ولكن رخص النبي صلى الله عليه وسلم في أنواع من اللهو في العرس ونحوه كما رخص للنساء أن يضربن بالدف في الأعراس والأفراح، وأما الرجال على عهده فلم يكن أحد على عهده يضرب بدف ولا يصفق بكف، بل ثبت عنه في الصحيح أنه قال: التصفيق للنساء والتسبيح للرجال، ولعن المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء" (المجموع). وأيضا من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار في يوم بعاث قالت وليستا بمغنيتين فقال أبو بكر أبمزمور الشيطان في بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك في يوم عيد الفطر فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا" (صحيح، صحيح ابن ماجه 1540).

الرد على من استدل بحديث الجاريتين في تحليل المعازف:

قال ابن القيم رحمه الله: "وأعجب من هذا استدلالكم على إباحة السماع المركب مما ذكرنا من الهيئة الاجتماعية بغناء بنتين صغيرتين دون البلوغ عند امرأة صبية في يوم عيد وفرح بأبيات من أبيات العرب في وصف الشجاعة والحروب ومكارم الأخلاق والشيم، فأين هذا من هذا، والعجيب أن هذا الحديث من أكبر الحجج عليهم، فإن الصديق الأكبر رضي الله عنه سمى ذلك مزمورا من مزامير الشيطان، وأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه التسمية، ورخص فيه لجويريتين غير مكلفتين ولا مفسدة في إنشادهما ولاستماعهما، أفيدل هذا على إباحة ما تعملونه وتعلمونه من السماع المشتمل على ما لا يخفى؟! فسبحان الله كيف ضلت العقول والأفهام" (مدارج السالكين).

وقال ابن الجوزي رحمه الله: "وقد كانت عائشة رضي الله عنها صغيرة في ذلك الوقت، و لم ينقل عنها بعد بلوغها وتحصيلها إلا ذم الغناء، قد كان ابن أخيها القاسم بن محمد يذم الغناء ويمنع من سماعه وقد أخذ العلم عنها" (تلبيس إبليس).
::رقم 1::
--------------
قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا}….. أكثر المفسرون على أن المراد بلهو الحديث هو الغناء، وقال ابن مسعود: هو الغناء، و يقول تعالى وهو يخاطب الشيطان: { وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ} قيل هو الغناء، و قال عليه الصلاة و السلام: « ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر و الحرير، و الخمر و المعازف…… » رواه البخاري.
::رقم 2::
------------------
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن أضرار الغناء و الموسيقى: المعازف هي خمر النفوس تفعل أعظم مما تفعله الكؤوس، فإذا سكروا بالأصوات حل فيهم الشرك و مالوا إلي الفواحش و إلى الظلم، فيشركون و يقتلون النفس التي حرم الله و يزنون و هذه الثلاثة موجودة كثيرا في أهل سماع الأغاني، إن سماع الأغاني و الموسيقى لا يجلب للقلوب منفعة ولا مصلحة إلا وفي ضمن ذلك من الضلال و المفسدة ما هو أعظم منه، فهو للروح كالخمر للجسد، و لهذا يورث أصحابه سكرا أعظم من سكر الخمر، فيجدون لذة كما يجد شارب الخمر، بل أكثر و أكبر.
::رقم 3::
----------------
أما الغناء في الوقت الحاضر فأغلبه يتحدث عن الحب و الهوى و القبلة و اللقاء ووصف الخدود و القدود و غيرها من الأمور الجنسية التي تثير الشهوة عند الشباب و تشجعهم على الفاحشة و تقضي على الأخلاق، ناهيك عن الذي يسمى بالفيديو كليب و ما به من فواحش و منكرات و رقص مائع و وجوه ملطخة تثير الشايب قبل الشاب، و المشاهد لهذه الأغاني المصورة يرى مدا اهتمام المخرج بالراقصات أكثر من المطرب نفسه، و هذا ليس مستغربا لأن إثارة المشاهد عندهم أهم من كلمات الأغنية و شكل المطرب.

و هؤلاء المطربين و المطربات الذين سرقوا أموال الشعوب باسم الفن و ذهبوا بأموالهم إلى أوربا و اشتروا الأبنية و السيارات الفاخرة قد أفسدوا أخلاق الشعوب بأغانيهم المائعة و افتتن الكثير من الشباب و أحبوهم من دون الله.

و أقول لكل من يسمع هذه الأغاني: أتركها مرضاة لله سبحانه و تعالى و صدقني ستجد لذة في تركها و اعتزازا بالنفس لم تشعر به من قبل، و استبدلها بأشرطة القرآن و الخطب و الأناشيد الإسلامية و حينئذ ستعرف الراحة النفسية و العاطفية الحقيقية.
::رقم 4::واختتم به::
----------------------------------
يقول ابن القيم رحمه الله: ما اعتاد أحد الغناء إلا و نافق قلبه وهو لا يشعر، ولو عرف حقيقة النفاق لأبصره في قلبه، فإنه ما اجتمع في قلب عبد قط محبة الغناء ومحبة القرآن، إلا و طردت إحداهما الأخرى….. فاختر أنت أيهما تريد.
 

أدلــة تحريم الغنـــــاء والموسيـــقى من الكتاب والسنة

أدلــة تحريم الغنـــــاء والموسيـــقى من الكتاب والسنة

{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا ۚ أُولَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}


أدلة التحريم من القرآن الكريم

قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا ۚ أُولَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } [سورة لقمان:6].

قال حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما: هو الغناء، وقال مجاهد رحمه الله: اللهو: الطبل (تفسير الطبري) وقال الحسن البصري رحمه الله: "نزلت هذه الآية في الغناء والمزامير" (تفسير ابن كثير).

قال ابن القيم رحمه الله: "ويكفي تفسير الصحابة والتابعين للهو الحديث بأنه الغناء فقد صح ذلك عن ابن عباس وابن مسعود، قال أبو الصهباء: سألت ابن مسعود عن قوله تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ}، فقال: والله الذي لا إله غيره هو الغناء -يرددها ثلاث مرات-، وصح عن ابن عمر رضي الله عنهما أيضا أنه الغناء.." (إغاثة اللهفان لابن القيم).

وكذلك قال جابر وعكرمة وسعيد بن جبير ومكحول وميمون بن مهران وعمرو بن شعيب وعلي بن بديمة و غيرهم في تفسير هذه الآية الكريمة. قال الواحدي رحمه الله: وهذه الآية على هذا التفسير تدل على تحريم الغناء (إغاثة اللهفان).

ولقد قال الحاكم في مستدركه عن تفسير الصحابي: "ليعلم طالب هذا العلم أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي و التنزيل عند الشيخين حديث مسند". وقال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه إغاثة اللهفان معلقا على كلام الحاكم: "وهذا وإن كان فيه نظر فلا ريب أنه أولى بالقبول من تفسير من بعدهم، فهم أعلم الأمة بمراد الله من كتابه، فعليهم نزل وهم أول من خوطب به من الأمة، وقد شاهدوا تفسيره من الرسول علما وعملا، وهم العرب الفصحاء على الحقيقة فلا يعدل عن تفسيرهم ما وجد إليه سبيل".
وقال تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [سورة الإسراء:64].


جاء في تفسير الجلالين: (واستفزز): استخف، (صوتك): بدعائك بالغناء والمزامير وكل داع إلى المعصية وهذا أيضا ما ذكره ابن كثير والطبري عن مجاهد. وقال القرطبي في تفسيره: "في الآية ما يدل على تحريم المزامير والغناء واللهو.. وما كان من صوت الشيطان أو فعله وما يستحسنه فواجب التنزه عنه".

و قال الله عز وجل: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا } [الفرقان: 72].

وقد ذكر ابن كثير في تفسيره ما جاء عن محمد بن الحنفية أنه قال: الزور هنا الغناء، وجاء عند القرطبي والطبري عن مجاهد في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ } قال: لا يسمعون الغناء. وجاء عن الطبري في تفسيره: "قال أبو جعفر: وأصل الزور تحسين الشيء، ووصفه بخلاف صفته، حتى يخيل إلى من يسمعه أو يراه، أنه خلاف ما هو به، والشرك قد يدخل في ذلك لأنه محسن لأهله، حتى قد ظنوا أنه حق وهو باطل، ويدخل فيه الغناء لأنه أيضا مما يحسنه ترجيع الصوت حتى يستحلي سامعه سماعه" (تفسير الطبري).

وفي قوله عز وجل: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا } قال الإمام الطبري في تفسيره: (وإذا مروا بالباطل فسمعوه أو رأوه، مروا كراما. مرورهم كراما في بعض ذلك بأن لا يسمعوه، وذلك كالغناء).
 

أدلة التحريم من السنة النبوية الشريفة:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر و الحرير و الخمر و المعازف، و لينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم لحاجة، فيقولون: ارجع إلينا غدا، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة » (رواه البخاري تعليقا برقم 5590، ووصله الطبراني والبيهقي، وراجع السلسلة الصحيحة للألباني 91).

وقد أقرّ بصحة هذا الحديث أكابر أهل العلم منهم الإمام ابن حبان، والإسماعيلي، وابن صلاح، وابن حجر العسقلاني، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والطحاوي، وابن القيم، والصنعاني، وغيرهم كثير.

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: "ولم يصنع من قدح في صحة هذا الحديث شيئا كابن حزم نصرة لمذهبه الباطل في إباحة الملاهي، وزعم أنه منقطع لأن البخاري لم يصل سنده به". وقال العلامة ابن صلاح رحمه الله: "ولا التفات إليه (أي ابن حزم) في رده ذلك.. وأخطأ في ذلك من وجوه.. والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح" (غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب لإمام السفاريني).

وفي الحديث دليل على تحريم آلات العزف والطرب من وجهين:

أولاهماقوله صلى الله عليه وسلم: "يستحلون"، فإنه صريح بأن المذكورات ومنها المعازف هي في الشرع محرمة، فيستحلها أولئك القوم.

ثانيا: قرن المعازف مع ما تم حرمته وهو الزنا والخمر والحرير، ولو لم تكن محرمة - أي المعازف - لما قرنها معها" (السلسلة الصحيحة للألباني 1/140-141 بتصرف). قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فدل هذا الحديث على تحريم المعازف، والمعازف هي آلات اللهو عند أهل اللغة، وهذا اسم يتناول هذه الآلات كلها" (المجموع).

وروى الترمذي في سننه عن جابر رضي الله عنه قال: « خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن عوف إلى النخيل، فإذا ابنه إبراهيم يجود بنفسه، فوضعه في حجره ففاضت عيناه، فقال عبد الرحمن: أتبكي وأنت تنهى عن البكاء؟ قال: إني لم أنه عن البكاء، وإنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة: خمش وجوه وشق جيوب ورنة » (قال الترمذي: هذا الحديث حسن، وحسنه الألبانيصحيح الجامع 5194).
 

وقال صلى الله عليه و سلم: « صوتان ملعونان، صوت مزمار عند نعمة، و صوت ويل عند مصيبة » (إسناده حسن، السلسلة الصحيحة 427)

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « ليكونن في هذه الأمة خسف، وقذف، ومسخ، وذلك إذا شربوا الخمور، واتخذوا القينات، وضربوا بالمعازف» (صحيح بمجموع طرقه، السلسلة الصحيحة 2203)
 

قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله حرم على أمتي الخمر، والميسر، والمزر، والكوبة، والقنين، وزادني صلاة الوتر » (صحيح، صحيح الجامع 1708). الكوبة هي الطبل، أما القنين هو الطنبور بالحبشية (غذاء الألباب).

وروى أبو داوود في سننه عن نافع أنه قال: « سمع ابن عمر مزمارا، قال: فوضع أصبعيه على أذنيه، ونأى عن الطريق، وقال لي: يا نافع هل تسمع شيئا؟ قال: فقلت: لا ! قال: فرفع أصبعيه من أذنيه، وقال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فسمع مثل هذا! فصنع مثل هذا » (حديث صحيح، صحيح أبي داوود 4116).

و علق على هذا الحديث الإمام القرطبي قائلا: "قال علماؤنا: إذا كان هذا فعلهم في حق صوت لا يخرج عن الاعتدال، فكيف بغناء أهل هذا الزمان وزمرهم؟!" (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي).

 
أقوال أئمة أهل العلم:

قال الإمام عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: الغناء مبدؤه من الشيطان وعاقبته سخط الرحمن (غذاء الألباب)، ولقد نقل الإجماع على حرمة الاستماع إلى الموسيقى والمعازف جمع من العلماء منهم: الإمام القرطبي وابن الصلاح وابن رجب الحنبلي. فقال الإمام أبو العباس القرطبي: الغناء ممنوع بالكتاب والسنة وقال أيضا: "أما المزامير والأوتار والكوبة (الطبل) فلا يختلف في تحريم استماعها ولم أسمع عن أحد ممن يعتبر قوله من السلف وأئمة الخلف من يبيح ذلك، وكيف لا يحرم وهو شعار أهل الخمور والفسوق ومهيج الشهوات والفساد والمجون؟ وما كان كذلك لم يشك في تحريمه ولا تفسيق فاعله وتأثيمه" (الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيثمي). وقال ابن الصلاح: الإجماع على تحريمه ولم يثبت عن أحد ممن يعتد بقوله في الإجماع والاختلاف أنه أباح الغناء..

قال القاسم بن محمد رحمه الله: الغناء باطل، والباطل في النار.

وقال الحسن البصري رحمه الله: إن كان في الوليمة لهو -أي غناء و لعب-، فلا دعوة لهم (الجامع للقيرواني).

قال النحاس رحمه الله: هو ممنوع بالكتاب والسنة، وقال الطبري: وقد أجمع علماء الأمصار على كراهة الغناء، والمنع منه. و يقول الإمام الأوزاعي رحمه الله: لا تدخل وليمة فيها طبل ومعازف.

قال ابن القيم رحمه الله في بيان مذهب الإمام أبي حنيفة: "وقد صرح أصحابه بتحريم سماع الملاهي كلها كالمزمار والدف، حتى الضرب بالقضيب، وصرحوا بأنه معصية توجب الفسق وترد بها الشهادة، وأبلغ من ذلك قالوا: إن السماع فسق والتلذذ به كفر، وورد في ذلك حديث لا يصح رفعه، قالوا ويجب عليه أن يجتهد في أن لا يسمعه إذا مر به أو كان في جواره" (إغاثة اللهفان).
 

وروي عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: الغناء من أكبر الذنوب التي يجب تركها فورا. وقد قال الإمام السفاريني في كتابه غذاء الألباب معلقا على مذهب الإمام أبي حنيفة: "وأما أبو حنيفة فإنه يكره الغناء ويجعله من الذنوب، وكذلك مذهب أهل الكوفة سفيان وحماد وإبراهيم والشعبي وغيرهم لا اختلاف بينهم في ذلك، ولا نعلم خلافا بين أهل البصرة في المنع منه".

وقد قال القاضي أبو يوسف تلميذ الإمام أبي حنيفة حينما سئل عن رجل سمع صوت المزامير من داخل أحد البيوت فقال: "ادخل عليهم بغير إذنهم لأن النهي عن المنكر فرض".

أما الإمام مالك فإنه نهى عن الغناء و عن استماعه، وقال رحمه الله عندما سئل عن الغناء و الضرب على المعازف: "هل من عاقل يقول بأن الغناء حق؟ إنما يفعله عندنا الفساق" (تفسير القرطبي). والفاسق في حكم الإسلام لا تقبل له شهادة ولا يصلي عليه الأخيار إن مات، بل يصلي عليه غوغاء الناس وعامتهم.
 

قال ابن القيم رحمه الله في بيان مذهب الإمام الشافعي رحمه الله: "وصرح أصحابه -أي أصحاب الإمام الشافعي- العارفون بمذهبه بتحريمه وأنكروا على من نسب إليه حله كالقاضي أبي الطيب الطبري والشيخ أبي إسحاق وابن الصباغ" (إغاثة اللهفان). وسئل الشافعي رضي الله عنه عن هذا؟ فقال: أول من أحدثه الزنادقة في العراق حتى يلهوا الناس عن الصلاة وعن الذكر (الزواجر عن اقتراف الكبائر).

قال ابن القيم رحمه الله: "وأما مذهب الإمام أحمد فقال عبد الله ابنه: سألت أبي عن الغناء فقال: الغناء ينبت النفاقبالقلب، لا يعجبني، ثم ذكر قول مالك: إنما يفعله عندنا الفساق" (إغاثة اللهفان). وسئل رضي الله عنه عن رجل مات وخلف ولدا وجارية مغنية فاحتاج الصبي إلى بيعها فقال: تباع على أنها ساذجة لا على أنها مغنية، فقيل له: إنها تساوي ثلاثين ألفا، ولعلها إن بيعت ساذجة تساوي عشرين ألفا، فقال: لاتباع إلا أنها ساذجة. قال ابن الجوزي: "وهذا دليل على أن الغناء محظور، إذ لو لم يكن محظورا ما جاز تفويت المال على اليتيم" (الجامع لأحكام القرآن).

ونص الإمام أحمد رحمه الله على كسر آلات اللهو كالطنبور وغيره إذا رآها مكشوفة، وأمكنه كسرها (إغاثة اللهفان).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "مذهب الأئمة الأربعة أن آلات اللهو كلها حرام... ولم يذكر أحد من أتباع الأئمة في آلات اللهو نزاعا" (المجموع). وقال أيضا: "فاعلم أنه لم يكن في عنفوان القرون الثلاثة المفضلة لا بالحجاز ولا بالشام ولا باليمن ولا مصر ولا المغرب ولا العراق ولا خراسان من أهل الدين والصلاح والزهد والعبادة من يجتمع على مثل سماع المكاء والتصدية لا بدف ولا بكف ولا بقضيب وإنما أحدث هذا بعد ذلك في أواخر المائة الثانية فلما رآه الأئمة أنكروه" وقال في موضع آخر: "المعازف خمر النفوس، تفعل بالنفوس أعظم مما تفعل حميا الكؤوس" (المجموع).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بيان حال من اعتاد سماع الغناء: "ولهذا يوجد من اعتاده واغتذى به لا يحن على سماع القرآن، ولا يفرح به، ولا يجد في سماع الآيات كما يجد في سماع الأبيات، بل إذا سمعوا القرآن سمعوه بقلوب لاهية وألسن لاغية، وإذا سمعوا المكاء والتصدية خشعت الأصوات وسكنت الحركات وأصغت القلوب" (المجموع).

قال الألباني رحمه الله: "اتفقت المذاهب الأربعة على تحريم آلات الطرب كلها" (السلسلة الصحيحة 1/145).

 
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "إنك لا تجد أحدا عني بالغناء وسماع آلاته إلا وفيه ضلال عن طريق الهدى علما وعملا، وفيه رغبة عن استماع القرآن إلى استماع الغناء". وقال عن الغناء: "فإنه رقية الزنا، وشرك الشيطان، وخمرة العقول، ويصد عن القرآن أكثر من غيره من الكلام الباطل لشدة ميل النفوس إليه ورغبتها فيه". وقال رحمه الله:

 
حب القرآن وحب ألحان الغنا
في قلب عبد ليس يجتمعان
والله ما سلم الذي هو دأبه
أبدا من الإشراك بالرحمن
وإذا تعلق بالسماع أصاره
عبدا لكـل فـلانة وفلان


و بذلك يتبين لنا أقوال أئمة العلماء وإقرارهم على حرمية الغناء والموسيقى والمنع منهما.

الاستثناء:

ويستثنى من ذلك الدف -بغير خلخال- في الأعياد والنكاح للنساء، وقد دلت عليه الأدلة الصحيحة، قال شيخ الإسلام رحمه الله: "ولكن رخص النبي صلى الله عليه وسلم في أنواع من اللهو في العرس ونحوه كما رخص للنساء أن يضربن بالدف في الأعراس والأفراح، وأما الرجال على عهده فلم يكن أحد على عهده يضرب بدف ولا يصفق بكف، بل ثبت عنه في الصحيح أنه قال: التصفيق للنساء والتسبيح للرجال، ولعن المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء" (المجموع). وأيضا من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار في يوم بعاث قالت وليستا بمغنيتين فقال أبو بكر أبمزمور الشيطان في بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك في يوم عيد الفطر فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا" (صحيح، صحيح ابن ماجه 1540).

الرد على من استدل بحديث الجاريتين في تحليل المعازف:

قال ابن القيم رحمه الله: "وأعجب من هذا استدلالكم على إباحة السماع المركب مما ذكرنا من الهيئة الاجتماعية بغناء بنتين صغيرتين دون البلوغ عند امرأة صبية في يوم عيد وفرح بأبيات من أبيات العرب في وصف الشجاعة والحروب ومكارم الأخلاق والشيم، فأين هذا من هذا، والعجيب أن هذا الحديث من أكبر الحجج عليهم، فإن الصديق الأكبر رضي الله عنه سمى ذلك مزمورا من مزامير الشيطان، وأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه التسمية، ورخص فيه لجويريتين غير مكلفتين ولا مفسدة في إنشادهما ولاستماعهما، أفيدل هذا على إباحة ما تعملونه وتعلمونه من السماع المشتمل على ما لا يخفى؟! فسبحان الله كيف ضلت العقول والأفهام" (مدارج السالكين).

وقال ابن الجوزي رحمه الله: "وقد كانت عائشة رضي الله عنها صغيرة في ذلك الوقت، و لم ينقل عنها بعد بلوغها وتحصيلها إلا ذم الغناء، قد كان ابن أخيها القاسم بن محمد يذم الغناء ويمنع من سماعه وقد أخذ العلم عنها" (تلبيس إبليس).
::رقم 1::
--------------
قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا}….. أكثر المفسرون على أن المراد بلهو الحديث هو الغناء، وقال ابن مسعود: هو الغناء، و يقول تعالى وهو يخاطب الشيطان: { وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ} قيل هو الغناء، و قال عليه الصلاة و السلام: « ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر و الحرير، و الخمر و المعازف…… » رواه البخاري.
::رقم 2::
------------------
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن أضرار الغناء و الموسيقى: المعازف هي خمر النفوس تفعل أعظم مما تفعله الكؤوس، فإذا سكروا بالأصوات حل فيهم الشرك و مالوا إلي الفواحش و إلى الظلم، فيشركون و يقتلون النفس التي حرم الله و يزنون و هذه الثلاثة موجودة كثيرا في أهل سماع الأغاني، إن سماع الأغاني و الموسيقى لا يجلب للقلوب منفعة ولا مصلحة إلا وفي ضمن ذلك من الضلال و المفسدة ما هو أعظم منه، فهو للروح كالخمر للجسد، و لهذا يورث أصحابه سكرا أعظم من سكر الخمر، فيجدون لذة كما يجد شارب الخمر، بل أكثر و أكبر.
::رقم 3::
----------------
أما الغناء في الوقت الحاضر فأغلبه يتحدث عن الحب و الهوى و القبلة و اللقاء ووصف الخدود و القدود و غيرها من الأمور الجنسية التي تثير الشهوة عند الشباب و تشجعهم على الفاحشة و تقضي على الأخلاق، ناهيك عن الذي يسمى بالفيديو كليب و ما به من فواحش و منكرات و رقص مائع و وجوه ملطخة تثير الشايب قبل الشاب، و المشاهد لهذه الأغاني المصورة يرى مدا اهتمام المخرج بالراقصات أكثر من المطرب نفسه، و هذا ليس مستغربا لأن إثارة المشاهد عندهم أهم من كلمات الأغنية و شكل المطرب.

و هؤلاء المطربين و المطربات الذين سرقوا أموال الشعوب باسم الفن و ذهبوا بأموالهم إلى أوربا و اشتروا الأبنية و السيارات الفاخرة قد أفسدوا أخلاق الشعوب بأغانيهم المائعة و افتتن الكثير من الشباب و أحبوهم من دون الله.

و أقول لكل من يسمع هذه الأغاني: أتركها مرضاة لله سبحانه و تعالى و صدقني ستجد لذة في تركها و اعتزازا بالنفس لم تشعر به من قبل، و استبدلها بأشرطة القرآن و الخطب و الأناشيد الإسلامية و حينئذ ستعرف الراحة النفسية و العاطفية الحقيقية.
::رقم 4::واختتم به::
----------------------------------
يقول ابن القيم رحمه الله: ما اعتاد أحد الغناء إلا و نافق قلبه وهو لا يشعر، ولو عرف حقيقة النفاق لأبصره في قلبه، فإنه ما اجتمع في قلب عبد قط محبة الغناء ومحبة القرآن، إلا و طردت إحداهما الأخرى….. فاختر أنت أيهما تريد.
 

صفة العمرة

العمرةُ إحرامٌ وطوافٌ وسعيٌ وحلقٌ أو تقصيرٌ. فأما الإحرامُ فهو نية الدخول في النسك والتلبس به. والسنة لمريده أن يغتسل كما يغتسل للجنابة، ويتطيب بأطيب ما يجد في رأسه ولحيته بدهن عودٍ أو غيره، ولا يضرهُ بقاؤه بعد الإحرامِ لما في (الصحيحين) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : «كان النبي صلى الله عليه وسلّم إذا أراد أن يُحرم تطيب بأطيب ما يجد، ثم أرى وبيص المسكِ في رأسِه ولحيته بعد ذلك».
 والاغتسال عند الإحرام سُنَّةٌ في حق الرجال والنساء، حتى المرأة الحائض والنفساء، لأن النبي صلى الله عليه وسلّم أمر أسماء بنت عُميس حين ولدت محمد بن أبي بكر في ذي الحليفة في حَجّة الوداع أمرها فقال : «اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي» رواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه.
  ثم بعد الاغتسال والتطيب يلبس ثياب الإحرام، وهي للرجال إزارٌ ورداء، وأما المرأة فتلبس ما شاءت من الثياب غير أن لا تتبرج بزينة، ولا تنتقب ولا تلبس القفازين وتغطي وجهها عند الرجال غير المحارم.
  ثم يُصلي غير الحائض والنفساء صلاةَ الفريضة إن كان في وقت فريضة، وإلا صلى ركعتين ينوي بهما سُنَّةالوضوء. فإذا فرغ من الصلاة أحرمَ، وقالَ لبيك عمرة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. هذه تلبية النبي صلى الله عليه وسلّم، وربما زاد : لبيك إلـه الحق لبيك. والسنة للرجال رفع الصوت بالتلبية لحديث السائب ابن خلاد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : «أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يَرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية» أخرجه الخمسة. ولأن رفع الصوت بها إظهارٌ لشعائر الله وإعلانٌ بالتوحيد. وأما المرأة فلا ترفع صوتها بالتلبية ولا غيرها من الذكر لأن المطلوب في حقها التستر.
  ومعنى قول الملبي : لبيك اللهم لبيك، أي : إجابةً لك يا رب، وإقامةً على طاعتك، لأن الله سبحانه دعا عباده إلى الحجعلى لسان الخليلين إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام : {وَأَذِّن فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ لِّيَشْهَدُواْ مَنَـفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَـتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ الاٌّنْعَامِ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَآئِسَ الْفَقِيرَ}.
  وإذا كان من يريد الإحرام خائفاً من عائق يمنعه من إتمام نُسكهِ؛ من مرض أو غيره، فإنه يُسن أن يشترط عن نية الإحرام، فيقول عند عقده : «إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني»، أي : إن منعني مانعٌ من إتمام نُسكي من مرض أو تأخرٍ أو غيرهما، فإني أحلُّ بذلك من إحرامي، لأن النبي صلى الله عليه وسلّم دخل على ضباعة بنت الزبير فقال : «لعلك أردت الحج ؟» فقالت : والله ما أجدني إلا وَجعة، قال : «حجي واشترطي، وقولي : اللهم مَحلي حيث حَبَستني، وقال : إن لك على ربك ما استثنيتِ» حديث صحيح. وأما من لا يخاف من عائق يمنعه من إتمام نُسكه فلا ينبغي له أن يشترط، لأن النبي صلى الله عليه وسلّم أحرم ولم يشترط، وقال : «لتأخذوا عني مناسككم»، ولم يأمر بالاشتراط كل أحدٍ أمراً عاماً، وإنما أمرَ به ضُباعة بنت الزبير لوجود المرض بها، والخوفِ من عدم إتمام نُسكها.
 وينبغي للمُحرم أن يُكثر من التلبية لأنها الشعارُ القولي للنُسك خصوصاً عند تغير الأحوال والأزمان، مثل أن يعلو مرتفعاً، أو ينزل منخفضاً، أو يُقبل ليلٌ، أو نهار، أو يهمَّ بمحظور أو مُحرَمّ أو نحو ذلك. ويستمر في التلبية في العمرة من الإحرام إلى أن يشرعَ في الطواف وفي الحج من الإحرام إلى أن يرمي جمرة العقبة يومَ العيد. فإذا قَرُب من مكة سُنّ أن يغتسل لدخولها إن تيسر له، لأن النبي صلى الله عليه وسلّم كان يغتسل عند دخولها. وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال : «كان النبي صلى الله عليه وسلّم إذا دخل مكة دخل من الثنية العليا التي بالبطحاء، وإذا خرج خرَج من الثَّنيَّةِ السُّفلى» متفق عليه. فإذا تيسر للحاج الدخول من حيث دخل النبي صلى الله عليه وسلّم والخروج من حيث خرج فهو أفضل.
 فإذا وصل المسجد الحرامَ قدم رِجْلَه اليمنى لدخوله، وقال : بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، أعوذُ بالله العظيم وبوجهه الكريم وبُسلطانه القديم من الشيطان الرجيم. ويدخل بخشوع وخضوع وتعظيم لله عز وجل، مُستحضراً بذلك نعمةَ الله عليه بتيسير الوصولِ إلى بيته الحرام. ثم يتقدم إلى البيت مُتّجهاً نحوَ الحَجَرِ الأسود ليبتدىء الطوافَ، ولا يقول : نويت الطواف لأنه لم يَرِد عن النبي صلى الله عليه وسلّم. والنيةُ محلُّها القلبُ.
 فيستلم الحجرَ الأسودَ بيده اليمنى ويُقَبّله إن تيسّر له ذلك، يفعلُ ذلك تعظيماً لله عز وجل، واقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلّم لا اعتقاداً أنّ الحجرَ ينفعُ أو يُضرُّ، فإنما ذلك لله عز وجل. وعن أمير المؤمنين عُمر بن الخطاب رضي الله عنه أن كان يُقَبّل الحجَر ويقول : «إني لأعلم أنك حَجَر لا تضُرُّ ولا تنفعُ، ولولا أني رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم يقبّلك ما قبّلتك» رواه الجماعة. فإن لم يتيسر له التقبيل، استلمه بيده وقبّلها، ففي (الصحيحين) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه استلم الحجَرَ بيدهِ ثم قبّل يده، وقال : ما تركتُه منذ رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلّم يفعله. فإن لم يتيسر له استلامه بيده فلا يُزاحم، لأن الزحامَ يؤذيه، ويؤذي غيره، وربما حصل به الضرر، ويُذهب الخشوع، ويَخرج بالطواف عما شرع من أجله من التعبُّد لله، وربما حصل به لغوٌ وجدالٌ، ومقاتلةٌ. ويكفي أن يُشير إليه بيده ولو من بعيد، وفي (البخاري) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلّم طاف بالبيت على بعير، كلما أتى على الركن أشار إليه. وفي روايةٍ : أشار إليه بشيء كانَ عنده وكبّر.
  ثم يأخذُ ذات اليمين، ويجعلُ البيتَ على يساره، فإذا وصل الركنَ اليماني استلمه إن تيسّر له بدون تقبيلٍ فإن لم يتيسر له فلا يزاحم. ولا يستلم من البيت سوى الحجر الأسود والركن اليماني؛ لأنهما كانا على قواعد إبراهيم، ولأن النبي صلى الله عليه وسلّم لم يستلم سواهما. وروى الإمام أحمد عن مُجاهد عن ابن عباس أنه طاف مع مُعاوية بالبيت، فجعل مُعاوية يستلم الأركان كلها، فقال ابن عباس : لِمَ تستلم هذين الركنين ولم يكن رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم يستلمهما ؟ فقال معاوية : ليس شيء من البيت مهجوراً. فقال ابن عباس : {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} فقال معاوية : صدقتَ. ويقول بين الركن اليماني والحجَر الأسود : {رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الاٌّخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ءَاتِنَا فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الاٌّخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}.
 وكلّما مرَّ بالحجر الأسود فعل ما سبق وكبر ويقول في بقية طوافهِ ما أحبّ مِنْ ذكرٍ ودُعاء وقراءةٍ، فإنما جُعل الطواف بالبيتِ وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامةِ ذكر الله. والسنةُ للرجل في هذا الطواف ـ أعني الطواف أول ما يَقدِمُ ـ أن يضطبعَ في جميع طوافهِ ويرملَ في الأشواطِ الثلاثةِ الأولى منه، دون الأربعةِ الباقيةِ. فأمّا الاضطباع فهو أن يُبرز كتفَه الأيمنَ، فيجعلَ وسطَ ردائهِ تحتَ إبطهِ وطرفيهِ على كتفهِ الأيسر. وأما الرَّمَلُ فهو : إسراعُ المشي مع مُقاربة الخُطا. والطواف سبعةُ أشواط، يبتدىء من الحجر الأسود وينتهي به. ولا يصحُّ الطوافُ من داخل الحِجْرِ. فإذا أتم سبعةَ أشواط، تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ : {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَآ إِلَى إِبْرَهِيمَ وَإِسْمَـعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَالْعَـكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}، ثم صلى ركعتين خلفَه قريباً منه إن تيسَّر، وإلا فبعيداً، يقرأ في الأولى بعدالفاتحة : {قُلْ يأَيُّهَا الْكَـفِرُونَ} وفي الثانية بعد الفاتحة : {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ثم يرجع إلى الحجر الأسود فيستلمه إن تيسر له، وإلا فلا يشير إليه.
 ثم يخرج إلى المسعى ليسعى، فإذا دنا من الصفا قرأ : {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ}، ولا يقرؤها في غير هذا الموضع. ثم يرقى على الصفا حتى يرى الكعبة، فيستقبلها ويرفع يديه فيحمدَ الله ويدعو بما شاء أن يدعو، وكان من دُعاء النبي صلى الله عليه وسلّم هنا : «لا إلـه إلا الله وحده لا شريك له، له المُلك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير، لا إلـه إلا الله وحده أنجزَ وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده»، يُكررّ ذلك ثلاثَ مراتٍ، ويدعو بينها.
  ثم ينزلُ من الصفا إلى المروة ماشياً حتى يصلَ إلى العمود الأخضر؛ فإذا وصَلَه، أسرع إسراعاً شديداً بِقَدْرِ ما يستطيع إن تيسر له بلا أذية، حتى يصلَ العمودَ الأخضر الثاني، ثم يمشي على عادته حتى يصلَ المروةَ، فيرقى عليها ويستقبلَ القِبلةَ، ويرفعَ يديه ويقولَ ما قاله على الصفا. ثم ينزلُ من المروة إلى الصفا يمشي في موضعِ مشيه، ويُسِرعُ في موضع إسراعه، فيرقى على الصفا، ويستقبلُ القِبلَة ويرفع يديه ويقولُ مثلَ ما سبق في أول مرة، ويقولُ في بقية سعيه ما أحب من ذكرٍ وقراءةٍ ودعاء.
  والصعود على الصفا والمروة، والسعي الشديد بين العَلَمين، كلها سُنَّةٌ وليست بواجبٍ. فإذا أتمَّ سعيَه سبعةَ أشواطٍ، من الصفا إلى المروة شوطٌ، ومن المروةِ إلى الصفا شوطٌ آخر، حلق رأسه إن كان رجلاً أو قصره، والحلقُ أفضلُ إلا أن يكون مُتمتعاً والحجُّ قريب لا يمكن أن ينبتَ شعرُه قبلَه، فالتقصير أفضل، ليبقى الشعرُ فيحلقَه في الحج، لأن النبي صلى الله عليه وسلّم أمر أصحابه حين قَدِموا صبيحة رابعةٍ ذي الحجة أن يتحللوا بالتقصير. وأما المرأة فتُقَصر رأسها بكل حال، ولا تحلق، فتقصر من كل قَرنٍ أُنملة.
  ويجب أن يكونَ الحلقُ شاملاً لجميع الرأس؛ لقولهِ تعالى : {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَـفُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً}، ولأن النبي صلى الله عليه وسلّم حلق جميعَ رأسهِ، وقال : «لتأخذوا عني مناسككم». وكذلك التقصير يعمُّ به جميع الرأس. وبهذه الأعمال تمت عمرته وحل منها حِلاً كاملاً، يُبيح له جميعَ محظوراتِ الأحرامِ.
خلاصة أعمال العمرة
  1 ـ الاغتسال كما يغتسل للجنابة والتطيب.
  2 ـ لبس ثياب الإحرام، إزار ورداء للرجل، وللمرأة ما شاءت من الثياب المباحة.
  3 ـ التلبية والاستمرارُ فيها إلى الطواف.
  4 ـ الطواف بالبيت سبعة أشواط ابتداءً من الحجرِ الأسود وانتهاءً به.
  5 ـ صلاةُ ركعتين خلفَ المقام.
  6 ـ السعي بين الصفا والمروةِ سبعةَ أشواطٍ ابتداءً بالصفا وانتهاءً بالمروة.
  7 ـ الحلقُ أو التقصيرُ للرجال، والتقصيرُ للنساء.

صفة العمرة

صفة العمرة

العمرةُ إحرامٌ وطوافٌ وسعيٌ وحلقٌ أو تقصيرٌ. فأما الإحرامُ فهو نية الدخول في النسك والتلبس به. والسنة لمريده أن يغتسل كما يغتسل للجنابة، ويتطيب بأطيب ما يجد في رأسه ولحيته بدهن عودٍ أو غيره، ولا يضرهُ بقاؤه بعد الإحرامِ لما في (الصحيحين) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : «كان النبي صلى الله عليه وسلّم إذا أراد أن يُحرم تطيب بأطيب ما يجد، ثم أرى وبيص المسكِ في رأسِه ولحيته بعد ذلك».
 والاغتسال عند الإحرام سُنَّةٌ في حق الرجال والنساء، حتى المرأة الحائض والنفساء، لأن النبي صلى الله عليه وسلّم أمر أسماء بنت عُميس حين ولدت محمد بن أبي بكر في ذي الحليفة في حَجّة الوداع أمرها فقال : «اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي» رواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه.
  ثم بعد الاغتسال والتطيب يلبس ثياب الإحرام، وهي للرجال إزارٌ ورداء، وأما المرأة فتلبس ما شاءت من الثياب غير أن لا تتبرج بزينة، ولا تنتقب ولا تلبس القفازين وتغطي وجهها عند الرجال غير المحارم.
  ثم يُصلي غير الحائض والنفساء صلاةَ الفريضة إن كان في وقت فريضة، وإلا صلى ركعتين ينوي بهما سُنَّةالوضوء. فإذا فرغ من الصلاة أحرمَ، وقالَ لبيك عمرة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. هذه تلبية النبي صلى الله عليه وسلّم، وربما زاد : لبيك إلـه الحق لبيك. والسنة للرجال رفع الصوت بالتلبية لحديث السائب ابن خلاد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : «أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يَرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية» أخرجه الخمسة. ولأن رفع الصوت بها إظهارٌ لشعائر الله وإعلانٌ بالتوحيد. وأما المرأة فلا ترفع صوتها بالتلبية ولا غيرها من الذكر لأن المطلوب في حقها التستر.
  ومعنى قول الملبي : لبيك اللهم لبيك، أي : إجابةً لك يا رب، وإقامةً على طاعتك، لأن الله سبحانه دعا عباده إلى الحجعلى لسان الخليلين إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام : {وَأَذِّن فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ لِّيَشْهَدُواْ مَنَـفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَـتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ الاٌّنْعَامِ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَآئِسَ الْفَقِيرَ}.
  وإذا كان من يريد الإحرام خائفاً من عائق يمنعه من إتمام نُسكهِ؛ من مرض أو غيره، فإنه يُسن أن يشترط عن نية الإحرام، فيقول عند عقده : «إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني»، أي : إن منعني مانعٌ من إتمام نُسكي من مرض أو تأخرٍ أو غيرهما، فإني أحلُّ بذلك من إحرامي، لأن النبي صلى الله عليه وسلّم دخل على ضباعة بنت الزبير فقال : «لعلك أردت الحج ؟» فقالت : والله ما أجدني إلا وَجعة، قال : «حجي واشترطي، وقولي : اللهم مَحلي حيث حَبَستني، وقال : إن لك على ربك ما استثنيتِ» حديث صحيح. وأما من لا يخاف من عائق يمنعه من إتمام نُسكه فلا ينبغي له أن يشترط، لأن النبي صلى الله عليه وسلّم أحرم ولم يشترط، وقال : «لتأخذوا عني مناسككم»، ولم يأمر بالاشتراط كل أحدٍ أمراً عاماً، وإنما أمرَ به ضُباعة بنت الزبير لوجود المرض بها، والخوفِ من عدم إتمام نُسكها.
 وينبغي للمُحرم أن يُكثر من التلبية لأنها الشعارُ القولي للنُسك خصوصاً عند تغير الأحوال والأزمان، مثل أن يعلو مرتفعاً، أو ينزل منخفضاً، أو يُقبل ليلٌ، أو نهار، أو يهمَّ بمحظور أو مُحرَمّ أو نحو ذلك. ويستمر في التلبية في العمرة من الإحرام إلى أن يشرعَ في الطواف وفي الحج من الإحرام إلى أن يرمي جمرة العقبة يومَ العيد. فإذا قَرُب من مكة سُنّ أن يغتسل لدخولها إن تيسر له، لأن النبي صلى الله عليه وسلّم كان يغتسل عند دخولها. وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال : «كان النبي صلى الله عليه وسلّم إذا دخل مكة دخل من الثنية العليا التي بالبطحاء، وإذا خرج خرَج من الثَّنيَّةِ السُّفلى» متفق عليه. فإذا تيسر للحاج الدخول من حيث دخل النبي صلى الله عليه وسلّم والخروج من حيث خرج فهو أفضل.
 فإذا وصل المسجد الحرامَ قدم رِجْلَه اليمنى لدخوله، وقال : بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، أعوذُ بالله العظيم وبوجهه الكريم وبُسلطانه القديم من الشيطان الرجيم. ويدخل بخشوع وخضوع وتعظيم لله عز وجل، مُستحضراً بذلك نعمةَ الله عليه بتيسير الوصولِ إلى بيته الحرام. ثم يتقدم إلى البيت مُتّجهاً نحوَ الحَجَرِ الأسود ليبتدىء الطوافَ، ولا يقول : نويت الطواف لأنه لم يَرِد عن النبي صلى الله عليه وسلّم. والنيةُ محلُّها القلبُ.
 فيستلم الحجرَ الأسودَ بيده اليمنى ويُقَبّله إن تيسّر له ذلك، يفعلُ ذلك تعظيماً لله عز وجل، واقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلّم لا اعتقاداً أنّ الحجرَ ينفعُ أو يُضرُّ، فإنما ذلك لله عز وجل. وعن أمير المؤمنين عُمر بن الخطاب رضي الله عنه أن كان يُقَبّل الحجَر ويقول : «إني لأعلم أنك حَجَر لا تضُرُّ ولا تنفعُ، ولولا أني رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم يقبّلك ما قبّلتك» رواه الجماعة. فإن لم يتيسر له التقبيل، استلمه بيده وقبّلها، ففي (الصحيحين) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه استلم الحجَرَ بيدهِ ثم قبّل يده، وقال : ما تركتُه منذ رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلّم يفعله. فإن لم يتيسر له استلامه بيده فلا يُزاحم، لأن الزحامَ يؤذيه، ويؤذي غيره، وربما حصل به الضرر، ويُذهب الخشوع، ويَخرج بالطواف عما شرع من أجله من التعبُّد لله، وربما حصل به لغوٌ وجدالٌ، ومقاتلةٌ. ويكفي أن يُشير إليه بيده ولو من بعيد، وفي (البخاري) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلّم طاف بالبيت على بعير، كلما أتى على الركن أشار إليه. وفي روايةٍ : أشار إليه بشيء كانَ عنده وكبّر.
  ثم يأخذُ ذات اليمين، ويجعلُ البيتَ على يساره، فإذا وصل الركنَ اليماني استلمه إن تيسّر له بدون تقبيلٍ فإن لم يتيسر له فلا يزاحم. ولا يستلم من البيت سوى الحجر الأسود والركن اليماني؛ لأنهما كانا على قواعد إبراهيم، ولأن النبي صلى الله عليه وسلّم لم يستلم سواهما. وروى الإمام أحمد عن مُجاهد عن ابن عباس أنه طاف مع مُعاوية بالبيت، فجعل مُعاوية يستلم الأركان كلها، فقال ابن عباس : لِمَ تستلم هذين الركنين ولم يكن رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم يستلمهما ؟ فقال معاوية : ليس شيء من البيت مهجوراً. فقال ابن عباس : {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} فقال معاوية : صدقتَ. ويقول بين الركن اليماني والحجَر الأسود : {رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الاٌّخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ءَاتِنَا فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الاٌّخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}.
 وكلّما مرَّ بالحجر الأسود فعل ما سبق وكبر ويقول في بقية طوافهِ ما أحبّ مِنْ ذكرٍ ودُعاء وقراءةٍ، فإنما جُعل الطواف بالبيتِ وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامةِ ذكر الله. والسنةُ للرجل في هذا الطواف ـ أعني الطواف أول ما يَقدِمُ ـ أن يضطبعَ في جميع طوافهِ ويرملَ في الأشواطِ الثلاثةِ الأولى منه، دون الأربعةِ الباقيةِ. فأمّا الاضطباع فهو أن يُبرز كتفَه الأيمنَ، فيجعلَ وسطَ ردائهِ تحتَ إبطهِ وطرفيهِ على كتفهِ الأيسر. وأما الرَّمَلُ فهو : إسراعُ المشي مع مُقاربة الخُطا. والطواف سبعةُ أشواط، يبتدىء من الحجر الأسود وينتهي به. ولا يصحُّ الطوافُ من داخل الحِجْرِ. فإذا أتم سبعةَ أشواط، تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ : {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَآ إِلَى إِبْرَهِيمَ وَإِسْمَـعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَالْعَـكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}، ثم صلى ركعتين خلفَه قريباً منه إن تيسَّر، وإلا فبعيداً، يقرأ في الأولى بعدالفاتحة : {قُلْ يأَيُّهَا الْكَـفِرُونَ} وفي الثانية بعد الفاتحة : {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ثم يرجع إلى الحجر الأسود فيستلمه إن تيسر له، وإلا فلا يشير إليه.
 ثم يخرج إلى المسعى ليسعى، فإذا دنا من الصفا قرأ : {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ}، ولا يقرؤها في غير هذا الموضع. ثم يرقى على الصفا حتى يرى الكعبة، فيستقبلها ويرفع يديه فيحمدَ الله ويدعو بما شاء أن يدعو، وكان من دُعاء النبي صلى الله عليه وسلّم هنا : «لا إلـه إلا الله وحده لا شريك له، له المُلك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير، لا إلـه إلا الله وحده أنجزَ وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده»، يُكررّ ذلك ثلاثَ مراتٍ، ويدعو بينها.
  ثم ينزلُ من الصفا إلى المروة ماشياً حتى يصلَ إلى العمود الأخضر؛ فإذا وصَلَه، أسرع إسراعاً شديداً بِقَدْرِ ما يستطيع إن تيسر له بلا أذية، حتى يصلَ العمودَ الأخضر الثاني، ثم يمشي على عادته حتى يصلَ المروةَ، فيرقى عليها ويستقبلَ القِبلةَ، ويرفعَ يديه ويقولَ ما قاله على الصفا. ثم ينزلُ من المروة إلى الصفا يمشي في موضعِ مشيه، ويُسِرعُ في موضع إسراعه، فيرقى على الصفا، ويستقبلُ القِبلَة ويرفع يديه ويقولُ مثلَ ما سبق في أول مرة، ويقولُ في بقية سعيه ما أحب من ذكرٍ وقراءةٍ ودعاء.
  والصعود على الصفا والمروة، والسعي الشديد بين العَلَمين، كلها سُنَّةٌ وليست بواجبٍ. فإذا أتمَّ سعيَه سبعةَ أشواطٍ، من الصفا إلى المروة شوطٌ، ومن المروةِ إلى الصفا شوطٌ آخر، حلق رأسه إن كان رجلاً أو قصره، والحلقُ أفضلُ إلا أن يكون مُتمتعاً والحجُّ قريب لا يمكن أن ينبتَ شعرُه قبلَه، فالتقصير أفضل، ليبقى الشعرُ فيحلقَه في الحج، لأن النبي صلى الله عليه وسلّم أمر أصحابه حين قَدِموا صبيحة رابعةٍ ذي الحجة أن يتحللوا بالتقصير. وأما المرأة فتُقَصر رأسها بكل حال، ولا تحلق، فتقصر من كل قَرنٍ أُنملة.
  ويجب أن يكونَ الحلقُ شاملاً لجميع الرأس؛ لقولهِ تعالى : {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَـفُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً}، ولأن النبي صلى الله عليه وسلّم حلق جميعَ رأسهِ، وقال : «لتأخذوا عني مناسككم». وكذلك التقصير يعمُّ به جميع الرأس. وبهذه الأعمال تمت عمرته وحل منها حِلاً كاملاً، يُبيح له جميعَ محظوراتِ الأحرامِ.
خلاصة أعمال العمرة
  1 ـ الاغتسال كما يغتسل للجنابة والتطيب.
  2 ـ لبس ثياب الإحرام، إزار ورداء للرجل، وللمرأة ما شاءت من الثياب المباحة.
  3 ـ التلبية والاستمرارُ فيها إلى الطواف.
  4 ـ الطواف بالبيت سبعة أشواط ابتداءً من الحجرِ الأسود وانتهاءً به.
  5 ـ صلاةُ ركعتين خلفَ المقام.
  6 ـ السعي بين الصفا والمروةِ سبعةَ أشواطٍ ابتداءً بالصفا وانتهاءً بالمروة.
  7 ـ الحلقُ أو التقصيرُ للرجال، والتقصيرُ للنساء.


بين الحب في الله وحظ النفس

"إني أحبك في الله"! كم سمعتها وكم أسمعتها، فيا لها من كلمة جرت على اللسان، فهل لها محل في الجنان؟! يا للعجب! فلتتسع إذًا صدوركم لهذه المقدمة المملة لمن يعرفها سلفًا! فمرادي لا يتم وضوحه إلا بها!


بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
"إني أحبك في الله"!
كم سمعتها وكم أسمعتها، فيا لها من كلمة جرت على اللسان، فهل لها محل في الجنان؟! يا للعجب!
فلتتسع إذًا صدوركم لهذه المقدمة المملة لمن يعرفها سلفًا! فمرادي لا يتم وضوحه إلا بها!
نحفظ من الناحية النظرية الفرق بين المحبة الطبعية والحب في الله، وأن الحب في الله هو أن يحب المرء لطاعته لا لشخصه، وأنها تزيد بالطاعات وتنقص بالمعاصي، وأن النفس لا حظ لها في ذلك، وأنه يجتمع بغض طبعي مع حب شرعي! ذلك لأن الحب في الله ليست مشاعر متدفقة نتلذذ بها وحسب كالمحبة الطبعية الجبلية، بل هي أفعال من ولاء وحقوق ونصيحة.. وغير ذلك، فلذتها ليست طبعية بل هي لذة تابعة للذة الإيمان وانشراح الصدر بالطاعات وانقباضه بالعصيان.
وكم من محب بالطبع لا ينفعل لحبه إلا بما يرضيه هو، فتكون محبته أقرب للأنانية، محبة أقوال لا أفعال، يتلذذ بها دون أن يؤدي حقوقها في عرف المحبين! أما دعاوى المحبة الشرعية فلم يُسَلَّم لها إلا بفعل من مبتداها لمنتهاها..
قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران:31].
فحب الله والحب فيه ليست كلمة! بل هو ديننا كله، وبمقدار ما تتقرب إلى الله به وتبذل في سبيل رفعة دينك تقاس محبتك! وعلى قدر ولائك للمؤمنين وبراءتك من الكفر والكافرين تقاس محبتك! يقول ابن القيم رحمه الله: "الجنة ترضى منك بأداء الفرائض، والنار تندفع عنك بترك المعاصي، والمحبة لا تقنع منك إلا ببذل لروح إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم!".
والمحبة هي الإيمان والفرقان بين المؤمن والمنافق قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد:9]، وقال تعالى: {وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة من الآية:54].
ونعلم أنه يجتمع في المؤمن محبة وبغض شرعيين، فبمقدار ما عند المؤمن من طاعات يُحب، وبمقدار ما عنده من معاصٍ ومنكرات يبغض في الله، ولا شأن لما يرضي نفسك في هذا بل هو محض ما عندك من العلم بالشرع وبالمنكر، دون تتبع عورات ولا غلظة وقسوة، ومع ذلك تؤدي ما عليك تجاه كل مسلم.
بل الكافرون في كفرهم دركات فيتفاوتون في استحقاق البغض والعداوة الشرعية، بمقدار ما عندهم من بغض وعداوة للدين لا لنفسك! وبمقدار ما عند من يحارب معالم الإسلام ويهدمها بمعول هدم ظاهر، ويوالي الكفار في مقابل عداوته الظاهرة للمسلمين، يجب التبري منهم لا التبرير لهم ولا التماس الأعذار لهم.. وهذا الباب فيه تفاصيل وليس الغرض التفصيل حتى لا نجافي المقصود -"ما علينا"-!
عند الحديث على المستوى العام من المحبة في الله نجد سلوكًا بحاجة إلى المراجعة..
الإسراف في توزيع "محبتك" في الله زاعمًا أن تعمل بقول النبي: «..فأعلمه..»! (السلسلة الصحيحة:763/7) -خير خير!-، ولكن ليته نابع من قلب يحب في الله حقًا وصدقًا! ويعمل بما أمر الله حقًا وصدقًا! فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تدخلوا الجنَّةَ حتَّى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتَّى تحابُّوا» (صحيح الترمذي:2510)
ولكن! إن المحبة كما سائر الطاعات صار لها من حظ النفس نصيب فصارت هكذا: طالما توافقني في اختياراتي (العلمية) فإني أحبك في الله! فإن خالفتني فقد وقعت في منكر عظيم، وجرم جسيم! فدعني أسمعك ما يقرع قلبك من الزواجر لعلك أن تستفيق من سكرة مخالفتي! وعلى رأسها فاسمع مني: "إني أبغضك في الله"!
يا هذا! بل مني فاسمع: "أنت ما أحببت في الله ولا أبغضت في الله"! بل أحببت لحظ نفسك ولموافقة طبعه طبعك! وأبغضت صاحبك في حظ نفسك ولمخالفة ما تهواه! بيد أننا بسكرة الهوى نرتوي وفي حقول الجهل نرتع، فلا يكاد يتنزه من ذاك الوحل إلا من استفاق بمعرفة نفسه حق المعرفة وما يلقاها إلا الصابرون -فاللهم اغسلنا بالثلج والماء والبرد!-، فإن الصحابة اختلفوا ولكن (لم يتباغضوا في الله) للاختلاف في فهم نص أو ترجيح، ولم يتهم بعضهم بعضًا باتباع الهوى وقلة الورع لاختيار خالفه فيه!
يقول ابن تيمية: "وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الصِّدِّيقَ الْأَكْبَرَ فِي قَضِيَّةِ الْإِفْكِ، الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهَا الْقُرْآنَ حَلَفَ لَا يَصِلُ مِسْطَحَ بْنَ أُثَاثَةَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ الْخَائِضِينَ فِي الْإِفْكِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة:22]، فَلَمَّا نَزَلَتْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى وَاَللَّهِ إنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، فَأَعَادَ إلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ" (ا.هـ. كلامه رحمه الله).
فهذا مسطح بن أثاثة ارتكب جرمًا نزل فيه قرآنا! وأصاب حدًا!
"وقد ولق ولقة تاب الله عليه منها وضرب الحد عليها" (المصباح المنير).
"وهذا من حلمه تعالى وكرمه ولطفه مع خلقه مع ظلمهم لأنفسهم" (المصباح المنير).
فأين الثرى من الثريا! اليوم إن أخطأ أحد في حقنا أو خالفنا صار مستحقًا للبغض في الله، والبراءة منه والعداوة له، واستحللنا غيبته بتأويل فاسد تصريحًا وتعريضًا، بل دعونا عليه بالويل والثبور وعظائم الأمور في خلاف يسير كان يسعنا أن نتغافل عنه وتمضي بنا الحياة!
واختلف العلماء من بعدهم فلم يُسمع الشافعيُ أحمدَ ولا أسمعه أحمدُ، ولا غيرهم من الأئمة والعلماء الربانيين فيما بينهم: "إني أبغضك في الله"! وخالف ابن القيم شيخه وهو من هو! فلم نسمع عن أيهما نقلًا يقول: "إني أبغضك في الله!"، بل في مدارج السالكين تجد عجبًا في التماس الأعذار من ابن القيم للهروي في كلمات يطيش معها الحلم!
وفي رد ابن تيمية على المخالفين من أهل البدع تجد عجبًا من حلم وفقه وورع، بل في رسالته لمن ظلمه ووشى به وأساء إليه تجد عجبًا ينضرب له الكف بالكف! يقول: "فَلَا أُحِبُّ أَنْ يُنْتَصَرَ مِنْ أَحَدٍ بِسَبَبِ كَذِبِهِ عَلَيَّ أَوْ ظُلْمِهِ وَعُدْوَانِهِ، فَإِنِّي قَدْ أَحْلَلْت كُلَّ مُسْلِمٍ، وَأَنَا أُحِبُّ الْخَيْرَ لِكُلِّ الْمُسْلِمِينَ وَأُرِيدُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ الْخَيْرِ مَا أُحِبُّهُ لِنَفْسِي، وَاَلَّذِينَ كَذَبُوا وَظَلَمُوا فَهُمْ فِي حِلٍّ مِنْ جِهَتِي، وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ اللَّهِ فَإِنْ تَابُوا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَإِلَّا فَحُكْمُ اللَّهِ نَافِذٌ فِيهِمْ..
فَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ مَشْكُورًا عَلَى سُوءِ عَمَلِهِ لَكُنْت أَشْكُرُ كُلَّ مَنْ كَانَ سَبَبًا فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ لَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَشْكُورُ عَلَى حُسْنِ نِعَمِهِ وَآلَائِهِ وَأَيَادِيهِ الَّتِي لَا يُقْضَى لِلْمُؤْمِنِ قَضَاءٌ إلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَأَهْلُ الْقَصْدِ الصَّالِحِ يُشْكَرُونَ عَلَى قَصْدِهِمْ وَأَهْلُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ يُشْكَرُونَ عَلَى عَمَلِهِمْ، وَأَهْلُ السَّيِّئَاتِ نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ" (ا.هـ. كلامه رحمه الله).
ومعلوم فعله مع أهل المبتدع الذي مات حين ذهب إلى أهله وقال لهم: "أنا لكم مثل ما كان لكم"!
وهذا حال من رام الإصلاح بلا حظ نفس! اللهم لا نزكي عليك أحدًا وإنما نحسب ونحسن الظن في عبادك الموحدين، فلما لهم من خير ظاهر استحقوا إحسان الظن فكان شعارهم: "إني أحبك في الله"، و"ألا يتفق أن نختلف وتبقى المودة في الله؟" وكلٌ يعمل بما يترجح له! والله محاسبه..
يقول ابن تيمية: "وَلَا يَخْلُو الرَّجُلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا مُصِيبًا أَوْ مُخْطِئًا أَوْ مُذْنِبًا.. فَالْأَوَّلُ: مَأْجُورٌ مَشْكُورٌ، وَالثَّانِي مَعَ أَجْرِهِ عَلَى الِاجْتِهَادِ: فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ مَغْفُورٌ لَهُ، وَالثَّالِثُ: فَاَللَّهُ يَغْفِرُ لَنَا وَلَهُ وَلِسَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ" (ا.هــ. كلامه رحمه الله).
فقد يتمكن البعض من عرض رأيه أو سبب ترجيحه وقد لا يتمكن! إنها ليست مناظرة ينتصر فيها أحدهم فيحمل غيره على رأيه! قد يكون أخي المسلم مقلدًا لعالم ثقة أفتاه وأنت مقلد لغيره! طالما الكل يسير في طريق الخير فالحب في الله شعار بيقين حتى يظهر خلاف ذلك.. بيقين!
أما التصنيف وإلقاء التهم جزافًا وبالظن وسوء الفهم! فهذا متعمد الذنب وذاك لا غفر الله له، وأولئك أهل بدع وضلال لا بد من فضحهم! أما أن تكون: "إني أبغضك في الله" علكة على صبر مذاقها يتلذذ بها قائلها لفساد ريقه وذوقه، محسنًا الظن في نفسه ونفسك أولى بسوء الظن! ومسيئًا للظن بإخوانه وهم أولى بحسن الظن! فيا للعجب! يا لها من كلمة جرت على لسان العرب! ترضي حظ النفس وقت الرضا وتجرح بضدها صاحبك في وقت السخط!
تقول أم هانئ: "ولن ينتهي العجب من قوم يتمسكون بالمراء بلا كلل حتى تتبع مذهبهم، أو يستفزونك ليخرجوا أسوأ ما فيك.. لماذا حظ النفس؟! لماذا لا نقبل إلا بسحق المخالف؟! لماذا لا نكتفي بالبلاغ؟!" (ا.هـ. كلامها جزاها الله خيرًا)، أقول لكِ لماذا؟! لأنه أحبه في حظ النفس فأراد أن يحمل صاحبه على مذهبه حتى لا (يضطر) إلى أن يبغضه في الله.. عفوا! إنه بغض في حظ النفس!
فتأملي يا نفس فيك!
هل تحبين صاحبك الذي يوافقك في شيخك ومذهبك وما ترجح وتحب من الدين، أم أنك اجتهدتي في التجرد من ذلك فبلغت في شأنك ألا تبغضي مخالفك وتزعمي أن ذلك لله؟!
هل كل مسلم له عندك نصيب من الحب في الله بإسلامه، ونصح لوجه الله برفق ورحمة ومحبة لإسلامه؟
هل تلتمسين العذر وتحسنين الظن؟ هل من شيمك الستر والعفو والصفح؟
هل سألت الله لغيرك من الخير الذي رجوت لنفسك؟
هل تحبين لأخيك المسلم مثل ما تحبين لنفسك من الخير أم غير ذلك؟ هل تعطين لله وتمنعين لله؟
هل جعلت فقط نصب عينيك ما يحب الله؟ هل اجتهدت في تعلم ما يحب الله، أم اجتهدت في الاستدلال على نسبة الهوى للشرع؟!
هل وضعت نفسك مكان محدثك ومخالفك، وأشفقت على العاصي لعلمك أن طاعتك ليست بفضلك بل محض فضل الله عليك؟ ولو شاء لخلا بيني وبين نفسي! هل تتقلبين في فراشك متنعمة بسلامة الصدر للمسلمين متصدقة بما لك، هاتفة بها: "لعل الله يغفر لي ما عليّ"!
هل أنت مقبلة على شأنك فمدركة أنك صاحبة معاصي السر والخلوات، وخبايا السوء، فأنت أحق بالبغض في الله من سائر المسلمين لولا ستر الله عليك لولا ستر الله عليك! أم أنك تظنين بنفسك خيرًا وأنك الأحق بالحب في الله وغيرك أهل سوء أحرى بالبغض في الله؟ عفوا البغض في حظ نفسك!
إن "هل" أداة استفهام بلا نهاية، ففتش بلا وسوسة في ذلك الجزء المظلم ذي الباب المغلق، فإن من ورائه آهات وأنات، وإن منا من حرّم على نفسه أن يلجه لينظفه حتى لا يهتك ستر نفسه أمام نفسه، والله يعلم السر وأخفى! فيا الله يا ذا الجلال والإكرام ارزقنا سلامة القلب كما تحب وترضى.. لو ظننت أنها يسيرة فاعلم أنك لم تلج بعد الطريق! وإنها ليسيرة على من يسرها الله عليه، وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين!
* عجبا لقوم عند الحديث على من يخالفه من المسلمين يتلذذون بذكر مساوئهم ورميهم بما فيهم وما ليس فيهم، ويظهرون البراءة منهم، وعند ذكر الغرب أو من يواليهم من أحلاسهم يتمعنون في التماس العذر لهم، ويدافعون عنهم ويظهرون الولاء لهم والمودة!
ألم يقرأوا قوله تعالى: {وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ} [النساء من الآية:107]، وقوله تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [هود من الآية:113]، لكن لعل ذلك أن للنفس مع أهل السطوة كبوة! والأعجب أن يلصق ذلك بالشرع ويحسبون أنهم على شيء! فلمن اجتمع فيه ذلك أقول بصدق بلا حرج: إني أبغضكم في الله! -وتلك نفثة خارج الموضوع "ما علينا"-!

بين الحب في الله وحظ النفس

بين الحب في الله وحظ النفس

"إني أحبك في الله"! كم سمعتها وكم أسمعتها، فيا لها من كلمة جرت على اللسان، فهل لها محل في الجنان؟! يا للعجب! فلتتسع إذًا صدوركم لهذه المقدمة المملة لمن يعرفها سلفًا! فمرادي لا يتم وضوحه إلا بها!


بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
"إني أحبك في الله"!
كم سمعتها وكم أسمعتها، فيا لها من كلمة جرت على اللسان، فهل لها محل في الجنان؟! يا للعجب!
فلتتسع إذًا صدوركم لهذه المقدمة المملة لمن يعرفها سلفًا! فمرادي لا يتم وضوحه إلا بها!
نحفظ من الناحية النظرية الفرق بين المحبة الطبعية والحب في الله، وأن الحب في الله هو أن يحب المرء لطاعته لا لشخصه، وأنها تزيد بالطاعات وتنقص بالمعاصي، وأن النفس لا حظ لها في ذلك، وأنه يجتمع بغض طبعي مع حب شرعي! ذلك لأن الحب في الله ليست مشاعر متدفقة نتلذذ بها وحسب كالمحبة الطبعية الجبلية، بل هي أفعال من ولاء وحقوق ونصيحة.. وغير ذلك، فلذتها ليست طبعية بل هي لذة تابعة للذة الإيمان وانشراح الصدر بالطاعات وانقباضه بالعصيان.
وكم من محب بالطبع لا ينفعل لحبه إلا بما يرضيه هو، فتكون محبته أقرب للأنانية، محبة أقوال لا أفعال، يتلذذ بها دون أن يؤدي حقوقها في عرف المحبين! أما دعاوى المحبة الشرعية فلم يُسَلَّم لها إلا بفعل من مبتداها لمنتهاها..
قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران:31].
فحب الله والحب فيه ليست كلمة! بل هو ديننا كله، وبمقدار ما تتقرب إلى الله به وتبذل في سبيل رفعة دينك تقاس محبتك! وعلى قدر ولائك للمؤمنين وبراءتك من الكفر والكافرين تقاس محبتك! يقول ابن القيم رحمه الله: "الجنة ترضى منك بأداء الفرائض، والنار تندفع عنك بترك المعاصي، والمحبة لا تقنع منك إلا ببذل لروح إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم!".
والمحبة هي الإيمان والفرقان بين المؤمن والمنافق قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد:9]، وقال تعالى: {وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة من الآية:54].
ونعلم أنه يجتمع في المؤمن محبة وبغض شرعيين، فبمقدار ما عند المؤمن من طاعات يُحب، وبمقدار ما عنده من معاصٍ ومنكرات يبغض في الله، ولا شأن لما يرضي نفسك في هذا بل هو محض ما عندك من العلم بالشرع وبالمنكر، دون تتبع عورات ولا غلظة وقسوة، ومع ذلك تؤدي ما عليك تجاه كل مسلم.
بل الكافرون في كفرهم دركات فيتفاوتون في استحقاق البغض والعداوة الشرعية، بمقدار ما عندهم من بغض وعداوة للدين لا لنفسك! وبمقدار ما عند من يحارب معالم الإسلام ويهدمها بمعول هدم ظاهر، ويوالي الكفار في مقابل عداوته الظاهرة للمسلمين، يجب التبري منهم لا التبرير لهم ولا التماس الأعذار لهم.. وهذا الباب فيه تفاصيل وليس الغرض التفصيل حتى لا نجافي المقصود -"ما علينا"-!
عند الحديث على المستوى العام من المحبة في الله نجد سلوكًا بحاجة إلى المراجعة..
الإسراف في توزيع "محبتك" في الله زاعمًا أن تعمل بقول النبي: «..فأعلمه..»! (السلسلة الصحيحة:763/7) -خير خير!-، ولكن ليته نابع من قلب يحب في الله حقًا وصدقًا! ويعمل بما أمر الله حقًا وصدقًا! فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تدخلوا الجنَّةَ حتَّى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتَّى تحابُّوا» (صحيح الترمذي:2510)
ولكن! إن المحبة كما سائر الطاعات صار لها من حظ النفس نصيب فصارت هكذا: طالما توافقني في اختياراتي (العلمية) فإني أحبك في الله! فإن خالفتني فقد وقعت في منكر عظيم، وجرم جسيم! فدعني أسمعك ما يقرع قلبك من الزواجر لعلك أن تستفيق من سكرة مخالفتي! وعلى رأسها فاسمع مني: "إني أبغضك في الله"!
يا هذا! بل مني فاسمع: "أنت ما أحببت في الله ولا أبغضت في الله"! بل أحببت لحظ نفسك ولموافقة طبعه طبعك! وأبغضت صاحبك في حظ نفسك ولمخالفة ما تهواه! بيد أننا بسكرة الهوى نرتوي وفي حقول الجهل نرتع، فلا يكاد يتنزه من ذاك الوحل إلا من استفاق بمعرفة نفسه حق المعرفة وما يلقاها إلا الصابرون -فاللهم اغسلنا بالثلج والماء والبرد!-، فإن الصحابة اختلفوا ولكن (لم يتباغضوا في الله) للاختلاف في فهم نص أو ترجيح، ولم يتهم بعضهم بعضًا باتباع الهوى وقلة الورع لاختيار خالفه فيه!
يقول ابن تيمية: "وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الصِّدِّيقَ الْأَكْبَرَ فِي قَضِيَّةِ الْإِفْكِ، الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهَا الْقُرْآنَ حَلَفَ لَا يَصِلُ مِسْطَحَ بْنَ أُثَاثَةَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ الْخَائِضِينَ فِي الْإِفْكِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة:22]، فَلَمَّا نَزَلَتْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى وَاَللَّهِ إنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، فَأَعَادَ إلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ" (ا.هـ. كلامه رحمه الله).
فهذا مسطح بن أثاثة ارتكب جرمًا نزل فيه قرآنا! وأصاب حدًا!
"وقد ولق ولقة تاب الله عليه منها وضرب الحد عليها" (المصباح المنير).
"وهذا من حلمه تعالى وكرمه ولطفه مع خلقه مع ظلمهم لأنفسهم" (المصباح المنير).
فأين الثرى من الثريا! اليوم إن أخطأ أحد في حقنا أو خالفنا صار مستحقًا للبغض في الله، والبراءة منه والعداوة له، واستحللنا غيبته بتأويل فاسد تصريحًا وتعريضًا، بل دعونا عليه بالويل والثبور وعظائم الأمور في خلاف يسير كان يسعنا أن نتغافل عنه وتمضي بنا الحياة!
واختلف العلماء من بعدهم فلم يُسمع الشافعيُ أحمدَ ولا أسمعه أحمدُ، ولا غيرهم من الأئمة والعلماء الربانيين فيما بينهم: "إني أبغضك في الله"! وخالف ابن القيم شيخه وهو من هو! فلم نسمع عن أيهما نقلًا يقول: "إني أبغضك في الله!"، بل في مدارج السالكين تجد عجبًا في التماس الأعذار من ابن القيم للهروي في كلمات يطيش معها الحلم!
وفي رد ابن تيمية على المخالفين من أهل البدع تجد عجبًا من حلم وفقه وورع، بل في رسالته لمن ظلمه ووشى به وأساء إليه تجد عجبًا ينضرب له الكف بالكف! يقول: "فَلَا أُحِبُّ أَنْ يُنْتَصَرَ مِنْ أَحَدٍ بِسَبَبِ كَذِبِهِ عَلَيَّ أَوْ ظُلْمِهِ وَعُدْوَانِهِ، فَإِنِّي قَدْ أَحْلَلْت كُلَّ مُسْلِمٍ، وَأَنَا أُحِبُّ الْخَيْرَ لِكُلِّ الْمُسْلِمِينَ وَأُرِيدُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ الْخَيْرِ مَا أُحِبُّهُ لِنَفْسِي، وَاَلَّذِينَ كَذَبُوا وَظَلَمُوا فَهُمْ فِي حِلٍّ مِنْ جِهَتِي، وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ اللَّهِ فَإِنْ تَابُوا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَإِلَّا فَحُكْمُ اللَّهِ نَافِذٌ فِيهِمْ..
فَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ مَشْكُورًا عَلَى سُوءِ عَمَلِهِ لَكُنْت أَشْكُرُ كُلَّ مَنْ كَانَ سَبَبًا فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ لَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَشْكُورُ عَلَى حُسْنِ نِعَمِهِ وَآلَائِهِ وَأَيَادِيهِ الَّتِي لَا يُقْضَى لِلْمُؤْمِنِ قَضَاءٌ إلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَأَهْلُ الْقَصْدِ الصَّالِحِ يُشْكَرُونَ عَلَى قَصْدِهِمْ وَأَهْلُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ يُشْكَرُونَ عَلَى عَمَلِهِمْ، وَأَهْلُ السَّيِّئَاتِ نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ" (ا.هـ. كلامه رحمه الله).
ومعلوم فعله مع أهل المبتدع الذي مات حين ذهب إلى أهله وقال لهم: "أنا لكم مثل ما كان لكم"!
وهذا حال من رام الإصلاح بلا حظ نفس! اللهم لا نزكي عليك أحدًا وإنما نحسب ونحسن الظن في عبادك الموحدين، فلما لهم من خير ظاهر استحقوا إحسان الظن فكان شعارهم: "إني أحبك في الله"، و"ألا يتفق أن نختلف وتبقى المودة في الله؟" وكلٌ يعمل بما يترجح له! والله محاسبه..
يقول ابن تيمية: "وَلَا يَخْلُو الرَّجُلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا مُصِيبًا أَوْ مُخْطِئًا أَوْ مُذْنِبًا.. فَالْأَوَّلُ: مَأْجُورٌ مَشْكُورٌ، وَالثَّانِي مَعَ أَجْرِهِ عَلَى الِاجْتِهَادِ: فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ مَغْفُورٌ لَهُ، وَالثَّالِثُ: فَاَللَّهُ يَغْفِرُ لَنَا وَلَهُ وَلِسَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ" (ا.هــ. كلامه رحمه الله).
فقد يتمكن البعض من عرض رأيه أو سبب ترجيحه وقد لا يتمكن! إنها ليست مناظرة ينتصر فيها أحدهم فيحمل غيره على رأيه! قد يكون أخي المسلم مقلدًا لعالم ثقة أفتاه وأنت مقلد لغيره! طالما الكل يسير في طريق الخير فالحب في الله شعار بيقين حتى يظهر خلاف ذلك.. بيقين!
أما التصنيف وإلقاء التهم جزافًا وبالظن وسوء الفهم! فهذا متعمد الذنب وذاك لا غفر الله له، وأولئك أهل بدع وضلال لا بد من فضحهم! أما أن تكون: "إني أبغضك في الله" علكة على صبر مذاقها يتلذذ بها قائلها لفساد ريقه وذوقه، محسنًا الظن في نفسه ونفسك أولى بسوء الظن! ومسيئًا للظن بإخوانه وهم أولى بحسن الظن! فيا للعجب! يا لها من كلمة جرت على لسان العرب! ترضي حظ النفس وقت الرضا وتجرح بضدها صاحبك في وقت السخط!
تقول أم هانئ: "ولن ينتهي العجب من قوم يتمسكون بالمراء بلا كلل حتى تتبع مذهبهم، أو يستفزونك ليخرجوا أسوأ ما فيك.. لماذا حظ النفس؟! لماذا لا نقبل إلا بسحق المخالف؟! لماذا لا نكتفي بالبلاغ؟!" (ا.هـ. كلامها جزاها الله خيرًا)، أقول لكِ لماذا؟! لأنه أحبه في حظ النفس فأراد أن يحمل صاحبه على مذهبه حتى لا (يضطر) إلى أن يبغضه في الله.. عفوا! إنه بغض في حظ النفس!
فتأملي يا نفس فيك!
هل تحبين صاحبك الذي يوافقك في شيخك ومذهبك وما ترجح وتحب من الدين، أم أنك اجتهدتي في التجرد من ذلك فبلغت في شأنك ألا تبغضي مخالفك وتزعمي أن ذلك لله؟!
هل كل مسلم له عندك نصيب من الحب في الله بإسلامه، ونصح لوجه الله برفق ورحمة ومحبة لإسلامه؟
هل تلتمسين العذر وتحسنين الظن؟ هل من شيمك الستر والعفو والصفح؟
هل سألت الله لغيرك من الخير الذي رجوت لنفسك؟
هل تحبين لأخيك المسلم مثل ما تحبين لنفسك من الخير أم غير ذلك؟ هل تعطين لله وتمنعين لله؟
هل جعلت فقط نصب عينيك ما يحب الله؟ هل اجتهدت في تعلم ما يحب الله، أم اجتهدت في الاستدلال على نسبة الهوى للشرع؟!
هل وضعت نفسك مكان محدثك ومخالفك، وأشفقت على العاصي لعلمك أن طاعتك ليست بفضلك بل محض فضل الله عليك؟ ولو شاء لخلا بيني وبين نفسي! هل تتقلبين في فراشك متنعمة بسلامة الصدر للمسلمين متصدقة بما لك، هاتفة بها: "لعل الله يغفر لي ما عليّ"!
هل أنت مقبلة على شأنك فمدركة أنك صاحبة معاصي السر والخلوات، وخبايا السوء، فأنت أحق بالبغض في الله من سائر المسلمين لولا ستر الله عليك لولا ستر الله عليك! أم أنك تظنين بنفسك خيرًا وأنك الأحق بالحب في الله وغيرك أهل سوء أحرى بالبغض في الله؟ عفوا البغض في حظ نفسك!
إن "هل" أداة استفهام بلا نهاية، ففتش بلا وسوسة في ذلك الجزء المظلم ذي الباب المغلق، فإن من ورائه آهات وأنات، وإن منا من حرّم على نفسه أن يلجه لينظفه حتى لا يهتك ستر نفسه أمام نفسه، والله يعلم السر وأخفى! فيا الله يا ذا الجلال والإكرام ارزقنا سلامة القلب كما تحب وترضى.. لو ظننت أنها يسيرة فاعلم أنك لم تلج بعد الطريق! وإنها ليسيرة على من يسرها الله عليه، وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين!
* عجبا لقوم عند الحديث على من يخالفه من المسلمين يتلذذون بذكر مساوئهم ورميهم بما فيهم وما ليس فيهم، ويظهرون البراءة منهم، وعند ذكر الغرب أو من يواليهم من أحلاسهم يتمعنون في التماس العذر لهم، ويدافعون عنهم ويظهرون الولاء لهم والمودة!
ألم يقرأوا قوله تعالى: {وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ} [النساء من الآية:107]، وقوله تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [هود من الآية:113]، لكن لعل ذلك أن للنفس مع أهل السطوة كبوة! والأعجب أن يلصق ذلك بالشرع ويحسبون أنهم على شيء! فلمن اجتمع فيه ذلك أقول بصدق بلا حرج: إني أبغضكم في الله! -وتلك نفثة خارج الموضوع "ما علينا"-!

حال الإنسان عند حلول المصيبة


العبد في هذه الدنيا معرض لصنوف من البلاء، والاختبار، وما ذلك إلا ليعلم الله تعالى من العبد صبره ورضاه.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فإن العبد في هذه الدنيا معرض لصنوف من البلاء، والاختبار، وما ذلك إلا ليعلم الله تعالى من العبد صبره ورضاه؛ وحسن قبوله لحكم الله وأمره، قال الله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك:2].
والإنسان عندما يصاب بمصيبة، فإن له أحوالًا في تقبل تلك المصيبة، إما بالعجز والجزع، وإما بالصبر وحبس النفسعن الجزع، وإما بالرضا، وإما بالشكر.
قال ابن القيم (ت751هـ) رحمه الله تعالى: "والمصائب التي تحل بالعبد، وليس له حيلة في دفعها، كموت من يعزُّ عليه، وسرقة ماله، ومرضه، ونحو ذلك، فإن للعبد فيها أربع مقامات:
أحدها: مقام العجز، وهو مقام الجزع والشكوى والسخط، وهذا ما لا يفعله إلا أقل الناس عقلًا ودينًا ومروءة.
المقام الثاني: مقام الصبر إما لله، وإما للمروءة الإنسانية.
المقام الثالث: مقام الرضى وهو أعلى من مقام الصبر، وفي وجوبه نزاع، والصبر متفق على وجوبه.
المقام الرابع: مقام الشكر، وهو أعلى من مقام الرضى؛ فإنه يشهدُ البليةَ نعمة، فيشكر المُبْتَلي عليها" (عدة الصابرين: [ص81]).
وقد علق على هذه المقامات الأربع الشيخ محمد بن عثيمين[1] رحمه الله تعالى فقال: للإنسان عند حلول المصيبة له أربع حالات:
الحال الأول: أن يتسخط.
الحال الثاني: أن يصبر.
الحال الثالث: أن يرضى.
الحال الرابع: أن يشكر.

هذه أربع حالات للإنسان عندما يصاب بالمصيبة.
أما الحال الأول: أن يتسخط إما بقلبه أو بلسانه أو بجوارحه:
ـ فتسخط القلب أن يكون في قلبه شيء على ربه عز وجل من السُّخط والشره على الله تعالى والعياذ بالله وما أشبهه، ويشعر وكأن الله قد ظلمه بهذه المصيبة.
ـ وأما باللسان فأن يدعو بالويل والثبور، يا ويلاه! يا ثبوراه! وأن يسب الدهر فيؤذي الله عز وجل وما أشبهه.
ـ وأما التسخط بالجوارح مثل: أن يلطم خده، أو يصفع رأسه، أو ينتف شعره، أو يشق ثوبه، وما أشبهه ذلك.
هذا حال السخط حال الهلعين الذين حرموا من الثواب، ولم ينجوا من المصيبة بل الذين اكتسبوا الإثم؛ فصار عندهم مصيبتان: مصيبة في الدين بالسخط، ومصيبة في الدنيا لما أتاهم ممَّا يؤلمهم.
أما الحال الثانية: فالصبر على المصيبة بأن يحبس نفسه؛ هو يكره المصيبة ولا يحبها، ولا يحب إن وقعت، لكن يصبّر نفسه؛ لا يتحدث باللسان بما يسخط الله، ولا يفعل بجوارحه ما يغضب الله تعالى، ولا يكون في قلبه على الله شيءٌ أبدًا؛ صابر لكنه كاره لها.
والحال الثالثة: الرِّضى بأن يكون الإنسان منشرحًا صدره بهذه المصيبة ويرضى بها رضاءً تامًا، وكأنه لم يصب بها.
والحال الرابعة: الشُكر فيشكر الله تعالى عليها، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يكره قال: «الحمد لله على كل حال» [2]. فيشكر الله من أجل أن يُرتب له من الثواب على هذه المصيبة أكثر مما أصابه.
 
مسألة: ما ينبغي لمن بلغته المصيبة أن يفعل:
ينبغي لمن بلغته مصيبة، أيَّاً كانت هذه المصيبة أمور:
[أ] - الصبر؛ فيسن الصبر على المصيبة، ويجب منه ما يمنعه عن المحرم (الفروع [2/223]).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (728هـ) رحمه الله تعالى:"والصبر واجب باتفاق العلماء"[3].
قال ابن القيم (ت751هـ) رحمه الله تعالى: "والصبر واجب بإجماع الأمة، وهو نصف الإيمان، فإن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر"[4].
والصبر هو: حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش (مدارج السالكين [2/162]). قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ . أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} {البقرة:155-157}.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر فقال: «اتقي الله واصبري» قالت: "إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه!" فقيل لها: "إنه النبي صلى الله عليه وسلم" فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين، فقالت: "لم أعرفك"، فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» [5].
قال الحافظ ابن حجر (ت852هـ) رحمه الله تعالى عند قوله صلى الله عليه وسلم : «إنّما الصبر عند الصّدمَة الأولى» المعنى "إذا وقع الثبات أول شيء يهجم على القلب من مقتضيات الجزع فذلك هو الصبر الكامل الذي يترتَب عليه الأَجر؛ قال الخطابي: المعنى أن الصبر الذي يحمد عليه صاحبه ما كان عند مفاجأَة المصيبة، بخلاف ما بعد ذلك فإنه مع الأيام يسلو؛ وحكى الخطابي عن غيره أن المرء لا يُؤجر على المصيبة لأنّها ليست من صنعه، وإنَما يؤجر على حسن تثبته وجميل صبره؛ وقال ابن بطّال: أراد أن لا يجتمع عليها مصيبة الهلاك وفقد الأَجر" (فتح الباري [3/494]-[495]).
قال الإمام الموفق ابن قدامة (ت620هـ) رحمه الله تعالى: "وينبغي للمصاب أن يستعين بالله تعالى، ويتعزى بعزائه، ويمتثل أمره في الاستعانة بالصبر والصلاة، ويَتَنَجَّز ما وعد الله الصابرين، قال الله عز وجل: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ .الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ . أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}، ويسترجع" (المغني [3/495]).
[ب]- الرضا بالقضاء والقدر والتسليم التام لله عز وجل، وهذه الصفة هي من أعظم صفات المؤمن المتوكل على الله، المصدق بموعود الله، الراضي بحكم الله، وبما قضاه الله تعالى وقدره، بل الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان، الواردة في حديث أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه الطويل وفيه "قال: فأخبرني عن الإيمان، قال صلى الله عليه وسلم : «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره»" [6].

[ج]- قول (إنا لله وإنا إليه راجعون)
وذلك لما جاء في قوله تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} [البقرة:156].
وله أن يزيد "اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها"، لما جاء من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبدٍ تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها» قالت: فلما توفي أبو سلمة رضي الله عنه قلت: ومن خيرٌ من أبي سلمة؟ صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عزم الله علي فقلتها، فما الخلف؟! قالت: فتزوجت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن خير من رسول الله صلى الله عليه وسلم [7].

[د]- أن تعلم أن الدنيا دار ابتلاء وامتحان؛ لذا فهي مليئة بالمصائب، والأكدار، والأحزان، كما قال ربنا الرحمن: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة:155]، وقال عز وجل: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد:4].

[هـ]- تذكر أن العبد وأهله وماله لله عز وجل فله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، قال لبيد: وما المال والأهلون إلا ودائع ولابد يومًا أن ترد الودائع.
[و]- الاستعانة على المصيبة بالصلاة، قال الله تعالى: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} [البقرة:45]؛ وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى [8]، ومعنى حزبه: أي نزل به أمرٌ مهم، أو أصابه غم.
وهذا حال المؤمن الصادق، الذي لا يخطر على قلبه في وقت المحن والشدائد، إلا تذكر الله عز وجل، لأنه الذي بيده مفاتيح الفرج.
ولما أخبر ابن عباس رضي الله عنهما بوفاة أحد إخوانه استرجع وصلى ركعتين أطال فيهما الجلـوس، ثم قام وهـو يقول: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} [9].
[ز]- تذكر ثواب المصائب، والصبر عليها، وإليك شيئًا منه:
[1]- دخول الجنة: قال الله تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ . سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد:23-24].
وقال صلى الله عليه وسلم: «يقول الله عز وجل: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت [10] صفيّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة» [11]. وصفيه هو حبيبه المصافي كالولد، والأخ، وكل من يحبه الإنسان،والمراد بقوله عز وجل (ثم احتسبه): أي صبر على فقده راجيًا الأجر من الله تعالى على ذلك (فتح الباري [13/20]).

[2]- الصابرون يوفون أجورهم بغير حساب، قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر:10]، قال الأوزاعي: "ليس يوزن لهم ولا يكال، إنما يغرف لهم غرفًا" (تفسير ابن كثير [4/52]).

[3]- معية الله للصابرين، وهي المعية الخاصة المقتضية للمعونة والنصرة والتوفيق، قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة:153.

[4]- محبة الله للصابرين، قال تعالى: {وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران:146].

[5]- تكفير السيئات لمن صبر على ما يصيبه في حال الدنيا، كبر المصاب أم صغر؛ قال صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب، ولا همٍ، ولا حزن، ولا أذىً، ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه» [12]، والنصب التعب، والوصب: المرض، وقيل هو المرض اللازم.
قال الإمام القرافي (ت684هـ) رحمه الله تعالى: "المصائب كفارات جزمًا سواءً اقترن بها الرضا أم لا، لكن إن اقتران بها الرضا عظم التكفير وإلا قل" (فتح الباري [11/242]).
وقال صلى الله عليه وسلم : «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله, حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة» [13].

[6]- حصول الصلوات، والرحمة، والهداية من الله تعالى للعبد الصابر؛ قال الله عز وجل: {أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة:157].

[7]- رفع منزلة المصاب؛ قال صلى الله عليه وسلم: «إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها بعمله ابتلاه الله في جسده، أو في ماله، أو في ولده، ثم صبّره على ذلك حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله تعالى» [14].

حال الإنسان عند حلول المصيبة

حال الإنسان عند حلول المصيبة


العبد في هذه الدنيا معرض لصنوف من البلاء، والاختبار، وما ذلك إلا ليعلم الله تعالى من العبد صبره ورضاه.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فإن العبد في هذه الدنيا معرض لصنوف من البلاء، والاختبار، وما ذلك إلا ليعلم الله تعالى من العبد صبره ورضاه؛ وحسن قبوله لحكم الله وأمره، قال الله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك:2].
والإنسان عندما يصاب بمصيبة، فإن له أحوالًا في تقبل تلك المصيبة، إما بالعجز والجزع، وإما بالصبر وحبس النفسعن الجزع، وإما بالرضا، وإما بالشكر.
قال ابن القيم (ت751هـ) رحمه الله تعالى: "والمصائب التي تحل بالعبد، وليس له حيلة في دفعها، كموت من يعزُّ عليه، وسرقة ماله، ومرضه، ونحو ذلك، فإن للعبد فيها أربع مقامات:
أحدها: مقام العجز، وهو مقام الجزع والشكوى والسخط، وهذا ما لا يفعله إلا أقل الناس عقلًا ودينًا ومروءة.
المقام الثاني: مقام الصبر إما لله، وإما للمروءة الإنسانية.
المقام الثالث: مقام الرضى وهو أعلى من مقام الصبر، وفي وجوبه نزاع، والصبر متفق على وجوبه.
المقام الرابع: مقام الشكر، وهو أعلى من مقام الرضى؛ فإنه يشهدُ البليةَ نعمة، فيشكر المُبْتَلي عليها" (عدة الصابرين: [ص81]).
وقد علق على هذه المقامات الأربع الشيخ محمد بن عثيمين[1] رحمه الله تعالى فقال: للإنسان عند حلول المصيبة له أربع حالات:
الحال الأول: أن يتسخط.
الحال الثاني: أن يصبر.
الحال الثالث: أن يرضى.
الحال الرابع: أن يشكر.

هذه أربع حالات للإنسان عندما يصاب بالمصيبة.
أما الحال الأول: أن يتسخط إما بقلبه أو بلسانه أو بجوارحه:
ـ فتسخط القلب أن يكون في قلبه شيء على ربه عز وجل من السُّخط والشره على الله تعالى والعياذ بالله وما أشبهه، ويشعر وكأن الله قد ظلمه بهذه المصيبة.
ـ وأما باللسان فأن يدعو بالويل والثبور، يا ويلاه! يا ثبوراه! وأن يسب الدهر فيؤذي الله عز وجل وما أشبهه.
ـ وأما التسخط بالجوارح مثل: أن يلطم خده، أو يصفع رأسه، أو ينتف شعره، أو يشق ثوبه، وما أشبهه ذلك.
هذا حال السخط حال الهلعين الذين حرموا من الثواب، ولم ينجوا من المصيبة بل الذين اكتسبوا الإثم؛ فصار عندهم مصيبتان: مصيبة في الدين بالسخط، ومصيبة في الدنيا لما أتاهم ممَّا يؤلمهم.
أما الحال الثانية: فالصبر على المصيبة بأن يحبس نفسه؛ هو يكره المصيبة ولا يحبها، ولا يحب إن وقعت، لكن يصبّر نفسه؛ لا يتحدث باللسان بما يسخط الله، ولا يفعل بجوارحه ما يغضب الله تعالى، ولا يكون في قلبه على الله شيءٌ أبدًا؛ صابر لكنه كاره لها.
والحال الثالثة: الرِّضى بأن يكون الإنسان منشرحًا صدره بهذه المصيبة ويرضى بها رضاءً تامًا، وكأنه لم يصب بها.
والحال الرابعة: الشُكر فيشكر الله تعالى عليها، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يكره قال: «الحمد لله على كل حال» [2]. فيشكر الله من أجل أن يُرتب له من الثواب على هذه المصيبة أكثر مما أصابه.
 
مسألة: ما ينبغي لمن بلغته المصيبة أن يفعل:
ينبغي لمن بلغته مصيبة، أيَّاً كانت هذه المصيبة أمور:
[أ] - الصبر؛ فيسن الصبر على المصيبة، ويجب منه ما يمنعه عن المحرم (الفروع [2/223]).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (728هـ) رحمه الله تعالى:"والصبر واجب باتفاق العلماء"[3].
قال ابن القيم (ت751هـ) رحمه الله تعالى: "والصبر واجب بإجماع الأمة، وهو نصف الإيمان، فإن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر"[4].
والصبر هو: حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش (مدارج السالكين [2/162]). قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ . أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} {البقرة:155-157}.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر فقال: «اتقي الله واصبري» قالت: "إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه!" فقيل لها: "إنه النبي صلى الله عليه وسلم" فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين، فقالت: "لم أعرفك"، فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» [5].
قال الحافظ ابن حجر (ت852هـ) رحمه الله تعالى عند قوله صلى الله عليه وسلم : «إنّما الصبر عند الصّدمَة الأولى» المعنى "إذا وقع الثبات أول شيء يهجم على القلب من مقتضيات الجزع فذلك هو الصبر الكامل الذي يترتَب عليه الأَجر؛ قال الخطابي: المعنى أن الصبر الذي يحمد عليه صاحبه ما كان عند مفاجأَة المصيبة، بخلاف ما بعد ذلك فإنه مع الأيام يسلو؛ وحكى الخطابي عن غيره أن المرء لا يُؤجر على المصيبة لأنّها ليست من صنعه، وإنَما يؤجر على حسن تثبته وجميل صبره؛ وقال ابن بطّال: أراد أن لا يجتمع عليها مصيبة الهلاك وفقد الأَجر" (فتح الباري [3/494]-[495]).
قال الإمام الموفق ابن قدامة (ت620هـ) رحمه الله تعالى: "وينبغي للمصاب أن يستعين بالله تعالى، ويتعزى بعزائه، ويمتثل أمره في الاستعانة بالصبر والصلاة، ويَتَنَجَّز ما وعد الله الصابرين، قال الله عز وجل: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ .الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ . أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}، ويسترجع" (المغني [3/495]).
[ب]- الرضا بالقضاء والقدر والتسليم التام لله عز وجل، وهذه الصفة هي من أعظم صفات المؤمن المتوكل على الله، المصدق بموعود الله، الراضي بحكم الله، وبما قضاه الله تعالى وقدره، بل الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان، الواردة في حديث أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه الطويل وفيه "قال: فأخبرني عن الإيمان، قال صلى الله عليه وسلم : «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره»" [6].

[ج]- قول (إنا لله وإنا إليه راجعون)
وذلك لما جاء في قوله تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} [البقرة:156].
وله أن يزيد "اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها"، لما جاء من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبدٍ تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها» قالت: فلما توفي أبو سلمة رضي الله عنه قلت: ومن خيرٌ من أبي سلمة؟ صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عزم الله علي فقلتها، فما الخلف؟! قالت: فتزوجت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن خير من رسول الله صلى الله عليه وسلم [7].

[د]- أن تعلم أن الدنيا دار ابتلاء وامتحان؛ لذا فهي مليئة بالمصائب، والأكدار، والأحزان، كما قال ربنا الرحمن: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة:155]، وقال عز وجل: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد:4].

[هـ]- تذكر أن العبد وأهله وماله لله عز وجل فله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، قال لبيد: وما المال والأهلون إلا ودائع ولابد يومًا أن ترد الودائع.
[و]- الاستعانة على المصيبة بالصلاة، قال الله تعالى: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} [البقرة:45]؛ وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى [8]، ومعنى حزبه: أي نزل به أمرٌ مهم، أو أصابه غم.
وهذا حال المؤمن الصادق، الذي لا يخطر على قلبه في وقت المحن والشدائد، إلا تذكر الله عز وجل، لأنه الذي بيده مفاتيح الفرج.
ولما أخبر ابن عباس رضي الله عنهما بوفاة أحد إخوانه استرجع وصلى ركعتين أطال فيهما الجلـوس، ثم قام وهـو يقول: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} [9].
[ز]- تذكر ثواب المصائب، والصبر عليها، وإليك شيئًا منه:
[1]- دخول الجنة: قال الله تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ . سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد:23-24].
وقال صلى الله عليه وسلم: «يقول الله عز وجل: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت [10] صفيّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة» [11]. وصفيه هو حبيبه المصافي كالولد، والأخ، وكل من يحبه الإنسان،والمراد بقوله عز وجل (ثم احتسبه): أي صبر على فقده راجيًا الأجر من الله تعالى على ذلك (فتح الباري [13/20]).

[2]- الصابرون يوفون أجورهم بغير حساب، قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر:10]، قال الأوزاعي: "ليس يوزن لهم ولا يكال، إنما يغرف لهم غرفًا" (تفسير ابن كثير [4/52]).

[3]- معية الله للصابرين، وهي المعية الخاصة المقتضية للمعونة والنصرة والتوفيق، قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة:153.

[4]- محبة الله للصابرين، قال تعالى: {وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران:146].

[5]- تكفير السيئات لمن صبر على ما يصيبه في حال الدنيا، كبر المصاب أم صغر؛ قال صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب، ولا همٍ، ولا حزن، ولا أذىً، ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه» [12]، والنصب التعب، والوصب: المرض، وقيل هو المرض اللازم.
قال الإمام القرافي (ت684هـ) رحمه الله تعالى: "المصائب كفارات جزمًا سواءً اقترن بها الرضا أم لا، لكن إن اقتران بها الرضا عظم التكفير وإلا قل" (فتح الباري [11/242]).
وقال صلى الله عليه وسلم : «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله, حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة» [13].

[6]- حصول الصلوات، والرحمة، والهداية من الله تعالى للعبد الصابر؛ قال الله عز وجل: {أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة:157].

[7]- رفع منزلة المصاب؛ قال صلى الله عليه وسلم: «إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها بعمله ابتلاه الله في جسده، أو في ماله، أو في ولده، ثم صبّره على ذلك حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله تعالى» [14].

الكذب على الله تعالى يتضمَّن القول عليه بغير علم، كوصفه بأوصاف لم يصف الله بها نفسه، ولم يصفها بها رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فهذا من الكذب.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج:30].

قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ}؛ يعني: "الافتراء على الله والتكذيب"؛ (تفسير الطبري: [112/17]).

ويقول ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في الآية السابقة: "واتقوا قول الكذب والفرية على الله بقولكم في الآلهة: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3]، وقولكم للملائكة: هي بنات الله... ونحو ذلك من القول؛ فإن ذلك كذبٌ وزور وشرك".

• والكذب على الله من أخطر وأشد أنواع الكذب، قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود:18].

• والكذب على الله تعالى يتضمَّن القول عليه بغير علم، كوصفه بأوصاف لم يصف الله بها نفسه، ولم يصفها بها رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فهذا من الكذب.

• والكذب على الله تعالى يدخل فيه أيضًا: تحليل ما حرَّم الله تعالى، أو تحريم ما أحلَّ الله تعالى، وقد حذَّر الله تعالى من هذا، فقال الله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} [النحل:116].

قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى في تفسيره (زاد المسير في علم التفسير):
"وقد ذهب طائفة من العلماء: إلى أن الكذب على الله وعلى رسوله كفر، ولا ريب أن الكذب على الله وعلى رسوله مُتَعَمدًا في تحليل حرام، أو تحريم حلال - كفر محض" اهـ.

وكان السلف الكرام يخافون أن يتجرؤوا على قولهم: هذا حلال وهذا حرام.

يقول الإمام مالك رحمه الله: "لم يكن أسلافنا يقولون: هذا حلال وهذا حرام، ما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره هذا، ونرى هذا حسنًا، ونتقي هذا، ولا نرى هذا، فالله تعالى يقول: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس:59]، الحلال ما أحل الله، والحرام ما حرَّمه الله". اهـ؛ (جامع بيان العلم وفضله)، (إعلام الموقعين: [38/1]).
 
إذًا من الكذب على الله تعالى تشريع أمرٍ لم يأذن به الله تعالى.
والنبي صلى الله عليه وسلم رأى عمرو بن عامر الخزاعي يجُرُّ أمعاءه في النار؛ لأنه أول مَن غيَّر في دين العرب، وشرع لهم أمورًا لم يأذن بها الله تعالى، فحرَّم أنواعًا من الإبل أن تركب، وأنواعًا أخرى حرَّم حلبها، وأنواعًا أخرى سيَّبها لآلهتهم المزعومة.

وقد جاء في (الصحيحين) من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يَجُرُّ قُصْبَه في النار، وكان أول من سيَّب السوائب».
وصدق الله سبحانه وتعالى حيث قال: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام:144]، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} [يونس:69].

• ومن الكذب على الله ادعاء أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة الإسراء والمعراج، وكذلك مَن كتم شيئًا من كتاب الله تعالى، ومَن ادَّعى الغيب؛ فقد أخرج الإمام مسلم عن مسروق قال: "كنتُ مُتَّكئًا عند عائشة، فقالت: يا أبا عائشة، ثلاثٌ مَن تكلَّم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية [1]، قلت: ما هُنَّ؟ قالت: مَن زعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى ربَّه فقد أعظم على الله الفرية، قال: وكنت متكئًا فجلست، فقلت: يا أم المؤمنين، أنظريني [2] ولا تُعْجِليني، ألم يقل الله عز وجل: {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} [التكوير:23] {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم:13]، فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «إنما هو جبريل، لم أرَه على صورته التي خُلِقَ عليها غيرَ هاتين المَرَّتين، رأيته مُنْهَبِطًا من السماء سادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ ما بين السماء إلى الأرض» [3]، فقالت: أولم تسمع أن الله يقول: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام:103]؟ أولم تسمع أن الله يقول: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى:51]؟ قالت: ومَن زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئًا من كتاب الله؛ فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة:67]، قالت: ومَن زعم أنه يُخبِرُ بما يكون في غَدٍ فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل:65]".

• ومن الكذب على الله قول البعض: "يعلم الله كذا وكذا" وهو على يقين أن الأمر بخلاف ذلك، وقد نهى الشرع عن هذا القول كذبًا أو حال الشك؛ فقد أخرج البخاري في (الأدب المفرد) بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لا يقولنَّ أحدكم لشيء لا يَعلمه: الله يَعلمه، والله يَعلم غير ذلك، فيُعلم اللهَ ما لا يَعلم؛ فذاك عند الله عظيم".

قال الإمام النووي رحمه الله في (الأذكار [326]):
"وهذه العبارة (يعلم الله) فيها خطر، فإن كان صاحبها مُتيقِّنًا أن الأمر كما قال، فلا بأس بها، وإن كان تشكك في ذلك، فهو من أقبح القبائح؛ لأنه تعرَّض للكذب على الله تعالى، فإنه أخبر أن الله تعالى يعلم شيئًا لا يتيقن كيف هو، وفيه وقيعة أخرى أقبح من هذا، وهو أنه تعرَّض لوصف الله تعالى بأنه يعلم الأمر على خلاف ما هو، وذلك لو تحقَّق كان كفرًا، فينبغي للإنسان اجتناب هذه العبارة". اهـ.

• ومن الكذب على الله تخصيص بعض الليالي أو الأيام أو الشهور بعبادات لم يأذن بها الشرع الحكيم.

• ويدخل في الكذب على الله ورسوله كذلك الفتوى بغير علم، ولقد حذَّر الله من هذا، فقال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء:36]، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف:33].

قال ابن الجوزي رحمه الله في قوله تعالى: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}: "عام في تحريم القول في الدين من غير يقين"؛ (زاد المسير في علم التفسير: [192/3]).

وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العِبَاد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْقِ عالمًا، اتخذ الناسُ رؤوسًا جُهَّالاً، فسُئِلُوا فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وأضلُّوا».

فالله عز وجل لم يُبِح لأحد أن يتقوَّل عليه ما لم يقله، وتوعَّده بوعيد شديد! حتى إنه قال عن خليله وصفيِّه محمد صلى الله عليه وسلم: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ . لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ . فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة:44-47]. ومعنىالوتين: يقول ابن عباس رضي الله عنه: "هو نياط القلب، وهو العِرْقُ الذي القلب معلقٌ فيه".

والنبي صلى الله عليه وسلم لا يتصور منه شرعًا ولا عقلًا أن يكذب على رب العالمين، حاشاه فهو المعصوم، ولكن المعنى والمقصود من الآية: تحذير الأمة من الكذب على الله تعالى، وكأنه سبحانه يقول: هذا نبيِّي وخليلي لو كذب عليَّ لقطعت منه نياط قلبه، فكيف أنتم؟!

ومن الآيات التي تُرَهِّب من الكذب قوله تعالى: {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ} [الأحزاب:8].

• قال ابن القيم رحمه الله كما في (إغاثة اللهفان [83/1]): "عجبًا والله... سُئِلُوا وحوسبوا وهم صادقون، فكيف بالكاذبين؟".
 
• ومن الكذب على الله  تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم ادعاء النبوة:
فقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيخرج في هذه الأمة كذَّابون دجَّالون يدَّعون النبوة؛ كما جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم من حديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن بين يدي الساعة كذَّابين»، قال جابر: فاحذروهم.

• وعند البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث له: «... ولا تقوم الساعة حتى يبعث[4] دجَّالون كذَّابون قريبًا من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله».

• وأخرج الإمام مسلم عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها في قصة مقتل ابنها عبدالله بن الزبير، قالت وهي تخاطبالحجاج بن يوسف الثقفي الذي قاد الجيش لقتال عبدالله بن الزبير: "أما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدَّثنا أن في ثقيف كذَّابًا ومبيرًا، فأمَّا الكذَّاب فقد رأيناه، وأما المبير فلا إخَالُك إلا إياه، قال: فقام عنها ولم يراجعها".

• قال الإمام النووي رحمه الله كما في (شرح مسلم [328/8]): "وقولها في الكذَّاب: "فرأيناه"؛ تعني: به المختار بن أبي عبيد الثقفي[5]، كان شديد الكذب، ومن قبحه ادعى أن جبريل عليه السلام يأتيه، واتفق العلماء على أن المراد بالكذَّاب هنا "المختار بن أبي عبيد"، وبالمبير "الحجاج بن يوسف الثقفي"، والله أعلم". اهـ

• وكان من جملة هؤلاء الكذَّابين مسيلمة الكذَّاب باليمامة، الذي كان يدَّعي أنه يوحى إليه كما يوحى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام:93]، وآخر هؤلاء الكذَّابين خروجًا هو المسيح الأعور الكذَّاب؛ ففي (مسند الإمام أحمد) بسند صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وإنه والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذَّابًا، آخرهم الأعور الكذَّاب».

• وعند البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بُعِثَ نبيٌّ إلا أنذر أمته الأعور الكذَّاب، ألاَ إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وإن بين عينيه مكتوب كافر».
 
وبعد:
فقد وقفنا على بعضٍ من صور الكذب على الله تعالى، وأنها من الخطورة بمكان، وقد جعل الله تعالى علامةً يوم القيامةيعرف بها كلُّ مَن كذب عليه، قال تعالى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر:60].

الكذب على الله تعالى

الكذب على الله تعالى يتضمَّن القول عليه بغير علم، كوصفه بأوصاف لم يصف الله بها نفسه، ولم يصفها بها رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فهذا من الكذب.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج:30].

قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ}؛ يعني: "الافتراء على الله والتكذيب"؛ (تفسير الطبري: [112/17]).

ويقول ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في الآية السابقة: "واتقوا قول الكذب والفرية على الله بقولكم في الآلهة: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3]، وقولكم للملائكة: هي بنات الله... ونحو ذلك من القول؛ فإن ذلك كذبٌ وزور وشرك".

• والكذب على الله من أخطر وأشد أنواع الكذب، قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود:18].

• والكذب على الله تعالى يتضمَّن القول عليه بغير علم، كوصفه بأوصاف لم يصف الله بها نفسه، ولم يصفها بها رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فهذا من الكذب.

• والكذب على الله تعالى يدخل فيه أيضًا: تحليل ما حرَّم الله تعالى، أو تحريم ما أحلَّ الله تعالى، وقد حذَّر الله تعالى من هذا، فقال الله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} [النحل:116].

قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى في تفسيره (زاد المسير في علم التفسير):
"وقد ذهب طائفة من العلماء: إلى أن الكذب على الله وعلى رسوله كفر، ولا ريب أن الكذب على الله وعلى رسوله مُتَعَمدًا في تحليل حرام، أو تحريم حلال - كفر محض" اهـ.

وكان السلف الكرام يخافون أن يتجرؤوا على قولهم: هذا حلال وهذا حرام.

يقول الإمام مالك رحمه الله: "لم يكن أسلافنا يقولون: هذا حلال وهذا حرام، ما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره هذا، ونرى هذا حسنًا، ونتقي هذا، ولا نرى هذا، فالله تعالى يقول: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس:59]، الحلال ما أحل الله، والحرام ما حرَّمه الله". اهـ؛ (جامع بيان العلم وفضله)، (إعلام الموقعين: [38/1]).
 
إذًا من الكذب على الله تعالى تشريع أمرٍ لم يأذن به الله تعالى.
والنبي صلى الله عليه وسلم رأى عمرو بن عامر الخزاعي يجُرُّ أمعاءه في النار؛ لأنه أول مَن غيَّر في دين العرب، وشرع لهم أمورًا لم يأذن بها الله تعالى، فحرَّم أنواعًا من الإبل أن تركب، وأنواعًا أخرى حرَّم حلبها، وأنواعًا أخرى سيَّبها لآلهتهم المزعومة.

وقد جاء في (الصحيحين) من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يَجُرُّ قُصْبَه في النار، وكان أول من سيَّب السوائب».
وصدق الله سبحانه وتعالى حيث قال: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام:144]، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} [يونس:69].

• ومن الكذب على الله ادعاء أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة الإسراء والمعراج، وكذلك مَن كتم شيئًا من كتاب الله تعالى، ومَن ادَّعى الغيب؛ فقد أخرج الإمام مسلم عن مسروق قال: "كنتُ مُتَّكئًا عند عائشة، فقالت: يا أبا عائشة، ثلاثٌ مَن تكلَّم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية [1]، قلت: ما هُنَّ؟ قالت: مَن زعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى ربَّه فقد أعظم على الله الفرية، قال: وكنت متكئًا فجلست، فقلت: يا أم المؤمنين، أنظريني [2] ولا تُعْجِليني، ألم يقل الله عز وجل: {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} [التكوير:23] {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم:13]، فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «إنما هو جبريل، لم أرَه على صورته التي خُلِقَ عليها غيرَ هاتين المَرَّتين، رأيته مُنْهَبِطًا من السماء سادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ ما بين السماء إلى الأرض» [3]، فقالت: أولم تسمع أن الله يقول: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام:103]؟ أولم تسمع أن الله يقول: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى:51]؟ قالت: ومَن زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئًا من كتاب الله؛ فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة:67]، قالت: ومَن زعم أنه يُخبِرُ بما يكون في غَدٍ فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل:65]".

• ومن الكذب على الله قول البعض: "يعلم الله كذا وكذا" وهو على يقين أن الأمر بخلاف ذلك، وقد نهى الشرع عن هذا القول كذبًا أو حال الشك؛ فقد أخرج البخاري في (الأدب المفرد) بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لا يقولنَّ أحدكم لشيء لا يَعلمه: الله يَعلمه، والله يَعلم غير ذلك، فيُعلم اللهَ ما لا يَعلم؛ فذاك عند الله عظيم".

قال الإمام النووي رحمه الله في (الأذكار [326]):
"وهذه العبارة (يعلم الله) فيها خطر، فإن كان صاحبها مُتيقِّنًا أن الأمر كما قال، فلا بأس بها، وإن كان تشكك في ذلك، فهو من أقبح القبائح؛ لأنه تعرَّض للكذب على الله تعالى، فإنه أخبر أن الله تعالى يعلم شيئًا لا يتيقن كيف هو، وفيه وقيعة أخرى أقبح من هذا، وهو أنه تعرَّض لوصف الله تعالى بأنه يعلم الأمر على خلاف ما هو، وذلك لو تحقَّق كان كفرًا، فينبغي للإنسان اجتناب هذه العبارة". اهـ.

• ومن الكذب على الله تخصيص بعض الليالي أو الأيام أو الشهور بعبادات لم يأذن بها الشرع الحكيم.

• ويدخل في الكذب على الله ورسوله كذلك الفتوى بغير علم، ولقد حذَّر الله من هذا، فقال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء:36]، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف:33].

قال ابن الجوزي رحمه الله في قوله تعالى: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}: "عام في تحريم القول في الدين من غير يقين"؛ (زاد المسير في علم التفسير: [192/3]).

وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العِبَاد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْقِ عالمًا، اتخذ الناسُ رؤوسًا جُهَّالاً، فسُئِلُوا فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وأضلُّوا».

فالله عز وجل لم يُبِح لأحد أن يتقوَّل عليه ما لم يقله، وتوعَّده بوعيد شديد! حتى إنه قال عن خليله وصفيِّه محمد صلى الله عليه وسلم: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ . لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ . فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة:44-47]. ومعنىالوتين: يقول ابن عباس رضي الله عنه: "هو نياط القلب، وهو العِرْقُ الذي القلب معلقٌ فيه".

والنبي صلى الله عليه وسلم لا يتصور منه شرعًا ولا عقلًا أن يكذب على رب العالمين، حاشاه فهو المعصوم، ولكن المعنى والمقصود من الآية: تحذير الأمة من الكذب على الله تعالى، وكأنه سبحانه يقول: هذا نبيِّي وخليلي لو كذب عليَّ لقطعت منه نياط قلبه، فكيف أنتم؟!

ومن الآيات التي تُرَهِّب من الكذب قوله تعالى: {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ} [الأحزاب:8].

• قال ابن القيم رحمه الله كما في (إغاثة اللهفان [83/1]): "عجبًا والله... سُئِلُوا وحوسبوا وهم صادقون، فكيف بالكاذبين؟".
 
• ومن الكذب على الله  تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم ادعاء النبوة:
فقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيخرج في هذه الأمة كذَّابون دجَّالون يدَّعون النبوة؛ كما جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم من حديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن بين يدي الساعة كذَّابين»، قال جابر: فاحذروهم.

• وعند البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث له: «... ولا تقوم الساعة حتى يبعث[4] دجَّالون كذَّابون قريبًا من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله».

• وأخرج الإمام مسلم عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها في قصة مقتل ابنها عبدالله بن الزبير، قالت وهي تخاطبالحجاج بن يوسف الثقفي الذي قاد الجيش لقتال عبدالله بن الزبير: "أما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدَّثنا أن في ثقيف كذَّابًا ومبيرًا، فأمَّا الكذَّاب فقد رأيناه، وأما المبير فلا إخَالُك إلا إياه، قال: فقام عنها ولم يراجعها".

• قال الإمام النووي رحمه الله كما في (شرح مسلم [328/8]): "وقولها في الكذَّاب: "فرأيناه"؛ تعني: به المختار بن أبي عبيد الثقفي[5]، كان شديد الكذب، ومن قبحه ادعى أن جبريل عليه السلام يأتيه، واتفق العلماء على أن المراد بالكذَّاب هنا "المختار بن أبي عبيد"، وبالمبير "الحجاج بن يوسف الثقفي"، والله أعلم". اهـ

• وكان من جملة هؤلاء الكذَّابين مسيلمة الكذَّاب باليمامة، الذي كان يدَّعي أنه يوحى إليه كما يوحى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام:93]، وآخر هؤلاء الكذَّابين خروجًا هو المسيح الأعور الكذَّاب؛ ففي (مسند الإمام أحمد) بسند صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وإنه والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذَّابًا، آخرهم الأعور الكذَّاب».

• وعند البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بُعِثَ نبيٌّ إلا أنذر أمته الأعور الكذَّاب، ألاَ إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وإن بين عينيه مكتوب كافر».
 
وبعد:
فقد وقفنا على بعضٍ من صور الكذب على الله تعالى، وأنها من الخطورة بمكان، وقد جعل الله تعالى علامةً يوم القيامةيعرف بها كلُّ مَن كذب عليه، قال تعالى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر:60].

Popular Posts