background img

The New Stuff

سَبْعُ رَسَائِلَ لأَهْلِ الرَّسَائِل

نعيش هذه الأيام قوة في التواصل لم يشهدها العالم من قبل، فوسائل الاتصالات بلغت ذروتها، والتقنية بلغت أَوجَهَا.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فإننا نعيش هذه الأيام قوة في التواصل لم يشهدها العالم من قبل، فوسائل الاتصالات بلغت ذروتها، والتقنية بلغت أَوجَهَا، ومن ذلك التواصل عن طريق الرسائل الالكترونية، إما عن طريق الهاتف المحمول، أو عن طريق شبكة المعلومات (الإنترنت) بما يسمى البريد الإلكتروني، فأدى ذلك إلى سهولة التواصل بين الأفراد والمؤسسات، وأصبح الناس يتواصلون من خلال هذه الخدمات الجليلة.
وقد انتشرت بين الناس الرسائل الالكترونية إما عن طريق الأفراد أو عن طريق المجموعات البريدية، وأصبح كثير من الناس ليس له عمل إلا استقبال هذه الرسائل وإعادة توجيهها بغثها وسمينها، وعُجْرِهَا وبُجْرِهَا، والتفنن في ذلك. وعندما كنت أتأمل مثل هذا العمل أحببت أن أشارك برسائل لأهل الرسائل لعلهم ينتفعون بها، ويستفيدوا من هذه الخدمة الجليلة على ما ينبغي الإفادة منها، فأرسلت سَبْعَ رسائل لأهل الرسائل:
الرسالة الأولى:
لماذا ترسل؟
وهذا سؤال في غاية الأهمية، فلابد أن تسأل نفسك قبل أن ترسل أي رسالة بريدية، أو غيرها. فلماذا ترسل؟ وما هي الفائدة المرجوة من هذه الرسالة؟ هل الفائدة إشباع رغبة؟ أم ضياع وقت؟ أم نصح وإرشاد؟ أم تواصل واطمئنان؟ أم بيع وشراء؟ أم غير ذلك؟
فيا أخي المرسل: أعدد للسؤال جوابًا، وللجواب صوابًا.
 
الرسالة الثانية:
ماذا ترسل؟
ما المادة التي سترسلها هل هي مقالات وبحوث علمية، أم صور ومقاطع مرئية، أم خواطر وتأملات، أم عقود ومعاملات. ولتعلم أن أي رسالة ترسلها فهي إما لك أو عليك، أو لا لك ولا عليك.
فيا أخي المرسل: أعدد للسؤال جوابًا، وللجواب صوابًا.
 
الرسالة الثالثة:
لمن ترسل؟
من الأشخاص الذين ترسل إليهم هذه الرسالة، وما جنسهم؟ وهل هذه الرسالة تناسبهم وتفيدهم، أم هي تشارك في ضياع أوقاتهم ودينهم؟! فيكون إرسالك لهم مما يحمد أم مما يُذَمُّ شرعًا وعقلًا، وستسأل عنه.
فيا أخي المرسل: أعدد للسؤال جوابًا، وللجواب صوابًا.
 
الرسالة الرابعة:
ما مصدرك؟
وهي الطريقة التي من خلالها تتلقى رسائلك، هل هي من أناس تعرفهم، أم من مجهول، فإن كانت ممن تعرفهم فحسن، وإلا تتثبت منه، وأما الرسائل التي من مجهول فلا يجوز نشرها إلا بعد التثبت منها ومن خُبْرِهَا وخَبَرِهَا، أما إلقاؤها على الناس بغثها وسمينها، فيخشى من تحمل تبعتها، وما يترتب عليها من المفاسد والمضار، بل قد تتحمل ما هو أعظم من ذلك السيئة وجرمها الذي تتحمله عن كل من قرأ هذه الرسالة عن طريقك؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» (أخرجه مسلم [1017]) من حديث جرير رضي الله عنه.
فيا أخي المرسل: أعدد للسؤال جوابًا، وللجواب صوابًا.
 
الرسالة الخامسة:
متى ترسل؟
وهو الوقت الذي ترسل فيه الرسالة هل هو موافق للوقت والزمان، فبعض الناس يرسل ما هب ودب، بدون مراعاة للوقت والزمان، وهذا مما يبتذل ويسفه به الأحلام، فاحترام الوقت والزمان مما يحمد لمن يرسل، ويستفاد مما يبعث.
 
الرسالة السادسة:
من أين ترسل؟
أي: من أي شركة ترسل الرسالة، فإن كانت من الشركات التي تحارب الإسلام، أو تشارك في نشر الرذيلة، فلا يجوز المشاركة فيها لأن هذا من التعاون على الإثم والعدوان، وما سوى ذلك فيباح المشاركة فيه، وإن كان الأولى المشاركة في الشركات التي لها مجال في خدمة الدين وأهله، وذلك لإعانتهم، ودعمهم والله المستعان.
 
الرسالة السابعة:
ماذا بعد؟
أخي المرسل لابد أن تستشعر هذا السؤال قبل الإرسال، ولتعلم أن أي رسالة ترسلها فهي إما لك أو عليك، أو لا لك ولا عليك. فتكون لك إذا كان مضمونها حسنًا، فتعود عليك بالأجر والمثوبة، ورفعة الدرجة والقربى من الله تعالى، فكم من كلمة رفعت صاحبها، وأخرى أردته. وقد تكون عليك إذا كانت مما يغضب الله ولا يرضيه، وتجر عليك الإثم والعقوبة. وإما أن تكون لا لك ولا عليك إذا كانت مما يباح نقله وإرساله. فكن على حذر من هذه الرسائل التي تذهب لذتها، ووقتها، ويبقى إما أجرها أو غرمها.
وعن جرير بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» (أخرجه مسلم[1017]).
وصدق من قال:
وَمَا مِنْ كَاتِبٍ إِلَّا سَيَفْنَى *** وَيُبْقِيْ الْدَّهَرُ مَا كَتَبَتْ يَدَاهُ
فَلَا تَكْتُبْ بِكَفِّكَ غَيْرَ شَيْءٍ *** يَسُرُّكَ فِيْ الْقِيَامَةِ أَنْ تَرَاهُ

وفي الختام أخي الحبيب قف مع هذا السؤال وتأمله: هل أعددت للسؤال بين يدي الله عمَّا أرسلت جوابًا؟ وهل جوابك الذي ستجيب به رب العالمين صوابًا؟.

أخي المرسل: أحسب أني قد نصحت لك فكن ممن يقبل النصح، ويكف عمَّا حرم الله، ومن تاب عمَّا مضى كُفِّرَ عنه، بل وبدل بحسنات، فرحمة الله وسعت جميع المخلوقات.

سَبْعُ رَسَائِلَ لأَهْلِ الرَّسَائِل

سَبْعُ رَسَائِلَ لأَهْلِ الرَّسَائِل

نعيش هذه الأيام قوة في التواصل لم يشهدها العالم من قبل، فوسائل الاتصالات بلغت ذروتها، والتقنية بلغت أَوجَهَا.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فإننا نعيش هذه الأيام قوة في التواصل لم يشهدها العالم من قبل، فوسائل الاتصالات بلغت ذروتها، والتقنية بلغت أَوجَهَا، ومن ذلك التواصل عن طريق الرسائل الالكترونية، إما عن طريق الهاتف المحمول، أو عن طريق شبكة المعلومات (الإنترنت) بما يسمى البريد الإلكتروني، فأدى ذلك إلى سهولة التواصل بين الأفراد والمؤسسات، وأصبح الناس يتواصلون من خلال هذه الخدمات الجليلة.
وقد انتشرت بين الناس الرسائل الالكترونية إما عن طريق الأفراد أو عن طريق المجموعات البريدية، وأصبح كثير من الناس ليس له عمل إلا استقبال هذه الرسائل وإعادة توجيهها بغثها وسمينها، وعُجْرِهَا وبُجْرِهَا، والتفنن في ذلك. وعندما كنت أتأمل مثل هذا العمل أحببت أن أشارك برسائل لأهل الرسائل لعلهم ينتفعون بها، ويستفيدوا من هذه الخدمة الجليلة على ما ينبغي الإفادة منها، فأرسلت سَبْعَ رسائل لأهل الرسائل:
الرسالة الأولى:
لماذا ترسل؟
وهذا سؤال في غاية الأهمية، فلابد أن تسأل نفسك قبل أن ترسل أي رسالة بريدية، أو غيرها. فلماذا ترسل؟ وما هي الفائدة المرجوة من هذه الرسالة؟ هل الفائدة إشباع رغبة؟ أم ضياع وقت؟ أم نصح وإرشاد؟ أم تواصل واطمئنان؟ أم بيع وشراء؟ أم غير ذلك؟
فيا أخي المرسل: أعدد للسؤال جوابًا، وللجواب صوابًا.
 
الرسالة الثانية:
ماذا ترسل؟
ما المادة التي سترسلها هل هي مقالات وبحوث علمية، أم صور ومقاطع مرئية، أم خواطر وتأملات، أم عقود ومعاملات. ولتعلم أن أي رسالة ترسلها فهي إما لك أو عليك، أو لا لك ولا عليك.
فيا أخي المرسل: أعدد للسؤال جوابًا، وللجواب صوابًا.
 
الرسالة الثالثة:
لمن ترسل؟
من الأشخاص الذين ترسل إليهم هذه الرسالة، وما جنسهم؟ وهل هذه الرسالة تناسبهم وتفيدهم، أم هي تشارك في ضياع أوقاتهم ودينهم؟! فيكون إرسالك لهم مما يحمد أم مما يُذَمُّ شرعًا وعقلًا، وستسأل عنه.
فيا أخي المرسل: أعدد للسؤال جوابًا، وللجواب صوابًا.
 
الرسالة الرابعة:
ما مصدرك؟
وهي الطريقة التي من خلالها تتلقى رسائلك، هل هي من أناس تعرفهم، أم من مجهول، فإن كانت ممن تعرفهم فحسن، وإلا تتثبت منه، وأما الرسائل التي من مجهول فلا يجوز نشرها إلا بعد التثبت منها ومن خُبْرِهَا وخَبَرِهَا، أما إلقاؤها على الناس بغثها وسمينها، فيخشى من تحمل تبعتها، وما يترتب عليها من المفاسد والمضار، بل قد تتحمل ما هو أعظم من ذلك السيئة وجرمها الذي تتحمله عن كل من قرأ هذه الرسالة عن طريقك؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» (أخرجه مسلم [1017]) من حديث جرير رضي الله عنه.
فيا أخي المرسل: أعدد للسؤال جوابًا، وللجواب صوابًا.
 
الرسالة الخامسة:
متى ترسل؟
وهو الوقت الذي ترسل فيه الرسالة هل هو موافق للوقت والزمان، فبعض الناس يرسل ما هب ودب، بدون مراعاة للوقت والزمان، وهذا مما يبتذل ويسفه به الأحلام، فاحترام الوقت والزمان مما يحمد لمن يرسل، ويستفاد مما يبعث.
 
الرسالة السادسة:
من أين ترسل؟
أي: من أي شركة ترسل الرسالة، فإن كانت من الشركات التي تحارب الإسلام، أو تشارك في نشر الرذيلة، فلا يجوز المشاركة فيها لأن هذا من التعاون على الإثم والعدوان، وما سوى ذلك فيباح المشاركة فيه، وإن كان الأولى المشاركة في الشركات التي لها مجال في خدمة الدين وأهله، وذلك لإعانتهم، ودعمهم والله المستعان.
 
الرسالة السابعة:
ماذا بعد؟
أخي المرسل لابد أن تستشعر هذا السؤال قبل الإرسال، ولتعلم أن أي رسالة ترسلها فهي إما لك أو عليك، أو لا لك ولا عليك. فتكون لك إذا كان مضمونها حسنًا، فتعود عليك بالأجر والمثوبة، ورفعة الدرجة والقربى من الله تعالى، فكم من كلمة رفعت صاحبها، وأخرى أردته. وقد تكون عليك إذا كانت مما يغضب الله ولا يرضيه، وتجر عليك الإثم والعقوبة. وإما أن تكون لا لك ولا عليك إذا كانت مما يباح نقله وإرساله. فكن على حذر من هذه الرسائل التي تذهب لذتها، ووقتها، ويبقى إما أجرها أو غرمها.
وعن جرير بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» (أخرجه مسلم[1017]).
وصدق من قال:
وَمَا مِنْ كَاتِبٍ إِلَّا سَيَفْنَى *** وَيُبْقِيْ الْدَّهَرُ مَا كَتَبَتْ يَدَاهُ
فَلَا تَكْتُبْ بِكَفِّكَ غَيْرَ شَيْءٍ *** يَسُرُّكَ فِيْ الْقِيَامَةِ أَنْ تَرَاهُ

وفي الختام أخي الحبيب قف مع هذا السؤال وتأمله: هل أعددت للسؤال بين يدي الله عمَّا أرسلت جوابًا؟ وهل جوابك الذي ستجيب به رب العالمين صوابًا؟.

أخي المرسل: أحسب أني قد نصحت لك فكن ممن يقبل النصح، ويكف عمَّا حرم الله، ومن تاب عمَّا مضى كُفِّرَ عنه، بل وبدل بحسنات، فرحمة الله وسعت جميع المخلوقات.

والكلمة أمانة


إننا اليوم نعيش ثورة إعلامٍ جديدٍ مخيف، يُسهل للفرد أن يطرح ما يريد بحرية تامة، ويسر وسهولة، لقد أصبح بمقدور كل من يعرف القراءة والكتابة أن يشارك بما يشاء، ومتى شاء.

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم اهدني وسددني

لقد امتن الله على بني البشر بنعم كثيرة لا تُعد ولا تُحصى، ومما امتن به عليهم أن ميزهم بالنطق، وأعطاهم أداته المحكمة، وعلمهم الأسماء ليحصل التواصل والتوافق، وهنا يقول الله عز وجل في سياق تقرير بعض نعمة على عبده: {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ . وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ . وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْن} [البلد:8-10]، فهذه المنن الجزيلة، تقتضي من العبد أن يقوم بحقوق الله، ويشكر الله على نعمه، وأن لا يستعين بها على معاصيه.
إن ما يُقال ويُكتب ما هو إلا مجموعة من الكلمات تُصاغ لتكون جملة مفيدة للقارئ أو السامع، بحيث يحصل للمتكلم أو للكاتب التواصل مع الناس لإيصال فكرته ومراده بكل يسر وسهولة.

إننا اليوم نعيش ثورة إعلامٍ جديدٍ مخيف، يُسهل للفرد أن يطرح ما يريد بحرية تامة، ويسر وسهولة، لقد أصبح بمقدور كل من يعرف القراءة والكتابة أن يشارك بما يشاء، ومتى شاء، وله كذلك أن يطرق من المواضيع ما يشاء، بل في أحيان كثيرة يتطاول كثير من السفهاء على مواضيع ليس لهم فيها لا زمام ولا خطام، ويزداد ذهولك عندما ترى بعض هؤلاء السفهاء في الفكر والعلم يترأس ذروة سنام الإعلام، ويحاول بصفاقة ظاهرة صفصفة الكلام ليُشعر المتلقي بأنه أهل ثقافة ومعرفة، وصاحب قلم وبيان، وفكر وتحليل، ولكن سرعان ما ينطق هذا المُتَعَالم، أو يكتب ذلك المتهالك فيكون أضحوكة للعقلاء، ومحل ازدراء للعارفين، وذلك بسبب أنه لم يستشعر أن الكلمة أمانة.

فالكلمة أمانة يجب حفظها وصيانتها، ووضعها في موضعها، فإذا فرط صاحبها في حقها، ودَلَّسَ ولَبَّس فيها كان ذلك منه خيانة. كل كلمة تقال فهي على العبد محصاة ولو نسيها فإن الله محصيها، {أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المجادلة:من الآية6]، فيحصي الله على العبد كل شيءٍ، فهو في كتاب  {لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} [الكهف:من الآية49].
الكلمة ليست عبارة تلقى فحسب ثم تذهب أدراج الرياح، بل هي أمانة ذات غُنْم وغُرْم، قد يظن البعض أنه غير مؤاخذ بما يقول، فإن تلبس بهذه الشبهة فجوابها من الذي لا ينطق عن الهوى، يقول صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه لما سأله عن عمل يدخله الجنة ويباعده عن النار، قال له في آخر الدلالة: «أَلاَ أُخْبِرُكَ بِمَلاَكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟» قُلْتُ: "بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ". قَالَ: فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ فقَالَ:«كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا»، فَقُلْتُ:" يَا نَبِيَ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟!" فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ! وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ - أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ - إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» (أخرجه أحمد والترمذي).
إن الكلمة التي تَخرج من فِي الإنسان إما ترفعه وإما ترديه، وإما تَسُره وإما تَضُره، فعلى هذا فالكلمة أمانة وأي أمانة؟! قد تكون الكلمة سببًا لسعادة بعض الناس، وقد تكون سببًا لتعاستهم وخسارتهم، يقول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً، يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِى بِهَا فِي جَهَنَّمَ» (أخرجه البخاري).
وعلى هذا فيجب على قائل أي كلمة أن يتبين فيها، ويعرف ما تؤل إليه حتى لا تكون شؤمًا عليه، يقول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا، يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ» (متفق عليه).
إن الأُمناء على الكلمة يعلمون ما يقولون، ويدركون ما يُريدون، ويَصْدُقون فيما يحدثون، وينصحون فيما يعتقدون، ولا يحملهم ظلم غيرهم لهم على ظلم أنفسهم بالكذب والزور عليهم، لا يختلقون الأقاويل، ولا ينشرون الشائعات، فهم أهل صدق ونصح، وعلم وبصيرة، لا يتأخرون عن كلمة الحق بحجة أنها لا تُسمع، فهم يعلمون أنه ما من بذرة طيبة إلا ولها أرض خصبة، فهؤلاء هم أُمناء الكلمة.
إننا اليوم نرى من الخيانات ما لا يحويه حاوٍ، ولا يجمعه جامع، خيانة في الكلمة على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، خيانة في تشويه الدين، وزعزعة الثوابت، خيانة في تلبيس الحق بالباطل، خيانة في الكذب في النقل، خيانة في تقديم من لا يُقدم، ورفع ما من حقه السُّفل، خيانة في الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب، خيانة في سِبَابِ المسلمين وشتمهم، هذه المظاهر المؤلمة هي دوافع لحوابس في النفس تأبى تلك النفوس الرديئة إلا إظهارها.
إن خيانة الكلمة أصبحت  اليوم مهنة من لا مهنة له، فمن أراد الشهرة الرخيصة، فما عليه إلا أن يبيع أمانته، ويُرخص كلمته. وهناك من خان كلمته لأنه باع أمانته، فقد باعها لخائنٍ، وأجَّرها لفاسد، فكان في مقام الأتان يحمل الروث والدِّمْن، فكان صاحب كلمة مستأجرة، وروثة منتنة.
إن هؤلاء وأمثالهم لا علاج لهم إلا قرع مسامِعهم بواعظ القرآن إن كانوا يعقلون، يقول الله تعالى: {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ . لِيَوْمٍ عَظِيمٍ . يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ . كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ . كِتَابٌ مَّرْقُومٌ . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} [المطففين:4-10].
وهنا أقول:
لو استشعر كل قائل أو كاتب أن كلمته أمانة لما تجرأ على الخيانة.
ولو استشعر كل قائل أو كاتب أنه سيُسأل عن كلماته لما تجرأ على الخيانة.
ولو استشعر كل قائل أو كاتب أنه سيقف بين يدي الله لما تجرأ على الخيانة.
ولو استشعر كل قائل أو كاتب أنه في سلامة ما حفظ أمانته لما تجرأ على الخيانة.
فليت كل من يكتب يستشعر هذه الأمانة، ويقف عند كل حرف وكلمة، ولا يسطر ببنانه إلا ما يسره في القيامة رؤيته، وصدق من قال:
وَمَا مِنْ كَاتِبٍ إِلَّا سَيَفْنَى *** وَيُبْقِيْ الْدَّهَرُ مَا كَتَبَتْ يَدَاهُ
فَلَا تَكْتُبْ بِكَفِّكَ غَيْرَ شَيْءٍ *** يَسُرُّكَ فِيْ الْقِيَامَةِ أَنْ تَرَاهُ
وأخيرًا:
فاعلم واستشعر، واستظهر واستبصر، وتأمل وتدبر في: أن الكلمة أمانة، وبَخْسَها حقها خيانة.

والكلمة أمانة

والكلمة أمانة


إننا اليوم نعيش ثورة إعلامٍ جديدٍ مخيف، يُسهل للفرد أن يطرح ما يريد بحرية تامة، ويسر وسهولة، لقد أصبح بمقدور كل من يعرف القراءة والكتابة أن يشارك بما يشاء، ومتى شاء.

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم اهدني وسددني

لقد امتن الله على بني البشر بنعم كثيرة لا تُعد ولا تُحصى، ومما امتن به عليهم أن ميزهم بالنطق، وأعطاهم أداته المحكمة، وعلمهم الأسماء ليحصل التواصل والتوافق، وهنا يقول الله عز وجل في سياق تقرير بعض نعمة على عبده: {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ . وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ . وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْن} [البلد:8-10]، فهذه المنن الجزيلة، تقتضي من العبد أن يقوم بحقوق الله، ويشكر الله على نعمه، وأن لا يستعين بها على معاصيه.
إن ما يُقال ويُكتب ما هو إلا مجموعة من الكلمات تُصاغ لتكون جملة مفيدة للقارئ أو السامع، بحيث يحصل للمتكلم أو للكاتب التواصل مع الناس لإيصال فكرته ومراده بكل يسر وسهولة.

إننا اليوم نعيش ثورة إعلامٍ جديدٍ مخيف، يُسهل للفرد أن يطرح ما يريد بحرية تامة، ويسر وسهولة، لقد أصبح بمقدور كل من يعرف القراءة والكتابة أن يشارك بما يشاء، ومتى شاء، وله كذلك أن يطرق من المواضيع ما يشاء، بل في أحيان كثيرة يتطاول كثير من السفهاء على مواضيع ليس لهم فيها لا زمام ولا خطام، ويزداد ذهولك عندما ترى بعض هؤلاء السفهاء في الفكر والعلم يترأس ذروة سنام الإعلام، ويحاول بصفاقة ظاهرة صفصفة الكلام ليُشعر المتلقي بأنه أهل ثقافة ومعرفة، وصاحب قلم وبيان، وفكر وتحليل، ولكن سرعان ما ينطق هذا المُتَعَالم، أو يكتب ذلك المتهالك فيكون أضحوكة للعقلاء، ومحل ازدراء للعارفين، وذلك بسبب أنه لم يستشعر أن الكلمة أمانة.

فالكلمة أمانة يجب حفظها وصيانتها، ووضعها في موضعها، فإذا فرط صاحبها في حقها، ودَلَّسَ ولَبَّس فيها كان ذلك منه خيانة. كل كلمة تقال فهي على العبد محصاة ولو نسيها فإن الله محصيها، {أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المجادلة:من الآية6]، فيحصي الله على العبد كل شيءٍ، فهو في كتاب  {لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} [الكهف:من الآية49].
الكلمة ليست عبارة تلقى فحسب ثم تذهب أدراج الرياح، بل هي أمانة ذات غُنْم وغُرْم، قد يظن البعض أنه غير مؤاخذ بما يقول، فإن تلبس بهذه الشبهة فجوابها من الذي لا ينطق عن الهوى، يقول صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه لما سأله عن عمل يدخله الجنة ويباعده عن النار، قال له في آخر الدلالة: «أَلاَ أُخْبِرُكَ بِمَلاَكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟» قُلْتُ: "بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ". قَالَ: فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ فقَالَ:«كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا»، فَقُلْتُ:" يَا نَبِيَ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟!" فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ! وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ - أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ - إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» (أخرجه أحمد والترمذي).
إن الكلمة التي تَخرج من فِي الإنسان إما ترفعه وإما ترديه، وإما تَسُره وإما تَضُره، فعلى هذا فالكلمة أمانة وأي أمانة؟! قد تكون الكلمة سببًا لسعادة بعض الناس، وقد تكون سببًا لتعاستهم وخسارتهم، يقول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً، يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِى بِهَا فِي جَهَنَّمَ» (أخرجه البخاري).
وعلى هذا فيجب على قائل أي كلمة أن يتبين فيها، ويعرف ما تؤل إليه حتى لا تكون شؤمًا عليه، يقول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا، يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ» (متفق عليه).
إن الأُمناء على الكلمة يعلمون ما يقولون، ويدركون ما يُريدون، ويَصْدُقون فيما يحدثون، وينصحون فيما يعتقدون، ولا يحملهم ظلم غيرهم لهم على ظلم أنفسهم بالكذب والزور عليهم، لا يختلقون الأقاويل، ولا ينشرون الشائعات، فهم أهل صدق ونصح، وعلم وبصيرة، لا يتأخرون عن كلمة الحق بحجة أنها لا تُسمع، فهم يعلمون أنه ما من بذرة طيبة إلا ولها أرض خصبة، فهؤلاء هم أُمناء الكلمة.
إننا اليوم نرى من الخيانات ما لا يحويه حاوٍ، ولا يجمعه جامع، خيانة في الكلمة على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، خيانة في تشويه الدين، وزعزعة الثوابت، خيانة في تلبيس الحق بالباطل، خيانة في الكذب في النقل، خيانة في تقديم من لا يُقدم، ورفع ما من حقه السُّفل، خيانة في الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب، خيانة في سِبَابِ المسلمين وشتمهم، هذه المظاهر المؤلمة هي دوافع لحوابس في النفس تأبى تلك النفوس الرديئة إلا إظهارها.
إن خيانة الكلمة أصبحت  اليوم مهنة من لا مهنة له، فمن أراد الشهرة الرخيصة، فما عليه إلا أن يبيع أمانته، ويُرخص كلمته. وهناك من خان كلمته لأنه باع أمانته، فقد باعها لخائنٍ، وأجَّرها لفاسد، فكان في مقام الأتان يحمل الروث والدِّمْن، فكان صاحب كلمة مستأجرة، وروثة منتنة.
إن هؤلاء وأمثالهم لا علاج لهم إلا قرع مسامِعهم بواعظ القرآن إن كانوا يعقلون، يقول الله تعالى: {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ . لِيَوْمٍ عَظِيمٍ . يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ . كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ . كِتَابٌ مَّرْقُومٌ . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} [المطففين:4-10].
وهنا أقول:
لو استشعر كل قائل أو كاتب أن كلمته أمانة لما تجرأ على الخيانة.
ولو استشعر كل قائل أو كاتب أنه سيُسأل عن كلماته لما تجرأ على الخيانة.
ولو استشعر كل قائل أو كاتب أنه سيقف بين يدي الله لما تجرأ على الخيانة.
ولو استشعر كل قائل أو كاتب أنه في سلامة ما حفظ أمانته لما تجرأ على الخيانة.
فليت كل من يكتب يستشعر هذه الأمانة، ويقف عند كل حرف وكلمة، ولا يسطر ببنانه إلا ما يسره في القيامة رؤيته، وصدق من قال:
وَمَا مِنْ كَاتِبٍ إِلَّا سَيَفْنَى *** وَيُبْقِيْ الْدَّهَرُ مَا كَتَبَتْ يَدَاهُ
فَلَا تَكْتُبْ بِكَفِّكَ غَيْرَ شَيْءٍ *** يَسُرُّكَ فِيْ الْقِيَامَةِ أَنْ تَرَاهُ
وأخيرًا:
فاعلم واستشعر، واستظهر واستبصر، وتأمل وتدبر في: أن الكلمة أمانة، وبَخْسَها حقها خيانة.


عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من تعار من الليل فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال اللهم اغفر لي أو دعا استجيب له فإن توضأ ثم صلى قبلت صلاته» (رواه البخاري).

بسم الله الرحمن الرحيم
نستقبل شهر الصيام وهو ميدان فسيح للعمل وأحببت أن أقدم للجادين هذا المشروع أسأل الله أن ينفع به..
إبدأ قبل الفجر بنصف ساعة استيقظ مبتدئا بذكر الله خاصة ما أشار إليه هذا الحديث
عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من تعار من الليل فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال اللهم اغفر لي أو دعا استجيب له فإن توضأ ثم صلى قبلت صلاته» (رواه البخاري).

أولا: صل سنة الوضوء ركعتين ولو كنت أوترت بأول الليل وبه تحصل على :
١- صلاة بالليل وهي أفضل صلاة بعد المكتوبة
٢- إدراك جوف الليل والدعاء فيه مستجاب لحديث أبي أمامة الصحيح قال قيل يا رسول الله أي الدعاء أسمع ؟ قال «جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات» (رواه الترمذي).
٣- إدراك وقت النزول الإلهي
٤- الشرف الحقيقي لحديث سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني جبريل فقال: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت وأحبب من شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مجزي به واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس».

ثانيا: السحور ولو بتمرات لإدراك بركته وصلاة الله وملائكته على المتسحرين والأخذ بالسنة وكل ذلك ثابت بأحاديث صحيحة.

ثالثا: قبل أذان الفجر الاستغفار كثيرا، وهذا أفضل وقت للاستغفار {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 18].

رابعا: ردد مع المؤذن لصلاة الصبح وهذا حديث يبين فضل هذا العمل عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة من الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة» (رواه مسلم).
ثم واصل الاستغفار لتكمل العدد ثم اشتغل بذكر الله.

خامسا: سنة الفجر وهي خير من الدنيا ومافيها وهي بالبيت أفضل لحديث زيد بن ثابت الصحيح قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة «المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة» (رواه أبو داود والترمذي).

سادسا: الخروج لصلاة الفجر قبل أن تقام الصلاة لتدرك تكبيرة الإحرام والصف الأول وفضائل هذا العمل كثيرة منها :
= يكتب لك قيام نصف ليلة لحديث عثمان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله» (رواه مسلم).
= النور التام لحديث بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» (رواه الترمذي وأبو داود).
= ذمة الله لحديث سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله» (رواه ابن ماجه بإسناد صحيح).
= إلى غيرها مما وردت به الأحاديث الصحيحة الثابتة كشهادة الملائكة، والنجاة من صفات المنافقين، ورؤية الله بالجنة.

سابعا: لزوم المكان بعد الفجر حتى تطلع الشمس للذكر والقراءة وبهذا العمل تصيب من الخير مايلي:
@ إصابة السنة لما ثبت عن سماك بن حرب قال قلت لجابر بن سمرة كنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس فيتحدث أصحابه يذكرون حديث الجاهلية وينشدون الشعر ويضحكون ويتبسم صلى الله عليه وسلم قال الشيخ الألباني : صحيح
@ أجر حجة وعمرة لحديث أنس «من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة» (قال الألباني : (صحيح) انظر حديث رقم: 6346 في صحيح الجامع).‌
@ إدراك وقت البكور وهو وقت مبارك لحديث صخر الغامدي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اللهم بارك لأمتي في بكورها قال وكان إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم في أول النهار قال وكان صخر رجلا تاجرا فكان يبعث تجارته في أول النهار فأثري وكثر ماله» (قال الشيخ الألباني : صحيح).
ومن بركة هذا الوقت ختمة يختمها أو حفظ شئ من القرآن أو مراجعة حفظه وتقسيم رزق.
@ صلاة الملائكة على الماكث بالمسجد طيلة جلوسه فيه.
@ ركعتي الضحى وهي تقوم مقام صدقات عن مفاصلك لحديث صحيح عن أبي ذر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة ويجزي من ذلك ركعتان تركعهما من الضحى».

انتهت الساعتان وتأمل بجدولك اليومي هل هناك ساعتا عمل متواصل لله في الأغلب لاتجد فأين نحن من هذا؟

أما كيف تحصل ع ذلك؟
بأمور
أولها: علمك أن الجنة لابد لها من عمل.
ثانيها: أنك محاسب ع عمرك فما أسعدك بساعتيك أمام ربك.
ثالثها: التوفيق الرباني وهذا يحصل بالإلحاح على الله بالدعاء(هل تذكر أنك فعلت)؟
وتذكر حديث معاذ بن جبل قال أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «إني لأحبك يا معاذ. فقلت وأنا أحبك يا رسول الله. قال فلا تدع أن تقول في دبر كل صلاة رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (رواه أحمد وأبو داود والنسائي وهو صحيح).
رابعها: همة عالية
خامسها: المجاهدة المجاهدة المجاهدة.
والحمد لله رب العالمين.

مشروع عبادة الساعتين في رمضان

عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من تعار من الليل فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال اللهم اغفر لي أو دعا استجيب له فإن توضأ ثم صلى قبلت صلاته» (رواه البخاري).

بسم الله الرحمن الرحيم
نستقبل شهر الصيام وهو ميدان فسيح للعمل وأحببت أن أقدم للجادين هذا المشروع أسأل الله أن ينفع به..
إبدأ قبل الفجر بنصف ساعة استيقظ مبتدئا بذكر الله خاصة ما أشار إليه هذا الحديث
عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من تعار من الليل فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال اللهم اغفر لي أو دعا استجيب له فإن توضأ ثم صلى قبلت صلاته» (رواه البخاري).

أولا: صل سنة الوضوء ركعتين ولو كنت أوترت بأول الليل وبه تحصل على :
١- صلاة بالليل وهي أفضل صلاة بعد المكتوبة
٢- إدراك جوف الليل والدعاء فيه مستجاب لحديث أبي أمامة الصحيح قال قيل يا رسول الله أي الدعاء أسمع ؟ قال «جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات» (رواه الترمذي).
٣- إدراك وقت النزول الإلهي
٤- الشرف الحقيقي لحديث سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني جبريل فقال: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت وأحبب من شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مجزي به واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس».

ثانيا: السحور ولو بتمرات لإدراك بركته وصلاة الله وملائكته على المتسحرين والأخذ بالسنة وكل ذلك ثابت بأحاديث صحيحة.

ثالثا: قبل أذان الفجر الاستغفار كثيرا، وهذا أفضل وقت للاستغفار {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 18].

رابعا: ردد مع المؤذن لصلاة الصبح وهذا حديث يبين فضل هذا العمل عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة من الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة» (رواه مسلم).
ثم واصل الاستغفار لتكمل العدد ثم اشتغل بذكر الله.

خامسا: سنة الفجر وهي خير من الدنيا ومافيها وهي بالبيت أفضل لحديث زيد بن ثابت الصحيح قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة «المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة» (رواه أبو داود والترمذي).

سادسا: الخروج لصلاة الفجر قبل أن تقام الصلاة لتدرك تكبيرة الإحرام والصف الأول وفضائل هذا العمل كثيرة منها :
= يكتب لك قيام نصف ليلة لحديث عثمان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله» (رواه مسلم).
= النور التام لحديث بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» (رواه الترمذي وأبو داود).
= ذمة الله لحديث سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله» (رواه ابن ماجه بإسناد صحيح).
= إلى غيرها مما وردت به الأحاديث الصحيحة الثابتة كشهادة الملائكة، والنجاة من صفات المنافقين، ورؤية الله بالجنة.

سابعا: لزوم المكان بعد الفجر حتى تطلع الشمس للذكر والقراءة وبهذا العمل تصيب من الخير مايلي:
@ إصابة السنة لما ثبت عن سماك بن حرب قال قلت لجابر بن سمرة كنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس فيتحدث أصحابه يذكرون حديث الجاهلية وينشدون الشعر ويضحكون ويتبسم صلى الله عليه وسلم قال الشيخ الألباني : صحيح
@ أجر حجة وعمرة لحديث أنس «من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة» (قال الألباني : (صحيح) انظر حديث رقم: 6346 في صحيح الجامع).‌
@ إدراك وقت البكور وهو وقت مبارك لحديث صخر الغامدي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اللهم بارك لأمتي في بكورها قال وكان إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم في أول النهار قال وكان صخر رجلا تاجرا فكان يبعث تجارته في أول النهار فأثري وكثر ماله» (قال الشيخ الألباني : صحيح).
ومن بركة هذا الوقت ختمة يختمها أو حفظ شئ من القرآن أو مراجعة حفظه وتقسيم رزق.
@ صلاة الملائكة على الماكث بالمسجد طيلة جلوسه فيه.
@ ركعتي الضحى وهي تقوم مقام صدقات عن مفاصلك لحديث صحيح عن أبي ذر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة ويجزي من ذلك ركعتان تركعهما من الضحى».

انتهت الساعتان وتأمل بجدولك اليومي هل هناك ساعتا عمل متواصل لله في الأغلب لاتجد فأين نحن من هذا؟

أما كيف تحصل ع ذلك؟
بأمور
أولها: علمك أن الجنة لابد لها من عمل.
ثانيها: أنك محاسب ع عمرك فما أسعدك بساعتيك أمام ربك.
ثالثها: التوفيق الرباني وهذا يحصل بالإلحاح على الله بالدعاء(هل تذكر أنك فعلت)؟
وتذكر حديث معاذ بن جبل قال أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «إني لأحبك يا معاذ. فقلت وأنا أحبك يا رسول الله. قال فلا تدع أن تقول في دبر كل صلاة رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (رواه أحمد وأبو داود والنسائي وهو صحيح).
رابعها: همة عالية
خامسها: المجاهدة المجاهدة المجاهدة.
والحمد لله رب العالمين.


ما أحلى الدعاء في رمضان

شهر رمضان شهر الدعاء والتضرع بامتياز لاسيما وأبواب الجنان مفتحة وأبواب النيران موصدة والشياطين مصفدة ومنح الرحمن تتنزل على الصائمين، والأجواء عامرة بالطائعين والخاشعين، والقرآن يتلى آناء الليل وأطراف النهار، وأيادي أهل الخير تعم المساكين والمحتاجين.


بسم الله الرحمن الرحيم
شهر رمضان شهر الدعاء والتضرع بامتياز لاسيما وأبواب الجنان مفتحة وأبواب النيران موصدة والشياطين مصفدة ومنح الرحمن تتنزل على الصائمين، والأجواء عامرة بالطائعين والخاشعين، والقرآن يتلى آناء الليل وأطراف النهار، وأيادي أهل الخير تعم المساكين والمحتاجين.
قال الربيع: إنّ اللّه تعالى قضى على نفسه أنّ من آمن به هداهُ، ومن توكل عليه كفاهُ، ومن أقرضهُ جازاهُ، ومن وثق به نجّاه، ومن دعاهُ أجاب له، وتصديق ذلك في كتاب اللّه تعالى: {وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن:11] {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق:3] {إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ} [التغابن:17] {وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101] {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة:186].

وإذا سألك عبادي عني
قال الله عز وجل: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة:186] وهذه الآية نزلت في وسط آيات الصيام إشارة إلى أن الدعاء في هذا الشهر من أجل العبادات، وأن الصائمين المتضرعين أرجى للقبول والحظوة عند الرب الغفور.
قال أبو حيان: ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما تضمن قوله: {وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة:185] طلب تكبيره وشكره، بيَّن أنه مطلع على ذكر من ذكره وشكر من شكره، يسمع نداءه ويجيب دعاءه أو رغبته، تنبيهاً على أن يكون ولابد مسبوقاً بالثناء الجميل. (1) والمقصود أنه تعالى ذكر الدعاء هنا بعد ذكر الشكر للدلالة على أن الدعاء يجب أن يسبقه الثناء. وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم التيمي قال: كان يقال: (إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء فقد استوجب، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على رجاء).
وقال البيضاوي: اعلم أنه تعالى، لما أمرهم بصوم الشهر، ومراعاة العدة على القيام بوظائف التكبير والشكر، عقَّبه بهذه الآية الدالّة على أنه خبير بأحوالهم، سميع لأقوالهم مجيب لدعائهم، مجازيهم على أعمالهم، تأكيداً وحثّاً عليه. (2)
وقال ابن عاشور: نظم الآية مؤذنا بأن الله تعالى بعد أن أمرهم بما يجب له عليهم أكرمهم فقال: وإذا سألوا عن حقهم علي فإني قريب منهم أجيب دعوتهم، وجعل هذا الخير مرتبا على تقدير سؤالهم إشارة إلى أنهم يهجس هذا في نفوسهم بعد أن يسمعوا الأمر بالإكمال والتكبير والشكر أن يقولوا: هل لنا جزاء على ذلك؟ وأنهم قد يحجمون عن سؤال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك أدبا مع الله تعالى فلذلك قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ ..}.
ثم قال رحمه الله: وفي هذه الآية إيماء إلى أن الصائم مرجو الإجابة، وإلى أن شهر رمضان مرجوة دعواته، وإلى مشروعية الدعاء عند انتهاء كل يوم من رمضان.
والآية دلت على أن إجابة دعاء الداعي تفضل من الله على عبادة غير أن ذلك لا يقتضي التزام إجابة الدعوة من كل أحد وفي كل زمان، لأن الخبر لا يقتضي العموم، ولا يقال: إنه وقع في حيز الشرط فيفيد التلازم، لأن الشرط هنا ربط الجواب بالسؤال وليس ربطا للدعاء بالإجابة، لأنه لم يقل: إن دعوني أجبتهم. (3)
«إنها آية عجيبة .. آية تسكب في قلب المؤمن النداوة الحلوة، والود المؤنس، والرضى المطمئن، والثقة واليقين .. ويعيش منها المؤمن في جناب رضيّ، وقربى ندية، وملاذ أمين وقرار مكين.
وفي ظل هذا الأنس الحبيب، وهذا القرب الودود، وهذه الاستجابة الوحية .. يوجه الله عباده إلى الاستجابة له، والإيمان به، لعل هذا أن يقودهم إلى الرشد والهداية والصلاح. {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}. (4)

يوم بدر والدعاء
كانت غزوة بدر في شهر رمضان يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة، حيث أعطي النبي -صلى الله عليه وسلم- النصر في الليلة السابقة منها وفي يومها قبل أن تبدأ المعركة، وذلك عندما قام النبي -صلى الله عليه وسلم- تحت شجرة يصلي طوال الليل، كما يروي علي رضي الله عنه قال: (ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائم تحت شجرة يصلي ويبكي، ويتضرع إلى الله عز وجل).
ومن شدة دعائه واستغاثته يشفق عليه صاحبه الصديق أبو بكر رضي الله تعالى عنه، ويلتزمه من خلفه، ويضع رداءه الذي سقط عنه من شدة رفع يديه في الدعا، يقول: (يا رسول الله! كفاك مناشدتك ربك، فإن ربك منجز لك ما وعدك).
قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: لما كان يوم بدر نظر رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض» فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ ردائه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله عز وجل: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال:9] فأمده الله بالملائكة.
قال أبو زميل: فحدثني ابن عباس، قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: (أقدم حيزوم) إذ نظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا فنظر إليه فإذا قد حطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط، فجاء الأنصاري فحدث ذلك رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- فقال: «صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة» فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين.

دعاء المتضرعين
- التغني هو تحسين الصوت بالقراءة، وقد جاء الأمر به عند تلاوة القرآن في أحاديث عديدة، منها قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ليس مِنَّا من لم يتغن بالقرآن» (5) وعلة ذلك أن التغني وتحسين الصوت والترنم في القراءة من أسباب الإقبال عليها والإنصات لها، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "ولا شك أن النفوس تميل إلى سماع القراءة بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم؛ لأن للتطريب تأثيراً في رقة القلب وإجراء الدمع". (6)
وأما التغني بالقراءة في غير تلاوة القرآن الكريم كدعاء القنوت ونحو ذلك، فرأى كثير من أهل العلم أنه لا بأس به؛ إذ مقصود التحسين حضور القلب وتأثره، ولكن ينبغي أن يكون ذلك التغني والتحسين بدون مبالغة مفرطة، أو جعله مما يشتبه بالقرآن، حتى يلتبس على السامع، هل هو قرآن أو غيره؟، كتعمد التجويد من إدغام وإخفاء ومدود حتى يظن الظان أن الداعي يتلوا آيات من الكتاب العزيز، وما هو من الكتاب، ويزداد الطين بله إذا ضمن دعاءه آياتٍ من كلام الله بحيث يعسر على العوام التفريق بينهما.
وأما كون التغني المعتدل بالدعاء لم ينقل عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا عن أصحابه رضي الله عنهم، فالتعليل به للمنع لا يستقيم من كل وجه؛ لأن عدم النقل ليس نقلا للعدم.
- يتأكد على الإمام عدم المبالغة في رفع صوته في الدعاء، حتى يصل –أحياناً- إلى حد الصياح والصراخ المذهب للخشوع والمجلب للرياء، وربما رافقه بكاء ونحيب لتهيج مشاعر الناس. قال تعالى: {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55]، فسمَّى الله سبحانه وتعالى رفع الصوت في الدعاء إعتداء، وفي الحديث: «اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمّاً ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً بصيراً» (7)
وقد كان -صلى الله عليه وسلم - يكتم بكاءه في صدره حتى يصبح له أزيز كأزيز المرجل [أي كغلي القدر]، قال ابن القيم: "وأما بكاؤه -صلى الله عليه وسلم- فكان من جنس ضحكه لم يكن بشهيق ورفع صوت"، ولم يشعر ابن مسعود -رضي الله عنه- ببكائه -صلى الله عليه وسلم- لما قرأ عليه بعضا من سورة النساء، إلا بعد أن نظر إليه فوجد عينيه تذرفان، والقصة في صحيح البخاري، فمدافعة البكاء إتباعٌ للسنة ومدعاة للإخلاص.
- من التكلف في الدعاء: الإطالة المفرطة والمبالغة في السجع، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: "فانظر السجع من الدعاء، فاجتنبه فإني عهدت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب".
أيضا ورد النهي عن التفصيل المخل، روى أبو داود من حديث أبي نعامة عن ابن لسعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- أنه قال: (سمعني أبي وأنا أقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا. فقال: يا بني، إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «سيكون قوم يعتدون في الدعاء» فإياك أن تكون منهم، إنك إن اعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أعذت من النار أعذت منها وما فيها من الشر) (8) وعن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: "اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها. فقال: يا بني، سل الله الجنة وعذ به من النار، فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «يكون قوم يعتدون في الدعاء»، فسمى التفصيل في الدعاء اعتداءً.
وبالجملة فقد قال التوربشتي: الاعتداء في الدعاء يكون في وجوه كثيرة، والأصل فيه أن يتجاوز عن مواقف الافتقار إلى بساط الانبساط أو يميل إلى حد شقي الإفراط والتفريط في خاصة نفسه وفي غيره إذا دعا له وعليه.

ما أحلى الدعاء في رمضان

ما أحلى الدعاء في رمضان

شهر رمضان شهر الدعاء والتضرع بامتياز لاسيما وأبواب الجنان مفتحة وأبواب النيران موصدة والشياطين مصفدة ومنح الرحمن تتنزل على الصائمين، والأجواء عامرة بالطائعين والخاشعين، والقرآن يتلى آناء الليل وأطراف النهار، وأيادي أهل الخير تعم المساكين والمحتاجين.


بسم الله الرحمن الرحيم
شهر رمضان شهر الدعاء والتضرع بامتياز لاسيما وأبواب الجنان مفتحة وأبواب النيران موصدة والشياطين مصفدة ومنح الرحمن تتنزل على الصائمين، والأجواء عامرة بالطائعين والخاشعين، والقرآن يتلى آناء الليل وأطراف النهار، وأيادي أهل الخير تعم المساكين والمحتاجين.
قال الربيع: إنّ اللّه تعالى قضى على نفسه أنّ من آمن به هداهُ، ومن توكل عليه كفاهُ، ومن أقرضهُ جازاهُ، ومن وثق به نجّاه، ومن دعاهُ أجاب له، وتصديق ذلك في كتاب اللّه تعالى: {وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن:11] {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق:3] {إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ} [التغابن:17] {وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101] {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة:186].

وإذا سألك عبادي عني
قال الله عز وجل: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة:186] وهذه الآية نزلت في وسط آيات الصيام إشارة إلى أن الدعاء في هذا الشهر من أجل العبادات، وأن الصائمين المتضرعين أرجى للقبول والحظوة عند الرب الغفور.
قال أبو حيان: ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما تضمن قوله: {وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة:185] طلب تكبيره وشكره، بيَّن أنه مطلع على ذكر من ذكره وشكر من شكره، يسمع نداءه ويجيب دعاءه أو رغبته، تنبيهاً على أن يكون ولابد مسبوقاً بالثناء الجميل. (1) والمقصود أنه تعالى ذكر الدعاء هنا بعد ذكر الشكر للدلالة على أن الدعاء يجب أن يسبقه الثناء. وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم التيمي قال: كان يقال: (إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء فقد استوجب، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على رجاء).
وقال البيضاوي: اعلم أنه تعالى، لما أمرهم بصوم الشهر، ومراعاة العدة على القيام بوظائف التكبير والشكر، عقَّبه بهذه الآية الدالّة على أنه خبير بأحوالهم، سميع لأقوالهم مجيب لدعائهم، مجازيهم على أعمالهم، تأكيداً وحثّاً عليه. (2)
وقال ابن عاشور: نظم الآية مؤذنا بأن الله تعالى بعد أن أمرهم بما يجب له عليهم أكرمهم فقال: وإذا سألوا عن حقهم علي فإني قريب منهم أجيب دعوتهم، وجعل هذا الخير مرتبا على تقدير سؤالهم إشارة إلى أنهم يهجس هذا في نفوسهم بعد أن يسمعوا الأمر بالإكمال والتكبير والشكر أن يقولوا: هل لنا جزاء على ذلك؟ وأنهم قد يحجمون عن سؤال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك أدبا مع الله تعالى فلذلك قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ ..}.
ثم قال رحمه الله: وفي هذه الآية إيماء إلى أن الصائم مرجو الإجابة، وإلى أن شهر رمضان مرجوة دعواته، وإلى مشروعية الدعاء عند انتهاء كل يوم من رمضان.
والآية دلت على أن إجابة دعاء الداعي تفضل من الله على عبادة غير أن ذلك لا يقتضي التزام إجابة الدعوة من كل أحد وفي كل زمان، لأن الخبر لا يقتضي العموم، ولا يقال: إنه وقع في حيز الشرط فيفيد التلازم، لأن الشرط هنا ربط الجواب بالسؤال وليس ربطا للدعاء بالإجابة، لأنه لم يقل: إن دعوني أجبتهم. (3)
«إنها آية عجيبة .. آية تسكب في قلب المؤمن النداوة الحلوة، والود المؤنس، والرضى المطمئن، والثقة واليقين .. ويعيش منها المؤمن في جناب رضيّ، وقربى ندية، وملاذ أمين وقرار مكين.
وفي ظل هذا الأنس الحبيب، وهذا القرب الودود، وهذه الاستجابة الوحية .. يوجه الله عباده إلى الاستجابة له، والإيمان به، لعل هذا أن يقودهم إلى الرشد والهداية والصلاح. {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}. (4)

يوم بدر والدعاء
كانت غزوة بدر في شهر رمضان يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة، حيث أعطي النبي -صلى الله عليه وسلم- النصر في الليلة السابقة منها وفي يومها قبل أن تبدأ المعركة، وذلك عندما قام النبي -صلى الله عليه وسلم- تحت شجرة يصلي طوال الليل، كما يروي علي رضي الله عنه قال: (ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائم تحت شجرة يصلي ويبكي، ويتضرع إلى الله عز وجل).
ومن شدة دعائه واستغاثته يشفق عليه صاحبه الصديق أبو بكر رضي الله تعالى عنه، ويلتزمه من خلفه، ويضع رداءه الذي سقط عنه من شدة رفع يديه في الدعا، يقول: (يا رسول الله! كفاك مناشدتك ربك، فإن ربك منجز لك ما وعدك).
قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: لما كان يوم بدر نظر رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض» فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ ردائه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله عز وجل: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال:9] فأمده الله بالملائكة.
قال أبو زميل: فحدثني ابن عباس، قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: (أقدم حيزوم) إذ نظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا فنظر إليه فإذا قد حطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط، فجاء الأنصاري فحدث ذلك رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- فقال: «صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة» فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين.

دعاء المتضرعين
- التغني هو تحسين الصوت بالقراءة، وقد جاء الأمر به عند تلاوة القرآن في أحاديث عديدة، منها قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ليس مِنَّا من لم يتغن بالقرآن» (5) وعلة ذلك أن التغني وتحسين الصوت والترنم في القراءة من أسباب الإقبال عليها والإنصات لها، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "ولا شك أن النفوس تميل إلى سماع القراءة بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم؛ لأن للتطريب تأثيراً في رقة القلب وإجراء الدمع". (6)
وأما التغني بالقراءة في غير تلاوة القرآن الكريم كدعاء القنوت ونحو ذلك، فرأى كثير من أهل العلم أنه لا بأس به؛ إذ مقصود التحسين حضور القلب وتأثره، ولكن ينبغي أن يكون ذلك التغني والتحسين بدون مبالغة مفرطة، أو جعله مما يشتبه بالقرآن، حتى يلتبس على السامع، هل هو قرآن أو غيره؟، كتعمد التجويد من إدغام وإخفاء ومدود حتى يظن الظان أن الداعي يتلوا آيات من الكتاب العزيز، وما هو من الكتاب، ويزداد الطين بله إذا ضمن دعاءه آياتٍ من كلام الله بحيث يعسر على العوام التفريق بينهما.
وأما كون التغني المعتدل بالدعاء لم ينقل عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا عن أصحابه رضي الله عنهم، فالتعليل به للمنع لا يستقيم من كل وجه؛ لأن عدم النقل ليس نقلا للعدم.
- يتأكد على الإمام عدم المبالغة في رفع صوته في الدعاء، حتى يصل –أحياناً- إلى حد الصياح والصراخ المذهب للخشوع والمجلب للرياء، وربما رافقه بكاء ونحيب لتهيج مشاعر الناس. قال تعالى: {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55]، فسمَّى الله سبحانه وتعالى رفع الصوت في الدعاء إعتداء، وفي الحديث: «اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمّاً ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً بصيراً» (7)
وقد كان -صلى الله عليه وسلم - يكتم بكاءه في صدره حتى يصبح له أزيز كأزيز المرجل [أي كغلي القدر]، قال ابن القيم: "وأما بكاؤه -صلى الله عليه وسلم- فكان من جنس ضحكه لم يكن بشهيق ورفع صوت"، ولم يشعر ابن مسعود -رضي الله عنه- ببكائه -صلى الله عليه وسلم- لما قرأ عليه بعضا من سورة النساء، إلا بعد أن نظر إليه فوجد عينيه تذرفان، والقصة في صحيح البخاري، فمدافعة البكاء إتباعٌ للسنة ومدعاة للإخلاص.
- من التكلف في الدعاء: الإطالة المفرطة والمبالغة في السجع، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: "فانظر السجع من الدعاء، فاجتنبه فإني عهدت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب".
أيضا ورد النهي عن التفصيل المخل، روى أبو داود من حديث أبي نعامة عن ابن لسعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- أنه قال: (سمعني أبي وأنا أقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا. فقال: يا بني، إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «سيكون قوم يعتدون في الدعاء» فإياك أن تكون منهم، إنك إن اعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أعذت من النار أعذت منها وما فيها من الشر) (8) وعن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: "اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها. فقال: يا بني، سل الله الجنة وعذ به من النار، فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «يكون قوم يعتدون في الدعاء»، فسمى التفصيل في الدعاء اعتداءً.
وبالجملة فقد قال التوربشتي: الاعتداء في الدعاء يكون في وجوه كثيرة، والأصل فيه أن يتجاوز عن مواقف الافتقار إلى بساط الانبساط أو يميل إلى حد شقي الإفراط والتفريط في خاصة نفسه وفي غيره إذا دعا له وعليه.

أبهذا أمرتم ؟

الإيمان بالقدر فرض لازم، وهو أن يعتقد أن الله تعالى خالق أعمال العباد خيرها وشرها، وكتبها في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم، والكل بقضائه وقدره وإرادته، غير أنه يرضى الإيمان والطاعة ووعد عليهما الثواب، ولا يرضى الكفر والمعصية وأوعد عليهما العقاب.

بسم الله الرحمن الرحيم
عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: خرج علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى احمر وجهه، حتى كأنما فقئ في وجنتيه الرمان، فقال: «أبهذا أمرتم؟ أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه» (1)

الإيمان بالقدر فرض لازم، وهو أن يعتقد أن الله تعالى خالق أعمال العباد خيرها وشرها، وكتبها في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم، والكل بقضائه وقدره وإرادته، غير أنه يرضى الإيمان والطاعة ووعد عليهما الثواب، ولا يرضى الكفر والمعصية وأوعد عليهما العقاب.
والقدر سر من أسرار الله تعالى لم يطلع عليه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا، ولا يجوز الخوض فيه والبحث عنه بطريق العقل، بل يجب أن يعتقد أن الله تعالى خلق الخلق فجعلهم فرقتين: فرقة خلقهم للنعيم فضلا، وفرقة للجحيم عدلا، وسأل رجل علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: أخبرني عن القدر؟ قال: طريق مظلم لا تسلكه، وأعاد السؤال فقال: بحر عميق لا تلجه، وأعاد السؤال فقال: سر الله قد خفي عليك فلا تفتشه (2)
والقدر لغة بمعنى التقدير، ويُعَرّف بأنه: علم الله تعالى بما تكون عليه المخلوقات في المستقبل، أما القضاء فهو بمعنى الحكم، ويُعَرف بأنه: إيجاد الله تعالى الأشياء حسب علمه وقدرته.
وما أجمل جواب الإمام أحمد عندما سئل عن القدر، فقال: القدر قدرة الرحمن.

والإيمان بالقدر يشمل درجتين:
( الدرجة الأولى ): الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، ثم كتب الله تلك المقادير في اللوح المحفوظ، قال تعالى: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً} [الطلاق:12] وقال -صلى الله عليه وسلم-: «كتب الله تعالى مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء»  (3).
( الدرجة الثانية ): فهي الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السماوات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئته سبحانه، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله ونهاهم عن معصيته، وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد والمفسدين، والعباد فاعلون حقيقة والله خلق أفعالهم وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم (4)
هذا وقد أراد المشركون أن يحتجوا بقدر الله ومشيئته على شركهم، وأنه لو لم يشأ الله تعالى لهم الشرك لما وقعوا فيه، فأبطل الله حجتهم ودحضها بقوله عز وجل: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ، قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام:148-149]

وجوابه سبحانه للمحتجين بالقدر واضح كل الوضوح لقيامه على أمرين بديهيين:
( الأول ): أنه تعالى أذاق الكافرين الأول بأسه وأنزل بهم عقابه فلو لم يكونوا مختارين لما ارتكبوه من الجرائم والآثام والكفر لما عذبهم الله، لأنه عادل لا يظلم أحدا، ولا شك في أن عقاب المكره على الفعل ظلم والاحتجاج بقدر الله على معصيته مع ظهور عقابه سبحانه للعصاة فيه نسبة الظلم إليه وهو أمر يتنافى مع الإيمان بالله تعالى، فالظلم نقص لا يليق بالخالق جل وعلا.
( الثاني ): أن المحتج بالقدر على كفره ومعصيته متقول على الله بغير علم، إذ كيف يصح للكافر أو العاصي أن يحتج بأن الله كتب عليه الكفر أو المعصية قبل صدور ذلك منه، وقدر الله قبل وقوعه غيب لا يعلمه إلا الله عز وجل مع أنه مخاطب قبل إقدامه على طاعة ربه والتزام أمره .. وبعبارة أقرب: كيف يصح لأحد أن يقول: كتب علي ربي أن أسرق فأنا ذاهب لتنفيذ قدره، فهل اطلع على اللوح المحفوظ فقرأ ما فيه حتى يعلم ما كتب الله عليه في وقت كان مخاطبا بالامتناع عن معصية الله (5)
ذاك ما يحتاج إليه المؤمن في القضاء والقدر، فيكفيه أن يعلم معناه ودرجاته وأن يؤمن به، وأن الله عليم بكل شيء وخالق كل شيء، وما لم يشأ لم يكن، وأنه عادل لا يظلم أحدا، وأنه حكيم منزه من العبث، ولا يحتاج هذا الموضع إلى أكثر من ذلك وما علم الله حاجتنا إليه بينه لنا وما طواه عنا لا يجوز أن نتكلف البحث عنه فنختلف ونهلك، فإن عقولنا محدودة خلقها الله للإسهام في عمارة الدنيا وليست وظيفتها اكتشاف الغيب الذي استأثر بعلمه خالقها، وليس أمامنا إلا التسليم والإيمان بما يعرفنا الله عليه من أمور الغيب وقضاياه ومن هذه القضايا: الصلة بين خلق الله للأفعال وإرادة الإنسان وفعله لهذه الأفعال، وليست هذه هي القضية الغيبية الوحيدة التي لا يدرك العقل كنهها، فصفات الله عز وجل ندرك آثارها ولا ندرك كيفيتها شأنها شأن الذات الإلهية التي لا يستطيع العقل البشري إدراكها (6)، ولهذا نهي النبي في هذا الحديث الجليل عن الخوض في القدر والعمق فيه.

وللإيمان بالقدر فوائد منها:
(أولا): أنه من تمام الإيمان ولا يتم الإيمان إلا بذلك.
( ثانيا): أنه من تمام الإيمان بالربوبية لأن قدر الله من أفعاله.
(ثالثا): رد الإنسان أموره إلى ربه لأنه إذا علم أن كل شيء بقضائه وقدره فإنه سيرجع إلى الله في دفع الضراء ورفعها، ويضيف السراء إلى الله، ويعرف أنها من فضل الله عليه.
(رابعا): أن الإنسان يعرف قدر نفسه ولا يفخر إذا فعل الخير.
(خامسا): هون المصائب على العبد لأن الإنسان إذا علم أنها من عند الله هانت عليه المصيبة، كما قال تعالى: {وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن:11] قال علقمة رحمه الله: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم (7)
(سادسا): إضافة النعم إلى مسديها، لأنك إذا لم تؤمن بالقدر أضفت النعم إلى من باشر الإنعام، وهذا يوجد كثيرا في الذين يتزلفون إلى الملوك والأمراء والوزراء فإذا أصابوا منهم ما يريدون جعلوا الفضل إليهم ونسوا فضل الخالق، صحيح أنه يجب على الإنسان أن يشكر الناس لكن يعلم أن الأصل كل الأصل هو فضل الله عز وجل جعله على يد هذا الرجل.
(سابعا): أن الإنسان يعرف به حكمة الله عز وجل لأنه إذا نظر في هذا الكون وما يحدث فيه من تغييرات باهرة عرف بهذا حكمة الله عز وجل بخلاف من نسي القضاء والقدر فإنه لا يستفيد هذه الفائدة (8)

الهوامش
(1) رواه الترمذي ــ كتاب القدر رقم 2133، والحديث حسنه الألباني في صحيح الترمذي رقم 1732 (2) تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي نقلا عن شرح السنة ــ ج 6 ص 278 ط دار الفكر (3) رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو (4) انظر الروضة الندية شرح العقيدة الواسطية ص 352، 353 بتصرف (5) الإيمان لمحمد نعيم ياسين ــ مكتبة التراث ــ القاهرة ص 136-137 (6) تبسيط العقائد الإسلامية (7) أخرجه الطبري 28/80، وعزاه السيوطي لعبد بن حميد وابن المنذر، والبيهقي في شعب الإيمان 6/227، كما عزاه ابن كثير لابن أبي حاتم 8/163 (8)شرح العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية / شرحه سماحة الشيخ محمد بن الصالح العثيمين ج2 ص 191 / العلمية للنشر والتوزيع.

أبهذا أمرتم ؟

أبهذا أمرتم ؟

الإيمان بالقدر فرض لازم، وهو أن يعتقد أن الله تعالى خالق أعمال العباد خيرها وشرها، وكتبها في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم، والكل بقضائه وقدره وإرادته، غير أنه يرضى الإيمان والطاعة ووعد عليهما الثواب، ولا يرضى الكفر والمعصية وأوعد عليهما العقاب.

بسم الله الرحمن الرحيم
عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: خرج علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى احمر وجهه، حتى كأنما فقئ في وجنتيه الرمان، فقال: «أبهذا أمرتم؟ أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه» (1)

الإيمان بالقدر فرض لازم، وهو أن يعتقد أن الله تعالى خالق أعمال العباد خيرها وشرها، وكتبها في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم، والكل بقضائه وقدره وإرادته، غير أنه يرضى الإيمان والطاعة ووعد عليهما الثواب، ولا يرضى الكفر والمعصية وأوعد عليهما العقاب.
والقدر سر من أسرار الله تعالى لم يطلع عليه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا، ولا يجوز الخوض فيه والبحث عنه بطريق العقل، بل يجب أن يعتقد أن الله تعالى خلق الخلق فجعلهم فرقتين: فرقة خلقهم للنعيم فضلا، وفرقة للجحيم عدلا، وسأل رجل علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: أخبرني عن القدر؟ قال: طريق مظلم لا تسلكه، وأعاد السؤال فقال: بحر عميق لا تلجه، وأعاد السؤال فقال: سر الله قد خفي عليك فلا تفتشه (2)
والقدر لغة بمعنى التقدير، ويُعَرّف بأنه: علم الله تعالى بما تكون عليه المخلوقات في المستقبل، أما القضاء فهو بمعنى الحكم، ويُعَرف بأنه: إيجاد الله تعالى الأشياء حسب علمه وقدرته.
وما أجمل جواب الإمام أحمد عندما سئل عن القدر، فقال: القدر قدرة الرحمن.

والإيمان بالقدر يشمل درجتين:
( الدرجة الأولى ): الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، ثم كتب الله تلك المقادير في اللوح المحفوظ، قال تعالى: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً} [الطلاق:12] وقال -صلى الله عليه وسلم-: «كتب الله تعالى مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء»  (3).
( الدرجة الثانية ): فهي الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السماوات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئته سبحانه، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله ونهاهم عن معصيته، وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد والمفسدين، والعباد فاعلون حقيقة والله خلق أفعالهم وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم (4)
هذا وقد أراد المشركون أن يحتجوا بقدر الله ومشيئته على شركهم، وأنه لو لم يشأ الله تعالى لهم الشرك لما وقعوا فيه، فأبطل الله حجتهم ودحضها بقوله عز وجل: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ، قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام:148-149]

وجوابه سبحانه للمحتجين بالقدر واضح كل الوضوح لقيامه على أمرين بديهيين:
( الأول ): أنه تعالى أذاق الكافرين الأول بأسه وأنزل بهم عقابه فلو لم يكونوا مختارين لما ارتكبوه من الجرائم والآثام والكفر لما عذبهم الله، لأنه عادل لا يظلم أحدا، ولا شك في أن عقاب المكره على الفعل ظلم والاحتجاج بقدر الله على معصيته مع ظهور عقابه سبحانه للعصاة فيه نسبة الظلم إليه وهو أمر يتنافى مع الإيمان بالله تعالى، فالظلم نقص لا يليق بالخالق جل وعلا.
( الثاني ): أن المحتج بالقدر على كفره ومعصيته متقول على الله بغير علم، إذ كيف يصح للكافر أو العاصي أن يحتج بأن الله كتب عليه الكفر أو المعصية قبل صدور ذلك منه، وقدر الله قبل وقوعه غيب لا يعلمه إلا الله عز وجل مع أنه مخاطب قبل إقدامه على طاعة ربه والتزام أمره .. وبعبارة أقرب: كيف يصح لأحد أن يقول: كتب علي ربي أن أسرق فأنا ذاهب لتنفيذ قدره، فهل اطلع على اللوح المحفوظ فقرأ ما فيه حتى يعلم ما كتب الله عليه في وقت كان مخاطبا بالامتناع عن معصية الله (5)
ذاك ما يحتاج إليه المؤمن في القضاء والقدر، فيكفيه أن يعلم معناه ودرجاته وأن يؤمن به، وأن الله عليم بكل شيء وخالق كل شيء، وما لم يشأ لم يكن، وأنه عادل لا يظلم أحدا، وأنه حكيم منزه من العبث، ولا يحتاج هذا الموضع إلى أكثر من ذلك وما علم الله حاجتنا إليه بينه لنا وما طواه عنا لا يجوز أن نتكلف البحث عنه فنختلف ونهلك، فإن عقولنا محدودة خلقها الله للإسهام في عمارة الدنيا وليست وظيفتها اكتشاف الغيب الذي استأثر بعلمه خالقها، وليس أمامنا إلا التسليم والإيمان بما يعرفنا الله عليه من أمور الغيب وقضاياه ومن هذه القضايا: الصلة بين خلق الله للأفعال وإرادة الإنسان وفعله لهذه الأفعال، وليست هذه هي القضية الغيبية الوحيدة التي لا يدرك العقل كنهها، فصفات الله عز وجل ندرك آثارها ولا ندرك كيفيتها شأنها شأن الذات الإلهية التي لا يستطيع العقل البشري إدراكها (6)، ولهذا نهي النبي في هذا الحديث الجليل عن الخوض في القدر والعمق فيه.

وللإيمان بالقدر فوائد منها:
(أولا): أنه من تمام الإيمان ولا يتم الإيمان إلا بذلك.
( ثانيا): أنه من تمام الإيمان بالربوبية لأن قدر الله من أفعاله.
(ثالثا): رد الإنسان أموره إلى ربه لأنه إذا علم أن كل شيء بقضائه وقدره فإنه سيرجع إلى الله في دفع الضراء ورفعها، ويضيف السراء إلى الله، ويعرف أنها من فضل الله عليه.
(رابعا): أن الإنسان يعرف قدر نفسه ولا يفخر إذا فعل الخير.
(خامسا): هون المصائب على العبد لأن الإنسان إذا علم أنها من عند الله هانت عليه المصيبة، كما قال تعالى: {وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن:11] قال علقمة رحمه الله: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم (7)
(سادسا): إضافة النعم إلى مسديها، لأنك إذا لم تؤمن بالقدر أضفت النعم إلى من باشر الإنعام، وهذا يوجد كثيرا في الذين يتزلفون إلى الملوك والأمراء والوزراء فإذا أصابوا منهم ما يريدون جعلوا الفضل إليهم ونسوا فضل الخالق، صحيح أنه يجب على الإنسان أن يشكر الناس لكن يعلم أن الأصل كل الأصل هو فضل الله عز وجل جعله على يد هذا الرجل.
(سابعا): أن الإنسان يعرف به حكمة الله عز وجل لأنه إذا نظر في هذا الكون وما يحدث فيه من تغييرات باهرة عرف بهذا حكمة الله عز وجل بخلاف من نسي القضاء والقدر فإنه لا يستفيد هذه الفائدة (8)

الهوامش
(1) رواه الترمذي ــ كتاب القدر رقم 2133، والحديث حسنه الألباني في صحيح الترمذي رقم 1732 (2) تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي نقلا عن شرح السنة ــ ج 6 ص 278 ط دار الفكر (3) رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو (4) انظر الروضة الندية شرح العقيدة الواسطية ص 352، 353 بتصرف (5) الإيمان لمحمد نعيم ياسين ــ مكتبة التراث ــ القاهرة ص 136-137 (6) تبسيط العقائد الإسلامية (7) أخرجه الطبري 28/80، وعزاه السيوطي لعبد بن حميد وابن المنذر، والبيهقي في شعب الإيمان 6/227، كما عزاه ابن كثير لابن أبي حاتم 8/163 (8)شرح العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية / شرحه سماحة الشيخ محمد بن الصالح العثيمين ج2 ص 191 / العلمية للنشر والتوزيع.

رمضان .. غرة مواسم الطاعات

إن شهر رمضان بمثابة حمام روحي ومغتسل سنوي يتطهر فيه المسلم من أوضار الذنوب والخطايا .. نهاره صائم، وليله قائم، وعمله دائم: فهو بين تلاوة للقرآن، وذكر للرحمن، وشتى مظاهر الجود والإحسان.


بسم الله الرحمن الرحيم
العمر من أجل ثروات العبد، واستمارة ديدن أهل الكياسة والإيمان، فأشد الحمق التغافل عن مواسم الطاعات، وأعظم الغبن تفويت مواطن القربات، ولولا فطنة أهل البصيرة لنفحات الله تعالى في تلك المواسم لما وجد المقربون ولا السابقون، ورغم أنف عبد أدرك رمضان ولم يغفر له، وخاب من فوت بركات الصيام في اللغو والرفث، فثواب رمضان أنفع حصاد السنين وأعظم بركة للمتقين، وكيف لا وقد تكفل لهم رب العالمين بالعتق من نار الجحيم.

نعوذ بالله من فضول الأعمال والهموم، التي تشغل العبد عن رب الكون، فكل ما شغل العبد عن الرب فهو مشؤوم، ومن فاته رضا مولاه فهو محروم، كل العافية في الذكر والطاعة، وكل البلاء في الغفلة والمخالفة، وكل الشفاء في الإنابة والتوبة.
قال تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح:7-8]

النصب: التعب بعد الاجتهاد، كما في قوله {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ} [88/2-3].

قال الشيخ أبو بكر الجزائري: "هذه خطة لحياة المسلم وضعت لنبي الإِسلام محمد -صلى الله عليه وسلم- ليطبقها أمام المسلمين ويطبقونها معهم حتى الفوز بالجنة والنجاة من النار، وهي: فإِذا فرغت من عمل ديني فانصب لعمل دنيوي، وإذا فرغت من عمل دنيوي فانصب لعمل ديني أخروي. فمثلا فرغت من الصلاة فانصب نفسك للذكر والدعاء بعدها، فرغت من الصلاة والدعاء فانصب نفسك لدنياك، فرغت من الجهاد فانصب نفسك للحج". [أيسر التفاسير] وهذه الآية من جوامع الكلم القرآنية لما احتوت عليه من كثرة المعاني الإيمانية.

عن محمد بن أبي عميرة -رضي الله عنه- وكان من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لو أنَّ رجلاً يخرُّ على وجهه من يوم وُلد إلى يوم يموت هرَماً في طاعة الله -عز وجل- لحقره ذلك اليوم، ولَودَّ أنه رُدَّ إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب» [رواه أحمد وصححه الألباني].

قال غنيم بن قيس: "كنا نتواعظ في أول الإسلام: ابن آدم اعمل في فراغك قبل شغلك وفي شبابك لكبرك، وفي صحتك لمرضك، وفي دنياك لآخرتك، وفي حياتك لموتك".

قال أهل العلم: "والعبد العاقل، هو الذي يأخذ من حياته لمماته، ومن دنياه لأخراه، فالدنيا مزرعة الآخرة، وهي ساعة، فاجعلها طاعة، والنفس طماعة، فألزمها القناعة، وإلا فإن الأنفاس تعد، والرحال تشد، والتراب من بعد ذلك ينتظر الخد، وما عقبى الباقي غير اللحاق بالماضي، وعلى أثر من سلف يمشي من خلف، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من وعظ بنفسه، ومن رحمة الله تعالى علينا أن جعل لنا مواسم، فيها نفحات لمن يتعرض لها ويغتنمها، يفرح بها المؤمنون ويتسابق فيها الصالحون، ويرجع فيها المذنبون، ويتوب الله على من تاب، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، لسان حالهم يقول: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ} [طه: 84].

يقول الإمام ابن رجب -رحمه الله-: "فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات، وتقرّب فيها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطاعات، فعسى أن تُصيبه نفحةٌ من تلك النفحات، فيَسعدَ بها سعادةً يأمنُ بعدها من النار وما فيها من اللفحات" [لطائف المعارف]

ويقول ابن القيم: "السنة شجرة والشهور فروعها والأيام أغصانها والساعات أوراقها والأنفاس ثمارها، فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرته ثمرة طيبة، ومن كانت أنفاسه في معصية فثمرته حنظل".

فاغتنموا مواسم الطاعات فأيامها معدودة، وانتهزوا فرص الأوقات فساعات الإسعاد محدودة، وجُدُّوا في طلب الخيرات فمناهل الرضوان مورودة، وقوموا على قدم السداد، واتقوا الله الذي إليه تحشرون.

وورد في الأثر عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "اطْلُبُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ كُلَّهُ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى, فَإِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَسَلُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ، وَيُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ".

ورمضان ساحة فريدة جمعت الكثير من صنوف الطاعات: صيام وصدقة وتلاوة قرآن وذكر وعاء وقيام والعشر الأواخر من أيامه بما فيها ليلة القدر والاعتكاف وصدقة الفطر .. فمن لا يطيق فضيلة فهو يجتهد في غيرها، ومن فاتته فرصة للخير فهو يغتنم أخرى.

إنه شهر الخير والرحمة، شهر النقاء والعفة، شهر الطهر والصفاء .. فيه تصفو القلوب، وتسمو النفوس, وترقى الأرواح .. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا كان أول ليلة من رمضان صفدت الشياطين ومردة الجان، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، ونادى مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة» [الترمذي والحاكم وصححه على شرط الشيخين]

وأيام رمضان ولياليه كلها مباركة، وهي أيام وليال يتضاعف فيها الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين. وتبلغ المنح الإلهية ذروتها في «ليلة القدر» التي هي خير من ألف شهر .. قال صلى الله عليه وسلم: «ليلة القدر ليلة سابعة أو تاسعة وعشرين، إن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى» [حسن الجامع الصغير:5473] .. إنها ليلة التكريم الإلهي لأمة سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم .. ليلة تضاعف فيها الطاعات ألف شهر لتصبح أعمال العبد المسلم في نهاية المطاف عند الوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة من العمل الصالح ما لا يمكن أن تدركه أمة أخرى.

لذلك كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتهيأ للرمضان تهيئة خاصة فتصف السيدة عائشة –رضي الله عنها- حاله -صلى الله عليه وسلم- فتقول: "ولم أره في شهر أكثر صياماً منه في شعبان"، والعلة في هذا هي تهيئة النفس لاستقبال هذه الفريضة العظيمة وهذا الشهر الجليل.

إن الصوم ساحة تملك النفس، وضبط لغرائزها، وتقييد لجموحها وجنوحها، فضلا عن شعور جماعي بمعاناة الفقير والمعوذ، وإحساس عملي بآلام المحرومين وجوع الجائعين ومعاناة المحتاجين .. ففي الصوم يترفع المسلم عن شهواته ونزواته، وأن لا يرى في الحياة سوي متطلباته ورغباته، ولذلك شرفه الله تعالى بنسبته إلى نفسه من بين سائر العبادات، ووعد بإجزال الثواب الفريد لصاحبه، ففي الحديث الشريف: «كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله. قال الله عز وجل: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فمه أطيب عند الله من ريح المسك» [رواه مسلم:2763]

إن شهر رمضان بمثابة حمام روحي ومغتسل سنوي يتطهر فيه المسلم من أوضار الذنوب والخطايا .. نهاره صائم، وليله قائم، وعمله دائم: فهو بين تلاوة للقرآن، وذكر للرحمن، وشتى مظاهر الجود والإحسان.

ألا ما أحوج أمتنا إلى أن تستفيد من هذا الشهر الفضيل، فهو موسم المتَّقين، ومتّجر الصالحين، وميدان المتسابقين، ومغتسل التائبين؛ ولهذا كان السلف إذا جاء رمضان يقولون: «مرحبًا بالمُطهِّر»! فهو فرصة للتطهر من الذنوب والسيئات، كما أنه فرصة للتزود من الصالحات والحسنات.

رمضان .. غرة مواسم الطاعات

رمضان .. غرة مواسم الطاعات

إن شهر رمضان بمثابة حمام روحي ومغتسل سنوي يتطهر فيه المسلم من أوضار الذنوب والخطايا .. نهاره صائم، وليله قائم، وعمله دائم: فهو بين تلاوة للقرآن، وذكر للرحمن، وشتى مظاهر الجود والإحسان.


بسم الله الرحمن الرحيم
العمر من أجل ثروات العبد، واستمارة ديدن أهل الكياسة والإيمان، فأشد الحمق التغافل عن مواسم الطاعات، وأعظم الغبن تفويت مواطن القربات، ولولا فطنة أهل البصيرة لنفحات الله تعالى في تلك المواسم لما وجد المقربون ولا السابقون، ورغم أنف عبد أدرك رمضان ولم يغفر له، وخاب من فوت بركات الصيام في اللغو والرفث، فثواب رمضان أنفع حصاد السنين وأعظم بركة للمتقين، وكيف لا وقد تكفل لهم رب العالمين بالعتق من نار الجحيم.

نعوذ بالله من فضول الأعمال والهموم، التي تشغل العبد عن رب الكون، فكل ما شغل العبد عن الرب فهو مشؤوم، ومن فاته رضا مولاه فهو محروم، كل العافية في الذكر والطاعة، وكل البلاء في الغفلة والمخالفة، وكل الشفاء في الإنابة والتوبة.
قال تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح:7-8]

النصب: التعب بعد الاجتهاد، كما في قوله {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ} [88/2-3].

قال الشيخ أبو بكر الجزائري: "هذه خطة لحياة المسلم وضعت لنبي الإِسلام محمد -صلى الله عليه وسلم- ليطبقها أمام المسلمين ويطبقونها معهم حتى الفوز بالجنة والنجاة من النار، وهي: فإِذا فرغت من عمل ديني فانصب لعمل دنيوي، وإذا فرغت من عمل دنيوي فانصب لعمل ديني أخروي. فمثلا فرغت من الصلاة فانصب نفسك للذكر والدعاء بعدها، فرغت من الصلاة والدعاء فانصب نفسك لدنياك، فرغت من الجهاد فانصب نفسك للحج". [أيسر التفاسير] وهذه الآية من جوامع الكلم القرآنية لما احتوت عليه من كثرة المعاني الإيمانية.

عن محمد بن أبي عميرة -رضي الله عنه- وكان من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لو أنَّ رجلاً يخرُّ على وجهه من يوم وُلد إلى يوم يموت هرَماً في طاعة الله -عز وجل- لحقره ذلك اليوم، ولَودَّ أنه رُدَّ إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب» [رواه أحمد وصححه الألباني].

قال غنيم بن قيس: "كنا نتواعظ في أول الإسلام: ابن آدم اعمل في فراغك قبل شغلك وفي شبابك لكبرك، وفي صحتك لمرضك، وفي دنياك لآخرتك، وفي حياتك لموتك".

قال أهل العلم: "والعبد العاقل، هو الذي يأخذ من حياته لمماته، ومن دنياه لأخراه، فالدنيا مزرعة الآخرة، وهي ساعة، فاجعلها طاعة، والنفس طماعة، فألزمها القناعة، وإلا فإن الأنفاس تعد، والرحال تشد، والتراب من بعد ذلك ينتظر الخد، وما عقبى الباقي غير اللحاق بالماضي، وعلى أثر من سلف يمشي من خلف، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من وعظ بنفسه، ومن رحمة الله تعالى علينا أن جعل لنا مواسم، فيها نفحات لمن يتعرض لها ويغتنمها، يفرح بها المؤمنون ويتسابق فيها الصالحون، ويرجع فيها المذنبون، ويتوب الله على من تاب، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، لسان حالهم يقول: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ} [طه: 84].

يقول الإمام ابن رجب -رحمه الله-: "فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات، وتقرّب فيها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطاعات، فعسى أن تُصيبه نفحةٌ من تلك النفحات، فيَسعدَ بها سعادةً يأمنُ بعدها من النار وما فيها من اللفحات" [لطائف المعارف]

ويقول ابن القيم: "السنة شجرة والشهور فروعها والأيام أغصانها والساعات أوراقها والأنفاس ثمارها، فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرته ثمرة طيبة، ومن كانت أنفاسه في معصية فثمرته حنظل".

فاغتنموا مواسم الطاعات فأيامها معدودة، وانتهزوا فرص الأوقات فساعات الإسعاد محدودة، وجُدُّوا في طلب الخيرات فمناهل الرضوان مورودة، وقوموا على قدم السداد، واتقوا الله الذي إليه تحشرون.

وورد في الأثر عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "اطْلُبُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ كُلَّهُ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى, فَإِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَسَلُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ، وَيُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ".

ورمضان ساحة فريدة جمعت الكثير من صنوف الطاعات: صيام وصدقة وتلاوة قرآن وذكر وعاء وقيام والعشر الأواخر من أيامه بما فيها ليلة القدر والاعتكاف وصدقة الفطر .. فمن لا يطيق فضيلة فهو يجتهد في غيرها، ومن فاتته فرصة للخير فهو يغتنم أخرى.

إنه شهر الخير والرحمة، شهر النقاء والعفة، شهر الطهر والصفاء .. فيه تصفو القلوب، وتسمو النفوس, وترقى الأرواح .. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا كان أول ليلة من رمضان صفدت الشياطين ومردة الجان، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، ونادى مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة» [الترمذي والحاكم وصححه على شرط الشيخين]

وأيام رمضان ولياليه كلها مباركة، وهي أيام وليال يتضاعف فيها الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين. وتبلغ المنح الإلهية ذروتها في «ليلة القدر» التي هي خير من ألف شهر .. قال صلى الله عليه وسلم: «ليلة القدر ليلة سابعة أو تاسعة وعشرين، إن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى» [حسن الجامع الصغير:5473] .. إنها ليلة التكريم الإلهي لأمة سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم .. ليلة تضاعف فيها الطاعات ألف شهر لتصبح أعمال العبد المسلم في نهاية المطاف عند الوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة من العمل الصالح ما لا يمكن أن تدركه أمة أخرى.

لذلك كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتهيأ للرمضان تهيئة خاصة فتصف السيدة عائشة –رضي الله عنها- حاله -صلى الله عليه وسلم- فتقول: "ولم أره في شهر أكثر صياماً منه في شعبان"، والعلة في هذا هي تهيئة النفس لاستقبال هذه الفريضة العظيمة وهذا الشهر الجليل.

إن الصوم ساحة تملك النفس، وضبط لغرائزها، وتقييد لجموحها وجنوحها، فضلا عن شعور جماعي بمعاناة الفقير والمعوذ، وإحساس عملي بآلام المحرومين وجوع الجائعين ومعاناة المحتاجين .. ففي الصوم يترفع المسلم عن شهواته ونزواته، وأن لا يرى في الحياة سوي متطلباته ورغباته، ولذلك شرفه الله تعالى بنسبته إلى نفسه من بين سائر العبادات، ووعد بإجزال الثواب الفريد لصاحبه، ففي الحديث الشريف: «كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله. قال الله عز وجل: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فمه أطيب عند الله من ريح المسك» [رواه مسلم:2763]

إن شهر رمضان بمثابة حمام روحي ومغتسل سنوي يتطهر فيه المسلم من أوضار الذنوب والخطايا .. نهاره صائم، وليله قائم، وعمله دائم: فهو بين تلاوة للقرآن، وذكر للرحمن، وشتى مظاهر الجود والإحسان.

ألا ما أحوج أمتنا إلى أن تستفيد من هذا الشهر الفضيل، فهو موسم المتَّقين، ومتّجر الصالحين، وميدان المتسابقين، ومغتسل التائبين؛ ولهذا كان السلف إذا جاء رمضان يقولون: «مرحبًا بالمُطهِّر»! فهو فرصة للتطهر من الذنوب والسيئات، كما أنه فرصة للتزود من الصالحات والحسنات.

لم يعد الوعظ والإرشاد حكراً على المنابر الخشبية والمجالس العادية، فهناك منابر تنصب عبر وسائل التواصل الحديثة وهي ذات رواج كبير ولها متابعة واسعة من أغلب شرائح المجتمع وذلك لسهولة التواصل عبرها مع الآخرين.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لم يعد الوعظ والإرشاد حكراً على المنابر الخشبية والمجالس العادية، فهناك منابر تنصب عبر وسائل التواصل الحديثة وهي ذات رواج كبير ولها متابعة واسعة من أغلب شرائح المجتمع وذلك لسهولة التواصل عبرها مع الآخرين.
ومن خلال هذه المنابر الإلكترونية المتمثلة بخدمات الواتساب والفيسبوك وتويتر وغيرها .. قد تكون داعية تذكر الناس وتنصحهم بل ربما تفتي لهم، أو تكون مستمعاً أو قارئاً لما ينشر فيها.
وبما أنه لا توجد رقابة شرعية على فرسان هذه المنابر فإنك قد ترى أموراً عجيبة وبدعاً متنوعة وأحاديث لا تصح.
وهنا يقع المحذور الشرعي في نشر الأحاديث الضعيفة والموضوعة حيث يقع الناقل لها في الإثم والوزر بدل الخير والأجر.
وقد يتخذ البعض هذه المواقع مطية للسخرية والتشهير ببعض الناس عبر نشر الشائعات وترويج الأخبار المزورة والطعن في عباد الله، متجاهلاً عقوبة من يتتبع عورات المسلمين.
وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «يا مَعْشَرَ مَن آمن بلسانِه ولم يَدْخُلِ الإيمانُ قلبَه، لا تغتابوا المسلمينَ، ولا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِم، فإنه مَن تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيه المسلمِ، تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَه، ومَن تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَه، يَفْضَحْهُ ولو في جوفِ بيتِه» صححهالألباني.
وتتنوع دوافع النشر والكتابة عبر تلك المنابر، فبعض الناس قد يكون ذا مقصد حسن ونية صالحة يسعى لنشر الخير وتحصيل الأجر ونفع الناس.
وهذا لا شك في مشروعية عمله ولعل الله يثيبه ويعظم أجره إذا كان ينشر عن بصيرة وعلم.
وأما بعضهم فيكون دافعه إبراز النفس بمظهر العالم والفقيه أو إرضاءً لرغبات معينة في نفسه أو لمن حوله.
ولذلك نخاطب تلك الفئات بضرورة تصحيح المقاصد وتمحيص المنشورات وعدم الإفتاء بغير علم، وكما قيل : رحم الله امرأ عرف قدر نفسه.
وأما أهل الاختصاص والعلم والفقه فعليهم أن يتركوا بصماتهم عبر هذه المنابر ويواكبوا هذا التطور وينصحوا الناس ويحذروهم بالحكمة والموعظة الحسنة.
ومن واقع الحال نجد أنه قد كثرت منشوراتنا ونقاشاتنا في تلك المواقع ومما نخشاه أن يكثر غلطنا كما كثر لغطنا .
فلنعلم أن تلك المساحات من صفحاتنا التي تملؤها حروفنا وصورنا موصولة بصحائفنا التي ستعرض على رؤوس الأشهاد يوم القيامة ونحاسب عليها.
ولنتذكر أن الأنامل التي تنقر الحروف هي الألسنة الناطقة في العالم الإلكتروني وأنها شاهدة علينا يوم القيامة .
فلا تكونوا –أيها الأحبة- كحاطب ليل لا يميز بين العصا والثعبان، وتحققوا من المنشورات قبل نسخها وإعادة نشرها.
واستشيروا - فيما أشكل عليكم - أهل العلم والاختصاص.
«فاسألوا أهل الذكر إن كُنْتُمْ لا تعلمون».
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

المنابر الإلكترونية

لم يعد الوعظ والإرشاد حكراً على المنابر الخشبية والمجالس العادية، فهناك منابر تنصب عبر وسائل التواصل الحديثة وهي ذات رواج كبير ولها متابعة واسعة من أغلب شرائح المجتمع وذلك لسهولة التواصل عبرها مع الآخرين.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لم يعد الوعظ والإرشاد حكراً على المنابر الخشبية والمجالس العادية، فهناك منابر تنصب عبر وسائل التواصل الحديثة وهي ذات رواج كبير ولها متابعة واسعة من أغلب شرائح المجتمع وذلك لسهولة التواصل عبرها مع الآخرين.
ومن خلال هذه المنابر الإلكترونية المتمثلة بخدمات الواتساب والفيسبوك وتويتر وغيرها .. قد تكون داعية تذكر الناس وتنصحهم بل ربما تفتي لهم، أو تكون مستمعاً أو قارئاً لما ينشر فيها.
وبما أنه لا توجد رقابة شرعية على فرسان هذه المنابر فإنك قد ترى أموراً عجيبة وبدعاً متنوعة وأحاديث لا تصح.
وهنا يقع المحذور الشرعي في نشر الأحاديث الضعيفة والموضوعة حيث يقع الناقل لها في الإثم والوزر بدل الخير والأجر.
وقد يتخذ البعض هذه المواقع مطية للسخرية والتشهير ببعض الناس عبر نشر الشائعات وترويج الأخبار المزورة والطعن في عباد الله، متجاهلاً عقوبة من يتتبع عورات المسلمين.
وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «يا مَعْشَرَ مَن آمن بلسانِه ولم يَدْخُلِ الإيمانُ قلبَه، لا تغتابوا المسلمينَ، ولا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِم، فإنه مَن تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيه المسلمِ، تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَه، ومَن تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَه، يَفْضَحْهُ ولو في جوفِ بيتِه» صححهالألباني.
وتتنوع دوافع النشر والكتابة عبر تلك المنابر، فبعض الناس قد يكون ذا مقصد حسن ونية صالحة يسعى لنشر الخير وتحصيل الأجر ونفع الناس.
وهذا لا شك في مشروعية عمله ولعل الله يثيبه ويعظم أجره إذا كان ينشر عن بصيرة وعلم.
وأما بعضهم فيكون دافعه إبراز النفس بمظهر العالم والفقيه أو إرضاءً لرغبات معينة في نفسه أو لمن حوله.
ولذلك نخاطب تلك الفئات بضرورة تصحيح المقاصد وتمحيص المنشورات وعدم الإفتاء بغير علم، وكما قيل : رحم الله امرأ عرف قدر نفسه.
وأما أهل الاختصاص والعلم والفقه فعليهم أن يتركوا بصماتهم عبر هذه المنابر ويواكبوا هذا التطور وينصحوا الناس ويحذروهم بالحكمة والموعظة الحسنة.
ومن واقع الحال نجد أنه قد كثرت منشوراتنا ونقاشاتنا في تلك المواقع ومما نخشاه أن يكثر غلطنا كما كثر لغطنا .
فلنعلم أن تلك المساحات من صفحاتنا التي تملؤها حروفنا وصورنا موصولة بصحائفنا التي ستعرض على رؤوس الأشهاد يوم القيامة ونحاسب عليها.
ولنتذكر أن الأنامل التي تنقر الحروف هي الألسنة الناطقة في العالم الإلكتروني وأنها شاهدة علينا يوم القيامة .
فلا تكونوا –أيها الأحبة- كحاطب ليل لا يميز بين العصا والثعبان، وتحققوا من المنشورات قبل نسخها وإعادة نشرها.
واستشيروا - فيما أشكل عليكم - أهل العلم والاختصاص.
«فاسألوا أهل الذكر إن كُنْتُمْ لا تعلمون».
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

Popular Posts