background img

The New Stuff

أثبت أحد


قال الرسول صلى الله عليه وسلم «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل : قدر الله، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» (صحيح مسلم).

بسم الله الرحمن الرحيم
إذا فتح الله لك باب خير
فﻻ تغلقه ..وواصل مسيرك ...
وإن خذلوك البشر...وإن رموك الأعداء بالحجر..
فطريق الدعوة ليس ممهد بالورود ..
فلابد من وجود الأشواك...
ولايرمى إلا الشجر المثمر
أثبت أحد .....فأنت في أختبار ...
والدنيا ليست بدار قرار...
فأغرس بذور الخير في أي أرض حللت بها
فلابد أن تثمر يوما ولو بعد رحيلك

وإن اخطأت...فلاتيأس ولاتقنط ..عد إلى الرحمن واستغفر لذنبك ..
فالله يحب التوابين والمتطهرين
واتبع السيئة الحسنة تمحُها
قال تعالى : {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} [محمد: 19].

لاتحزن إن واجهتك رياح الهموم والغموم والمصائب
فالله يحبك ..ويريد تطهيرك من الذنوب
والمؤمن في خير عظيم بين شكر على النعم وصبر على النقم
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خيرٌ، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له» (رواه مسلم).

واعلم إن طريق الأنبياء لم يكن ممهد وميسر
فكم من نبي لاقى الأذى من قومه والأقربون
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنه..
أصبروا يامن تريدون الجنة ..ورؤية وجه الرحمن...
قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10].

علق قلبك بالله العزيز الحميد في كل وقت وحين.
اعتمد عليه في كل شيء، وتوكل عليه.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل : قدر الله، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» (صحيح مسلم).
الحمد لله الذي هدانا وماكنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
قال الله تعالى : {وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا}.

أثبت أحد

أثبت أحد


قال الرسول صلى الله عليه وسلم «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل : قدر الله، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» (صحيح مسلم).

بسم الله الرحمن الرحيم
إذا فتح الله لك باب خير
فﻻ تغلقه ..وواصل مسيرك ...
وإن خذلوك البشر...وإن رموك الأعداء بالحجر..
فطريق الدعوة ليس ممهد بالورود ..
فلابد من وجود الأشواك...
ولايرمى إلا الشجر المثمر
أثبت أحد .....فأنت في أختبار ...
والدنيا ليست بدار قرار...
فأغرس بذور الخير في أي أرض حللت بها
فلابد أن تثمر يوما ولو بعد رحيلك

وإن اخطأت...فلاتيأس ولاتقنط ..عد إلى الرحمن واستغفر لذنبك ..
فالله يحب التوابين والمتطهرين
واتبع السيئة الحسنة تمحُها
قال تعالى : {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} [محمد: 19].

لاتحزن إن واجهتك رياح الهموم والغموم والمصائب
فالله يحبك ..ويريد تطهيرك من الذنوب
والمؤمن في خير عظيم بين شكر على النعم وصبر على النقم
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خيرٌ، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له» (رواه مسلم).

واعلم إن طريق الأنبياء لم يكن ممهد وميسر
فكم من نبي لاقى الأذى من قومه والأقربون
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنه..
أصبروا يامن تريدون الجنة ..ورؤية وجه الرحمن...
قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10].

علق قلبك بالله العزيز الحميد في كل وقت وحين.
اعتمد عليه في كل شيء، وتوكل عليه.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل : قدر الله، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» (صحيح مسلم).
الحمد لله الذي هدانا وماكنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
قال الله تعالى : {وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا}.

الحياة الشخصية والأسرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة الممتحنة


هذه السورة -الممتحنة- تعرض في صدرها صفحة من الحياة البيتية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وصورة من الانفعالات والاستجابات الإنسانية بين بعض نسائه وبعض، وبينهن وبينه! وانعكاس هذه الانفعالات والاستجابات في حياته صلى الله عليه وسلم، وفي حياة الجماعة المسلمة كذلك، ثم في التوجيهات العامة للأمة على ضوء ما وقع في بيوت رسول الله وبين أزواجه..

لماذا تناول القرآن العظيم الحياة الشخصية والأسرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟
أحيانًا يتساءل البعض لماذا تتناول آيات كتاب الله تعالى أحداث خاصة ببيت رسول الله بينه وبين نسائه، وأن تتلى آيات في شأن تفاصيل حياته الشخصية، ولعل من أفضل ما كتب في هذا الشأن ما كتبه الأستاذ سيد قطب رحمه الله في هذا الشأن، نسوقه إليكم..
يقول رحمه الله في تفسيره في سورة الممتحنة في حادثة تحريم مارية القبطية، أو تحريمه للعسل -تحريم بيمين-: "عند ما جرى قدر الله أن يجعل الإسلام هو الرسالة الأخيرة، وأن يجعل منهجه هو المنهاج الباقي إلى آخر الخليقة، وأن تجري حياة المؤمنين به وفق الناموس الكوني العام، وأن يكون هذا الدين هو الذي يقود حياة البشرية ويهيمن على نشاطها في كل ميدان..
عندما جرى قدر الله بهذا كله جعل الله هذا المنهج في هذه الصورة شاملًا كاملًا متكاملًا، يلبي كل طاقات البشر واستعداداتهم، في الوقت الذي يرفع هذه الطاقات وهذه الاستعدادات إلى الأفق اللائق بخليفة الله في الأرض، وبالكائن الذي كرمه الله على كثير من عباده، ونفخ فيه من روحه.
وجعل طبيعة هذا الدين الانطلاق بالحياة إلى الأمام نموًا وتكاثرًا، ورفعة وتطهرًا في آن واحد، فلم يعطل طاقة بانية، ولم يكبت استعدادًا نافعًا، بل نشط الطاقات وأيقظ الاستعدادات وفي الوقت ذاته حافظ على توازن حركة الاندفاع إلى الأمام مع حركة الارتفاع إلى الأفق الكريم، الذي يهيئ الأرواح في الدنيا لمستوى نعيم الآخرة، ويعد المخلوق الفاني في الأرض للحياة الباقية في دار الخلود.
وعندما جرى قدر الله أن يجعل طبيعة هذه العقيدة هكذا، جرى كذلك باختيار رسولها صلى الله عليه وسلم إنسانا تتمثل فيه هذه العقيدة بكل خصائصها، وتتجسم فيه بكل حقيقتها، ويكون هو بذاته وبحياته الترجمة الصحيحة الكاملة لطبيعتها واتجاهها، إنسانا قد اكتملت طاقاته الإنسانية كلها، ضليع التكوين الجسدي، قوي البنية، سليم البناء صحيح الحواس، يقظ الحس، يتذوق المحسوسات تذوقًا كاملاً سليمًا، وهو في ذات الوقت ضخم العاطفة، حي الطبع، سليم الحساسية، يتذوق الجمال، متفتح للتلقي والاستجابة..
وهو في الوقت ذاته كبير العقل، واسع الفكر، فسيح الأفق، قوي الإرادة، يملك نفسه ولا تملكه، ثم هو بعد ذلك كلهالنبي.. الذي تشرق روحه بالنور الكلي، والذي تطيق روحه الإسراء والمعراج، والذي ينادى من السماء، والذي يرى نور ربه، والذي تتصل حقيقته بحقيقة كل شيء في الوجود من وراء الأشكال والظواهر، فيسلم عليه الحصى والحجر، ويحن له الجذع، ويرتجف به أحد –الجبل-! ثم تتوازن في شخصيته هذه الطاقات كلها، فإذا هو التوازن المقابل لتوازن العقيدة التي اختير لها..
ثم يجعل الله حياته الخاصة والعامة كتابًا مفتوحًا لأمته وللبشرية كلها، تقرأ فيه صور هذه العقيدة، وترى فيه تطبيقاتها الواقعية، ومن ثم لا يجعل فيها سرًا مخبوءًا، ولا سترًا مطويًا، بل يعرض جوانب كثيرة منها في القرآن، ويكشف منها ما يطوى عادة عن الناس في حياة الإنسان العادي، حتى مواضع الضعف البشري الذي لا حيلة فيه لبشر.. 
بل إن الإنسان ليكاد يلمح القصد في كشف هذه المواضع في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم للناس! إنه ليس له في نفسه شيء خاص، فهو لهذه الدعوة كله، فعلام يختبئ جانب من حياته صلى الله عليه وسلم، أو يخبأ؟ إن حياته هي المشهد المنظور القريب الممكن التطبيق من هذه العقيدة، وقد جاء صلى الله عليه وسلم ليعرضها للناس في شخصه، وفي حياته، كما يعرضها بلسانه وتوجيهه ولهذا خلق، ولهذا جاء.
ولقد حفظ عنه أصحابه صلى الله عليه وسلم ونقلوا للناس بعدهم -جزاهم الله خيرًا- أدق تفصيلات هذه الحياة فلم تبق صغيرة ولا كبيرة حتى في حياته اليومية العادية، لم تسجل ولم تنقل، وكان هذا طرفًا من قدر الله في تسجيل حياة هذا الرسول، أو تسجيل دقائق هذه العقيدة مطبقة في حياة الرسول، فكان هذا إلى جانب ما سجله القرآن الكريم من هذه الحياة السجل الباقي للبشرية إلى نهاية الحياة، 
وهذه السورة تعرض في صدرها صفحة من الحياة البيتية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وصورة من الانفعالات والاستجابات الإنسانية بين بعض نسائه وبعض، وبينهن وبينه! وانعكاس هذه الانفعالات والاستجابات في حياته صلى الله عليه وسلم، وفي حياة الجماعة المسلمة كذلك، ثم في التوجيهات العامة للأمة على ضوء ما وقع في بيوت رسول الله وبين أزواجه".
جزا الله الأستاذ سيد خيرًا وتقبله في الشهداء، وأبقى ذكره وغفر له ورفع شأنه وألحقه بالصالحين..

الحياة الشخصية والأسرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة الممتحنة

الحياة الشخصية والأسرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة الممتحنة


هذه السورة -الممتحنة- تعرض في صدرها صفحة من الحياة البيتية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وصورة من الانفعالات والاستجابات الإنسانية بين بعض نسائه وبعض، وبينهن وبينه! وانعكاس هذه الانفعالات والاستجابات في حياته صلى الله عليه وسلم، وفي حياة الجماعة المسلمة كذلك، ثم في التوجيهات العامة للأمة على ضوء ما وقع في بيوت رسول الله وبين أزواجه..

لماذا تناول القرآن العظيم الحياة الشخصية والأسرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟
أحيانًا يتساءل البعض لماذا تتناول آيات كتاب الله تعالى أحداث خاصة ببيت رسول الله بينه وبين نسائه، وأن تتلى آيات في شأن تفاصيل حياته الشخصية، ولعل من أفضل ما كتب في هذا الشأن ما كتبه الأستاذ سيد قطب رحمه الله في هذا الشأن، نسوقه إليكم..
يقول رحمه الله في تفسيره في سورة الممتحنة في حادثة تحريم مارية القبطية، أو تحريمه للعسل -تحريم بيمين-: "عند ما جرى قدر الله أن يجعل الإسلام هو الرسالة الأخيرة، وأن يجعل منهجه هو المنهاج الباقي إلى آخر الخليقة، وأن تجري حياة المؤمنين به وفق الناموس الكوني العام، وأن يكون هذا الدين هو الذي يقود حياة البشرية ويهيمن على نشاطها في كل ميدان..
عندما جرى قدر الله بهذا كله جعل الله هذا المنهج في هذه الصورة شاملًا كاملًا متكاملًا، يلبي كل طاقات البشر واستعداداتهم، في الوقت الذي يرفع هذه الطاقات وهذه الاستعدادات إلى الأفق اللائق بخليفة الله في الأرض، وبالكائن الذي كرمه الله على كثير من عباده، ونفخ فيه من روحه.
وجعل طبيعة هذا الدين الانطلاق بالحياة إلى الأمام نموًا وتكاثرًا، ورفعة وتطهرًا في آن واحد، فلم يعطل طاقة بانية، ولم يكبت استعدادًا نافعًا، بل نشط الطاقات وأيقظ الاستعدادات وفي الوقت ذاته حافظ على توازن حركة الاندفاع إلى الأمام مع حركة الارتفاع إلى الأفق الكريم، الذي يهيئ الأرواح في الدنيا لمستوى نعيم الآخرة، ويعد المخلوق الفاني في الأرض للحياة الباقية في دار الخلود.
وعندما جرى قدر الله أن يجعل طبيعة هذه العقيدة هكذا، جرى كذلك باختيار رسولها صلى الله عليه وسلم إنسانا تتمثل فيه هذه العقيدة بكل خصائصها، وتتجسم فيه بكل حقيقتها، ويكون هو بذاته وبحياته الترجمة الصحيحة الكاملة لطبيعتها واتجاهها، إنسانا قد اكتملت طاقاته الإنسانية كلها، ضليع التكوين الجسدي، قوي البنية، سليم البناء صحيح الحواس، يقظ الحس، يتذوق المحسوسات تذوقًا كاملاً سليمًا، وهو في ذات الوقت ضخم العاطفة، حي الطبع، سليم الحساسية، يتذوق الجمال، متفتح للتلقي والاستجابة..
وهو في الوقت ذاته كبير العقل، واسع الفكر، فسيح الأفق، قوي الإرادة، يملك نفسه ولا تملكه، ثم هو بعد ذلك كلهالنبي.. الذي تشرق روحه بالنور الكلي، والذي تطيق روحه الإسراء والمعراج، والذي ينادى من السماء، والذي يرى نور ربه، والذي تتصل حقيقته بحقيقة كل شيء في الوجود من وراء الأشكال والظواهر، فيسلم عليه الحصى والحجر، ويحن له الجذع، ويرتجف به أحد –الجبل-! ثم تتوازن في شخصيته هذه الطاقات كلها، فإذا هو التوازن المقابل لتوازن العقيدة التي اختير لها..
ثم يجعل الله حياته الخاصة والعامة كتابًا مفتوحًا لأمته وللبشرية كلها، تقرأ فيه صور هذه العقيدة، وترى فيه تطبيقاتها الواقعية، ومن ثم لا يجعل فيها سرًا مخبوءًا، ولا سترًا مطويًا، بل يعرض جوانب كثيرة منها في القرآن، ويكشف منها ما يطوى عادة عن الناس في حياة الإنسان العادي، حتى مواضع الضعف البشري الذي لا حيلة فيه لبشر.. 
بل إن الإنسان ليكاد يلمح القصد في كشف هذه المواضع في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم للناس! إنه ليس له في نفسه شيء خاص، فهو لهذه الدعوة كله، فعلام يختبئ جانب من حياته صلى الله عليه وسلم، أو يخبأ؟ إن حياته هي المشهد المنظور القريب الممكن التطبيق من هذه العقيدة، وقد جاء صلى الله عليه وسلم ليعرضها للناس في شخصه، وفي حياته، كما يعرضها بلسانه وتوجيهه ولهذا خلق، ولهذا جاء.
ولقد حفظ عنه أصحابه صلى الله عليه وسلم ونقلوا للناس بعدهم -جزاهم الله خيرًا- أدق تفصيلات هذه الحياة فلم تبق صغيرة ولا كبيرة حتى في حياته اليومية العادية، لم تسجل ولم تنقل، وكان هذا طرفًا من قدر الله في تسجيل حياة هذا الرسول، أو تسجيل دقائق هذه العقيدة مطبقة في حياة الرسول، فكان هذا إلى جانب ما سجله القرآن الكريم من هذه الحياة السجل الباقي للبشرية إلى نهاية الحياة، 
وهذه السورة تعرض في صدرها صفحة من الحياة البيتية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وصورة من الانفعالات والاستجابات الإنسانية بين بعض نسائه وبعض، وبينهن وبينه! وانعكاس هذه الانفعالات والاستجابات في حياته صلى الله عليه وسلم، وفي حياة الجماعة المسلمة كذلك، ثم في التوجيهات العامة للأمة على ضوء ما وقع في بيوت رسول الله وبين أزواجه".
جزا الله الأستاذ سيد خيرًا وتقبله في الشهداء، وأبقى ذكره وغفر له ورفع شأنه وألحقه بالصالحين..


العظيم العاقل

العظمة الحقة، وكمال العقل هبة يهبها الله عز وجل لأفراد من الناس؛ فيكونون مهيئين للقيام بجلائل الأعمال. كما أن تلك الصفات قد تكتسب، أو يكتسب شيء من مقوماتها، خصوصاً إذا كان لدى الإنسان استعداد فطري، ثم نمَّاه بالعلم، والعمل، ومطالعة سير الكُمَّل.


العظمة الحقة، وكمال العقل هبة يهبها الله عز وجل لأفراد من الناس؛ فيكونون مهيئين للقيام بجلائل الأعمال.
كما أن تلك الصفات قد تكتسب، أو يكتسب شيء من مقوماتها، خصوصاً إذا كان لدى الإنسان استعداد فطري، ثم نمَّاه بالعلم، والعمل، ومطالعة سير الكُمَّل.
ومما يعين على ذلك أيضاً النظر في العلامات التي تشير إلى ذلك، وتجعل من يتمثلها يوصف بأنه عظيم عاقل.
وفيما يلي ذكر لشيء من ذلك؛ فعلامات العظيم العاقل كثيرة جداً، وكُتُب السير والتراجم حافلة بذكر تلك العلامات.
ومما يحضر في هذا الشأن من تلك العلامات: تقوى الله عز وجل وصدق الحديث، وترك ما لا يعني.
ومنها: حسن السمت، وطول الصمت، وتدبُّر العواقب.
ومنها: حبُّ العلم، وحسن الحلم، وصحة الجواب، وكثرة الصواب.
ومنها: التغاضي، والتغافل، والصفح، والعفو، ومخالفة الهوى.
والعظيم العاقل إذا أبغض أنصف، وإذا أحبَّ ألطف.
وهو هادئٌ ثابتٌ بصيرٌ لا تبطره النعمة، ولا تقنطه المصيبة، ولا يكسره الإخفاق، ولا يتطوَّس به النَّصْر، ولا تطيش به الولاية في زهو، ولا ينزل به العزل في حسرة.
وهو نزيهٌ، متواضعٌ لا يغُرُّه المجد العاجل، ولا يَفْتِنُه التنافس في سبيل الظهور.
والعظيم العاقل يستطيع أن يذيب شهوته في مصلحة أمته، ويحتفظ بتماسكه وقواه لساعات الشدائد، وهو يعرف متى يُقْدِم، ومتى يُحْجِم؛ فيحسن الوقوف في مواقف الشجاعة والإقدام، كما يحسن الوقوف في مواقف الحيطة والحذر.
والعظيم العاقل يؤْثِر الصراحة المقرونة باللطف واللباقة، وينأى بنفسه عن الملق والرياء، والمواربة، والصفاقة، وتراه يَزِنُ عقولَ مَنْ يلاقونه، فيتحامى ما يؤلمهم إلا أن يتألموا من صوت الحق، وتراه يعرف إمكاناته، وطاقاته، وموقعه؛ فلا يتخطى حدوده، ولا يُقَصِّر فيما يجب عليه.
والعظيم العاقل ذو نفسٍ كبيرة؛ فإذا تَوجَّه نحو المطمح مَرَّ بالصغائر؛ فلا تعوقه عن مواصلة السير حتى يبلغ الغاية.
وقد تقضي على العظيم العاقل ضرورةٌ من ضرورات الحياة آلاماً، وأحزاناً؛ فيودعها في قرارة نفسه، ثم يغلق دونها باباً من الصمت والكتمان، ثم يصعد إلى الناس باشَّ الوجه، باسم الثغر، متطلقاً متهللاً كأنه لا يحمل بين جنبيه هماً ولا كمداً.
والعظيم العاقل لا يستسلم لعوارضه النفسية؛ فيجعلها تَحْكُم علاقاته، وتصرفاته، بل يحافظ على روابطه الاجتماعية، فلا يُفَرِّط في معارفه، وأصدقائه، ولا يقطع ما أبرمه من ذلك إلا في أضيق الحدود، ولأسباب ظاهرة بيِّنة معقولة لا خفية موهومة محتملة.
والعظيم العاقل لا يشمت بأحد، ولا يفرح بمصائب الآخرين، بل يفرح بالنجاح والخير سواء تمَّ على يده أو على يد أحد من إخوانه، وتراه يأسى للإخفاق سواء صدر منه أو من أحد إخوانه.
والعظيم العاقل به يُستكثر القليل من معروف الناس، ويستقل الكثير من معروفه.
وهو هيِّن ليِّن، متواضع في سيرته، بعيد عن وسائل الخلابة والاسترهاب، يستمد بساطته من عظمته، وعَظَمَته من بساطته.
متبذلٌ في الحي وهو مُبَجَّل *** متواضع في القوم وهو معظم
ومقياس اتسام العظيم بسمات العظمة يكون بمقياس غُنْيَتِه عن مخايل التعاظم الزائفة.
كما أنه بمقدار خلوه من تلك السمات الحَقَّة يقترب من الاحتياج إلى شيء من تلك المخايل -كما يقول ابن عاشور- ويقول ابن الرومي في أحد ممدوحيه مشيراً إلى هذا المعنى:
وما الحلْيُ إلا حيلةٌ من نقيصة *** تُتَمِّمُ من حسنٍ إذا الحسن قصَّرا
وأما إذا كان الجمال موفَّراً *** كحسنك لم يَحْتجْ إلى أن يزوَّرا
والعظيم العاقل يمتلك روح الأبوة؛ فتراه يَحْدِبُ على إخوانه، وأصدقائه، ومعارفه، وزملائه، ويسعى في مصالحهم دون أن يُحَمِّلهم شيئاً من همومه.
والعظيم العاقل لا ينتظر جزاءًا ولا شكوراً من أحد، وإن شكره أحد أو كافئه كان شعوره بمعنى الجزاء أو الشكور أكثر من فرحه بما يُقَدَّم له من جزاء أو شكور.
والعظيم العاقل يتعامل مع الحقائق، ويتباعد عن الأوهام الكاذبة، والظنون السيئة، والتحليلات الخاطئة؛ فعلاقاته، وأحكامه مبنية على أساس متين لا على كثيب مهيل.
والعظيم العاقل لا يتكلف في معاملته، ولا تخشى بوائقه، أو سوء ظنونه.
والعظيم العاقل يحفظ الغيبة والحضور، ويحسن الحديث والإصغاء، ولا يخوض في كلِّ مجال، ولا يبدي رأيه في كل مسألة.
والعظيم العاقل حريص على جمع الكلمة، بعيد عن كل ما يكدر الصَّفْو، ويُفَرِّق الشَّمْل.
والعظيم العاقل يمتلك روح المبادرة؛ فتراه يبادر إلى الإصلاح، ويسعى إلى تقديم النافع من الاقتراحات والحلول؛ فيكون سبباً لإسعاد نفسه وقومه.
وهو الذي يفوق قومه في الخير، ويُفْزَع إليه عند الشدائد والنوائب.
والعظيم العاقل واسع الصدر بالنقد، متقبلٌ ما يَرِدُ إليه من ملحوظات، أو تعقيبات.
والعظيم العاقل لا يغمط الناس حقوقهم، ولا تحدثُه نفسه أن يسرق شيئاً من جهودهم أو أعمالهم، ولا يستنكف من بذل الثناء لمستحقه، ولا ينأى عن الاعتراف للمحسن.
والعظيم العاقل كهفٌ للمظلومين، أمان للخائفين، ربيع للمنتجعين؛ كما قال المغيرة بن حبناء في مدح المهلب بن أبي صفرة:
أمنٌ لخائفهم فيض لسائلهم *** ينتاب نائله البادون والحضرُ
والعظيم العاقل لا يقلِّل من قيمته جهلُ الناس، أو جحودهم شيئاً من فضله؛ فهو عظيم بأعماله، وبقدره، وبخلقه، وجوهره؛ فهو مثل الدُّرِّ الذي قيمته ونفاسته فيه لا فيما يقال عنه؛ ففضل الشيء كامنٌ فيه ولو عُزِي إلى غيره:
كالعطر يعبق في المجالس نشرُه *** والفضل منسوبٌ إلى المتعطِّر
هذا وإن للشعراء لَفَتاتٍ ووقفاتٍ في وصف العظماء العقلاء.
فهذا أبو الطيب يصف العظيم العاقل بأنه شجاع يقرن شجاعته بالحكمة، فيقول:
وكلُّ شجاعة في المرء تُغني *** ولا مثل الشجاعة في الحكيم
وهذا شوقي يقول في نحو ذلك:
إن الشجاعة في الرجال كثيرة *** ورأيت شجعان العقول قليلا
ويصفون العظيم العاقل بأنه يقوم بمعضلات الأمور، ويتصدَّى لحلِّ المشكلات بارتياحٍ، ويَقَظَة، وثبات على نحو قول أبي تمام:
لا تَدْعُوَنْ نوحَ بنَ عمروٍ دعوةً *** للخطب إلا أن يكون جليلا
يقظٌ إذا ما المشكلاتُ عَرَوْنَه *** ألفيتَه المُتَبَسِّمَ البهلولا
ثَبْتُ المقامِ يرى القبيلةَ واحداً *** ويُرى فيحسبُه القبيلُ قبيلا
والعظيم العاقل عندهم سريع النجدة، منجحٌ للطِّلْبة، كما قال بشار:
إذا أيقظتك حروب العدى *** فَنَبِّهْ لها عمراً ثم نَمْ
ويصفون مجالس العظماء بأنها مجالس فضل وعقل على نحو قول زهير:
وفيهم مقاماتٌ حِسانٌ وجوهها *** وأنديةٌ ينتابها القول والفعل
وإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم *** مجالس قد يَشْفى بأحلامها الجهلُ
وقول الآخر:
لا يُقَال الفُحش في ناديهمُ *** لا ولا يَبخَلُ منهم من يُسَلْ
وكما يقول أحدهم في مجالسة عاقل عظيم:
وكنت جليسَ قعقاعِ بنِ شَور *** ولا يشقى بقعقاع جليسُ
ضحوك السن إن نطقوا بخير *** وعند الشر مطراقٌ عبوسُ
ويصفون العظماء بأنهم يُعْدُون جلساءهم بالمكارم على نحو قول أبي تمام:
ولو لم يزِعْني عنك غيرك وازع *** لأعديتني بالحلم إن العلا تعدي
أو قول بشار:
لمست بكفي كَفَّه أبتغي الغنى *** ولم أدْرِ أن الجود من كفِّه يعدي
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى *** أفدتُ وأعداني فأتلفت ما عندي
ويصفون العاقل بأصالة الرأي، وتدَبُّر العواقب على نحو قول أحدهم:
عليم بما خلف العواقب إن سرت *** بديهته فضلاً بما في العواقب
وصيقلُ آراءٍ يبيت يَكُدُّها *** ويشحذها شَحْذَ المُدَى للنوائب
وإذا رثوا عظيماً عاقلاً له وزنه في ضبط الأمور ذكروا عظم الفادحة في فقده على نحو قول المهلهل في أخيه كليب:
أودى الخيار من المعاشر كلهم *** واسْتَبَّ بعدك يا كليبُ المجلسُ
وتنازعوا في كلِّ أمرِ عظيمة *** لو كنت حاضرهم بها لم ينبسوا
وكما قال الآخر:
هذا أبو القاسم في نعشه *** قوموا انظروا كيف تزول الحبالْ
وكما قال أبو تمام في محمد بن حميد الطوسي:
كأن بني نبهان يوم وفاته *** نجومُ سماءٍ خرَّ من بينها البدرُ
ويقولون في ذمِّ التزهيد بالأكابر والعظماء:
فكبيرٌ ألا يصان كبيرٌ *** وعظيمٌ أن يُنبذَ العظماءُ
أو يقولون:
لا تَضَعْ مِنْ عظيمِ قدرٍ وإن كُنْـ *** ـتَ مشاراً إليه بالتعظيم
فالكبير العظيم يصغر قدراً *** بالتَّجَرِّي على الكبير العظيم
وإذا أثنى قائلهم على كبير بأنه لا يغفل صغار الأمور ولا كبارها أنشد:
لولا ملاحظةُ الكبيرِ صغيرَه *** ما كان يُعرف في الأنام كبيرُ
وإذا أثنوا على عظيمٍ جامعٍ لمكارم الأخلاق أنشدوا:
فتىً جمع العلياءَ علماً وعِفَّةً *** وبأساً وجوداً لا يُفيق فُواقا
كما جمع التفاحُ حسناً ونضرة *** ورائحةً محبوبةً ومذاقا
وقال أبو الطيب فيمن وصف عظيمٍ عاقلٍ جوادٍ:
كالبدر من حيث التفتَّ رأيتَه *** يُهْدي إلى عينيك نوراً ثاقبا
كالبحر يقذف للقريب جواهراً *** جوداً ويبعث للبعيد سحائبا
كالشمس في كَبِد السماء وضوؤها *** يغشى البلاد مشارقاً ومغاربا
وقال الفرزدق في العظيم الذي ينخدع تكرماً وإغضاءًا:
استمطروا من قريش كل منخدع *** إن الكريم إذا خادعته انخدعا
وهذا أحدهم يثني على عظيمٍ متواضعٍ ذي سلطان فيقول:
فتىً زاده السلطان في الخِلِّ رغبةً *** إذا غيَّر السلطانُ كلَّ خليل
وهذا أحدهم يثني على عظيم عُزل من منصبه فيقول:
لِيهْنَك إن أصبحت مجتمع الشملِ *** وراعي المعالي والمحامي عن المجد
وإنك صنت الأمر فيما وَليْتَه *** وفرقت ما بين الغواية والرُّشْدِ
فلا يحسبِ الأعداءُ عزلَك مغنماً *** فإنَّ إلى الإصدار ما غايةُ الورد
وما كنت إلا السيف جُرِّد للوغى *** وأحمد فيه ثم رُدَّ إلى الغِمْدِ
فهذه شذرات عن علامات العظيم العاقل، وهي -في الوقت نفسه- ترشد من يريد الاتصاف بتلك الصفات إلى أن يأخذ بها، أو يأطر نفسه على ما يستطيع منها. 

العظيم العاقل

العظيم العاقل

العظمة الحقة، وكمال العقل هبة يهبها الله عز وجل لأفراد من الناس؛ فيكونون مهيئين للقيام بجلائل الأعمال. كما أن تلك الصفات قد تكتسب، أو يكتسب شيء من مقوماتها، خصوصاً إذا كان لدى الإنسان استعداد فطري، ثم نمَّاه بالعلم، والعمل، ومطالعة سير الكُمَّل.


العظمة الحقة، وكمال العقل هبة يهبها الله عز وجل لأفراد من الناس؛ فيكونون مهيئين للقيام بجلائل الأعمال.
كما أن تلك الصفات قد تكتسب، أو يكتسب شيء من مقوماتها، خصوصاً إذا كان لدى الإنسان استعداد فطري، ثم نمَّاه بالعلم، والعمل، ومطالعة سير الكُمَّل.
ومما يعين على ذلك أيضاً النظر في العلامات التي تشير إلى ذلك، وتجعل من يتمثلها يوصف بأنه عظيم عاقل.
وفيما يلي ذكر لشيء من ذلك؛ فعلامات العظيم العاقل كثيرة جداً، وكُتُب السير والتراجم حافلة بذكر تلك العلامات.
ومما يحضر في هذا الشأن من تلك العلامات: تقوى الله عز وجل وصدق الحديث، وترك ما لا يعني.
ومنها: حسن السمت، وطول الصمت، وتدبُّر العواقب.
ومنها: حبُّ العلم، وحسن الحلم، وصحة الجواب، وكثرة الصواب.
ومنها: التغاضي، والتغافل، والصفح، والعفو، ومخالفة الهوى.
والعظيم العاقل إذا أبغض أنصف، وإذا أحبَّ ألطف.
وهو هادئٌ ثابتٌ بصيرٌ لا تبطره النعمة، ولا تقنطه المصيبة، ولا يكسره الإخفاق، ولا يتطوَّس به النَّصْر، ولا تطيش به الولاية في زهو، ولا ينزل به العزل في حسرة.
وهو نزيهٌ، متواضعٌ لا يغُرُّه المجد العاجل، ولا يَفْتِنُه التنافس في سبيل الظهور.
والعظيم العاقل يستطيع أن يذيب شهوته في مصلحة أمته، ويحتفظ بتماسكه وقواه لساعات الشدائد، وهو يعرف متى يُقْدِم، ومتى يُحْجِم؛ فيحسن الوقوف في مواقف الشجاعة والإقدام، كما يحسن الوقوف في مواقف الحيطة والحذر.
والعظيم العاقل يؤْثِر الصراحة المقرونة باللطف واللباقة، وينأى بنفسه عن الملق والرياء، والمواربة، والصفاقة، وتراه يَزِنُ عقولَ مَنْ يلاقونه، فيتحامى ما يؤلمهم إلا أن يتألموا من صوت الحق، وتراه يعرف إمكاناته، وطاقاته، وموقعه؛ فلا يتخطى حدوده، ولا يُقَصِّر فيما يجب عليه.
والعظيم العاقل ذو نفسٍ كبيرة؛ فإذا تَوجَّه نحو المطمح مَرَّ بالصغائر؛ فلا تعوقه عن مواصلة السير حتى يبلغ الغاية.
وقد تقضي على العظيم العاقل ضرورةٌ من ضرورات الحياة آلاماً، وأحزاناً؛ فيودعها في قرارة نفسه، ثم يغلق دونها باباً من الصمت والكتمان، ثم يصعد إلى الناس باشَّ الوجه، باسم الثغر، متطلقاً متهللاً كأنه لا يحمل بين جنبيه هماً ولا كمداً.
والعظيم العاقل لا يستسلم لعوارضه النفسية؛ فيجعلها تَحْكُم علاقاته، وتصرفاته، بل يحافظ على روابطه الاجتماعية، فلا يُفَرِّط في معارفه، وأصدقائه، ولا يقطع ما أبرمه من ذلك إلا في أضيق الحدود، ولأسباب ظاهرة بيِّنة معقولة لا خفية موهومة محتملة.
والعظيم العاقل لا يشمت بأحد، ولا يفرح بمصائب الآخرين، بل يفرح بالنجاح والخير سواء تمَّ على يده أو على يد أحد من إخوانه، وتراه يأسى للإخفاق سواء صدر منه أو من أحد إخوانه.
والعظيم العاقل به يُستكثر القليل من معروف الناس، ويستقل الكثير من معروفه.
وهو هيِّن ليِّن، متواضع في سيرته، بعيد عن وسائل الخلابة والاسترهاب، يستمد بساطته من عظمته، وعَظَمَته من بساطته.
متبذلٌ في الحي وهو مُبَجَّل *** متواضع في القوم وهو معظم
ومقياس اتسام العظيم بسمات العظمة يكون بمقياس غُنْيَتِه عن مخايل التعاظم الزائفة.
كما أنه بمقدار خلوه من تلك السمات الحَقَّة يقترب من الاحتياج إلى شيء من تلك المخايل -كما يقول ابن عاشور- ويقول ابن الرومي في أحد ممدوحيه مشيراً إلى هذا المعنى:
وما الحلْيُ إلا حيلةٌ من نقيصة *** تُتَمِّمُ من حسنٍ إذا الحسن قصَّرا
وأما إذا كان الجمال موفَّراً *** كحسنك لم يَحْتجْ إلى أن يزوَّرا
والعظيم العاقل يمتلك روح الأبوة؛ فتراه يَحْدِبُ على إخوانه، وأصدقائه، ومعارفه، وزملائه، ويسعى في مصالحهم دون أن يُحَمِّلهم شيئاً من همومه.
والعظيم العاقل لا ينتظر جزاءًا ولا شكوراً من أحد، وإن شكره أحد أو كافئه كان شعوره بمعنى الجزاء أو الشكور أكثر من فرحه بما يُقَدَّم له من جزاء أو شكور.
والعظيم العاقل يتعامل مع الحقائق، ويتباعد عن الأوهام الكاذبة، والظنون السيئة، والتحليلات الخاطئة؛ فعلاقاته، وأحكامه مبنية على أساس متين لا على كثيب مهيل.
والعظيم العاقل لا يتكلف في معاملته، ولا تخشى بوائقه، أو سوء ظنونه.
والعظيم العاقل يحفظ الغيبة والحضور، ويحسن الحديث والإصغاء، ولا يخوض في كلِّ مجال، ولا يبدي رأيه في كل مسألة.
والعظيم العاقل حريص على جمع الكلمة، بعيد عن كل ما يكدر الصَّفْو، ويُفَرِّق الشَّمْل.
والعظيم العاقل يمتلك روح المبادرة؛ فتراه يبادر إلى الإصلاح، ويسعى إلى تقديم النافع من الاقتراحات والحلول؛ فيكون سبباً لإسعاد نفسه وقومه.
وهو الذي يفوق قومه في الخير، ويُفْزَع إليه عند الشدائد والنوائب.
والعظيم العاقل واسع الصدر بالنقد، متقبلٌ ما يَرِدُ إليه من ملحوظات، أو تعقيبات.
والعظيم العاقل لا يغمط الناس حقوقهم، ولا تحدثُه نفسه أن يسرق شيئاً من جهودهم أو أعمالهم، ولا يستنكف من بذل الثناء لمستحقه، ولا ينأى عن الاعتراف للمحسن.
والعظيم العاقل كهفٌ للمظلومين، أمان للخائفين، ربيع للمنتجعين؛ كما قال المغيرة بن حبناء في مدح المهلب بن أبي صفرة:
أمنٌ لخائفهم فيض لسائلهم *** ينتاب نائله البادون والحضرُ
والعظيم العاقل لا يقلِّل من قيمته جهلُ الناس، أو جحودهم شيئاً من فضله؛ فهو عظيم بأعماله، وبقدره، وبخلقه، وجوهره؛ فهو مثل الدُّرِّ الذي قيمته ونفاسته فيه لا فيما يقال عنه؛ ففضل الشيء كامنٌ فيه ولو عُزِي إلى غيره:
كالعطر يعبق في المجالس نشرُه *** والفضل منسوبٌ إلى المتعطِّر
هذا وإن للشعراء لَفَتاتٍ ووقفاتٍ في وصف العظماء العقلاء.
فهذا أبو الطيب يصف العظيم العاقل بأنه شجاع يقرن شجاعته بالحكمة، فيقول:
وكلُّ شجاعة في المرء تُغني *** ولا مثل الشجاعة في الحكيم
وهذا شوقي يقول في نحو ذلك:
إن الشجاعة في الرجال كثيرة *** ورأيت شجعان العقول قليلا
ويصفون العظيم العاقل بأنه يقوم بمعضلات الأمور، ويتصدَّى لحلِّ المشكلات بارتياحٍ، ويَقَظَة، وثبات على نحو قول أبي تمام:
لا تَدْعُوَنْ نوحَ بنَ عمروٍ دعوةً *** للخطب إلا أن يكون جليلا
يقظٌ إذا ما المشكلاتُ عَرَوْنَه *** ألفيتَه المُتَبَسِّمَ البهلولا
ثَبْتُ المقامِ يرى القبيلةَ واحداً *** ويُرى فيحسبُه القبيلُ قبيلا
والعظيم العاقل عندهم سريع النجدة، منجحٌ للطِّلْبة، كما قال بشار:
إذا أيقظتك حروب العدى *** فَنَبِّهْ لها عمراً ثم نَمْ
ويصفون مجالس العظماء بأنها مجالس فضل وعقل على نحو قول زهير:
وفيهم مقاماتٌ حِسانٌ وجوهها *** وأنديةٌ ينتابها القول والفعل
وإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم *** مجالس قد يَشْفى بأحلامها الجهلُ
وقول الآخر:
لا يُقَال الفُحش في ناديهمُ *** لا ولا يَبخَلُ منهم من يُسَلْ
وكما يقول أحدهم في مجالسة عاقل عظيم:
وكنت جليسَ قعقاعِ بنِ شَور *** ولا يشقى بقعقاع جليسُ
ضحوك السن إن نطقوا بخير *** وعند الشر مطراقٌ عبوسُ
ويصفون العظماء بأنهم يُعْدُون جلساءهم بالمكارم على نحو قول أبي تمام:
ولو لم يزِعْني عنك غيرك وازع *** لأعديتني بالحلم إن العلا تعدي
أو قول بشار:
لمست بكفي كَفَّه أبتغي الغنى *** ولم أدْرِ أن الجود من كفِّه يعدي
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى *** أفدتُ وأعداني فأتلفت ما عندي
ويصفون العاقل بأصالة الرأي، وتدَبُّر العواقب على نحو قول أحدهم:
عليم بما خلف العواقب إن سرت *** بديهته فضلاً بما في العواقب
وصيقلُ آراءٍ يبيت يَكُدُّها *** ويشحذها شَحْذَ المُدَى للنوائب
وإذا رثوا عظيماً عاقلاً له وزنه في ضبط الأمور ذكروا عظم الفادحة في فقده على نحو قول المهلهل في أخيه كليب:
أودى الخيار من المعاشر كلهم *** واسْتَبَّ بعدك يا كليبُ المجلسُ
وتنازعوا في كلِّ أمرِ عظيمة *** لو كنت حاضرهم بها لم ينبسوا
وكما قال الآخر:
هذا أبو القاسم في نعشه *** قوموا انظروا كيف تزول الحبالْ
وكما قال أبو تمام في محمد بن حميد الطوسي:
كأن بني نبهان يوم وفاته *** نجومُ سماءٍ خرَّ من بينها البدرُ
ويقولون في ذمِّ التزهيد بالأكابر والعظماء:
فكبيرٌ ألا يصان كبيرٌ *** وعظيمٌ أن يُنبذَ العظماءُ
أو يقولون:
لا تَضَعْ مِنْ عظيمِ قدرٍ وإن كُنْـ *** ـتَ مشاراً إليه بالتعظيم
فالكبير العظيم يصغر قدراً *** بالتَّجَرِّي على الكبير العظيم
وإذا أثنى قائلهم على كبير بأنه لا يغفل صغار الأمور ولا كبارها أنشد:
لولا ملاحظةُ الكبيرِ صغيرَه *** ما كان يُعرف في الأنام كبيرُ
وإذا أثنوا على عظيمٍ جامعٍ لمكارم الأخلاق أنشدوا:
فتىً جمع العلياءَ علماً وعِفَّةً *** وبأساً وجوداً لا يُفيق فُواقا
كما جمع التفاحُ حسناً ونضرة *** ورائحةً محبوبةً ومذاقا
وقال أبو الطيب فيمن وصف عظيمٍ عاقلٍ جوادٍ:
كالبدر من حيث التفتَّ رأيتَه *** يُهْدي إلى عينيك نوراً ثاقبا
كالبحر يقذف للقريب جواهراً *** جوداً ويبعث للبعيد سحائبا
كالشمس في كَبِد السماء وضوؤها *** يغشى البلاد مشارقاً ومغاربا
وقال الفرزدق في العظيم الذي ينخدع تكرماً وإغضاءًا:
استمطروا من قريش كل منخدع *** إن الكريم إذا خادعته انخدعا
وهذا أحدهم يثني على عظيمٍ متواضعٍ ذي سلطان فيقول:
فتىً زاده السلطان في الخِلِّ رغبةً *** إذا غيَّر السلطانُ كلَّ خليل
وهذا أحدهم يثني على عظيم عُزل من منصبه فيقول:
لِيهْنَك إن أصبحت مجتمع الشملِ *** وراعي المعالي والمحامي عن المجد
وإنك صنت الأمر فيما وَليْتَه *** وفرقت ما بين الغواية والرُّشْدِ
فلا يحسبِ الأعداءُ عزلَك مغنماً *** فإنَّ إلى الإصدار ما غايةُ الورد
وما كنت إلا السيف جُرِّد للوغى *** وأحمد فيه ثم رُدَّ إلى الغِمْدِ
فهذه شذرات عن علامات العظيم العاقل، وهي -في الوقت نفسه- ترشد من يريد الاتصاف بتلك الصفات إلى أن يأخذ بها، أو يأطر نفسه على ما يستطيع منها. 

الكذب على الله تعالى

الكذب على الله تعالى يتضمَّن القول عليه بغير علم، كوصفه بأوصاف لم يصف الله بها نفسه، ولم يصفها بها رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فهذا من الكذب.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج:30].

قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ}؛ يعني: "الافتراء على الله والتكذيب"؛ (تفسير الطبري: [112/17]).

ويقول ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في الآية السابقة: "واتقوا قول الكذب والفرية على الله بقولكم في الآلهة: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3]، وقولكم للملائكة: هي بنات الله... ونحو ذلك من القول؛ فإن ذلك كذبٌ وزور وشرك".

• والكذب على الله من أخطر وأشد أنواع الكذب، قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود:18].

• والكذب على الله تعالى يتضمَّن القول عليه بغير علم، كوصفه بأوصاف لم يصف الله بها نفسه، ولم يصفها بها رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فهذا من الكذب.

• والكذب على الله تعالى يدخل فيه أيضًا: تحليل ما حرَّم الله تعالى، أو تحريم ما أحلَّ الله تعالى، وقد حذَّر الله تعالى من هذا، فقال الله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} [النحل:116].

قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى في تفسيره (زاد المسير في علم التفسير):
"وقد ذهب طائفة من العلماء: إلى أن الكذب على الله وعلى رسوله كفر، ولا ريب أن الكذب على الله وعلى رسوله مُتَعَمدًا في تحليل حرام، أو تحريم حلال - كفر محض" اهـ.

وكان السلف الكرام يخافون أن يتجرؤوا على قولهم: هذا حلال وهذا حرام.

يقول الإمام مالك رحمه الله: "لم يكن أسلافنا يقولون: هذا حلال وهذا حرام، ما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره هذا، ونرى هذا حسنًا، ونتقي هذا، ولا نرى هذا، فالله تعالى يقول: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس:59]، الحلال ما أحل الله، والحرام ما حرَّمه الله". اهـ؛ (جامع بيان العلم وفضله)، (إعلام الموقعين: [38/1]).
 
إذًا من الكذب على الله تعالى تشريع أمرٍ لم يأذن به الله تعالى.
والنبي صلى الله عليه وسلم رأى عمرو بن عامر الخزاعي يجُرُّ أمعاءه في النار؛ لأنه أول مَن غيَّر في دين العرب، وشرع لهم أمورًا لم يأذن بها الله تعالى، فحرَّم أنواعًا من الإبل أن تركب، وأنواعًا أخرى حرَّم حلبها، وأنواعًا أخرى سيَّبها لآلهتهم المزعومة.

وقد جاء في (الصحيحين) من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يَجُرُّ قُصْبَه في النار، وكان أول من سيَّب السوائب».
وصدق الله سبحانه وتعالى حيث قال: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام:144]، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} [يونس:69].

• ومن الكذب على الله ادعاء أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة الإسراء والمعراج، وكذلك مَن كتم شيئًا من كتاب الله تعالى، ومَن ادَّعى الغيب؛ فقد أخرج الإمام مسلم عن مسروق قال: "كنتُ مُتَّكئًا عند عائشة، فقالت: يا أبا عائشة، ثلاثٌ مَن تكلَّم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية [1]، قلت: ما هُنَّ؟ قالت: مَن زعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى ربَّه فقد أعظم على الله الفرية، قال: وكنت متكئًا فجلست، فقلت: يا أم المؤمنين، أنظريني [2] ولا تُعْجِليني، ألم يقل الله عز وجل: {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} [التكوير:23] {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم:13]، فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «إنما هو جبريل، لم أرَه على صورته التي خُلِقَ عليها غيرَ هاتين المَرَّتين، رأيته مُنْهَبِطًا من السماء سادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ ما بين السماء إلى الأرض» [3]، فقالت: أولم تسمع أن الله يقول: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام:103]؟ أولم تسمع أن الله يقول: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى:51]؟ قالت: ومَن زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئًا من كتاب الله؛ فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة:67]، قالت: ومَن زعم أنه يُخبِرُ بما يكون في غَدٍ فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل:65]".

• ومن الكذب على الله قول البعض: "يعلم الله كذا وكذا" وهو على يقين أن الأمر بخلاف ذلك، وقد نهى الشرع عن هذا القول كذبًا أو حال الشك؛ فقد أخرج البخاري في (الأدب المفرد) بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لا يقولنَّ أحدكم لشيء لا يَعلمه: الله يَعلمه، والله يَعلم غير ذلك، فيُعلم اللهَ ما لا يَعلم؛ فذاك عند الله عظيم".

قال الإمام النووي رحمه الله في (الأذكار [326]):
"وهذه العبارة (يعلم الله) فيها خطر، فإن كان صاحبها مُتيقِّنًا أن الأمر كما قال، فلا بأس بها، وإن كان تشكك في ذلك، فهو من أقبح القبائح؛ لأنه تعرَّض للكذب على الله تعالى، فإنه أخبر أن الله تعالى يعلم شيئًا لا يتيقن كيف هو، وفيه وقيعة أخرى أقبح من هذا، وهو أنه تعرَّض لوصف الله تعالى بأنه يعلم الأمر على خلاف ما هو، وذلك لو تحقَّق كان كفرًا، فينبغي للإنسان اجتناب هذه العبارة". اهـ.

• ومن الكذب على الله تخصيص بعض الليالي أو الأيام أو الشهور بعبادات لم يأذن بها الشرع الحكيم.

• ويدخل في الكذب على الله ورسوله كذلك الفتوى بغير علم، ولقد حذَّر الله من هذا، فقال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء:36]، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف:33].

قال ابن الجوزي رحمه الله في قوله تعالى: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}: "عام في تحريم القول في الدين من غير يقين"؛ (زاد المسير في علم التفسير: [192/3]).

وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العِبَاد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْقِ عالمًا، اتخذ الناسُ رؤوسًا جُهَّالاً، فسُئِلُوا فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وأضلُّوا».

فالله عز وجل لم يُبِح لأحد أن يتقوَّل عليه ما لم يقله، وتوعَّده بوعيد شديد! حتى إنه قال عن خليله وصفيِّه محمد صلى الله عليه وسلم: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ . لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ . فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة:44-47]. ومعنىالوتين: يقول ابن عباس رضي الله عنه: "هو نياط القلب، وهو العِرْقُ الذي القلب معلقٌ فيه".

والنبي صلى الله عليه وسلم لا يتصور منه شرعًا ولا عقلًا أن يكذب على رب العالمين، حاشاه فهو المعصوم، ولكن المعنى والمقصود من الآية: تحذير الأمة من الكذب على الله تعالى، وكأنه سبحانه يقول: هذا نبيِّي وخليلي لو كذب عليَّ لقطعت منه نياط قلبه، فكيف أنتم؟!

ومن الآيات التي تُرَهِّب من الكذب قوله تعالى: {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ} [الأحزاب:8].

• قال ابن القيم رحمه الله كما في (إغاثة اللهفان [83/1]): "عجبًا والله... سُئِلُوا وحوسبوا وهم صادقون، فكيف بالكاذبين؟".
 
• ومن الكذب على الله  تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم ادعاء النبوة:
فقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيخرج في هذه الأمة كذَّابون دجَّالون يدَّعون النبوة؛ كما جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم من حديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن بين يدي الساعة كذَّابين»، قال جابر: فاحذروهم.

• وعند البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث له: «... ولا تقوم الساعة حتى يبعث[4] دجَّالون كذَّابون قريبًا من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله».

• وأخرج الإمام مسلم عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها في قصة مقتل ابنها عبدالله بن الزبير، قالت وهي تخاطبالحجاج بن يوسف الثقفي الذي قاد الجيش لقتال عبدالله بن الزبير: "أما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدَّثنا أن في ثقيف كذَّابًا ومبيرًا، فأمَّا الكذَّاب فقد رأيناه، وأما المبير فلا إخَالُك إلا إياه، قال: فقام عنها ولم يراجعها".

• قال الإمام النووي رحمه الله كما في (شرح مسلم [328/8]): "وقولها في الكذَّاب: "فرأيناه"؛ تعني: به المختار بن أبي عبيد الثقفي[5]، كان شديد الكذب، ومن قبحه ادعى أن جبريل عليه السلام يأتيه، واتفق العلماء على أن المراد بالكذَّاب هنا "المختار بن أبي عبيد"، وبالمبير "الحجاج بن يوسف الثقفي"، والله أعلم". اهـ

• وكان من جملة هؤلاء الكذَّابين مسيلمة الكذَّاب باليمامة، الذي كان يدَّعي أنه يوحى إليه كما يوحى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام:93]، وآخر هؤلاء الكذَّابين خروجًا هو المسيح الأعور الكذَّاب؛ ففي (مسند الإمام أحمد) بسند صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وإنه والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذَّابًا، آخرهم الأعور الكذَّاب».

• وعند البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بُعِثَ نبيٌّ إلا أنذر أمته الأعور الكذَّاب، ألاَ إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وإن بين عينيه مكتوب كافر».
 
وبعد:
فقد وقفنا على بعضٍ من صور الكذب على الله تعالى، وأنها من الخطورة بمكان، وقد جعل الله تعالى علامةً يوم القيامةيعرف بها كلُّ مَن كذب عليه، قال تعالى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر:60].

الكذب على الله تعالى

الكذب على الله تعالى

الكذب على الله تعالى يتضمَّن القول عليه بغير علم، كوصفه بأوصاف لم يصف الله بها نفسه، ولم يصفها بها رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فهذا من الكذب.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج:30].

قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ}؛ يعني: "الافتراء على الله والتكذيب"؛ (تفسير الطبري: [112/17]).

ويقول ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في الآية السابقة: "واتقوا قول الكذب والفرية على الله بقولكم في الآلهة: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3]، وقولكم للملائكة: هي بنات الله... ونحو ذلك من القول؛ فإن ذلك كذبٌ وزور وشرك".

• والكذب على الله من أخطر وأشد أنواع الكذب، قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود:18].

• والكذب على الله تعالى يتضمَّن القول عليه بغير علم، كوصفه بأوصاف لم يصف الله بها نفسه، ولم يصفها بها رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فهذا من الكذب.

• والكذب على الله تعالى يدخل فيه أيضًا: تحليل ما حرَّم الله تعالى، أو تحريم ما أحلَّ الله تعالى، وقد حذَّر الله تعالى من هذا، فقال الله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} [النحل:116].

قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى في تفسيره (زاد المسير في علم التفسير):
"وقد ذهب طائفة من العلماء: إلى أن الكذب على الله وعلى رسوله كفر، ولا ريب أن الكذب على الله وعلى رسوله مُتَعَمدًا في تحليل حرام، أو تحريم حلال - كفر محض" اهـ.

وكان السلف الكرام يخافون أن يتجرؤوا على قولهم: هذا حلال وهذا حرام.

يقول الإمام مالك رحمه الله: "لم يكن أسلافنا يقولون: هذا حلال وهذا حرام، ما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره هذا، ونرى هذا حسنًا، ونتقي هذا، ولا نرى هذا، فالله تعالى يقول: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس:59]، الحلال ما أحل الله، والحرام ما حرَّمه الله". اهـ؛ (جامع بيان العلم وفضله)، (إعلام الموقعين: [38/1]).
 
إذًا من الكذب على الله تعالى تشريع أمرٍ لم يأذن به الله تعالى.
والنبي صلى الله عليه وسلم رأى عمرو بن عامر الخزاعي يجُرُّ أمعاءه في النار؛ لأنه أول مَن غيَّر في دين العرب، وشرع لهم أمورًا لم يأذن بها الله تعالى، فحرَّم أنواعًا من الإبل أن تركب، وأنواعًا أخرى حرَّم حلبها، وأنواعًا أخرى سيَّبها لآلهتهم المزعومة.

وقد جاء في (الصحيحين) من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يَجُرُّ قُصْبَه في النار، وكان أول من سيَّب السوائب».
وصدق الله سبحانه وتعالى حيث قال: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام:144]، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} [يونس:69].

• ومن الكذب على الله ادعاء أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة الإسراء والمعراج، وكذلك مَن كتم شيئًا من كتاب الله تعالى، ومَن ادَّعى الغيب؛ فقد أخرج الإمام مسلم عن مسروق قال: "كنتُ مُتَّكئًا عند عائشة، فقالت: يا أبا عائشة، ثلاثٌ مَن تكلَّم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية [1]، قلت: ما هُنَّ؟ قالت: مَن زعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى ربَّه فقد أعظم على الله الفرية، قال: وكنت متكئًا فجلست، فقلت: يا أم المؤمنين، أنظريني [2] ولا تُعْجِليني، ألم يقل الله عز وجل: {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} [التكوير:23] {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم:13]، فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «إنما هو جبريل، لم أرَه على صورته التي خُلِقَ عليها غيرَ هاتين المَرَّتين، رأيته مُنْهَبِطًا من السماء سادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ ما بين السماء إلى الأرض» [3]، فقالت: أولم تسمع أن الله يقول: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام:103]؟ أولم تسمع أن الله يقول: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى:51]؟ قالت: ومَن زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئًا من كتاب الله؛ فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة:67]، قالت: ومَن زعم أنه يُخبِرُ بما يكون في غَدٍ فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل:65]".

• ومن الكذب على الله قول البعض: "يعلم الله كذا وكذا" وهو على يقين أن الأمر بخلاف ذلك، وقد نهى الشرع عن هذا القول كذبًا أو حال الشك؛ فقد أخرج البخاري في (الأدب المفرد) بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لا يقولنَّ أحدكم لشيء لا يَعلمه: الله يَعلمه، والله يَعلم غير ذلك، فيُعلم اللهَ ما لا يَعلم؛ فذاك عند الله عظيم".

قال الإمام النووي رحمه الله في (الأذكار [326]):
"وهذه العبارة (يعلم الله) فيها خطر، فإن كان صاحبها مُتيقِّنًا أن الأمر كما قال، فلا بأس بها، وإن كان تشكك في ذلك، فهو من أقبح القبائح؛ لأنه تعرَّض للكذب على الله تعالى، فإنه أخبر أن الله تعالى يعلم شيئًا لا يتيقن كيف هو، وفيه وقيعة أخرى أقبح من هذا، وهو أنه تعرَّض لوصف الله تعالى بأنه يعلم الأمر على خلاف ما هو، وذلك لو تحقَّق كان كفرًا، فينبغي للإنسان اجتناب هذه العبارة". اهـ.

• ومن الكذب على الله تخصيص بعض الليالي أو الأيام أو الشهور بعبادات لم يأذن بها الشرع الحكيم.

• ويدخل في الكذب على الله ورسوله كذلك الفتوى بغير علم، ولقد حذَّر الله من هذا، فقال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء:36]، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف:33].

قال ابن الجوزي رحمه الله في قوله تعالى: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}: "عام في تحريم القول في الدين من غير يقين"؛ (زاد المسير في علم التفسير: [192/3]).

وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العِبَاد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْقِ عالمًا، اتخذ الناسُ رؤوسًا جُهَّالاً، فسُئِلُوا فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وأضلُّوا».

فالله عز وجل لم يُبِح لأحد أن يتقوَّل عليه ما لم يقله، وتوعَّده بوعيد شديد! حتى إنه قال عن خليله وصفيِّه محمد صلى الله عليه وسلم: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ . لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ . فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة:44-47]. ومعنىالوتين: يقول ابن عباس رضي الله عنه: "هو نياط القلب، وهو العِرْقُ الذي القلب معلقٌ فيه".

والنبي صلى الله عليه وسلم لا يتصور منه شرعًا ولا عقلًا أن يكذب على رب العالمين، حاشاه فهو المعصوم، ولكن المعنى والمقصود من الآية: تحذير الأمة من الكذب على الله تعالى، وكأنه سبحانه يقول: هذا نبيِّي وخليلي لو كذب عليَّ لقطعت منه نياط قلبه، فكيف أنتم؟!

ومن الآيات التي تُرَهِّب من الكذب قوله تعالى: {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ} [الأحزاب:8].

• قال ابن القيم رحمه الله كما في (إغاثة اللهفان [83/1]): "عجبًا والله... سُئِلُوا وحوسبوا وهم صادقون، فكيف بالكاذبين؟".
 
• ومن الكذب على الله  تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم ادعاء النبوة:
فقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيخرج في هذه الأمة كذَّابون دجَّالون يدَّعون النبوة؛ كما جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم من حديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن بين يدي الساعة كذَّابين»، قال جابر: فاحذروهم.

• وعند البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث له: «... ولا تقوم الساعة حتى يبعث[4] دجَّالون كذَّابون قريبًا من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله».

• وأخرج الإمام مسلم عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها في قصة مقتل ابنها عبدالله بن الزبير، قالت وهي تخاطبالحجاج بن يوسف الثقفي الذي قاد الجيش لقتال عبدالله بن الزبير: "أما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدَّثنا أن في ثقيف كذَّابًا ومبيرًا، فأمَّا الكذَّاب فقد رأيناه، وأما المبير فلا إخَالُك إلا إياه، قال: فقام عنها ولم يراجعها".

• قال الإمام النووي رحمه الله كما في (شرح مسلم [328/8]): "وقولها في الكذَّاب: "فرأيناه"؛ تعني: به المختار بن أبي عبيد الثقفي[5]، كان شديد الكذب، ومن قبحه ادعى أن جبريل عليه السلام يأتيه، واتفق العلماء على أن المراد بالكذَّاب هنا "المختار بن أبي عبيد"، وبالمبير "الحجاج بن يوسف الثقفي"، والله أعلم". اهـ

• وكان من جملة هؤلاء الكذَّابين مسيلمة الكذَّاب باليمامة، الذي كان يدَّعي أنه يوحى إليه كما يوحى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام:93]، وآخر هؤلاء الكذَّابين خروجًا هو المسيح الأعور الكذَّاب؛ ففي (مسند الإمام أحمد) بسند صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وإنه والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذَّابًا، آخرهم الأعور الكذَّاب».

• وعند البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بُعِثَ نبيٌّ إلا أنذر أمته الأعور الكذَّاب، ألاَ إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وإن بين عينيه مكتوب كافر».
 
وبعد:
فقد وقفنا على بعضٍ من صور الكذب على الله تعالى، وأنها من الخطورة بمكان، وقد جعل الله تعالى علامةً يوم القيامةيعرف بها كلُّ مَن كذب عليه، قال تعالى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر:60].

الظن بالله تعالى

في كل زمان يوجد من الناس من يظن السوء بالله؛ في أمره  القدري فيعترضون على قضائه وقدرة، وفي أمره الشرعي..


حسن الظن بالله تعالى واجب، فيما يتصف به من صفات الجلال والجمال والكمال، وفيما قضى كونا وقدَّر من حادثات الليالي ونائبات الدهور، وحسن الظن بالله تعالى فيما قضى شرعًا وحكم به لعباده في قرآنه الكريم وعلى ألسنة رسله الكرام عليهم الصلاة والسلام كل ذلك واجب، لا يحتاج إلى تبرير ولا تقرير، وواأسفاه يوجد من يسيء الظن بالله تعالى، {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون}[الأعراف: 58].
الظن بالله سبحانه في  تشريعه وتقديره: 
هما نوعان من الظن يصدران من العبيد، ظنٌّ حسن طيب، وظن سئي خبيث، ولكلٍّ جزاء ظنَّه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي»[البخاري، رقم:[7405]، ومسلم، رقم:[2675] في صحيحهما).
ظن الــــذي خَبُثَ
وقد بين لنا الله تعالى حال أهل الظن السيئ- ظن الجاهلية- وبيَّن صفاتهم  وفيه إشارة لحال أهل الإيمان الذين يحسنون الظن بالله تعالى، فبضدها تتبين الأشياء، قال تعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}[آل عمران154]، فهؤلاء يظنون بالله تعالى غير الحق ظن الجاهلية، ففيم تمثل هذا الظن السيئ؟
إنهم يريدون أن يكون لهم من أمر الله شيء ولا يريدونه كله لله تعالى: {قل إن الأمر كله لله} مؤكَّدٌ بأداة النصب والتوكيد "إن" وبالبدل أو "كله".
قال ابن القيم-رحمه الله-: "إنه تداركهم سبحانه برحمته وخفف عنهم ذلك الغم وغيَّبَه عنهم بالنعاس الذي أنزله عليهم أمنا منه ورحمة، والنعاس في الحرب علامة النصرة والأمن كما أنزله عليهم يوم بدر وأخبر أن من لم يصبه ذلك النعاس فهو ممن أهمته نفسه لا دينه ولا نبيه ولا أصحابه وأنهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، وقد فسر هذا الظن الذي لا يليق بالله بأنه سبحانه لا ينصر رسوله وأن أمره سيضمحل وأنه يسلمه للقتل، وقد فسر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقضائه وقدره ولا حكمه له فيه، ففسر بإنكار الحكمة وإنكار القدر وإنكار أن يتم أمر رسوله ويظهره على الدين كله، وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون والمشركات به سبحانه وتعالى في سورة الفتح حيث يقول: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}[زاد المعاد:3/ 199].
إن من سوء الظن بالله فضلا عن سوء التقدير أن يَقترح أَحَدٌ على الله شيئا في شرعٍ أو قدَرٍ، ومن سوء الظن به-تعالى- أن يُعترض عليه سبحانه  في شيء من ذلك، لأن سوء الظن هذا مقتضى الطعن أو التشكيك في أهلية الله تعالى لذلك التشريع أو التقدير وعدم الإيمان الكامل بتنزيه الله تعالى عن الظلم والحيف، وعدم وصفه بالعلم الشامل والقدرة الكاملة والحكمة التامة والرحمة العامة، فكأن أهل سوء الظن هذا يتهمون الله تعالى بنقصٍ في صفات مَن تكون له الألوهية والربوبية، وهم وإن لم تصرح بها أقوالهم فقد كرَّستها فِعالُهم، وهاك هذه الآيات التي تبين تبَاين فريقين من الناس في ظنهم بالله تعالى ورسوله  صلى الله عليه وسلم فريق المنافقين الذين في قلوبهم مرض، وفريق المؤمنين السالمة قلوبهم. كما قال الله تعالى :{لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ، وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ، أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ}[النور: 46-52].
فانظر – يا رعاك الله- حال المنافقين الذين يظنون سوءا في عدالة الله تعالى ولذلك تجدهم يترجمون هذا الظن السيئ إلى سلوك مشين يتمثل في التولي- بعد إعلان الإيمان باللسان- ويتمثل في الإعراض عن التحاكم إلى شريعة الله تعالى, وتراهم يجعلون أمر الله عِضين يتخيرون منه ما يرون لهم فيه حق ومصلحة، ويردُّون ما لا يوافق أهواءهم, يَحْدُوهم في ذلك ويدفعُهم إليه سوءُ ظنهم في الله تعالى ورسولِهِ صلى الله عليه وسلم المتمثل في خوف الحيف الذي هو الظلم وعدم العدالة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا, وحاشا رسوله-صلى الله عليه وسلم- أن حيف أو يظلم.. هذا فريق المنافقين.
والبلد الطيب
أما فريق المؤمنين حقًّا فلحسن ظنهم بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم قابلوا دعوة الحق بالقَبول والتسليم وترجموا ذلك بالاتِّباع والتحكيم، وكلهم إيمان واطمئنان بأن الله تعالى لا يظلمهم ولا يحيف عليهم في شيء، وأن ما حكم الله به -سبحانه- ورسوله- صلى الله عليه وسلم- نابع عن علم تام وحكمة بالغة، وأنه كله خير حتى ولو بدا لِقُصَّر النظر أنه غير ذلك. بل إنهم لثقتهم في الله وحسن ظنهم به، يزدادون يقينًا كلما اشتد بهم الأمر: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا}[الأحزاب:22]
كذلك  يظن أهل النكد السوءَ في قدر الله تعالى، وأنهم لو بقوا مكانهم لم يموتوا ولم يقتلوا، وهذا من أسوأ الظن بالله تعالى وبقدره وقضائه أن يُظَنَّ أنه يقع في كونه ما لا يشاء، ويحدث ما لم يقدّر، أو أن الحذر يطيل العمر أو ينجي من المقدَّر, ولذلك أجابهم الله تعالى هنا: " {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم} فمضجعك الذي تُضْجَعْهُ لا بد لك أن تزوره وتبرز إليه وتقودك إليه خطاك وتحملك إليه قدماك وإن حاذرت أو تأبَّيت! وقد قال النبي-صلى الله عليه وسلم: «وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، لَدَخَلْتَ النَّارَ» (الإمام أحمد، الميند، رقم:[21587]). ويقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
أي يومي من الموت أفر*** يوم لا يقدر أم يوم قُدر
يوم لا يقدر لا أرهبه*** ومن المقدور لا نجي الحذر
وفي كل زمان يوجد من يسيء الظن بالله تعالى على هذا النحو فيقعد عن نصرة دينه والدعوة إلى الله وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ظنا منه أن ذلك يهلكه أو يذهب برزقه أو يدني أجله, فيختفي أو يتواري ضنا بنفسه التي أهمته وأشغلته حتى دار في فلكها؛ فهل يصدر شيء من هذا ممن يحسِّن الظن بالله تعالى وبقدره وقضائه؟!
لولا المشقة ساد الناس كلهم *** الجود يُفقر والإقدام قتَّال
وفي كل زمان يوجد من الناس من يظن السوء بالله في أمره  القدري فيعترضون على قضائه وقدرة، وفي أمره الشرعي، وفيما كلف به عباده وفيما شرعه لهم من دين قويم وشريعة محكمة، فتجدهم يعترضون على هذا العمل بشتى الاعتراضات، وتراهم يردون ذلك الحكم أو الحد، ويتلكئون في تطبيق شريعته على أنفسهم وعلى من يعولون أو يحكمون، أو تراهم يلوون أعناق النصوص ويتعسفون في ذلك لتوافق أهواءهم ويجعلون شيئا من الأمر لهم بهذه الطريقة... كأنهم أعلم من الله -سبحانه وتعالى علوا كبيرا عما يقولون ويفعلون ويصفون– وكأنهم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله صلى الله عليه وسلم-، فهذا يناقش في الحجاب وذاك في الاختلاط وثالث في التعدد ورابع في الرباوخامس في الجهاد وآخر في الولاء والبراء  وآخَر في آخَر.. كل ذلك سببه سوء الظن بالله تعالى وإن سمَّوه ما سمَّوه. فهل يصدر شيء من هذا ممن يحسِّن الظن بالله تعالى وبقضائه كونًا وشرعًا؟!
وهكذا الظن الحسن في كل صفات الله العلى وأسمائه الحسنى، وأنها ذات آثار على حياتنا، يجب أن نتأملها ونتملَّاها، فنحسن الظن أن الله معنا؛ يسمع كلامنا ودعاءنا ويرى مكاننا، ويعلم حاجتنا، وأنه القاهر فوق عباده وناصر حزبه ومؤيدهم، وأنه قاهر عدوه وعدوهم، ومذلهم، وأنه الرزاق، فلا نبتغي زقنا عند غره، وأنه المحيي المميت، فلا نخاف موتًا لم يقضِهِ ولا أجلا لم يؤجِّله... فالظن بالله تعالى يشمل هذا كلَّه.
اللهم ارزقنا حسن الظن في قدرك وقضائك، ووعدك ونصرك ومعونتك.

الظن بالله تعالى

الظن بالله تعالى

في كل زمان يوجد من الناس من يظن السوء بالله؛ في أمره  القدري فيعترضون على قضائه وقدرة، وفي أمره الشرعي..


حسن الظن بالله تعالى واجب، فيما يتصف به من صفات الجلال والجمال والكمال، وفيما قضى كونا وقدَّر من حادثات الليالي ونائبات الدهور، وحسن الظن بالله تعالى فيما قضى شرعًا وحكم به لعباده في قرآنه الكريم وعلى ألسنة رسله الكرام عليهم الصلاة والسلام كل ذلك واجب، لا يحتاج إلى تبرير ولا تقرير، وواأسفاه يوجد من يسيء الظن بالله تعالى، {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون}[الأعراف: 58].
الظن بالله سبحانه في  تشريعه وتقديره: 
هما نوعان من الظن يصدران من العبيد، ظنٌّ حسن طيب، وظن سئي خبيث، ولكلٍّ جزاء ظنَّه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي»[البخاري، رقم:[7405]، ومسلم، رقم:[2675] في صحيحهما).
ظن الــــذي خَبُثَ
وقد بين لنا الله تعالى حال أهل الظن السيئ- ظن الجاهلية- وبيَّن صفاتهم  وفيه إشارة لحال أهل الإيمان الذين يحسنون الظن بالله تعالى، فبضدها تتبين الأشياء، قال تعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}[آل عمران154]، فهؤلاء يظنون بالله تعالى غير الحق ظن الجاهلية، ففيم تمثل هذا الظن السيئ؟
إنهم يريدون أن يكون لهم من أمر الله شيء ولا يريدونه كله لله تعالى: {قل إن الأمر كله لله} مؤكَّدٌ بأداة النصب والتوكيد "إن" وبالبدل أو "كله".
قال ابن القيم-رحمه الله-: "إنه تداركهم سبحانه برحمته وخفف عنهم ذلك الغم وغيَّبَه عنهم بالنعاس الذي أنزله عليهم أمنا منه ورحمة، والنعاس في الحرب علامة النصرة والأمن كما أنزله عليهم يوم بدر وأخبر أن من لم يصبه ذلك النعاس فهو ممن أهمته نفسه لا دينه ولا نبيه ولا أصحابه وأنهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، وقد فسر هذا الظن الذي لا يليق بالله بأنه سبحانه لا ينصر رسوله وأن أمره سيضمحل وأنه يسلمه للقتل، وقد فسر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقضائه وقدره ولا حكمه له فيه، ففسر بإنكار الحكمة وإنكار القدر وإنكار أن يتم أمر رسوله ويظهره على الدين كله، وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون والمشركات به سبحانه وتعالى في سورة الفتح حيث يقول: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}[زاد المعاد:3/ 199].
إن من سوء الظن بالله فضلا عن سوء التقدير أن يَقترح أَحَدٌ على الله شيئا في شرعٍ أو قدَرٍ، ومن سوء الظن به-تعالى- أن يُعترض عليه سبحانه  في شيء من ذلك، لأن سوء الظن هذا مقتضى الطعن أو التشكيك في أهلية الله تعالى لذلك التشريع أو التقدير وعدم الإيمان الكامل بتنزيه الله تعالى عن الظلم والحيف، وعدم وصفه بالعلم الشامل والقدرة الكاملة والحكمة التامة والرحمة العامة، فكأن أهل سوء الظن هذا يتهمون الله تعالى بنقصٍ في صفات مَن تكون له الألوهية والربوبية، وهم وإن لم تصرح بها أقوالهم فقد كرَّستها فِعالُهم، وهاك هذه الآيات التي تبين تبَاين فريقين من الناس في ظنهم بالله تعالى ورسوله  صلى الله عليه وسلم فريق المنافقين الذين في قلوبهم مرض، وفريق المؤمنين السالمة قلوبهم. كما قال الله تعالى :{لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ، وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ، أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ}[النور: 46-52].
فانظر – يا رعاك الله- حال المنافقين الذين يظنون سوءا في عدالة الله تعالى ولذلك تجدهم يترجمون هذا الظن السيئ إلى سلوك مشين يتمثل في التولي- بعد إعلان الإيمان باللسان- ويتمثل في الإعراض عن التحاكم إلى شريعة الله تعالى, وتراهم يجعلون أمر الله عِضين يتخيرون منه ما يرون لهم فيه حق ومصلحة، ويردُّون ما لا يوافق أهواءهم, يَحْدُوهم في ذلك ويدفعُهم إليه سوءُ ظنهم في الله تعالى ورسولِهِ صلى الله عليه وسلم المتمثل في خوف الحيف الذي هو الظلم وعدم العدالة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا, وحاشا رسوله-صلى الله عليه وسلم- أن حيف أو يظلم.. هذا فريق المنافقين.
والبلد الطيب
أما فريق المؤمنين حقًّا فلحسن ظنهم بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم قابلوا دعوة الحق بالقَبول والتسليم وترجموا ذلك بالاتِّباع والتحكيم، وكلهم إيمان واطمئنان بأن الله تعالى لا يظلمهم ولا يحيف عليهم في شيء، وأن ما حكم الله به -سبحانه- ورسوله- صلى الله عليه وسلم- نابع عن علم تام وحكمة بالغة، وأنه كله خير حتى ولو بدا لِقُصَّر النظر أنه غير ذلك. بل إنهم لثقتهم في الله وحسن ظنهم به، يزدادون يقينًا كلما اشتد بهم الأمر: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا}[الأحزاب:22]
كذلك  يظن أهل النكد السوءَ في قدر الله تعالى، وأنهم لو بقوا مكانهم لم يموتوا ولم يقتلوا، وهذا من أسوأ الظن بالله تعالى وبقدره وقضائه أن يُظَنَّ أنه يقع في كونه ما لا يشاء، ويحدث ما لم يقدّر، أو أن الحذر يطيل العمر أو ينجي من المقدَّر, ولذلك أجابهم الله تعالى هنا: " {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم} فمضجعك الذي تُضْجَعْهُ لا بد لك أن تزوره وتبرز إليه وتقودك إليه خطاك وتحملك إليه قدماك وإن حاذرت أو تأبَّيت! وقد قال النبي-صلى الله عليه وسلم: «وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، لَدَخَلْتَ النَّارَ» (الإمام أحمد، الميند، رقم:[21587]). ويقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
أي يومي من الموت أفر*** يوم لا يقدر أم يوم قُدر
يوم لا يقدر لا أرهبه*** ومن المقدور لا نجي الحذر
وفي كل زمان يوجد من يسيء الظن بالله تعالى على هذا النحو فيقعد عن نصرة دينه والدعوة إلى الله وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ظنا منه أن ذلك يهلكه أو يذهب برزقه أو يدني أجله, فيختفي أو يتواري ضنا بنفسه التي أهمته وأشغلته حتى دار في فلكها؛ فهل يصدر شيء من هذا ممن يحسِّن الظن بالله تعالى وبقدره وقضائه؟!
لولا المشقة ساد الناس كلهم *** الجود يُفقر والإقدام قتَّال
وفي كل زمان يوجد من الناس من يظن السوء بالله في أمره  القدري فيعترضون على قضائه وقدرة، وفي أمره الشرعي، وفيما كلف به عباده وفيما شرعه لهم من دين قويم وشريعة محكمة، فتجدهم يعترضون على هذا العمل بشتى الاعتراضات، وتراهم يردون ذلك الحكم أو الحد، ويتلكئون في تطبيق شريعته على أنفسهم وعلى من يعولون أو يحكمون، أو تراهم يلوون أعناق النصوص ويتعسفون في ذلك لتوافق أهواءهم ويجعلون شيئا من الأمر لهم بهذه الطريقة... كأنهم أعلم من الله -سبحانه وتعالى علوا كبيرا عما يقولون ويفعلون ويصفون– وكأنهم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله صلى الله عليه وسلم-، فهذا يناقش في الحجاب وذاك في الاختلاط وثالث في التعدد ورابع في الرباوخامس في الجهاد وآخر في الولاء والبراء  وآخَر في آخَر.. كل ذلك سببه سوء الظن بالله تعالى وإن سمَّوه ما سمَّوه. فهل يصدر شيء من هذا ممن يحسِّن الظن بالله تعالى وبقضائه كونًا وشرعًا؟!
وهكذا الظن الحسن في كل صفات الله العلى وأسمائه الحسنى، وأنها ذات آثار على حياتنا، يجب أن نتأملها ونتملَّاها، فنحسن الظن أن الله معنا؛ يسمع كلامنا ودعاءنا ويرى مكاننا، ويعلم حاجتنا، وأنه القاهر فوق عباده وناصر حزبه ومؤيدهم، وأنه قاهر عدوه وعدوهم، ومذلهم، وأنه الرزاق، فلا نبتغي زقنا عند غره، وأنه المحيي المميت، فلا نخاف موتًا لم يقضِهِ ولا أجلا لم يؤجِّله... فالظن بالله تعالى يشمل هذا كلَّه.
اللهم ارزقنا حسن الظن في قدرك وقضائك، ووعدك ونصرك ومعونتك.

من خصائص القرآن في بناء الحياة

ن القرآن العظيم هو الرسالة التي أنزلها الله لسعادة العالمين، وقيادة الإنسانية نحو الهدى والحق والخير وإرشاد الحائرين، وإنقاذ البشرية من الشقاء والظلم والعبث الفردي والدولي الذي ملأ مجتمعاتها بالضيق والشقاء والكدر والعذاب الأليم {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النساء:26].


نعم إنه القرآن: باني الحياة الطيبة العامرة ودواء اعوجاج الأفهام الخائرة الجائرة
- إن القرآن العظيم هو الرسالة التي أنزلها الله لسعادة العالمين، وقيادة الإنسانية نحو الهدى والحق والخير وإرشاد الحائرين، وإنقاذ البشرية من الشقاء والظلم والعبث الفردي والدولي الذي ملأ مجتمعاتها بالضيق والشقاء والكدر والعذاب الأليم {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النساء:26].
- القرآن هو حبل الله الممدود؛ لإغاثة الإنسان المتعب الجريح المكدود، ليعصمه من الضلال الفكري، والهلاك المعيشي والاقتصادي والحياتي، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه ابن حبان عن أبي شريح الخزاعي -رضي الله عنه-: (فإن هذا القرآن سببٌ طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا، ولن تهلكوا بعده أبداً)، ولذا قالابن القيم: "وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث بالكتاب المبين الفارق بين الهدى والضلال والغي والرشاد والشك واليقين، أنزله لنقرأه تدبراً، ونتأمله تبصراً، ونسعد به تذكراً، ونحمله على أحسن وجوهه ومعانيه، ونصدق به، ونجتهد على إقامة أوامره ونواهيه".
- القرآن هو أصل التصورات الرشيدة، وأساس المناهج الفكرية العملية المؤسسة للحياة السعيدة، وأساس الحضارات والبناءات المجيدة، فهو البيان الدستوري الأعظم، يجد فيه المفكرون والمثقفون ما يعصمهم من التيه والفتن والضلالات الفكرية والعقلية والحياتية، ويتمتع البشر أجمعون به بألذ نعيم {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}[النساء:176].
- القرآن الكريم هو المرجع الأكبر في الآراء والأفكار والنظم والسياسيات، والأساس في الصحيح من الأبحاث والدراسات فـــ"هو الصراط المستقيم الذي لاتميل به الآراء، والذكر الحكيم الذي لا تزيغ به الأهواء، والنزل الكريم الذي لا يشبع منه العلماء".
- القرآن العظيم هو المقياس الحقيقي لصدق الأقوال والأعمال، والأفكار والمشاريع الفردية والجماعية، وهو المعيار المهيمن الدال على مدى الثقة بمناهج البشر وتجاربهم الإنسانية، وهيمنته لا يستطيعها الكُتَّاب، ولا المجامع العلمية الرفيعة الأبواب {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة:48]، فهو الشاهد للبشرية إن جعلته قائداً لها، أو الشاهد عليها إن نبذته تعاليمه ونظمه خلف ظهرها، كما ذكر جابر بن عبد اللهرضي الله عنهما-فيما رواه ابن حبان- أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (القرآن شافع مشفع وماحل مصدق. من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار).
- القرآن الكريم يأخذ البشر الموفقون من مجده مجدهم {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} [ق:1]، { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [البروج:21-22]. ومن عزه عزهم {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ}[فصلت:41]. ومن بركته وخيره المتطاول الكثير خيراتهم {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص:29].
- وفيه يجدون الشرف والمكانة عند الأفراد والنظم والدول والجماعات، كما قال راحم الأرض والسموات: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} [الزخرف:44]، {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء:10]، والذكر يتضمن معنيين: التذكير، ورفعة الشأن والقدر والمكانة، ولذا روى مسلم أن نافع بن عبد الحارث لقى عمر بعسفان وكان عمر يستعمله على مكة، فقال من استعملت على أهل الوادى فقال ابن أبزى. قال ومن ابن أبزى قال مولى من موالينا. قال فاستخلفت عليهم مولى قال إنه قارئ لكتاب اللَّه عز وجل وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم -صلى الله عليه وسلم- قد قال: (إن اللَّه يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين). 
- بالقرآن يجد كل تائهٍ حيران في هذا العالم سبل السلام، ويتحقق للفرد والمجتمعات السلم الاجتماعي، ويتذوقون بتطبيقه معنى المحبة وترك العداوة والاختصام، ويرشدون إلى العيش في نعيم دنيوي مقيم {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}[المائدة:15-16].
- القرآن هو مصدر الشفاء، وهو النور في الظلماء {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس:57].
- القرآن مصدر لزيادة الإيمان وعلاج للقلب المريض، وإيقاظٌ للغافل الوسنان {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ *وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة:124-125]، ونلاحظ هنا أمرين:
الأمر الأول: أن كلمة (مرض) نكرة، والمرض يتصور وجوده عند المسلمين كما هو موجود عند غيرهم، والمرض قد يقل أو يكثر، وقد يصغر أو يكبر، وقد يضعف أو يشتد، وذلك باختلاف أحوال الناس، والتعبير بكلمة (مرض) يدل على وجوب السعي في علاجه، كما يسعى الإنسان في علاج الأمراض الحسية، ولو استدعى الأمر أن يبذل في علاجالمرض القلبي الروحي ما يبذله في علاج المرض الحسي المادي.
الأمر الثاني: كلمة (رجس) تنفر الإنسان من وجودها عند صاحبها؛ لأن الكلمة تدل على النجاسة والقذارة، فَمَن مِن الناس يقبل أن يكون ثوبه متسخاً، فضلاً عن أن تكون النجاسة جزءاً من جسده الظاهر والباطن، والمقصود أن من لم ينتفع بالقرآن ينبغي أن يتهم نفسه، ويطهرها من الأوساخ والأدران.
- بالقرآن قبل السنان يكون الجهاد الكبير أمام الزيف والتزوير، الذي يغزو العالم منذ ما قبل بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما قال تعالى موجهاً نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في مكة: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان:52].
- يبحث التائهون عن الحقوق، وقد تركوا أعظم كتابٍ قرر الحق لكل ذي حق، ووضع القسط في كل صغيرة وكبيرة، وجرم الظلم والاحتكار والعقوق.. فأين عنه يذهبون إلا لأبشع الظلم وأعماه {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء:105].
- يقيم اللاعبون الدوليون مؤسسات حقوق الإنسان، ويتفرجون على الدماء تهراق في كل مكان، ويستمع بعضهم -وفق قلوب قاسية، فاقت قسوتها الحجر- على المسجونين المعذبين، الذين تكاد صرخاتهم تشق الآذان، ويشاهد قساة القلوبالأطفال الجوعى والمشردين، وما كانت هذه القسوة لولا أنهم اتبعوا أهواءهم، ونبذوا وراءهم ظهرياً بيان القوى المتين {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ} [المؤمنون:68].
- القرآن أجمل كلام وأعظم بيان، أنزله الله ليُلْهِم القوانين الدولية، والدساتير الأممية كيف تفصل مقرراتها، وتبني العدل في موادها، وكيف تقيم المبادئ الحقوقية، والمواثيق الاجتماعية، والنظم السياسية في مؤسساتها، بل في أفكارها، ولذا قال الشافعي رحمه الله تعالى: "فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليلُ على سبيل الهدى فيها. قال الله تبارك وتعالى: { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم:1]، وقال: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل:44]، وقال: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل:89]".
والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يقوم ضده المتعصبون؟ ولماذا يصدق بعض البشر وساوس شياطين الإنس والجن حوله، فمرة عنه يُعرضون، ومرة يحشدون جيوشهم الثقافية ومؤسساتهم الإعلامية؛ للغو فيه، وللخلق عنه يُبْعِدون؟ ولماذا يغفل أو يتغافل عن تطبيقه المسلمون؟ أما يكفيهم ما أصابهم ببعدهم عن كتاب الله من ذل { إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ} [الطارق:13-14] وفي ذلك يقول ابن القيم مبيناً سبب الشقاء الذي حل بالفرد والجماعات والدول والمجتمعات: "حرموا والله الوصول بعدولهم عن منهج الوحي وتضييعهم الأصول".

من خصائص القرآن في بناء الحياة

من خصائص القرآن في بناء الحياة

ن القرآن العظيم هو الرسالة التي أنزلها الله لسعادة العالمين، وقيادة الإنسانية نحو الهدى والحق والخير وإرشاد الحائرين، وإنقاذ البشرية من الشقاء والظلم والعبث الفردي والدولي الذي ملأ مجتمعاتها بالضيق والشقاء والكدر والعذاب الأليم {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النساء:26].


نعم إنه القرآن: باني الحياة الطيبة العامرة ودواء اعوجاج الأفهام الخائرة الجائرة
- إن القرآن العظيم هو الرسالة التي أنزلها الله لسعادة العالمين، وقيادة الإنسانية نحو الهدى والحق والخير وإرشاد الحائرين، وإنقاذ البشرية من الشقاء والظلم والعبث الفردي والدولي الذي ملأ مجتمعاتها بالضيق والشقاء والكدر والعذاب الأليم {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النساء:26].
- القرآن هو حبل الله الممدود؛ لإغاثة الإنسان المتعب الجريح المكدود، ليعصمه من الضلال الفكري، والهلاك المعيشي والاقتصادي والحياتي، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه ابن حبان عن أبي شريح الخزاعي -رضي الله عنه-: (فإن هذا القرآن سببٌ طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا، ولن تهلكوا بعده أبداً)، ولذا قالابن القيم: "وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث بالكتاب المبين الفارق بين الهدى والضلال والغي والرشاد والشك واليقين، أنزله لنقرأه تدبراً، ونتأمله تبصراً، ونسعد به تذكراً، ونحمله على أحسن وجوهه ومعانيه، ونصدق به، ونجتهد على إقامة أوامره ونواهيه".
- القرآن هو أصل التصورات الرشيدة، وأساس المناهج الفكرية العملية المؤسسة للحياة السعيدة، وأساس الحضارات والبناءات المجيدة، فهو البيان الدستوري الأعظم، يجد فيه المفكرون والمثقفون ما يعصمهم من التيه والفتن والضلالات الفكرية والعقلية والحياتية، ويتمتع البشر أجمعون به بألذ نعيم {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}[النساء:176].
- القرآن الكريم هو المرجع الأكبر في الآراء والأفكار والنظم والسياسيات، والأساس في الصحيح من الأبحاث والدراسات فـــ"هو الصراط المستقيم الذي لاتميل به الآراء، والذكر الحكيم الذي لا تزيغ به الأهواء، والنزل الكريم الذي لا يشبع منه العلماء".
- القرآن العظيم هو المقياس الحقيقي لصدق الأقوال والأعمال، والأفكار والمشاريع الفردية والجماعية، وهو المعيار المهيمن الدال على مدى الثقة بمناهج البشر وتجاربهم الإنسانية، وهيمنته لا يستطيعها الكُتَّاب، ولا المجامع العلمية الرفيعة الأبواب {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة:48]، فهو الشاهد للبشرية إن جعلته قائداً لها، أو الشاهد عليها إن نبذته تعاليمه ونظمه خلف ظهرها، كما ذكر جابر بن عبد اللهرضي الله عنهما-فيما رواه ابن حبان- أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (القرآن شافع مشفع وماحل مصدق. من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار).
- القرآن الكريم يأخذ البشر الموفقون من مجده مجدهم {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} [ق:1]، { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [البروج:21-22]. ومن عزه عزهم {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ}[فصلت:41]. ومن بركته وخيره المتطاول الكثير خيراتهم {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص:29].
- وفيه يجدون الشرف والمكانة عند الأفراد والنظم والدول والجماعات، كما قال راحم الأرض والسموات: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} [الزخرف:44]، {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء:10]، والذكر يتضمن معنيين: التذكير، ورفعة الشأن والقدر والمكانة، ولذا روى مسلم أن نافع بن عبد الحارث لقى عمر بعسفان وكان عمر يستعمله على مكة، فقال من استعملت على أهل الوادى فقال ابن أبزى. قال ومن ابن أبزى قال مولى من موالينا. قال فاستخلفت عليهم مولى قال إنه قارئ لكتاب اللَّه عز وجل وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم -صلى الله عليه وسلم- قد قال: (إن اللَّه يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين). 
- بالقرآن يجد كل تائهٍ حيران في هذا العالم سبل السلام، ويتحقق للفرد والمجتمعات السلم الاجتماعي، ويتذوقون بتطبيقه معنى المحبة وترك العداوة والاختصام، ويرشدون إلى العيش في نعيم دنيوي مقيم {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}[المائدة:15-16].
- القرآن هو مصدر الشفاء، وهو النور في الظلماء {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس:57].
- القرآن مصدر لزيادة الإيمان وعلاج للقلب المريض، وإيقاظٌ للغافل الوسنان {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ *وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة:124-125]، ونلاحظ هنا أمرين:
الأمر الأول: أن كلمة (مرض) نكرة، والمرض يتصور وجوده عند المسلمين كما هو موجود عند غيرهم، والمرض قد يقل أو يكثر، وقد يصغر أو يكبر، وقد يضعف أو يشتد، وذلك باختلاف أحوال الناس، والتعبير بكلمة (مرض) يدل على وجوب السعي في علاجه، كما يسعى الإنسان في علاج الأمراض الحسية، ولو استدعى الأمر أن يبذل في علاجالمرض القلبي الروحي ما يبذله في علاج المرض الحسي المادي.
الأمر الثاني: كلمة (رجس) تنفر الإنسان من وجودها عند صاحبها؛ لأن الكلمة تدل على النجاسة والقذارة، فَمَن مِن الناس يقبل أن يكون ثوبه متسخاً، فضلاً عن أن تكون النجاسة جزءاً من جسده الظاهر والباطن، والمقصود أن من لم ينتفع بالقرآن ينبغي أن يتهم نفسه، ويطهرها من الأوساخ والأدران.
- بالقرآن قبل السنان يكون الجهاد الكبير أمام الزيف والتزوير، الذي يغزو العالم منذ ما قبل بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما قال تعالى موجهاً نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في مكة: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان:52].
- يبحث التائهون عن الحقوق، وقد تركوا أعظم كتابٍ قرر الحق لكل ذي حق، ووضع القسط في كل صغيرة وكبيرة، وجرم الظلم والاحتكار والعقوق.. فأين عنه يذهبون إلا لأبشع الظلم وأعماه {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء:105].
- يقيم اللاعبون الدوليون مؤسسات حقوق الإنسان، ويتفرجون على الدماء تهراق في كل مكان، ويستمع بعضهم -وفق قلوب قاسية، فاقت قسوتها الحجر- على المسجونين المعذبين، الذين تكاد صرخاتهم تشق الآذان، ويشاهد قساة القلوبالأطفال الجوعى والمشردين، وما كانت هذه القسوة لولا أنهم اتبعوا أهواءهم، ونبذوا وراءهم ظهرياً بيان القوى المتين {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ} [المؤمنون:68].
- القرآن أجمل كلام وأعظم بيان، أنزله الله ليُلْهِم القوانين الدولية، والدساتير الأممية كيف تفصل مقرراتها، وتبني العدل في موادها، وكيف تقيم المبادئ الحقوقية، والمواثيق الاجتماعية، والنظم السياسية في مؤسساتها، بل في أفكارها، ولذا قال الشافعي رحمه الله تعالى: "فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليلُ على سبيل الهدى فيها. قال الله تبارك وتعالى: { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم:1]، وقال: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل:44]، وقال: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل:89]".
والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يقوم ضده المتعصبون؟ ولماذا يصدق بعض البشر وساوس شياطين الإنس والجن حوله، فمرة عنه يُعرضون، ومرة يحشدون جيوشهم الثقافية ومؤسساتهم الإعلامية؛ للغو فيه، وللخلق عنه يُبْعِدون؟ ولماذا يغفل أو يتغافل عن تطبيقه المسلمون؟ أما يكفيهم ما أصابهم ببعدهم عن كتاب الله من ذل { إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ} [الطارق:13-14] وفي ذلك يقول ابن القيم مبيناً سبب الشقاء الذي حل بالفرد والجماعات والدول والمجتمعات: "حرموا والله الوصول بعدولهم عن منهج الوحي وتضييعهم الأصول".

الفرائض رأس الإسلام وعموده وذروة سنامه، والنوافل مدارج يرتقي بها العبد ليبلغ الكمال، الفرائض رأس المال والنوافل ربح، وأولى بالعبد أن يحافظ على رأس ماله من أن يسعى للربح، وأن تحافظ على صلاة الفريضة لا تزيد عليها خير من أن تقوم الليل كله وأنت مهمل للفرائض!

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
تخيل معي هذا الأمر: رجل مسلم أدرك شهر رمضان، فكان يَطعم في نهاره ما شاء من غير عذر ولا تأول، ثم يقضيه بعد خروج الشهر.. وهذا الرجل نفسه حريص أشد الحرص على صيام عرفة وعاشوراء، أو أيام البيض، أو ما شئت من نوافل الصيام.

خيال غريب وشاذ، لكنه ويا للأسف يقع في ما هو أعظم شأنا في الإسلام من صيام رمضان، وفي ركنه الركين وعموده المتين، بل ومن بعض من يزعم أنه صائم، فهو يصلي الفجر، ثم ينام إلى قبيل المغرب، فيجمع الظهر إلى العصر "جمع تقصير"؛ بلا خشوع ولا روح، ثم يصلي التراويح كأشد ما يكون حرصا واهتماما، فهو يحفظ حديث أبي ذر مرفوعا "من قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب له قيام ليلة".. فواعجبا!

الفرائض رأس الإسلام وعموده وذروة سنامه، والنوافل مدارج يرتقي بها العبد ليبلغ الكمال، الفرائض رأس المال والنوافل ربح، وأولى بالعبد أن يحافظ على رأس ماله من أن يسعى للربح، وأن تحافظ على صلاة الفريضة لا تزيد عليها خير من أن تقوم الليل كله وأنت مهمل للفرائض!

والله المستعان على ما نقول ونعمل.
 

رأس المال.. والأرباح

الفرائض رأس الإسلام وعموده وذروة سنامه، والنوافل مدارج يرتقي بها العبد ليبلغ الكمال، الفرائض رأس المال والنوافل ربح، وأولى بالعبد أن يحافظ على رأس ماله من أن يسعى للربح، وأن تحافظ على صلاة الفريضة لا تزيد عليها خير من أن تقوم الليل كله وأنت مهمل للفرائض!

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
تخيل معي هذا الأمر: رجل مسلم أدرك شهر رمضان، فكان يَطعم في نهاره ما شاء من غير عذر ولا تأول، ثم يقضيه بعد خروج الشهر.. وهذا الرجل نفسه حريص أشد الحرص على صيام عرفة وعاشوراء، أو أيام البيض، أو ما شئت من نوافل الصيام.

خيال غريب وشاذ، لكنه ويا للأسف يقع في ما هو أعظم شأنا في الإسلام من صيام رمضان، وفي ركنه الركين وعموده المتين، بل ومن بعض من يزعم أنه صائم، فهو يصلي الفجر، ثم ينام إلى قبيل المغرب، فيجمع الظهر إلى العصر "جمع تقصير"؛ بلا خشوع ولا روح، ثم يصلي التراويح كأشد ما يكون حرصا واهتماما، فهو يحفظ حديث أبي ذر مرفوعا "من قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب له قيام ليلة".. فواعجبا!

الفرائض رأس الإسلام وعموده وذروة سنامه، والنوافل مدارج يرتقي بها العبد ليبلغ الكمال، الفرائض رأس المال والنوافل ربح، وأولى بالعبد أن يحافظ على رأس ماله من أن يسعى للربح، وأن تحافظ على صلاة الفريضة لا تزيد عليها خير من أن تقوم الليل كله وأنت مهمل للفرائض!

والله المستعان على ما نقول ونعمل.
 

Popular Posts